Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 129

81

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّۭا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ

Those who remained behind rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allah and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allah and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intensive in heat" - if they would but understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨١ ] ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ .

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المُخَلَّفُونَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُنافِقِينَ، فَأذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ كَما قُلْنا، أوْ لِأنَّهُ خَلَّفَهم في المَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

وإيثارُ: (المُخَلَّفُونَ) عَلى (المُتَخَلِّفُونَ)، لِأنَّهُ ﷺ مَنَعَ بَعْضَهم مِنَ الخُرُوجِ، فَغَلَبَ عَلى غَيْرِهِمْ، أوِ المُرادُ مِن خَلْفِهِمْ كَسَلُهم أوْ نِفاقُهم، أوْ لِأنَّ الشَّيْطانَ أغْراهم بِذَلِكَ، وحَمَلَهم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (فَرِحَ)، أيْ: بِقُعُودِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَ (مَقْعَدٌ) عَلى هَذا، مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أوْ هو اسْمُ مَكانٍ، والمُرادُ بِهِ المَدِينَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيْ: خَلْفَهُ، وبَعْدَ خُرُوجِهِ، حَيْثُ خَرَجَ ولَمْ يَخْرُجُوا.

فَ ﴿خِلافَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى خَلْفَ وبَعْدَ.

يُقالُ: فُلانٌ أقامَ خِلافَ الحَيِّ أيْ: بَعْدَهم، ظَعَنُوا ولَمْ يَظْعَنْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ)، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِ (مَقْعَدِهِمْ)، إذْ لا فائِدَةَ لِتَقْيِيدِ فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ.

قالَ الشِّهابُ: واسْتِعْمالُ (خِلافَ) بِمَعْنى (خَلْفَ)، لِأنَّ جِهَةَ الخَلْفِ خِلافَ الأمامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الخِلافُ) بِمَعْنى (المُخالَفَةِ)، فَهو مَصْدَرُ (خالَفَ)، كالقِتالِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (خُلْفَ رَسُولِ اللَّهِ) بِضَمِّ الخاءِ، وفي نَصْبِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والعامِلُ إمّا (فَرِحَ)، أيْ: فَرِحُوا لِأجْلِ مُخالَفَتِهِ ﷺ بِالقُعُودِ، وإمّا (مَقْعَدُهم)، لِأجْلِ مُخالَفَتِهِ ﷺ، فَهو عِلَّةٌ إمّا لِلْفَرَحِ أوْ لِلْقُعُودِ.

والثّانِي: أنَّهُ حالٌ، والعامِلُ أحَدُ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: فَرِحُوا مُخالِفِينَ لَهُ ﷺ بِالقُعُودِ، أوْ فَرِحُوا بِالقُعُودِ مُخالِفِينَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَرِهُوا﴾ إلَخْ أيْ: لِما في قُلُوبِهِمْ مِن مَرَضِ النِّفاقِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: وكَرِهُوا أنْ يَخْرُجُوا إلى الغَزْوِ، إيذانًا بِأنَّ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِن أجَلِّ الرَّغائِبِ، وأشْرَفِ المَطالِبِ، الَّتِي يَجِبُ أنْ يَتَنافَسَ بِها المُتَنافِسُونَ، قَدْ كَرِهُوهُ، كَما فَرِحُوا بِأقْبَحِ القَبائِحِ، الَّذِي هو القُعُودُ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وبِتَحَمُّلِهِمُ المَشاقَّ العِظامَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وبِما فَعَلُوا مِن بَذْلِ أمْوالِهِمْ وأرْواحِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وإيثارِهِمْ ذَلِكَ عَلى الدَّعَةِ والخَفْضِ - أيِ: (الرّاحَةُ والتَّنَعُّمُ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ) - وكَرِهَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ، وكَيْفَ لا يَكْرَهُونَهُ ؟ وما فِيهِمْ ما في المُؤْمِنِينَ مِن باعِثِ الإيمانِ، وداعِي الإيقانِ.

قالَ الشِّهابُ: ووَجْهُ التَّعْرِيضِ ظاهِرٌ، لِأنَّ المُرادَ كَرِهُوهُ، لا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أحَبُّوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ أيْ: قالُوا لِإخْوانِهِمْ لا تَنْفِرُوا …

82

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًۭا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًۭا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٢ ] ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ أيْ: ضِحْكًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، غايَتُهُ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ﴿ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أيْ: بُكاءً، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، بَعْدَ المَوْتِ، أبَدَ الآبادِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِفَرَحِهِمْ بِمُخالَفَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي العَظائِمِ.

لَطائِفُ:

الأُولى: سِرُّ إخْراجِ حالِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، الدّالَّةِ عَلى تَحَتُّمِ وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّهُ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ مِمّا لا يَكادُ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ المَأْمُورُ بِهِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ الأمْرِ بِالخَبَرِ لِلْمُبالَغَةِ، لِاقْتِضائِهِ تَحَقُّقَ المَأْمُورِ بِهِ، فالخَبَرُ آكَدُ، فَما بالُهُ عَكَسَ هُنا ؟

فالجَوابُ: لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، والنُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ الأمْرِ بِالخَبَرِ، لِإفادَةِ أنَّ المَأْمُورَ، لِشِدَّةِ امْتِثالِهِ، كَأنَّهُ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ، وتَحَقَّقَ قَبْلَ الأمْرِ كانَ أبْلَغَ.

وإذا عُبِّرَ عَنِ الخَبَرِ بِالأمْرِ كَأنَّهُ لِإفادَةِ لُزُومِهِ ووُجُوبِهِ، فَكَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، أفادَ ذَلِكَ مُبالَغَةً مِن جِهَةٍ أُخْرى.

الثّانِيَةُ: الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ: (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) دَلالَةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ ما دامُوا في الدُّنْيا.

الثّالِثَةُ: (جَزاءً) مَفْعُولٌ لَهُ لِلْفِعْلِ الثّانِي، أيْ: لِيَبْكُوا جَزاءً، أوْ مَصْدَرٌ حُذِفَ ناصِبُهُ، أيْ: يَجْزُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ البُكاءِ الكَثِيرِ جَزاءً.

ولَمّا جَلّى سُبْحانَهُ ما جَلّى مِن أمْرِهِمْ، فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ:

83

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍۢ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًۭا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ

If Allah should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٣ ] ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ .

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: رَدَّكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ في المَدِينَةِ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ مَعَكَ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى بَعْدَ تَبُوكَ، دَفْعًا لِلْعارِ السّابِقِ ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: فَخَذَلَكُمُ اللَّهُ، وسَقَطْتُمْ عَنْ نَظَرِهِ، بَلْ غَضِبَ عَلَيْكم، وألْزَمَكُمُ العارَ.

﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ دائِمًا.

لَطائِفُ:

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، وذَكَرَ القِتالَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الخُرُوجِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلى أحَدِهِما كَفى إسْقاطًا لَهم عَنْ مَقامِ الصُّحْبَةِ، ومَقامِ الجِهادِ، أوْ عَنْ دِيوانِ الغُزاةِ، ودِيوانِ المُجاهِدِينَ، وإظْهارًا لِكَراهَةِ صُحْبَتِهِمْ، وعَدَمِ الحاجَةِ إلى عَدِّهِمْ مِنَ الجُنْدِ، أوْ ذَكَرَ الثّانِيَ لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّهُ أصْرَحُ في المُرادِ، والأوَّلُ لِمُطابَقَتِهِ لِسُؤالِهِ كَقَوْلِهِ:

؎أقُولُ لَهُ ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عِنْدَنا

فَهُوَ أدَلُّ عَلى الكَراهَةِ لَهم - أفادَهُ الشِّهابُ - .

قالَ أبُو السُّعُودِ فَكانَ مَحْوُ أسامِيهِمْ مِن دَفْتَرِ المُجاهِدِينَ، ولَزَّهم في قَرْنِ الخالِفِينَ، عُقُوبَةً لَهم أيَّ عُقُوبَةٍ.

ثُمَّ قالَ: وتَذْكِيرُ اسْمِ التَّفْضِيلِ المُضافِ إلى المُؤَنَّثِ، هو الأكْثَرُ الدّائِرُ عَلى الألْسِنَةِ. فَإنَّكَ لا تَكادُ تَسْمَعُ قائِلًا يَقُولُ: هي كُبْرى امْرَأةٍ، أوْ أُولى مَرَّةٍ.

84

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًۭا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ

And do not pray [the funeral prayer, O Muhammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allah and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٤ ] ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ .

﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّها شَفاعَةٌ، ولا شَفاعَةَ في حَقِّهِمْ ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أيْ: لا تَقِفْ عَلَيْهِ لِلدَّفْنِ أوْ لِلزِّيارَةِ والدُّعاءِ.

قالَ الشِّهابُ: القَبْرُ مَكانُ وضْعِ المَيِّتِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الدَّفْنِ، وجُوِّزَ هُنا.

﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في الحَياةِ في الباطِنِ ﴿وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: خارِجُونَ عَنِ الإيمانِ الظّاهِرِ، الَّذِي كانُوا بِهِ في حُكْمِ المُؤْمِنِينَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رَوى الشَّيْخانِ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ، جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أباهُ، فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ، فَأخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! تُصَلِّي عَلَيْهِ، وقَدْ نَهاكَ رَبُّكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُهُ عَلى السَّبْعِينَ» . قالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ. قالَ: فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ آيَةً: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ إلَخْ».

قالَ الحافِظُ أبُو نُعَيْمٍ: وقَعَ في رِوايَةٍ في قَوْلِ عُمَرَ: (أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ عَنِ الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ ؟)، ولَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّ النَّهْيِ، فَوَقَعَ بَيانُهُ في رِوايَةِ أبِي ضَمْرَةَ عَنِ العُمَرِيِّ: وهو أنَّ مُرادَهُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمُ الِاسْتِغْفارُ لَهم، ولَفْظُهُ: وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمُ. انْتَهى.

يَعْنِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] فَإنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ أبِي طالِبٍ حِينَ قالَ ﷺ: ««لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»» . وكانَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا، ووَفاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في ذِي القِعْدَةِ، سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ مِن تَبُوكَ. كَذا في (" فَتْحِ البارِيِّ ") .

ووَقَعَ في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عُمَرَ نَفْسِهِ.

قالَ عُمَرُ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقامَ عَلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، تَحَوَّلْتُ حَتّى قُمْتُ في صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ يَوْمَ كَذا، كَذا وكَذا ؟ يُعَدِّدُ أيّامَهُ، قالَ: ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ، حَتّى إذا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قالَ: «أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، إنِّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآيَةَ، لَوْ أعْلَمُ أنِّي لَوْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ، غُفِرَ لَهُ، لَزِدْتُ» .

قالَ: ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ ومَشى مَعَهُ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، حَتّى فَرَغَ مِنهُ. قالَ: فَعَجِبْتُ مِن جُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.

قالَ: …

85

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

And let not their wealth and their children impress you. Allah only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٥ ] ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .

﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ بِها، لِيَدُلَّ عَلى رِضاهُ عَنْهم، بَلِ الِانْتِقامِ مِنهم، قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالمَشَقَّةِ في تَحْصِيلِها وحِفْظِها والحُزْنِ عَلَيْها ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ أيْ: فَيَمُوتُونَ كافِرِينَ غافِلِينَ عَنِ التَّدَبُّرِ في العَواقِبِ.

وقَدْ تَقَدَّمَتِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ تَغايُرٍ في ألْفاظِها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعِيدَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ﴾ لِأنَّ تَجَدُّدَ النُّزُولِ لَهُ شَأْنٌ في تَقْرِيرِ ما نَزَلَ لَهُ وتَأْكِيدِهِ، وإرادَةِ أنْ يَكُونَ عَلى بالٍ مِنَ المُخاطَبِ لا يَنْساهُ، ولا يَسْهُو عَنْهُ، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ العَمَلَ بِهِ مُهِمٌّ، يَفْتَقِرَ إلى فَضْلِ عِنايَةٍ بِهِ، لا سِيَّما إذا تَراخى ما بَيْنَ النُّزُولَيْنِ، فَأشْبَهَ الشَّيْءَ الَّذِي أهَمَّ صاحِبُهُ، فَهو يَرْجِعُ إلَيْهِ في أثْناءِ حَدِيثِهِ، ويَتَخَلَّصُ إلَيْهِ، وإنَّما أُعِيدَ هَذا المَعْنى لِقُوَّتِهِ فِيما يُحِبُّ أنْ يُحَذِّرَ مِنهُ. انْتَهى.

وقالَ الفارِسِيُّ: لَيْسَتْ لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ تِيكَ في قَوْمٍ وهَذِهِ في آخَرِينَ. وقَدْ تَغايَرَ نُطْقُها، فَهُنا: (ولا)، بِالواوِ لِمُناسَبَةِ عَطْفِ نَهْيٍ عَلى نَهْيٍ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَلِّ﴾ [التوبة: ٨٤] إلَخْ، فَناسَبَ الواوَ، وهُناكَ بِالفاءِ لِمُناسِبَةِ التَّعْقِيبِ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ:

﴿ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] أيْ: لِلْإنْفاقِ. فَهم مُعْجَبُونَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، فَنَهى عَنِ الإعْجابِ المُتَعَقَّبِ لَهُ. وهُنا: وأوْلادُهم، دُونَ (لا)، لِأنَّهُ نُهِيَ عَنِ الإعْجابِ بِهِما مُجْتَمَعَيْنِ، وهُناكَ بِزِيادَةِ لا، لِأنَّهُ نَهى كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإعْجابِ بِهِما مُجْتَمِعَيْنِ ومُنْفَرِدَيْنِ، وهُنا: ﴿أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ وهُناكَ (لِيُعَذَبَهم) بِلامِ التَّعْلِيلِ وحَذْفِ المَفْعُولِ، أيْ: إنَّما يُرِيدُ اخْتِيارَهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ، وهُنا المُرادُ التَّعْذِيبُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ فِيهِما ظاهِرًا، وهُناكَ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٥٥] وهُنا: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَياتَهم كَلا حَياةٍ فِيها، وناسَبَ ذِكْرَها بَعْدَ المَوْتِ، فَكَأنَّهم أمْواتٌ أبَدًا. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى:

86

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And when a surah was revealed [enjoining them] to believe in Allah and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٦-٨٧ ] ﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] .

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] إنْكارٌ وذَمٌّ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ، النّاكِلِينَ عَنْهُ، مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ الَّذِي هو الفَضْلُ والسِّعَةُ، وإخْبارٌ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، إذْ رَضُوا بِالعارِ والقُعُودِ مَعَ الخَوالِفِ، لِحِفْظِ البُيُوتِ، وهُنَّ النِّساءُ، وذَلِكَ لِإيثارِهِمْ حُبَّ المالِ عَلى حُبِّ اللَّهِ، وأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧] أيْ: خَتَمَ عَلَيْها ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] أيْ: ما في حُبِّ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالجِهادِ مِنَ الفَوْزِ والسَّعادَةِ، وما في التَّخَلُّفِ مِنَ الشَّقاءِ والهَلاكِ فَوائِدُ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ السُّورَةُ بِتَمامِها، وأنْ يُرادَ بَعْضُها، في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ كَما يَقَعُ (القُرْآنُ) و(الكِتابُ) عَلى كُلِّهِ وعَلى بَعْضِهِ.

وقِيلَ: هي بَراءَةٌ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِالإيمانِ والجِهادِ. انْتَهى.

وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيها الإيمانُ والجِهادُ.

قالَ الشِّهابُ: وهَذا أوْلى وأفْيَدُ، لِأنَّ اسْتِئْذانَهم عِنْدَ نُزُولِ آياتِ بَراءَةَ عُلِمَ مِمّا مَرَّ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ (إذا) تُفِيدُ التَّكْرارَ بِقَرِينَةِ المَقامِ لا بِالوَضْعِ، وفِيهِ كَلامٌ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ.

الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ ذَوِي الطَّوْلِ، لِأنَّهُمُ المَذْمُومُونَ، وهم مَن لَهُ قُدْرَةٌ مالِيَّةٌ، ويُعْلَمُ مِنهُ البَدَنِيَّةُ أيْضًا بِالقِياسِ.

الثّالِثَةُ: الخَوالِفُ: جَمْعُ خالِفَةٍ، وهي المَرْأةُ المُتَخَلِّفَةُ عَنْ أعْمالِ الرِّجالِ، والمُرادُ ذَمُّهم وإلْحاقُهم بِالنِّساءِ، كَما قالَ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

والخالِفَةُ تَكُونُ بِمَعْنى مَن لا خَيْرَ فِيهِ، والتّاءُ فِيهِ لِلنَّقْلِ لِلِاسْمِيَّةِ، فَإنْ أُرِيدَ هاهُنا، فالمَقْصُودُ مَن لا فائِدَةَ فِيهِ لِلْجِهادِ.

وجُمِعَ عَلى فَواعِلَ عَلى الوَجْهَيْنِ: أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِتَأْنِيثِ لَفْظِهِ، لِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَواعِلَ في العُقَلاءِ الذُّكُورِ، إلّا شُذُوذًا، كَنَواكِسَ، أفادَهُ الشِّهابُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ، والمَثُوبَةِ الحُسْنى ضِدَّ أُولَئِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

87

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٦-٨٧ ] ﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] .

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] إنْكارٌ وذَمٌّ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ، النّاكِلِينَ عَنْهُ، مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ الَّذِي هو الفَضْلُ والسِّعَةُ، وإخْبارٌ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، إذْ رَضُوا بِالعارِ والقُعُودِ مَعَ الخَوالِفِ، لِحِفْظِ البُيُوتِ، وهُنَّ النِّساءُ، وذَلِكَ لِإيثارِهِمْ حُبَّ المالِ عَلى حُبِّ اللَّهِ، وأنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧] أيْ: خَتَمَ عَلَيْها ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] أيْ: ما في حُبِّ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالجِهادِ مِنَ الفَوْزِ والسَّعادَةِ، وما في التَّخَلُّفِ مِنَ الشَّقاءِ والهَلاكِ فَوائِدُ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ السُّورَةُ بِتَمامِها، وأنْ يُرادَ بَعْضُها، في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ كَما يَقَعُ (القُرْآنُ) و(الكِتابُ) عَلى كُلِّهِ وعَلى بَعْضِهِ.

وقِيلَ: هي بَراءَةٌ لِأنَّ فِيها الأمْرَ بِالإيمانِ والجِهادِ. انْتَهى.

وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيها الإيمانُ والجِهادُ.

قالَ الشِّهابُ: وهَذا أوْلى وأفْيَدُ، لِأنَّ اسْتِئْذانَهم عِنْدَ نُزُولِ آياتِ بَراءَةَ عُلِمَ مِمّا مَرَّ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ (إذا) تُفِيدُ التَّكْرارَ بِقَرِينَةِ المَقامِ لا بِالوَضْعِ، وفِيهِ كَلامٌ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ.

الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ ذَوِي الطَّوْلِ، لِأنَّهُمُ المَذْمُومُونَ، وهم مَن لَهُ قُدْرَةٌ مالِيَّةٌ، ويُعْلَمُ مِنهُ البَدَنِيَّةُ أيْضًا بِالقِياسِ.

الثّالِثَةُ: الخَوالِفُ: جَمْعُ خالِفَةٍ، وهي المَرْأةُ المُتَخَلِّفَةُ عَنْ أعْمالِ الرِّجالِ، والمُرادُ ذَمُّهم وإلْحاقُهم بِالنِّساءِ، كَما قالَ:

؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ

والخالِفَةُ تَكُونُ بِمَعْنى مَن لا خَيْرَ فِيهِ، والتّاءُ فِيهِ لِلنَّقْلِ لِلِاسْمِيَّةِ، فَإنْ أُرِيدَ هاهُنا، فالمَقْصُودُ مَن لا فائِدَةَ فِيهِ لِلْجِهادِ.

وجُمِعَ عَلى فَواعِلَ عَلى الوَجْهَيْنِ: أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِتَأْنِيثِ لَفْظِهِ، لِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَواعِلَ في العُقَلاءِ الذُّكُورِ، إلّا شُذُوذًا، كَنَواكِسَ، أفادَهُ الشِّهابُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ، والمَثُوبَةِ الحُسْنى ضِدَّ أُولَئِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

88

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good, and it is those who are the successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٨ ] ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ، لِغَلَبَةِ حُبِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، عَلى حُبِّ الأمْوالِ والأنْفُسِ ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ أيْ: مَنافِعُ الدّارَيْنِ، النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا، والجَنَّةُ والكَرامَةُ في العُقْبى ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ أيِ: الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ.

89

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٩ ] ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أحْوالَ مُنافِقِي الأعْرابِ، إثْرَ بَيانِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

90

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied to Allah and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩٠ ] ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ أيْ: في تَرْكِ الجِهادِ، وهم أحْياءٌ مِمَّنْ حَوْلَ المَدِينَةِ. و: ﴿المُعَذِّرُونَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ، التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ، والمُشَدَّدَةُ لَها تَفْسِيرانِ:

أحَدُهُما: مِن (عَذَّرَ في الأمْرِ) إذا قَصَّرَ فِيهِ وتَوانى ولَمْ يُجِدَّ، فَتَكَلَّفَ العُذْرَ، فَعُذْرُهُ باطِلٌ.

والثّانِي: مِنِ (اعْتَذَرَ)، وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ عُذْرُهُ باطِلًا وحَقًّا، وأصْلُهُ عَلَيْهِما، (مُعْتَذِرُونَ) نُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى العَيْنِ، وقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا، وأُدْغِمَتْ فِيها.

وأمّا التَّخْفِيفُ فَهي مِن أعْذَرَ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ، وهم صادِقُونَ عَلى هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في دَعْوى الإيمانِ، وهم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ لَمْ يَجِيئُوا، ولَمْ يَعْتَذِرُوا، بَلْ قَعَدُوا مِن قِلَّةِ المُبالاةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ.

ثُمَّ أوْعَدَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ الضَّمِيرُ في (مِنهم) إمّا لِلْأعْرابِ مُطْلَقًا، فالَّذِينَ كَفَرُوا مُنافِقُوهم، أوْ أعَمُّ، وإمّا لِلْمُعَذِّرِينَ، فَإنَّ مِنهم مَنِ اعْتَذَرَ لِكَسَلِهِ، لا لِكُفْرٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالَّذِينِ كَفَرُوا مِنهُمُ، المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الأعْذارَ الَّتِي لا حَرَجَ عَلى مَن قَعَدَ مَعَها عَنِ القِتالِ، فَذَكَرَ مِنها ما هو لازِمٌ لِلشَّخْصِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وما هو عارِضٌ عَنَّ لَهُ بِسَبَبِ مَرَضٍ شَغَلَهُ عَنِ الخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ التَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ، وبَدَأ بِالأوَّلِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.