Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 111

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the clear Book.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ يُوسُفَ

سُمِّيَتْ بِهِ، لِأنَّ مُعْظَمَ قِصَّتِهِ مَذْكُورَةٌ، ومُعْظَمُ ما فِيها قِصَّتُهُ.

قالَ الشِّهابُ: لَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ الَّتِي قَبْلَها بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠] ذُكِرَتْ هَذِهِ بَعْدَها، لِأنَّها مِن أنْبائِهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ أوَّلًا ما لَقِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَوْمِهِمْ، وذَكَرَ في هَذِهِ ما لَقِيَ يُوسُفُ مِن إخْوَتِهِ، لِيَعْلَمَ ما قاسَوْهُ مِن أذى الأجانِبِ والأقارِبِ، فَبَيْنَهُما أتَمُّ المُناسَبَةِ. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِما لاقاهُ مِن أذى القَرِيبِ والبَعِيدِ. انْتَهى-.

و(يُوسُفُ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، تَعْرِيبُهُ يَزِيدُ، أوْ زِيادَةٌ. وذَلِكَ لِما رُوِيَ أنَّ أُمَّهُ (راحِيلَ) كانَتْ قَعَدَتْ عَنِ الحَمْلِ مُدَّةً، ولَحِقَها الحُزْنُ تِلْقاءَ ضِرّاتِها الوالِداتِ، ولَمّا وهَبَها تَعالى، بَعْدَ سِنِينَ، ولَدًا سَمَّتْهُ (يُوسُفَ) وقالَتْ: يَزِيدُنِي بِهِ رَبِّي ولَدًا آخَرَ.

وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ اتِّفاقًا، وآيُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ بِلا خِلافٍ.

وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ) أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ، حِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو هَذِهِ السُّورَةَ، أسْلَمُوا لِمُوافَقَتِها ما عِنْدَهم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١ ] ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾

﴿الر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِهِ، وأنَّها إمّا حُرُوفٌ مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى آياتِ السُّورَةِ، نَزَّلَ ما بَعْدَهُ، لِكَوْنِهِ مُتَرَقَّبًا، مَنزِلَةَ المُتَقَدِّمِ. والإشارَةُ بِالبَعِيدِ لِعَظَمَتِهِ، وبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ، وإمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ، والإشارَةُ في " تِلْكَ" إلَيْها. والمُرادُ بِـ " الكِتابُ" السُّورَةُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَكْتُوبِ، فَيُطْلَقُ عَلَيْها. أوِ القُرْآنُ، لِأنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى كُلِّهِ، يُطْلَقُ عَلى بَعْضِهِ. و(المُبِينُ) بِمَعْنى الظّاهِرِ أمْرُها وإعْجازُها، إنْ أُخِذَ مِن (بانَ) لازِمًا بِمَعْنى ظَهَرَ، وإنْ أُخِذَ مِنَ المُتَعَدِّي فالمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، أيْ: أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

2

إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur'an that you might understand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

﴿إنّا أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ المَنعُوتَ بِما ذُكِرَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَفْهَمُوهُ، وتُحِيطُوا بِمَعانِيهِ، ولا يَلْتَبِسُ عَلَيْكم. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] أوْ لِتَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكُمْ، فَتَعْلَمُوا أنَّ اقْتِصاصَهُ كَذَلِكَ، مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمِ القِصَصَ، مُعْجِزٌ، لا يُمْكِنُ إلّا بِالإيحاءِ. أوْ: لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ بِإنْزالِهِ عَرَبِيًّا، ما تَضَمَّنَ مِنَ المَعانِي والأسْرارِ، الَّتِي لا يَتَضَمَّنُها ولا يَحْتَمِلُها غَيْرُها مِنَ اللُّغاتِ، وذَلِكَ لِأنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْصَحُ اللُّغاتِ وأبْيَنُها وأوْسَعُها، وأكْثَرُها تَأْدِيَةً لِلْمَعانِي الَّتِي تَقُومُ بِالنُّفُوسِ. قالَ بَعْضُهُمْ: نَزَّلَ أشْرَفَ الكُتُبِ، بِأشْرَفِ اللُّغاتِ، عَلى أشْرَفِ الرُّسُلِ، بِسِفارَةِ أشْرَفِ المَلائِكَةِ، وكانَ ذَلِكَ في أشْرَفِ بِقاعِ الأرْضِ، وفي أشْرَفِ شُهُورِ السَّنَةِ، وهو رَمَضانُ، فَكَمُلَ لَهُ الشَّرَفُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ.

3

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

We relate to you, [O Muhammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur'an although you were, before it, among the unaware.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أيْ أبْدَعَهُ طَرِيقَةً، وأعْجَبَهُ أُسْلُوبًا، وأصْدَقُهُ أخْبارًا، وأجْمَعُهُ حِكَمًا وعِبَرًا ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ بِإيحائِنا إلَيْكَ ﴿هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْهُ، لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ. والتَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِالغَفْلَةِ لِإجْلالِ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ. وقَدْ جَوَّزَ في هَذا أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ نَقُصُّ، عَلى أنَّ (أحْسَنَ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولَ " أوْحَيْنا" عَلى أنَّ مَفْعُولَ نَقُصُّ (أحْسَنَ) أوْ مَحْذُوفٌ. وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما) عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ كَذَلِكَ.

4

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ

[Of these stories mention] when Joseph said to his father, "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾

﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ﴾ يَعْنِي يَعْقُوبَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. والظَّرْفُ بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ قَبْلَهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ. ﴿يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ إنَّما ناجى يُوسُفُ أباهُ بِهَذِهِ الرُّؤْيا، لِاعْتِقادِهِ كَمالَ عِلْمِهِ، وشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لَوْ كانَتْ رُؤْياهُ تَسُوءُهُ لِأمْكَنَهُ صَرْفُها عَنْهُ.

قالَ القاشانِيُّ: هَذِهِ مِنَ المَناماتِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ، لِانْتِقالِ المُتَخَيِّلَةُ مِنَ النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي عَرَضَ عَلى النَّفْسِ مِنَ الغَيْبِ سُجُودُها لَهُ، إلى الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، وما كانَتْ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ. (يا أبَتِ) أصْلُهُ يا أبِي، فَعُوِّضَ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَناسُبِهِما في الزِّيادَةِ، وكَسْرُها لِأنَّهُ عِوَضٌ عَنْ حَرْفٍ يُناسِبُها. وقُرِئَ بِفَتْحِها لِأنَّها حَرَكَةُ أصْلِها، أوْ لِأنَّهُ كانَ (يا أبَتا) فَحُذِفَ الألِفُ، وبَقِيَ الفَتْحَةُ. وقُرِئَ بِالضَّمِّ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ.

وقَوْلُهُ: (رَأيْتُهُمُ) اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي رَآهم عَلَيْها، فَلا تَكْرِيرَ: أوْ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى تَطْرِيَةً لِطُولِ العَهْدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] وإنَّما أُجْرِيَتْ مَجْرى العُقَلاءِ في ضَمِيرِهِمْ وجَمْعُ صِفَتِهِمْ جَمْعًا سالِمًا؛ لِوَصْفِها بِوَصْفِهِمْ، وهو السُّجُودُ.

قالَ المَهايِمِيُّ: ولَوْ صَحَّ كَوْنُها ناطِقَةً فَلا إشْكالَ. قالَ: ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِهَيْئَةِ السُّجُودِ، ولَعَلَّهُ تَحْرِيكُ جانِبِها الأعْلى إلى الأسْفَلِ، مُسْتَدِيرَةً ظَهَرَتْ أوْ مُسْتَطِيلَةً. اهـ.

5

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

﴿قالَ يا بُنَيَّ﴾ صَغَّرَهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ، ولِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، ولِعُذُوبَةِ المُصَغَّرِ ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أيْ فَيَفْعَلُوا لِأجْلِكَ أوْ لِإهْلاكِكَ تَحَيُّلًا عَظِيمًا مُتْلَفًّا لَكَ. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، فَلا يَأْلُو جَهْدًا في إغْواءِ إخْوَتِكَ وحَمْلِهِمْ عَلى ما لا خَيْرَ فِيهِ.

قالَ القاشانِيُّ: هَذا النَّهْيُ مِنَ الإلْهاماتِ المُجْمَلَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يَلُوحُ صُورَةُ الغَيْبِ مِنَ المُجَرَّداتِ الرُّوحانِيَّةِ في الرُّوحِ، ويَصِلُ أثَرُهُ إلى القَلْبِ، ولا يَتَشَخَّصُ في النَّفْسِ مُفَصَّلًا، حَتّى يَقَعَ العِلْمُ بِهِ كَما هُوَ، فَيَقَعُ في النَّفْسِ مِنهُ خَوْفٌ واحْتِرازٌ إنْ كانَ مَكْرُوهًا، وفَرَحٌ وسُرُورٌ إنْ كانَ مَرْغُوبًا. ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ مِنَ الإلْهامِ، إنْذاراتٍ وبِشاراتٍ، فَخافَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن وُقُوعِ ما وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَنَهاهُ عَنْ إخْبارِهِمْ بِرُؤْياهُ احْتِرازًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ احْتِرازُهُ كانَ مِن جِهَةِ دَلالَةِ الرُّؤْيا عَلى شَرَفِهِ وكَرامَتِهِ، وزِيادَةِ قَدْرِهِ عَلى إخْوَتِهِ، فَخافَ مِن حَسَدِهِمْ عَلَيْهِ عِنْدَ شُعُورِهِمْ بِذَلِكَ. انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ الكَيا: هَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَرْكِ إظْهارِ النِّعْمَةِ لِمَن يُخْشى مِنهُ حَسَدٌ ومَكْرُوهٌ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: فِيهِ حُكْمٌ بِالعادَةِ أنَّ الإخْوَةَ والقُرابَةَ يَحْسُدُونَ. قالَ: وفِيهِ أنَّ يَعْقُوبَ عَرَفَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا ولَمْ يُبالِ بِذَلِكَ، فَإنَّ الرَّجُلَ يَوَدُّ أنْ يَكُونَ ولَدُهُ خَيْرًا مِنهُ، والأخُ لا يَوَدُّ ذَلِكَ لِأخِيهِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ اليَمانِينَ: قالَ الحاكِمُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ في بَعْضِ الأوْقاتِ إخْفاءُ فَضِيلَةٍ، تَحَرُّزًا مِنَ الحَسُودِ. وهَذا داخِلٌ في قَوْلِنا: إنَّ الحَسَنَ إذا كانَ سَبَبًا لِلْقَبِيحِ قَبُحَ. ومِنهُ آيَةُ الأنْعامِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]

وفِي هَذا ما ذُكِرَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ:

؎إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ كَيْ لا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا

الأبْياتُ المَعْرُوفَةُ، ذَكَرَها عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ، الغَزالِيُّ في (مِنهاجِ العابِدِينَ) والدَّيْلَمِيُّ في كِتابِ (التَّصْفِيَةِ). وهَذا يَعْقُوبُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمَرَ يُوسُفَ أنْ لا يَقُصَّ رُؤْياهُ عَلى إخْوَتِهِ، والمَعْنى واحِدٌ، فَلا مَعْنى لِإنْكارِ مَن يُنْكِرُ ويَزْعُمُ أنَّ العِلْمَ لا يَحِلُّ كَتْمُهُ. انْتَهى.

ومَقْصُودُهُ: أنَّ خَوْفَ شَرِّ الأشْرارِ مِنَ الصَّوارِفِ عَنِ الصَّدْعِ بِالحَقِّ.

قالَ السَّيِّدُ ابْنُ المُرْتَضى اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): مِمّا زادَ الحَقَّ غُمُوضًا وخَفاءً خَوْفُ العارِفِينَ، مَعَ قِلَّتِهِمْ، مِن عُلَماءِ السُّوءِ، وسَلاطِينِ الجَوْرِ، وشَياطِينِ الخَلْقِ، مَعَ جَوازِ التَّقِيَّةِ عِنْدَ ذَلِكَ، بِنَصِّ القُرْآنِ، وإجْماعِ أهْلِ الإسْلامِ. وما زالَ الخَوْفُ مانِعًا مِن إظْهارِ الحَقِّ، وما بَرِحَ المُحِقُّ عَدُوًّا لِأكْثَرِ الخَلْقِ.

وذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّقِيَّةِ؛ أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلى مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، مَعَ كَتْمِ إيمانِهِ، وسُمِّيَتْ بِهِ سُورَةُ …

6

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الِاصْطِفاءِ، بِإراءَةِ هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الشَّأْنِ، يَصْطَفِيكَ لِلنُّبُوَّةِ والسِّيادَةِ: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ تَعْبِيرِ المَناماتِ، وإنَّما سُمِّيَ التَّعْبِيرُ تَأْوِيلًا؛ لِأنَّهُ جَعَلَ المَرْئِيَّ آيِلًا إلى ما يَذْكُرُهُ المُعَبِّرُ بِصَدَدِ التَّعْبِيرِ، وراجِعًا إلَيْهِ. والأحادِيثُ اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ، سُمِّيَتْ بِهِ الرُّؤْيا لِأنَّها إمّا حَدِيثُ مَلَكٍ أوْ نَفْسٍ أوْ شَيْطانٍ. ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ بِما سَيَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُكَ ﴿وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهم أهْلُهُ مِن بَنِيهِ، وحاشِيَتِهِمْ، أيْ يُسْبِغُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِكَ ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن هو مُسْتَحِقٌّ لِلِاجْتِباءِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في صُنْعِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو السُّعُودِ؛ كَأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ إلى ما سَيَقَعُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ، ورُؤْيا المَلِكِ، وكَوْنِ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى ما يُبَلِّغُهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ العُظْمى الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِإتْمامِ النِّعْمَةِ. وإنَّما عَرَفَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ مِنهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ. أوْ أرادَ كَوْنَ هَذِهِ الخَصْلَةِ سَبَبًا لِظُهُورِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الإطْلاقِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ بِطَرِيقِ الفِراسَةِ، والِاسْتِدْلالِ مِنَ الشَّواهِدِ والدَّلائِلِ والأماراتِ والمَخايِلِ، بِأنَّ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى لِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا، لا بُدَّ مِن تَوْفِيقِهِ لِتَعْبِيرِها، وتَأْوِيلِ أمْثالِها، وتَمْيِيزِ ما هو آفاقِيٌّ مِنها، مِمّا هو أنْفَسِيٌّ، كَيْفَ لا، وهي تَدُلُّ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عالَمِ المِثالِ، وقُوَّةِ تَصَرُّفاتِها فِيهِ، فَيَكُونُ أقْبَلَ لِفَيَضانِ المَعارِفِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ العالَمِ، وبِما يُحاكِيهِ مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بِحَسَبِها في عالَمِ الشَّهادَةِ، وأقْوى وُقُوفًا عَلى النِّسَبِ الواقِعَةِ بَيْنَ الصُّوَرِ المُعايَنَةِ في أحَدِ ذَيْنَكِ العالَمَيْنِ، وبَيْنَ الكائِناتِ الظّاهِرَةِ عَلى وفْقِها في العالَمِ الآخَرِ. وإنَّ هَذا الشَّأْنَ البَدِيعَ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أُنْمُوذَجًا لِظُهُورِ أمْرِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، ومَدارًا لِجَرَيانِ أحْكامِهِ، فَإنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُعْجِزَةً، بِها تَظْهَرُ آثارُهُ، وتَجْرِي أحْكامُهُ.

الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ (الجَدَّ) يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ (الأبِ)، فَيَدُلُّ أنَّ مَن نَسَبَ رَجُلًا إلى جَدِّهِ وقالَ: (يا ابْنَ فُلانٍ) أنَّهُ لا يَكُونُ قَذْفًا.

الثّالِثُ: قالَ المَهايِمِيُّ: مِن فَوائِدِ هَذا المَقامِ اسْتِحْبابُ كِتْمانِ السِّرِّ، وجَوازُ التَّحْذِيرِ عَنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، ومَدْحِ الشَّخْصِ في وجْهِهِ إذا لَمَّ يَضُرُّهُ، واعْتِبارِ السَّبَبِ وإنْ لَمْ يُؤَثِّرْ، وأنَّ لِكُلِّ حادِثٍ تَأْوِيلًا عِنْدَ الأوْلِياءِ، وأنَّهُ تَعْبُرُ الرُّؤْيا مِنَ الصِّغارِ، وإنْ كانَ مِن عالَمِ الخَيالِ؛ إذْ تُصَوِّرُ المُخَيِّلَةُ مَعانِيَ …

7

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾

﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ في قِصَّتِهِمْ وحَدِيثِهِمْ ﴿آياتٌ﴾ أيْ دَلائِلُ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى، وحِكْمَتِهِ في كُلِّ شَيْءٍ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ أيْ لِمَن سَألَ عَنْ نَبَئِهِمْ. أوْ آياتٌ عَلى نُبُوَّتِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لِمَن سَألَ عَنْ نَبَئِهِمْ، فَأخْبَرَهم بِالصِّحَّةِ مِن غَيْرِ تَلَقٍّ عَنْ بَشَرٍ أوْ أخْذٍ عَنْ كِتابٍ.

وقالَ القاشانِيُّ: أيْ آياتٌ مُعَظَّماتٌ لِمَن يَسْألُ عَنْ قِصَّتِهِمْ ويَعْرِفُها، تَدُلُّهم أوَّلًا: عَلى أنَّ الِاصْطِفاءَ المَحْضَ أمْرٌ مَخْصُوصٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، لا يَتَعَلَّقُ بِسَعْيِ ساعٍ، ولا إرادَةِ مُرِيدٍ، فَيَعْلَمُونَ مَراتِبَ الِاسْتِعْداداتِ في الأزَلِ.

وثانِيًا: عَلى أنَّ مَن أرادَ اللَّهَ بِهِ خَيْرًا، لَمْ يُمْكِنْ لِأحَدٍ دَفْعَهُ. ومَن عَصَمَهُ اللَّهُ، لَمْ يُمْكِنْ لِأحَدٍ رَمْيُهُ بِسُوءٍ، ولا قَصَدَهُ بَشَرٌ، فَيَقْوى يَقِينُهم وتَوَكُّلُهم.

وثالِثًا: عَلى أنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ وإغْواءَهُ أمْرٌ لا يَأْمَنُ مِنهُ أحَدٌ، حَتّى الأنْبِياءَ، فَيَكُونُونَ مِنهُ عَلى حَذَرِ. وأقْوى مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّها تُطْلِعُهم مِن طَرِيقِ الفَهْمِ، الَّذِي هو الِانْتِقالُ الذِّهْنِيُّ، عَلى أحْوالِهِمْ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ، وما بَيْنَهُما، وكَيْفِيَّةِ سُلُوكِهِمْ إلى اللَّهِ، فَتُثِيرُ شَوْقَهم وإرادَتَهُمْ، وتَشْحَذُ بَصِيرَتَهُمْ، وتُقَوِّي عَزِيمَتَهم.

8

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

When they said, "Joseph and his brother are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ﴾ وهو بَنْيامِينُ شَقِيقُهُ، وأُمُّهُما راحِيلُ بِنْتُ لابانَ، خالِ يَعْقُوبَ. ﴿أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ أقْوِياءُ، أحَقُّ بِالمَحَبَّةِ مِن صَغِيرَيْنِ، لا كِفايَةَ فِيهِما. والعُصْبَةُ والعِصابَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ -عَشَرَةٌ فَصاعِدًا- سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَوْنِ الأُمُورِ تُعَصَّبُ بِهِمْ، أيْ تُشَدُّ فَتَقْوى، وذِكْرُها لَيْسَ لِإفادَةِ العَدَدِ فَقَطْ، بَلْ لِلْإشْعارِ بِالقُوَّةِ، لِيَكُونَ أدْخَلَ في الإنْكارِ؛ لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى خِدْمَتِهِ، والجِدِّ في مَنفَعَتِهِ، فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِمْ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ؟

﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ في ذَلِكَ لِتَفْضِيلِهِ المَفْضُولَ بِزَعْمِهِمْ. وغابَ عَنْهم أنَّهُ كانَ يُحِبُّ يُوسُفَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ المَخايِلِ، لا سِيَّما بَعْدَ تِلْكَ الرُّؤْيا. وبِنْيامِينَ لِكَوْنِهِ شَقِيقَهُ وأصْغَرَهم. ومِنَ المَعْرُوفِ زِيادَةُ المَيْلِ لِأصْغَرِ البَنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَٰلِحِينَ

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ مِن مَقُولِ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ قَبْلُ، وإنَّما قالُوا هَذا لِأنَّ خَبَرَ المَنامِ بَلَغَهُمْ، ويُرْوى أنَّهُ قَصَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتَشاوَرُوا في كَيْدِهِ، وقالُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لِنَرى بَعْدُ ما يَكُونُ مِن أحْلامِهِ، سُخْرِيَةً واسْتِهْزاءً. وتَنْكِيرُ (أرْضًا) وإخْلاؤُها مِنَ الوَصْفِ لِلْإبْهامِ. أيْ في أرْضٍ مَجْهُولَةٍ، لا يَعْرِفُها الأبُ، ولا يُمْكِنُ لِيُوسُفَ أنْ يَعْرِفَ طَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ، كِنايَةً عَنْ خُلُوصِ مَحَبَّتِهِ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَلى إقْبالِهِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّيَّتِهِ، وعَلى فَراغِهِ عَنِ الشَّغْلِ بِيُوسُفَ، فَيَشْتَغِلُ بِهِمْ. ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ الفَراغِ مِن قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ أيْ تائِبِينَ إلى اللَّهِ عَمّا جَنَيْتُمْ، فَيَكُونُ صَلاحُكم فِداءً عَنْ مَعْصِيَةِ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ، أوْ تَصْلُحُ دُنْياكُمْ، وتَنْتَظِمُ أُمُورُكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكم.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: لَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ مِن قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وعُقُوقِ الوالِدِ، وقِلَّةِ الرَّأْفَةِ بِالصَّغِيرِ، الَّذِي لا ذَنْبَ لَهُ، وبِالكَبِيرِ الفانِي، ذِي الحَقِّ والحُرْمَةِ والفَضْلِ، والِدِهِ؛ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ ابْنِهِ عَلى صِغَرِ سِنِّهِ، وحاجَتِهِ إلى لُطْفِ والِدِهِ، وسُكُونِهِ إلَيْهِ. يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم.

الثّانِي: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّةِ إخْوَةِ يُوسُفَ، وظاهِرُ السِّياقِ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّهم أُوحِيَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ، ويَحْتاجُ مُدَّعِي ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ. ولَمْ يَذْكُرُوا سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهَذا فِيهِ احْتِمالٌ؛ لِأنَّ بُطُونَ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُمُ الأسْباطُ، كَما يُقالُ لِلْعَرَبِ قَبائِلُ، ولِلْعَجَمِ شُعُوبٌ. يَذْكُرُ تَعالى أنَّهُ أوْحى إلى الأنْبِياءِ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَذَكَرَهم إجْمالًا لِأنَّهم كَثِيرُونَ، ولَكِنْ كُلُّ سِبْطٍ مِن نَسْلِ رَجُلٍ مِن إخْوَةِ يُوسُفَ. ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أعْيانِ هَؤُلاءِ أنَّهم أُوحِيَ إلَيْهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.

10

قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ أيْ صَرِيحًا ورَضِيَ بِهِ الباقُونَ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أيْ لِأنَّ القَتْلَ مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي يُخافُ مَعَها سَدُّ بابِ الصَّلاحِ. وإنَّما أظْهَرَهُ في مَكانِ الإضْمارِ اسْتِجْلابًا لِشَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ، أوِ اسْتِعْظامًا لِقَتْلِهِ. ﴿وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ في غَوْرِهِ. و(الجُبُّ) البِئْرُ الَّتِي لا حِجارَةَ فِيها. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أيْ بَعْضُ الأقْوامِ الَّذِينَ يَسِيرُونَ فِي الأرْضِ، فَيَتَمَلَّكُهُ، فَلا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلى أبِيهِ، فَيَحْصُلُ مَطْلُوبُكم مِن غَيْرِ ارْتِكابِ كَبِيرَةٍ يُخافُ مَعَها سَدُّ بابِ الصَّلاحِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ عازِمِينَ مُصِرِّينَ عَلى أنْ تُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ القائِلَ هو أخُوهُمُ الأكْبَرُ، بِكْرُ يَعْقُوبَ (رَؤُوبِينُ).

ولَمّا تَواطَأُوا عَلى رَأْيِهِ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.