Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 129

71

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakah and obey Allah and His Messenger. Those - Allah will have mercy upon them. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ في المُنافِقِينَ، ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: فَلا يَزالُونَ يَذْكُرُونَهُ تَعالى، فَهو في مُقابَلَةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ [التوبة: ٦٧]

﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ بِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ، وهو بِمُقابَلَةِ وصْفِ المُنافِقِينَ، بِكَمالِ الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

72

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allah is greater. It is that which is the great attainment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٢ ] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَسْكَنِها أنْهارُ الخَمْرِ والماءِ والعَسَلِ واللَّبَنِ ﴿خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ: مَنازِلَ حَسَنَةً تَسْتَطِيبُها النُّفُوسُ أوْ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ، ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ: إقامَةٌ وثَباتٌ ويُقالُ: ﴿عَدْنٍ﴾ عَلَمٌ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ في الجَنَّةِ، لِآثارٍ فِيهِ، ولَمّا كانَ ﴿ومَساكِنَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى: (جَنّاتٍ)، قِيلَ: إنَّ المُتَعاطِفَيْنِ إمّا أنْ يَتَغايَرا بِالذّاتِ، فَيَكُونُوا وُعِدُوا بِشَيْئَيْنِ، وهُما الجَنّاتُ بِمَعْنى البَساتِينِ ومَساكِنَ في الجَنَّةِ، فَلِكُلِّ أحَدٍ جَنَّةٌ ومَسْكَنٌ، أوِ الجَنّاتُ المَقْصُودُ بِها غَيْرُ عَدْنٍ، وهي لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وعَدْنٌ لِلنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ، وإمّا أنْ يَتَّحِدا ذاتًا ويَتَغايَرا صِفَةً، فَيُنْزِلُ التَّغايُرُ الثّانِي مَنزِلَةَ الأوَّلِ، ويُعْطَفُ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنهُما عامٌّ، ولَكِنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى الأنْهارِ والبَساتِينِ، والثّانِي بِاعْتِبارِ الدُّورِ والمَنازِلِ.

قالَ القاضِي: فَكَأنَّهُ وصَفَ المَوْعُودَ أوَّلًا بِأنَّهُ مِن جِنْسِ ما هو أبْهى الأماكِنِ الَّتِي يَعْرِفُونَها لِتَمِيلَ إلَيْهِ طِباعُهم، أوَّلَ ما يَقْرَعُ أسْماعَهم، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوفٌ بِطِيبِ العَيْشِ، مُعَرًّى مِن شَوائِبِ الكُدُوراتِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْ شَيْءٍ مِنها أماكِنُ الدُّنْيا، وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ.

ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ دارُ إقامَةٍ وثَباتٍ في جِوارِ العِلِّيِّينَ، لا يَعْتَرِيهِمْ فِيها فَناءٌ ولا تَغَيُّرٌ، ثُمَّ وعَدَهم بِما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ فَوْزُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، وبِهِ يُناطُ نَيْلُ كُلِّ شَرَفٍ وسِيادَةٍ، لَعَلَّ عَدَمَ نَظْمِهِ في سِلْكِ الوَعْدِ مَعَ عِزَّتِهِ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في ضِمْنِ كُلِّ مَوْعُودٍ، ولِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وإيثارُ رِضْوانِ اللَّهِ عَلى ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى إفادَةِ أنَّ قَدْرًا يَسِيرًا مِنهُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.

وقَدْ رَوى الإمامُ مالِكٌ والشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: «يا أهْلَ الجَنَّةِ ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى يا رَبِّ؛ وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ، وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا»» .

ورَوى المَحامِلِيُّ والبَزّارُ عَنْ جابِرٍ، رَفَعَهُ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأزِيدُكم ؟ قالُوا: يا رَبَّنا ! ما هو خَيْرٌ مِمّا أعْطَيْتَنا ؟ قالَ: رِضْوانِي أكْبَرُ»» .

﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: لا ما يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا.

73

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قِيلَ: مُجاهَدَةُ المُنافِقِينَ بِالحُجَّةِ لا بِالسَّيْفِ.

قالَ في (" العِنايَةِ "): ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي مُقاتَلَةَ المُنافِقِينَ، وهم غَيْرُ مُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ، ونَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالظّاهِرِ، فَلِذا فَسَّرَ الآيَةَ السَّلَفُ بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ، بِناءً عَلى أنَّ الجِهادَ بَذْلُ الجُهْدِ في دَفْعِ ما لا يَرْضى، سَواءٌ كانَ بِالقِتالِ أوْ بِغَيْرِهِ، وهو إنْ كانَ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ، وإلّا حُمِلَ عَلى عُمُومِ المَجازِ، فَجِهادُ الكُفّارِ بِالسَّيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ بِإلْزامِهِمُ الحُجَجَ، وإزالَةِ الشُّبَهِ ونَحْوِهِ، أوْ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، إذا صَدَرَ مِنهم مُوجِبُها، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ.

وقِيلَ عَلَيْهِ بِأنَّ إقامَتَها واجِبَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ أيْضًا، وأُجِيبُ بِأنَّها في زَمَنِهِ ﷺ أكْثَرُ ما صَدَرَتْ عَنْهُمُ. انْتَهى.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ دَعْوى لا بُرْهانَ عَلَيْها، ولَيْسَ العاصِي بِمُنافِقٍ، إنَّما المُنافِقُ بِما يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ النِّفاقِ كامِنًا، لا بِما تَتَلَبَّسُ بِهِ الجَوارِحُ ظاهِرًا، وأخْبارُ المَحْدُودِينَ يَشْهَدُ سِياقُها أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأرْبَعَةِ أسْيافٍ، سَيْفٌ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وسَيْفٌ لِلْكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ، وسَيْفٌ لِلْمُنافِقِينَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وسَيْفٌ لِلْبُغاةِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] الآيَةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم يُجاهَدُونَ بِالسُّيُوفِ إذا أظْهَرُوا النِّفاقَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. انْتَهى.

وفِي (" الإكْلِيلِ ") اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِقَتْلِ المُنافِقِينَ. انْتَهى.

﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: اشْدُدْ عَلى كِلا الفَرِيقَيْنِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

74

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ ۚ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ ۚ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ

They swear by Allah that they did not say [anything against the Prophet] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islam and planned that which they were not to attain. And they were not resentful except [for the fact] that Allah and His Messenger had enriched them of His bounty. So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allah will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ أيْ: فِيكَ شَيْئًا يَسُوءُكَ ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّهُ اقْتَتَلَ رَجُلانِ: جُهَنِيٌّ وأنْصارِيٌّ، فَعَلا الجُهَنِيُّ عَلى الأنْصارِيِّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلْأنْصارِ: ألا تَنْصُرُونَ أخاكم ! واللَّهِ، ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: (سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ) . وقالَ: لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيَخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.

ورَوى الأُمَوِيُّ في " مَغازِيهِ " عَنِ ابْنِ إسْحاقَ «أنَّ الجُلاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ - وكانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ - لَمّا سَمِعَ ما يَنْزِلُ فِيهِمْ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ صادِقًا فِيما يَقُولُ، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، فَسَمِعَها عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، وكانَ في حِجْرِهِ، فَقالَ: واللَّهِ يا جُلاسُ إنَّكَ لَأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، وأحْسَنُهم عِنْدِي بَلاءً، وأعَزُّهم عَلَيَّ أنْ يَصِلَهُ شَيْئًا تَكْرَهُهُ، ولَقَدْ قُلْتَ مَقالَةً، فَإنْ ذَكَرَتْها لَتَفْضَحُنِي، ولَئِنْ كَتَمْتَها لَتُهْلِكُنِي، ولَإحْداهُما أهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرى.

فَمَشى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ ما قالَ الجُلاسُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الجُلاسَ، أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَوَقَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْها، فَزَعَمُوا أنَّ الجُلاسَ تابَ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ ونَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ» .

وهاتانِ الرِّوايَتانِ وغَيْرُهُما مِمّا رُوِيَ هُنا، كُلُّهُ مِمّا يُفِيدُ تَنَوُّعَ مَقالاتٍ وكَلِماتٍ مُكَفِّرَةٍ لَهم مِمّا هو مِن هَذا القَبِيلِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنّا تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قِيلَ أُنْزِلَتْ في الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ هَمَّ بِقَتْلِ عُمَيْرٍ ابْنِ امْرَأتِهِ، لَمّا رَفَعَ كَلِمَتَهُ المُتَقَدِّمَةَ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وقَدْ ورَدَ أنْ نَفَرًا مِنَ المُنافِقِينَ هَمُّوا بِالفَتْكِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو في غَزْوَةِ تَبُوكَ، في بَعْضِ تِلْكَ اللَّيالِي، في حالِ السَّيْرِ، وكانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.

قالَ الضَّحّاكُ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا يَزِيدُ أخْبَرَنا الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: «لَمّا أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، أمَرَ مُنادِيًا فَنادى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ العَقَبَةَ، فَلا يَأْخُذْها أحَدٌ.

فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، ويَسُوقُ بِهِ عَمّارٌ، إذْ أقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلى الرَّواحِلِ، غَشَوْا عَمّارًا، وهو يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عَمّارٌ رَضِيَ …

75

۞ وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And among them are those who made a covenant with Allah, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٥ ] ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ: حَلَفَ ﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: بِإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.

76

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

But when he gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦ ] ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ .

﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا﴾ أيْ: مِنَ العَهْدِ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾

77

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًۭا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allah in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧ ] ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .

﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيْ: فَجَعَلَ اللَّهُ عاقِبَةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ، أوْ فَأوْرَثَهُمُ البُخْلَ ﴿نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ﴾ أيْ: مِنَ التَّصَدُّقِ والصَّلاحِ ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في العَهْدِ.

78

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

Did they not know that Allah knows their secrets and their private conversations and that Allah is the Knower of the unseen?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨ ] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ .

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ أيْ: ما أسَرُّوهُ مِنَ النِّفاقِ والعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُطاعِنِ في الدِّينِ ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ: ما غابَ عَنِ العِبادِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" لُبابِ النُّقُولِ "): أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في (" الدَّلائِلِ ") بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ، «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: «ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ ! قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ، خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ» . قالَ: واللَّهِ لَئِنْ آتانِي اللَّهُ مالًا لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ حَتّى ضاقَتْ عَلَيْهِ أزِقَّةُ المَدِينَةِ، فَتَنَحّى بِها، وكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْها، ثُمَّ نَمَتْ حَتّى تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَراعِي المَدِينَةِ فَتَنَحّى بِها، وكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْها، ثُمَّ نَمَتْ حَتّى تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ مَراعِي المَدِينَةِ، فَتَنَحّى بِها، فَكانَ يَشْهَدُ الجُمُعَةَ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَيْها، ثُمَّ نَمَتْ، فَتَنَحّى بِها، فَتَرَكَ الجُمْعَةَ والجَماعاتِ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] فاسْتَعْمَلَ عَلى الصَّدَقاتِ رَجُلَيْنِ، وكَتَبَ لَهُما كِتابًا، فَأتَيا ثَعْلَبَةَ، فَأقْرَآهُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى النّاسِ، فَإذا فَرَغْتُمْ فَمُرُّوا بِي فَفَعَلا، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، فانْطَلَقا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]» الحَدِيثَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ «أنَّهُ جاءَ بَعْدُ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ»، فَجَعَلَ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ. فَقالَ: «هَذا عَمَلُكَ، قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي»، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ بِها إلىأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، وكَذا عُمَرُ وعُثْمانُ، ثُمَّ إنَّهُ هَلَكَ في أيّامِ عُثْمانَ».

قالَ الشِّهابُ: مَجِيءُ ثَعْلَبَةَ وحَثْوُهُ التُّرابَ، لَيْسَ لِلتَّوْبَةِ مِن نِفاقِهِ، بَلْ لِلْعارِ مِن عَدَمِ قَبُولِ زَكاتِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ««هَذا عَمَلُكَ»»، أيْ: جَزاءَ عَمَلِكَ، وهو عَدَمُ إعْطائِهِ المُصَّدِّقِينَ، مَعَ مَقالَتِهِ الشَّنْعاءِ.

قالَ الحاكِمُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَتُهُ وهو مُكَلَّفٌ بِالتَّصَدُّقِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِذَلِكَ، كَيْلا يَجْتَرِئَ النّاسُ عَلى نَقْضِ العَهْدِ، ومُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ورَدِّ سُعاةِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ لُطْفًا في تَرْكِ البُخْلِ والنِّفاقِ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها أحْكامٌ:

مِنها: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ واجِبٌ، إذا تَعَلَّقَ العَهْدُ بِواجِبٍ، والعَهْدُ إنْ حُمِلَ عَلى اليَمِينِ بِاللَّهِ، فَذَلِكَ ظاهِرٌ، وإنْ حُمِلَ عَلى النَّذْرِ، فَفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما أوْجَبَ اللَّهُ.

ومِنها: أنَّ …

79

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allah will ridicule them, and they will have a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩ ] ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أيْ: يَعِيبُونَ ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ أيِ: المُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ فَيَزْعُمُونَ أنَّهم تَصَدَّقُوا رِياءً ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ: ويَلْمِزُونَ الَّذِينَ ﴿لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ أيْ: لا يَجِدُونَ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إلّا قَلِيلًا، وهو مِقْدارُ طاقَتِهِمْ.

﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَهْزَؤُونَ بِهِمْ، ويَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَتِهِمْ، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: جازاهم عَلى سَخَرِهِمْ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

رَوى البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنّا نُحامِلُ فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُرائِي. وجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصاعٍ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآيَةَ، رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي السَّلِيلِ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ أبِيهِ أوْ عَمِّهِ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ أشْهَدُ لَهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ» ؟ فَجاءَ رَجُلٌ لَمْ أرَ رَجُلًا أشَدَّ مِنهُ سَوادًا، ولا أصْغَرَ مِنهُ ولا آدَمَ، بِناقَةٍ لَمْ أرَ أحْسَنَ مِنها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُونَكَ هَذِهِ النّاقَةَ. قالَ: فَلَمَزَهُ رَجُلٌ فَقالَ: هَذا يَتَصَدَّقُ بِهَذِهِ، فَواللَّهِ لَهي خَيْرٌ مِنهُ، فَسَمِعَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «كَذَبْتَ ! بَلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها ثَلاثَ مَرّاتٍ»، ثُمَّ قالَ: «ويْلٌ لِأصْحابِكِ إلّا مَن قالَ بِالمالِ هَكَذا وهَكَذا»، وجَمَعَ بَيْنَ كَفَّيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ».

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ المُطَّوِّعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وعاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أخا بَنِي عَجْلانَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَغَّبَ في الصَّدَقَةِ، وحَضَّ عَلَيْها، فَقامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَتَصَدَّقَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقامَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ وتَصَدَّقَ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، فَلَمَزُوها وقالُوا: ما هَذا إلّا رِياءٌ.

وكانَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِجُهْدِهِ أبا عُقَيْلٍ، أخا بَنِي أُنَيْفٍ، أتى بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَأفْرَغَها في الصَّدَقَةِ فَتَضاحَكُوا بِهِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ أبِي عُقَيْلٍ.

ورَوى الحافِظُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَصَدَّقُوا فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثًا»، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! عِنْدِي أرْبَعَةُ آلافٍ، ألْفَيْنِ أُقْرِضُهُما لِرَبِّي، وألْفَيْنِ لِعِيالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ، وبارَكَ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ» .

وباتَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَأصابَ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أصَبْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، صاعٌ أُقْرِضُهُ لِرَبِّي، وصاعٌ لِعِيالِي. قالَ، فَلَمَزَهُ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أعْطى الَّذِي أعْطى ابْنُ عَوْفٍ إلّا رِياءً، وقالُوا ألَمْ يَكُنِ اللَّهُ ورَسُولُهُ غَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ».

وقَوْلُهُ ﷺ ««أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثًا»» أيْ: لِغَزْوِ الرُّومِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ …

80

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةًۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Ask forgiveness for them, [O Muhammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allah forgive them. That is because they disbelieved in Allah and His Messenger, and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠ ] ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ ﴿أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ: فَإنَّهُما في حَقِّهِما سَواءٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ اسْتِحالَةَ المَغْفِرَةِ لَهم وإنْ بُولِغَ في الِاسْتِغْفارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ﴾ أيْ: عَدَمُ الغُفْرانِ لَهم ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ حُدُودِهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إلَخْ، إنْشائِيَّةٌ لَفْظًا، خَبَرِيَّةٌ مَعْنًى.

والمُرادُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الِاسْتِغْفارِ لَهم، وتَرْكُهُ في اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ.

وتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأمْرِ، لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ اسْتِوائِهِما، كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ بِامْتِحانِ الحالِ، بِأنْ يَسْتَغْفِرَ تارَةً، ويَتْرُكَ أُخْرى، لِيَظْهَرَ لَهُ جَلِيَّةُ الأمْرِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى:

﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] وقَدْ ورَدَتْ بِصِيغَةِ الخَبَرِ في سُورَةِ المُنافِقُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]

الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (السَّبْعُونَ) جارٍ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِهِمْ لِلتَّكْثِيرِ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ:

؎لَأصْبَحَنَّ العاصَ وابْنَ العاصِي سَبْعِينَ ألْفًا عاقِدِي النَّواصِي

أيْ: فَذِكْرُها لِلْمُبالَغَةِ في حَسْمِ مادَّةِ الِاسْتِغْفارِ لَهم، جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ في ذِكْرِها لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّحْدِيدِ، بِأنْ يَكُونَ ما زادَ عَلَيْها بِخِلافِها.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: شاعَ اسْتِعْمالُ السَّبْعَةِ والسَّبْعِينَ والسَّبْعِمِائَةٍ في مُطْلَقِ التَّكْثِيرِ، لِاشْتِمالِ السَّبْعَةِ عَلى جُمْلَةِ أقْسامِ العَدَدِ، فَكَأنَّها العَدَدُ بِأسْرِهِ.

وقِيلَ: هي أكْمَلُ الأعْدادِ، لِجَمْعِها مَعانِيَها، ولِأنَّ السِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ، لِتَعادُلِ أجْزائِها الصَّحِيحَةِ، إذْ نَصِفُها ثَلاثَةٌ، وثُلُثُها اثْنانِ، وسُدُسُها واحِدٌ، وجُمْلَتُها سَبْعَةٌ، وهي مَعَ الواحِدِ سَبْعَةٌ، فَكانَتْ كامِلَةً، إذْ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ التَّمامِ إلّا الكَمالُ، ثُمَّ السَّبْعُونَ غايَةُ الكَمالِ، إذِ الآحادُ غايَتُها العَشَراتُ، والسَّبْعُمِائَةٍ غايَةُ الغاياتِ - انْتَهى.

الثّالِثُ: رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمّا أرادَ أنْ يَصُدَّهُ عَنِ الصَّلاةِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، وسَأزِيدُهُ عَلى السَّبْعِينَ».

فَظاهِرُ هَذا أنَّ (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، وأنَّ السَّبْعِينَ لَهُ حَدٌّ يُخالِفُهُ حُكْمُ ما وراءَهُ، وهو مِنَ الإشْكالِ بِمَكانٍ.

ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو أفْصَحُ العَرَبِ وأخْبَرُهم بِأسالِيبِ الكَلامِ وتَمْثِيلاتِهِ ؟ والَّذِي يُفْهَمُ مِن هَذا العَدَدِ …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.