Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ هُودٍ

أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِتَضَمُّنِها نَبَأهُ مَعَ قَوْمِهِ، وتَمْيِيزًا لَها، وإنْ تَضَمَّنَتْ أنْباءَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] الدّالِّ عَلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، مَعَ اسْتِقامَتِهِ بِإعْطاءِ كُلِّ مُسْتَعِدٍّ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ، المُقْتَضِيَةِ لِلْأحْكامِ والجَزاءِ، وهي مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ. اهـ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ. واسْتَثْنى مِنها ثَلاثَ آياتٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ فَأُلْحِقَتْ بِها: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ [هود: ١٢] ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤]

وآياتُها مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ.

رَوى الحاكِمُ «عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ! قالَ: قَدْ شَيَّبَتْنِي (هُودٌ) و(الواقِعَةُ) و(المُرْسَلاتُ) و(عَمَّ يَتَساءَلُونَ) و(إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)» ورَواهُ هو والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أنَسٍ وسَهْلٍ وعِمْرانَ، وفي رِوايَةٍ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ وقِصَصِ الأُمَمِ».

وفِي رِوايَةٍ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها. وما فُعِلَ بِالأُمَمِ».

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾

﴿الر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلْيُتَذَكَّرْ.

﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أيْ نُظِّمَتْ نَظْمًا رَصِينًا مُحْكَمًا مُعْجِزًا، وأُثْبِتَتْ دائِمَةً عَلى حالِها لا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَفْسُدُ، مَحْفُوظَةً عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أيْ لِأنْواعٍ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والقِصَصِ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ. أوْ جُعِلَتْ فُصُولًا سُورَةً سُورَةً، وآيَةً آيَةً، أوْ فَصَّلَ فِيها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ، أيْ: بَيَّنَ ولَخَّصَ.

قِيلَ: (ثُمَّ) هُنا لِلتَّراخِي في الحُكْمِ، أيِ الرُّتْبَةِ، أوِ التَّراخِي بَيْنَ الإخْبارَيْنِ، لا لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، لِأنَّ التَّفْصِيلَ والإحْكامَ صِفَتانِ لِشَيْءٍ واحِدٍ، لا تَنْفَكُّ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى، فَلَيْسَ بَيْنَهُما تَرَتُّبٌ وتَراخٍ، وهَذا التَّكَلُّفُ عَلى أنَّ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقَدْ خالَفَ قَوْمٌ في اقْتِضائِها إيّاهُ، كَما حَكاهُ في (المُغْنِي).

﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أيْ إحْكامُها وتَفْصِيلُها مِن لَدُنْ حَكِيمٍ بَناها عَلى عِلْمٍ وحِكْمَةٍ، لا يُمْكِنُ أحْسَنُ مِنها، وأشَدُّ إحْكامًا، وخَبِيرٌ بِتَفاصِيلِها عَلى ما يَنْبَغِي في النِّظامِ الحُكْمِيِّ في تَقْدِيرِها وتَوْقِيتِها وتَرْتِيبِها -قالَهُ القاشانِيُّ-.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ طِباقٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى أحْكَمُها حَكِيمٌ وفَصَّلَها، أيْ بَيَّنَها وشَرَحَها خَبِيرٌ عالِمٌ بِكَيْفِيّاتِ الأُمُورِ.

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ تَنْطِقُ عَلَيْكم بِلِسانِ الحالِ والدَّلالَةِ، ألّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ في عِبادَتِهِ، وخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: " ألّا" مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لِئَلّا. أوْ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، أوْ أمَرَكم ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ كَلامٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، أيْ إنَّنِي أُنْذِرُكُمْ، مِنَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ، عِقابَ الشِّرْكِ وتَبِعَتَهُ، وأُبَشِّرُكم مِنهُ بِثَوابِ التَّوْحِيدِ وفائِدَتِهِ.

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣ ] ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾

﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ بِالطّاعَةِ. أوِ المَعْنى: ثُمَّ أخْلِصُوا التَّوْبَةَ واسْتَقِيمُوا عَلَيْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]

﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ يُطَوِّلُ نَفْعَكم في الدُّنْيا بِمَنافِعَ حَسَنَةٍ مُرْضِيَةٍ، مِن عِيشَةٍ واسِعَةٍ، ونِعَمٍ مُتَتابِعَةٍ إلى وقْتِ وفاتِكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]

﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أيْ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا أجْرَهُ، وثَوابَ فَضْلِهِ في الآخِرَةِ.

﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تَتَوَلَّوْا عَنِ التَّوْحِيدِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

قالَ القاشانِيُّ: (كَبِيرٍ) أيْ شاقٌّ عَلَيْكُمْ، وهو يَوْمُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أيْ يَوْمَ ظُهُورِ عَجْزِكُمْ، وعَجْزِ ما تَعْبُدُونَ، بِظُهُورِهِ تَعالى في صِفَةِ قادِرِيَّتِهِ، فَيَقْهَرُكم بِالعَذابِ، ولِذا قالَ تَعالى:

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ ٥ ] ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إعْراضَهم بِجِسْمِهِمْ أيْضًا، إثْرَ الإشارَةِ إلى تَوَلِّيهِمْ بِقَلْبِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] أيْ يَزُورُّونَ عَنِ الحَقِّ واسْتِماعِهِ بِصُدُورِهِمْ: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ [هود: ٥] أيْ في قُلُوبِهِمْ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] أيْ يَجْهَرُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] أيْ بِما في ضَمائِرِ القُلُوبِ. ونَظِيرُ ما حُكِيَ هُنا عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ مِن كَراهَتِهِمْ لِاسْتِماعِ كَلامِهِ تَعالى؛ ما قالَهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] وما ذَكَرْناهُ هو أظْهَرُ ما تُحْمَلُ عَلَيْهِ الآيَةُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ ٥ ] ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إعْراضَهم بِجِسْمِهِمْ أيْضًا، إثْرَ الإشارَةِ إلى تَوَلِّيهِمْ بِقَلْبِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] أيْ يَزُورُّونَ عَنِ الحَقِّ واسْتِماعِهِ بِصُدُورِهِمْ: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ [هود: ٥] أيْ في قُلُوبِهِمْ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] أيْ يَجْهَرُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] أيْ بِما في ضَمائِرِ القُلُوبِ. ونَظِيرُ ما حُكِيَ هُنا عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ مِن كَراهَتِهِمْ لِاسْتِماعِ كَلامِهِ تَعالى؛ ما قالَهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] وما ذَكَرْناهُ هو أظْهَرُ ما تُحْمَلُ عَلَيْهِ الآيَةُ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ أيْ ما تَعِيشُ بِهِ. وإنَّما جِيءَ بِـ (عَلى) اعْتِبارًا لِسَبْقِ الوَعْدِ بِهِ، وتَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ إلَيْها البَتَّةَ، بِطَرِيقِ التَّكَفُّلِ الشَّبِيهِ بِالإيجابِ ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ أيْ مَسْكَنَها في الدُّنْيا، أوْ في الصُّلْبِ ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ في الرَّحِمِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنَ الدَّوابِّ ورِزْقِها ومُسْتَقَرِّها ومُسْتَوْدَعِها ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ مَسْطُورٌ في كِتابٍ عِنْدَهُ تَعالى، مُبِينٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عَظِيمَ قُدْرَتِهِ وتَكْوِينِهِ وإبْداعِهِ بِقَوْلِهِ:

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ مِنَ الأحَدِ إلى الجُمُعَةِ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ ما كانَ تَحْتَهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وارْتِفاعِهِ فَوْقَها إلّا الماءُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا مَخْلُوقَيْنِ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ -كَذا في (الكَشّافِ)-.

وقالَ القاضِي: أيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما حائِلٌ، لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ.

قالَ قَتادَةُ: يُنْبِئُنا تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفَ كانَ بَدْءُ خَلْقِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي رَزِينٍ -واسْمُهُ: لَقِيطُ بْنُ عامِرٍ العُقَيْلِيُّ- قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قالَ: «كانَ في عَماءٍ، ما تَحْتَهُ هَواءٌ، وما فَوْقَهُ هَواءٌ، ثُمَّ خَلَقَ العَرْشَ بَعْدَ ذَلِكَ»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وقالَ: قالَ أحْمَدُ: يُرِيدُ بِالعَماءِ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ.

وقالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ (الأسْماءِ والصِّفاتِ): (العَماءُ) مَمْدُودٌ كَما رَأيْتُهُ مُقَيَّدًا كَذَلِكَ، ومَعْناهُ السَّحابُ الرَّقِيقُ، أيْ فَوْقَ سَحابٍ، مُدَبِّرًا لَهُ، وعالِيًا عَلَيْهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] يَعْنِي مَن فَوْقَ السَّماءِ. وقَوْلُهُ: (ما فَوْقَهُ هَواءٌ) أيْ ما فَوْقَ السَّحابِ هَواءٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (وما تَحْتَهُ هَواءٌ) أيْ ما تَحْتَ السَّحابِ هَواءٌ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ (العَمى) مَقْصُورٌ، بِمَعْنى لا شَيْءَ ثابِتٌ، لِأنَّهُ مِمّا عَمِيَ عَنِ الخَلْقِ، فَكَأنَّهُ قالَ في جَوابِهِ: كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ. و(ما) فِيهِما نافِيَةٌ. أيْ: لَيْسَ فَوْقَ العَمى الَّذِي هو لا شَيْءَ مَوْجُودٌ هَواءٌ، ولا تَحْتَهُ هَواءٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَلا يُثْبِتُ لَهُ هَواءٌ بِوَجْهٍ. انْتَهى مُلَخَّصًا.

وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: العَماءُ في اللُّغَةِ السَّحابَ الرَّقِيقُ، وقِيلَ الكَثِيفُ، وقِيلَ هو الضَّبابُ. وفي الحَدِيثِ حَذْفٌ، أيْ أيْنَ كانَ عَرْشُ رَبِّنا؟ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾

وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ العَمى المَقْصُورُ. قالَ: وهو كُلُّ أمْرٍ لا يُدْرِكُهُ الفَطِنُ.

وقالَ أبُو عَبِيدٍ: إنَّما تَأوَّلْنا هَذا الحَدِيثَ عَلى كَلامِ العَرَبِ المَعْقُولِ عَنْهُمْ، وإلّا فَلا نَدْرِي كَيْفَ كانَ ذَلِكَ العَماءُ!.

قالَ الأزْهَرِيُّ: فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُكَيِّفُ صِفَتَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ أخْلَصُهُ، مُتَعَلِّقٌ بِـ (خَلَقَ) أيْ: خَلَقَهُنَّ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وهي أنْ يَجْعَلَهُنَّ مَساكِنَ لِعِبادِهِ، ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِفُنُونِ النِّعَمِ، فَيَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، ويَتَسابَقُوا في العَمَلِ الَّذِي يُرْضِيهِ. ولَمّا كانَ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ لِمَن تَخْفى عَلَيْهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ؛ قِيلَ: إنَّهُ هُنا تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ، فَشَبَّهَ مُعامَلَتَهُ تَعالى عِبادَهُ في خَلْقِ المَنافِعِ لَهُمْ، وتَكْلِيفِهِمْ شُكْرَهُ، وإثابَتِهِمْ إنْ شَكَرُوا، وعُقُوبَتِهِمْ إنْ كَفَرُوا، بِمُعامَلَةِ المُخْتَبِرِ مَعَ المُخْتَبَرِ، لِيَعْلَمَ حالَهُ ويُجازِيَهُ، …

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ جَماعَةٍ مِنَ الأوْقاتِ مَحْصُورَةٍ. والعَذابُ هو عِقابُ الآخِرَةِ، أوْ عَذابُ الدُّنْيا بِبَدْرٍ، أوْ هَلاكُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ بَدْرٍ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ أيْ عَنّا. ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ دارَ ونَزَلَ بِهِمْ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيِ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ.

لَطِيفَةٌ:

(الأُمَّةُ) تُسْتَعْمَلُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ في مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَيُرادُ بِها الأمَدُ، كَما هُنا، وقَوْلُهُ في يُوسُفَ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] والإمامُ المُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] والمِلَّةُ والدِّينُ كَآيَةِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] والجَماعَةُ كَآيَةِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] -أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ-.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الإنْسانِ، وما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً ﴿ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ أيْ قَنُوطٌ عَنْ عَوْدِها، قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِهِ تَعالى، مِن غَيْرِ صَبْرٍ ولا تَسْلِيمٍ لِقَضائِهِ ﴿كَفُورٌ﴾ عَظِيمُ الكُفْرانِ لِما سَلَفَ لَهُ مِنَ التَّقَلُّبِ في نِعْمَةِ اللَّهِ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَ خَيْرًا.

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ أيْ أشِرٌ بَطِرٌ ﴿فَخُورٌ﴾ أيْ عَلى النّاسِ بِما أذاقَهُ اللَّهُ مِن نَعْمائِهِ، قَدْ شَغَلَهُ الفَرَحُ والفَخْرُ عَنِ الشُّكْرِ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.