Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 109

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the wise Book

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

١٠ - سُورَةُ يُونُسَ

سُمِّيَتْ بِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِتَضَمُّنِها قَوْلَهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] فَفِيهِ غايَةُ ما يُفِيدُ فِيهِ الإيمانُ وضَرَرُ تَرْكِهِ وتَأْخِيرِهِ، وهو المَقْصِدُ الأعْلى مِن إنْزالِ الكِتابِ -قالَهُ المَهايِمِيُّ-.

وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، واسْتُثْنِيَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] الآيَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] الآيَةَ، قِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقِيلَ: مِن أوَّلِها إلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مَكِّيٌّ، والباقِي مَدَنِيٌّ -حَكاهُ ابْنُ الفُرْسِ والسَّخاوِيُّ في (جَمالِ القُرّاءِ).

وآياتُها مِائَةٌ وتِسْعَةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾

﴿الر﴾ مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي، أوِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِـ "الر". والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها لِما أنَّها بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى جَناحِ الذِّكْرِ وبِصَدَدِهِ، صارَتْ في حُكْمِ الحاضِرِ، كَما يُقالُ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ، أوِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ: اقْرَأْ.

وكَلِمَةُ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلَيْها، أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَقَدْ نَزَّلَ حُضُورَ مادَّتِها، الَّتِي هي الحُرُوفُ المَذْكُورَةُ مَنزِلَةَ ذِكْرِها فَأُشِيرَ إلَيْها، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ... إلَخْ.

وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَقَدْ نَوَّهَتْ بِالإشارَةِ إلَيْها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِتَعْيِينِ اسْمِها، أوِ الأمْرِ بِقِراءَتِها. وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مُبْتَدَأً، فَهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ. والمَعْنى: هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ، مُتَرْجَمَةٌ بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَقْصُودُ بِبَيانِ بَعْضِيَّتِها مِنهُ، وصْفًا بِما اشْتُهِرَ اتِّصافُهُ بِهِ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ، والصِّفاتِ الكامِلَةِ.

والمُرادُ بِـ "الكِتابِ": إمّا جَمِيعُ القُرْآنِ العَظِيمِ، وإنْ لَمْ يَنْزِلِ الكُلُّ حِينَئِذٍ؛ لِاعْتِبارِ تَعْيِينِهِ وتَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإمّا جَمِيعُ القُرْآنِ النّازِلِ وقْتَئِذٍ، المُتَفاهِمِ بَيْنَ النّاسِ إذْ ذاكَ.

و"الحَكِيمِ" أيْ ذُو الحِكْمَةِ، وإنَّما وُصِفَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى فُنُونِ الحُكْمِ الباهِرَةِ، ونُطْقِهِ بِها، أوْ هو مِن بابِ وصْفِ الكَلامِ بِصِفَةِ صاحِبِهِ، أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِ الكِتابِ الحَكِيمِ النّاطِقِ بِالحِكْمَةِ -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ-.

2

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌۭ مُّبِينٌ

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

وقَوْلُهُ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾

﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ التَّعَجُّبِ والتَّعْجِيبِ مِنهُ، وإنَّما أنْكَرَ ذَلِكَ لِكَوْنِ سُنَّةِ اللَّهِ جارِيَةً أبَدًا عَلى هَذا الأُسْلُوبِ في الإيحاءِ إلى الرِّجالِ، وإنَّما كانَ تَعَجُّبُهم لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِ، وعَدَمِ مُناسَبَةِ حالِهِمْ لِحالِهِ، ومُنافاةِ ما جاءَ بِهِ لِما اعْتَقَدُوهُ، و(القَدَمُ) بِمَعْنى السَّبْقِ مَجازًا، لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ وآلَتَهُ، كَما تُطْلَقُ (اليَدُ) عَلى النِّعْمَةِ، و(العَيْنُ) عَلى الجاسُوسِ، و(الرَّأْسُ) عَلى الرَّئِيسِ. ثُمَّ إنَّ السَّبْقَ مَجازٌ عَنِ الفَضْلِ والتَّقَدُّمِ المَعْنَوِيِّ إلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ، فَهو مَجازٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ أوِ (القَدَمُ) بِمَعْنى المَقامِ كَـ: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] بِإطْلاقِ الحالِّ وإرادَةِ المَحَلِّ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ (قَدَمٌ صِدْقٌ) أيْ مُحَقِّقَةٌ مُقَرِّرَةٌ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ لِجَعْلِها عَيْنَ الصِّدْقِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم إنَّما نالُوا ما نالُوا بِصِدْقِهِمْ، ظاهِرًا وباطِنًا.

قالَ في (الِانْتِصافِ): ولَمْ يَرِدْ في سابِقَةِ السُّوءِ تَسْمِيَتُها (قَدَمًا) إمّا لِأنَّ المَجازَ لا يَطَّرِدُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا، ولَكِنْ غَلَبَ العُرْفُ عَلى قَصْرِها، كَما يَغْلِبُ في الحَقِيقَةِ.

﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ وهُمُ المُتَعَجِّبُونَ "إنَّ هَذا" أيِ الكِتابَ الحَكِيمَ ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] أيْ ظاهِرٌ. وقُرِئَ "لَساحِرٌ" عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وهو دَلِيلُ عَجْزِهِمْ واعْتِرافِهِمْ، وإنْ كانُوا كاذِبِينَ في تَسْمِيَتِهِ سِحْرًا، وذَلِكَ لِأنَّ التَّعَجُّبَ أوَّلًا، ثُمَّ التَّكَلُّمَ بِما هو مَعْلُومُ الِانْتِفاءِ قَطْعًا، حَتّى عِنْدَ نَفْسِ المَعارِضِ، دَأْبُ العاجِزِ المُفْحَمِ.

3

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne, arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allah, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بُطْلانَ تَعَجُّبِهِمْ، وما بَنَوْا عَلَيْهِ، وحَقَّقَ فِيهِ حَقِّيَّةَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ، وصِحَّةَ ما أنْكَرُوهُ، بِالتَّنْبِيهِ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُؤُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ، ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ:

قالَ أبُو العالِيَةِ: اسْتَوى إلى السَّماءِ: ارْتَفَعَ، وقالَ مُجاهِدٌ: اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلا، أيْ بِلا تَمْثِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ. والعَرْشُ: هو الجِسْمُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكائِناتِ، وهو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. و(الأيّامُ) قِيلَ: كَهَذِهِ، وقِيلَ: كُلُّ يَوْمٍ كَألْفِ سَنَةٍ.

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ يَقْضِي ويُقَدِّرُ، عَلى حَسَبِ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أمْرَ الخَلْقِ كُلَّهُ، و﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وعِزِّ جَلالِهِ، ورَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْلُومِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ، أيْ ذَلِكَ العَظِيمُ المَوْصُوفُ بِما وُصِفَ بِهِ هو ﴿رَبَّكُمُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاكم لِتَعْبُدُوهُ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ وحِّدُوهُ بِالعِبادَةِ. ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ أدْنى تَفَكُّرٍ فَيُنَبِّهُكم عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والعِبادَةِ، لا ما تَعْبُدُونَهُ.

4

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allah [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ أيْ بِالمَوْتِ أوِ النُّشُورِ، أيْ لا تَرْجِعُونَ في العاقِبَةِ إلّا إلَيْهِ، فاسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أيْ صِدْقًا، ثُمَّ عَلَّلَ وُجُوبَ المَرْجِعِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ مِنَ النُّطْفَةِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِعَدْلِهِ أوْ بِعَدالَتِهِمْ وقِيامِهِمْ عَلى العَدْلِ في أُمُورِهِمْ، أوْ بِإيمانِهِمْ؛ لِأنَّهُ العَدْلُ القَوِيمُ، كَما أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وهو الأوْجَهُ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ مِن ماءٍ حارٍّ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ وجِيعٌ يَخْلُصُ ألَمُهُ إلى قُلُوبِهِمْ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ، فَإنَّ مَعْناهُ لِيَجْزِيَ الَّذِي كَفَرُوا بِشَرابٍ مِن حَمِيمٍ، وعَذابٍ ألِيمٍ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهُ غَيَّرَ النَّظْمَ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِقابِ بِجَعْلِهِ حَقًّا مُقَرَّرًا لَهُمْ، كَما تُفِيدُهُ (اللّامُ) ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِنَ الإبْداءِ والإعادَةِ هو الإثابَةُ. والعِقابُ واقِعٌ بِالعَرَضِ بِكَسْبِهِمْ، وعَلى أنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى إثابَةَ المُؤْمِنِينَ بِما لا تُحِيطُ العِبارَةُ بِهِ لِفَخامَتِهِ وعَظَمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنْهُ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى، لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدَتِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ، بِآثارِ صُنْعِهِ في النَّيِّرِينَ، إثْرَ الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ مِن إبْداعِ السَّماواتِ والأرْضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

5

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allah has not created this except in truth. He details the signs for a people who know

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ لِلْعالَمِينَ بِالنَّهارِ ﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ أيْ لَهم بِاللَّيْلِ" والضِّياءُ أقْوى مِنَ النُّورِ ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ الضَّمِيرُ لَهُما، بِتَأْوِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أوْ لِلْقَمَرِ، وخَصَّ بِما ذَكَرَ، لِكَوْنِ مَنازِلِهِ مَعْلُومَةً مَحْسُوسَةً، وتَعَلُّقِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ بِهِ، وكَوْنِهِ عُمْدَةً في تَوارِيخِ العَرَبِ "لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ" أيْ حِسابَ الشُّهُورِ والأيّامِ، مِمّا نِيطَ بِهِ المَصالِحُ في المُعامَلاتِ والتَّصَرُّفاتِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يُبَيِّنُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ أوِ التَّنْزِيلِيَّةَ المُنَبِّهَةَ عَلى ذَلِكَ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الحِكْمَةَ في إبْداعِ الكائِناتِ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى وحْدَةِ مُبْدِعِها.

قالَ السُّيُوطِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في عِلْمِ المَواقِيتِ والحِسابِ ومَنازِلِ القَمَرِ والتّارِيخِ، ثُمَّ نَبَّهَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ:

6

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allah has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allah

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ في تَعاقُبِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والشَّجَرِ والدَّوابِّ والجِبالِ والبِحارِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أيْ لَآياتٍ عَظِيمَةً دالَّةً عَلى وحْدَةِ مُبْدِعِها، وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وبالِغِ حِكْمَتِهِ، وخَصَّ "المُتَّقِينَ" لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِنَتائِجِ التَّدَبُّرِ فِيها، فَإنَّ الدّاعِيَ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ إنَّما هو تَقْواهُ تَعالى، والحَذَرُ مِنَ العاقِبَةِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي هَذِهِ الآياتِ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي أوْجَدَ هَذِهِ الآياتِ الباهِرَةَ، وأوْدَعَ فِيها المَنافِعَ الظّاهِرَةَ، وأبْدَعَ في كُلِّ كائِنٍ صُنْعَهُ، وأحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، ومَيَّزَ الإنْسانَ وعَلَّمَهُ البَيانَ -يَكُونُ مِن رَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ اصْطِفاءُ مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ، لِيُبَلِّغَ عَنْهُ شَرائِعَ عامَّةً، تُحَدِّدُ لِلنّاسِ سَيْرَهم في تَقْوِيمِ نُفُوسِهِمْ، وكَبْحِ شَهَواتِهِمْ، وتَعَلُّمِهِمْ مِنَ الأعْمالِ ما هو مَناطُ سَعادَتِهِمْ وشَقائِهِمْ في الآخِرَةِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

7

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [ ٨ ] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] [ ٩ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] [ ١٠ ] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ فَلا يَتَوَقَّعُونَ الجَزاءَ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] أيْ بِسَبَبِهِ، إلى مَأْواهُمْ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها، وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها، لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ "اللَّهُمَّ" نِداءٌ، ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ إنَّما نُسَبِّحُكَ، كَقَوْلِ القانِتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ. يُقالُ: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوى، كَما يُقالُ: شَكا يَشْكُو شِكايَةً وشَكْوى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، ونَظِيرُهُ آيَةُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] و(التَّحِيَّةُ) التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيَّةِ. أصْلُها: أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. و(السَّلامُ) بِمَعْنى السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ [يونس: ١٠] أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمْ هو التَّسْبِيحُ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] أيْ حَمِدَهُ تَعالى: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ دُعاءَ أهْلِ الجَنَّةِ وعِبادَتَهم هو قَوْلُهُمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنْ "وبِحَمْدِكَ" بِقَوْلِهِ "وآخِرُ" إلَخْ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، واهْتِمامًا بِالحَمْدِ وما مَعَهُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ تَذْكِيرًا بِمُسَمّاها، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُمُوِّ هَذا الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ دُعاءُ أهْلِ الجَنَّةِ وذِكْرُ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولِذَلِكَ نَدَبَ قِراءَتُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ.

قالَ الرّازِيُّ: لَمّا اسْتَسْعَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بِذِكْرِ "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، وعايَنُوا ما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، عَلِمُوا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ السُّنِّيَّةِ، والمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ، إنَّما تَيَسَّرَتْ بِإحْسانِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإفْضالِهِ وإنْعامِهِ، فَلا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالحَمْدِ والثَّناءِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وعِيدَهُ الشَّدِيدَ، أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ …

8

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [ ٨ ] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] [ ٩ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] [ ١٠ ] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ فَلا يَتَوَقَّعُونَ الجَزاءَ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] أيْ بِسَبَبِهِ، إلى مَأْواهُمْ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها، وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها، لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ "اللَّهُمَّ" نِداءٌ، ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ إنَّما نُسَبِّحُكَ، كَقَوْلِ القانِتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ. يُقالُ: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوى، كَما يُقالُ: شَكا يَشْكُو شِكايَةً وشَكْوى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، ونَظِيرُهُ آيَةُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] و(التَّحِيَّةُ) التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيَّةِ. أصْلُها: أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. و(السَّلامُ) بِمَعْنى السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ [يونس: ١٠] أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمْ هو التَّسْبِيحُ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] أيْ حَمِدَهُ تَعالى: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ دُعاءَ أهْلِ الجَنَّةِ وعِبادَتَهم هو قَوْلُهُمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنْ "وبِحَمْدِكَ" بِقَوْلِهِ "وآخِرُ" إلَخْ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، واهْتِمامًا بِالحَمْدِ وما مَعَهُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ تَذْكِيرًا بِمُسَمّاها، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُمُوِّ هَذا الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ دُعاءُ أهْلِ الجَنَّةِ وذِكْرُ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولِذَلِكَ نَدَبَ قِراءَتُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ.

قالَ الرّازِيُّ: لَمّا اسْتَسْعَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بِذِكْرِ "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، وعايَنُوا ما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، عَلِمُوا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ السُّنِّيَّةِ، والمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ، إنَّما تَيَسَّرَتْ بِإحْسانِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإفْضالِهِ وإنْعامِهِ، فَلا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالحَمْدِ والثَّناءِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وعِيدَهُ الشَّدِيدَ، أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ …

9

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [ ٨ ] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] [ ٩ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] [ ١٠ ] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ فَلا يَتَوَقَّعُونَ الجَزاءَ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] أيْ بِسَبَبِهِ، إلى مَأْواهُمْ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها، وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها، لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ "اللَّهُمَّ" نِداءٌ، ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ إنَّما نُسَبِّحُكَ، كَقَوْلِ القانِتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ. يُقالُ: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوى، كَما يُقالُ: شَكا يَشْكُو شِكايَةً وشَكْوى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، ونَظِيرُهُ آيَةُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] و(التَّحِيَّةُ) التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيَّةِ. أصْلُها: أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. و(السَّلامُ) بِمَعْنى السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ [يونس: ١٠] أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمْ هو التَّسْبِيحُ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] أيْ حَمِدَهُ تَعالى: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ دُعاءَ أهْلِ الجَنَّةِ وعِبادَتَهم هو قَوْلُهُمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنْ "وبِحَمْدِكَ" بِقَوْلِهِ "وآخِرُ" إلَخْ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، واهْتِمامًا بِالحَمْدِ وما مَعَهُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ تَذْكِيرًا بِمُسَمّاها، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُمُوِّ هَذا الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ دُعاءُ أهْلِ الجَنَّةِ وذِكْرُ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولِذَلِكَ نَدَبَ قِراءَتُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ.

قالَ الرّازِيُّ: لَمّا اسْتَسْعَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بِذِكْرِ "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، وعايَنُوا ما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، عَلِمُوا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ السُّنِّيَّةِ، والمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ، إنَّما تَيَسَّرَتْ بِإحْسانِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإفْضالِهِ وإنْعامِهِ، فَلا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالحَمْدِ والثَّناءِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وعِيدَهُ الشَّدِيدَ، أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ …

10

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allah," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allah, Lord of the worlds!"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [ ٨ ] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] [ ٩ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] [ ١٠ ] ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ فَلا يَتَوَقَّعُونَ الجَزاءَ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ أيْ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] أيْ بِسَبَبِهِ، إلى مَأْواهُمْ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها، وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها، لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] أيْ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ أوْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ؛ لِأنَّ "اللَّهُمَّ" نِداءٌ، ومَعْناهُ: اللَّهُمَّ إنَّما نُسَبِّحُكَ، كَقَوْلِ القانِتِ: اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ. يُقالُ: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوى، كَما يُقالُ: شَكا يَشْكُو شِكايَةً وشَكْوى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، ونَظِيرُهُ آيَةُ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] و(التَّحِيَّةُ) التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيَّةِ. أصْلُها: أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. و(السَّلامُ) بِمَعْنى السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ [يونس: ١٠] أيْ وخاتِمَةُ دُعائِهِمْ هو التَّسْبِيحُ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] أيْ حَمِدَهُ تَعالى: والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ دُعاءَ أهْلِ الجَنَّةِ وعِبادَتَهم هو قَوْلُهُمْ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ عَنْ "وبِحَمْدِكَ" بِقَوْلِهِ "وآخِرُ" إلَخْ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، واهْتِمامًا بِالحَمْدِ وما مَعَهُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ تَذْكِيرًا بِمُسَمّاها، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُمُوِّ هَذا الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ دُعاءُ أهْلِ الجَنَّةِ وذِكْرُ المَلائِكَةِ كَما قالُوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولِذَلِكَ نَدَبَ قِراءَتُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ.

قالَ الرّازِيُّ: لَمّا اسْتَسْعَدَ أهْلُ الجَنَّةِ بِذِكْرِ "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ"، وعايَنُوا ما فِيهِ مِنَ السَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ والمَخافاتِ، عَلِمُوا أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ السُّنِّيَّةِ، والمَقاماتِ القُدْسِيَّةِ، إنَّما تَيَسَّرَتْ بِإحْسانِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وإفْضالِهِ وإنْعامِهِ، فَلا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِالحَمْدِ والثَّناءِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وعِيدَهُ الشَّدِيدَ، أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.