Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 129

61

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌۭ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍۢ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear." Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allah and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allah - for them is a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦١ ] ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

﴿ومِنهُمُ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم، ومَن أشَدُّ مِنَ اللّامِزِ في الصَّدَقاتِ إذْ هم ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾ أيْ: يَسْمَعُ كُلَّ ما يُقالُ لَهُ ويَصَدِّقُهُ، ويَعْنُونَ إنَّهُ لَيْسَ بَعِيدَ الغَوْرِ، بَلْ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما قالُوهُ لِأنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَ لا يُواجِهُهم بِسُوءِ ما صَنَعُوا، ويَصْفَحُ عَنْهم حِلْمًا وكَرَمًا، فَحَمَلُوهُ عَلى سَلامَةِ القَلْبِ، وقالُوا ما قالُوا.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: (الأُذُنُ) الرَّجُلُ المُسْتَمِعُ القابِلُ لِما يُقالُ لَهُ، وصَفُوا بِهِ الواحِدَ والجَمْعَ، فَيُقالُ: رَجُلٌ أُذُنٌ، ورِجالٌ أُذُنٌ، فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وإنَّما سُمَّوْهُ باسِمِ العُضْوِ تَهْوِيلًا وتَشْنِيعًا، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، أُطْلِقَ فِيهِ الجُزْءُ عَلى الكُلِّ مُبالَغَةً بِجَعْلِ جُمْلَتِهِ، لِفَرْطِ اسْتِماعِهِ، آلَةَ السَّماعِ، كَما سُمِّيَ الجاسُوسُ عَيْنًا لِذَلِكَ، ونَحْوُهُ:

؎إذا ما بَدَتْ لَيْلى فَكُلِّيَ أعْيُنٌ وإنْ حَدَّثُوا عَنْها فَكُلِّي مَسامِعُ

وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ: بِـ (الأُذُنِ) في أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وراءَ الِاسْتِماعِ تَمْيِيزُ حَقٍّ عَنْ باطِلٍ.

قالَ الشِّهابُ: ولَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ. وقِيلَ إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ذُو أُذُنٍ.

قالَ الشِّهابُ: وهو مُذْهِبٌ لِرَوْنَقِهِ. وقِيلَ: هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن (أذِنَ إلَيْهِ ولَهُ)، كَفَرِحَ: اسْتَمَعَ. قالَ عَمْرُو بْنُ الأهْيَمِ:

؎فَلَمّا أنْ تَسايَرْنا قَلِيلًا ∗∗∗ أذِنَّ إلى الحَدِيثِ فَهُنَّ صُورُ

ولِقَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ:

؎إنْ يَسْمَعُوا رِيبَةً طارُوا بِها فَرَحًا ∗∗∗ مِنِّي، وما سَمِعُوا مِن صالِحٍ دَفَنُوا

؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهم أذِنُوا

وفِي الحَدِيثِ: ««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» .

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِمَن يَتْلُوهُ، يَجْهَرُ بِهِ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيِ: اسْتَمَعَتْ. كَذا في (" تاجِ العَرُوسِ ") .

وعَلى هَذا فَـ (أُذُنٌ) صِفَةٌ بِمَعْنى سَمِيعٍ ولا تَجُوزَ فِيهِ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ.

وعَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: (ويَقُولُونَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ: لِأنَّهُ نَفْسُ الإيذاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ، كَرَجُلِ صِدْقٍ، تُرِيدُ المُبالَغَةَ في الجَوْدَةِ والصَّلاحِ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هو أُذُنٌ، ولَكِنْ نِعْمَ الأُذُنُ أوْ إضافَتُهُ عَلى مَعْنى (في)، أيْ: هو أُذُنٌ في الخَيْرِ والحَقِّ، وفِيما يَجِبُ سَماعُهُ وقَبُولُهُ، ولَيْسَ بِأُذُنٍ في غَيْرِ ذَلِكَ.

ودَلَّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ (ورَحْمَةٍ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلَيْهِ، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ لَكم ورَحْمَةٍ لا يَسْمَعُ غَيْرَهُما ولا يَقْبَلُهُ.

ثُمَّ فَسَّرَ كَوْنَهُ أُذُنَ خَيْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ القاشانِيُّ: هو بَيانُ لِينِهِ ﷺ وقابِلِيَّتِهِ، لِأنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ سَلامَةِ القَلْبِ ولَطافَةِ النَّفْسِ ولِينِها ﴿ويُؤْمِنُ …

62

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ

They swear by Allah to you [Muslims] to satisfy you. But Allah and His Messenger are more worthy for them to satisfy, if they should be believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٢ ] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، وكانَ المُنافِقُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِالمَطاعِنِ، أوْ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الجِهادِ، ثُمَّ يَأْتُونَهم فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِمْ، ويُؤَكِّدُونَ مَعاذِيرَهم بِالحَلِفِ لِيَعْذُرَهم، ويَرْضَوْا عَنْهم، فَقِيلَ لَهم: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كَما تَزْعُمُونَ، فَأحَقُّ مَن أرْضَيْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ بِالطّاعَةِ والوِفاقِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ الظّاهِرُ بَعْدَ العَطْفِ بِالواوِ التَّثْنِيَةَ، وقَدْ أُفْرِدَ، وجَّهُوهُ:

بِأنَّ إرْضاءَ الرَّسُولِ إرْضاءٌ لِلَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فَلِتَلازُمِهِما جُعِلا كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَعادَ عَلَيْهِما الضَّمِيرُ المُفْرَدُ، و: (أحَقُّ)، عَلى هَذا، خَبَرٌ عَنْهُما مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ.

أوْ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، و: (أحَقُّ) خَبَرُهُ، لِسَبْقِهِ.

والكَلامُ جُمْلَتانِ، حُذِفَ خَبَرُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، لِدَلالَةِ الأُولى عَلَيْهِ، أيْ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.

وسِيبَوَيْهِ جَعَلَهُ لِلثّانِي، لِأنَّهُ أقْرَبُ، مَعَ السَّلامَةِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ كَقَوْلِهِ:

؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْ دَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ

أوْ بِأنَّ الضَّمِيرَ لَهُما بِتَأيُّلِ ما ذُكِرَ، أوْ كُلٌّ مِنهُما، وأنَّهُ لَمْ يُثَنَّ تَأدُّبًا لِئَلّا يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّهِ وغَيْرِهِ في ضَمِيرِ تَثْنِيَةٍ، وقَدْ نَهى عَنْهُ، عَلى كَلامٍ فِيهِ.

أوْ بِأنَّ الكَلامَ في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ وإرْضائِهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَمْهِيدًا، فَلِذا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ، وخَصَّ الخَبَرَ بِالرَّسُولِ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَأمُّلٌ. انْتَهى.

وقَدْ عُهِدَ لَهُمُ القَوْلُ بِمِثْلِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وقِراءَةُ التّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، لِلتَّوْبِيخِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

63

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًۭا فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ

Do they not know that whoever opposes Allah and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٣ ] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ .

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِسُوءِ عاقِبَتِها.

وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا بِما سَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن فُنُونِ القَوارِعِ والإنْذاراتِ ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ أيْ: مَن يُخالِفِ اللَّهَ ورَسُولَهُ.

قالَ اللَّيْثُ: حادَدْتُهُ أيْ: خالَفْتُهُ، والمُحادَدَةُ كالمُجانَبَةِ والمُعاداةِ والمُخالَفَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ (الحَدِّ)، بِمَعْنى الجِهَةِ والجانِبِ، كَما أنَّ المُشاقَّةَ مِنَ (الشِّقِّ) بِمَعْناهُ أيْضًا، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَخالِفَيْنِ والمُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ وشِقٍّ، غَيْرَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ.

فَمَعْنى: ﴿يُحادِدِ اللَّهَ﴾ يَصِيرُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدٍّ أوْلِياءِ اللَّهِ، بِالمُخالَفَةِ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ، حَدِيدِ السِّلاحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الذُّلُّ والهَوانُ الدّائِمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

64

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌۭ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌۭ مَّا تَحْذَرُونَ

They hypocrites are apprehensive lest a surah be revealed about them, informing them of what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allah will expose that which you fear."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٤ ] ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .

﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ ما نَزَلَ في حَقِّهِمْ، نازِلٌ عَلَيْهِمْ (سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ) أيْ: مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ، فَضْلًا عَمّا كانُوا يُظْهِرُونَهُ فِيما بَيْنَهم مِن أقاوِيلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ.

ومَعْنى تَنْبِئَتِها إيّاهم بِما في قُلُوبِهِمْ، مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهم، وأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُمُ اطِّلاعُ المُؤْمِنِينَ عَلى أسْرارِهِمْ، لا اطِّلاعَ أنْفُسِهِمْ عَلَيْها أنَّها تُذِيعُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ مِن أسْرارِهِمْ، فَتَنْتَشِرُ فِيما بَيْنَ النّاسِ، فَيَسْمَعُونَها مِن أفْواهِ الرِّجالِ مُذاعَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم بِها.

والمُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ المُبالَغَةُ في كَوْنِ السُّورَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أسْرارِهِمْ، كَأنَّها تَعْلَمُ مِن أحْوالِهِمُ الباطِنَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ، فَتُنْبِئُهم بِها، وتَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبائِحَهم.

وقِيلَ: مَعْنى (يَحْذَرُ لِيَحْذَرَ)، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ الأوَّلانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ لِلْمُنافِقِينَ، ولا يُبالِي بِالتَّفْكِيكِ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ بِعَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ، أيْ: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ سُورَةٌ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

فَإنْ فُلْتَ: المُنافِقُ كافِرٌ، فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى الرَّسُولِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّ القَوْمَ، وإنْ كانُوا كافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهم شاهَدُوا أنَّهُ ﷺ كانَ يُخْبِرُهم بِما يَكْتُمُونَهُ، فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ.

وقالَ الأصَمُّ: إنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صادِقًا مِنَ اللَّهِ، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وعِنادًا.

وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنْ يَبْعُدَ في العالِمِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ، أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما. لَكِنْ قالَ الرّازِيُّ: هو غَيْرُ بَعِيدٍ، لِأنَّ الحَسَدَ إذا قَوِيَ في القَلْبِ، صارَ بِحَيْثُ يُنازَعُ في المَحْسُوساتِ. انْتَهى.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا حَذَرٌ أظْهَرَهُ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ ﷺ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ، ويَدَّعِي أنَّهُ عَنِ الوَحْيِ، وكانَ المُنافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ، أوِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ أيْ: مُظْهِرٌ بِالوَحْيِ ما تَحْذَرُونَ خُرُوجَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، ومِن مَثالِبِكم ومَخازِيكُمُ المُسْتَكِنَّةِ في قُلُوبِكُمُ الفاضِحَةِ لَكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] إلى قَوْلِهِ:

﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: كانَتْ تُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ (الفاضِحَةَ)، فاضِحَةً لِلْمُنافِقِينَ.

65

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ

And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allah and His verses and His Messenger that you were mocking?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٥ ] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَنْ إتْيانِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ المُتَضَمِّنَةِ لِلِاسْتِهْزاءِ بِما ذُكِرَ، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أيْ: في الِاعْتِذارِ، إنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ القَلْبِ حَتّى يَكُونَ نِفاقًا وكُفْرًا بَلْ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ﴾ أيْ: نَدْخُلُ هَذا الكَلامَ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ ﴿ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَمْزَحُ ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: في تَرْوِيحِكم ومِزاحِكم، ولَمْ تَجِدُوا لَهُما كَلامًا آخَرَ.

66

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍۢ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

Make no excuse; you have disbelieved after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٦ ] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .

﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تَشْتَغِلُوا بِاعْتِذاراتِكُمُ الكاذِبَةِ، فالنَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِ وإدامَتِهِ إذْ أصْلُهُ وقَعَ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ والطَّعْنِ فِيهِ وبِاسْتِهْزائِكم بِمَقالِكم ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (" الإكْلِيلِ "): قالَ إلْكِيا: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللّاعِبَ والجادَّ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ، وأنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِآياتِ اللَّهِ كُفْرٌ - انْتَهى - .

قالَ الرّازِيُّ: لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ، والعُمْدَةُ الكُبْرى في الإيمانِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى بِأقْصى الإمْكانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ.

وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (" المِلَلِ "): كُلُّ ما فِيهِ كُفْرٌ بِالبارِئِ تَعالى، واسْتِخْفافٌ بِهِ، أوْ بِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، أوْ بِمَلَكٍ مِن مَلائِكَتِهِ، أوْ بِآيَةٍ مِن آياتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَحِلُّ سَماعُهُ، ولا النُّطْقُ بِهِ، ولا يَحِلُّ الجُلُوسُ حَيْثُ يُلْفَظُ بِهِ. ثُمَّ ساقَ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، أوْ تَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ، أوْ مُقْدِمِينَ عَلى الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ.

تَنْبِيهٌ:

رُوِيَ في صِفَةِ اسْتِهْزاءِ المُنافِقِينَ رِواياتٌ عِدَّةٌ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ رَهْطٌ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ومِنهم رَجُلٌ مِن أشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقالُ لَهُ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، (ويُقالُ مَخْشِيٌّ)، يُشِيرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُنْطَلِقٌ إلى تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. واللَّهِ ! لَكَأنّا بِكم غَدًا مُقَرَّنِينَ في الحِبالِ، إرْجافًا وتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ: واللَّهِ ! لَوَدِدْتُ أنْ أُقاضى عَلى أنْ يُضْرَبَ كُلٌّ مِنّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وأنّا نَتَقَلَّبُ أنْ يَنْزِلَ فِينا قُرْآنٌ، لِمَقالَتِكم هَذِهِ، وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما بَلَغَنِي لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أدْرِكِ القَوْمَ، فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهم عَمّا قالُوا، فَإنْ أنْكَرُوا فَقُلْ: بَلى ! قُلْتُمْ: كَذا وكَذا» . فانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عَمّارٌ، فَقالَ ذَلِكَ لَهم، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، فَقالَ ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ - ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ واقِفٌ عَلى ناقَتِهِ -: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]»

وقالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَعَدَ بِي اسْمِي واسْمُ أبِي، وكانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُخَشِّنَ، فَتَسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَكانِهِ فَقُتِلَ بِيَوْمِ اليَمامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ انْتَهى.

وقالَ عِكْرِمَةُ: مِمَّنْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَفا عَنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْمَعُ آيَةً أنا أُعْنى بِها، تَقْشَعِرُّ مِنها الجُلُودُ، وتَوْجَلُ مِنها القُلُوبُ، اللَّهُمَّ فاجْعَلْ وفاتِي …

67

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands. They have forgotten Allah, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٧ ] ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَشابِهُونَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، كَتَشابُهِ أبْعاضِ الشَّيْءِ الواحِدِ. والمُرادُ الِاتِّحادُ في الحَقِيقَةِ والصِّفَةِ. فَمِنِ اتِّصالِيَّةٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَكْذِيبُهم في قَوْلِهِمْ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ: وما هم مِنكم، ثُمَّ وصَفَهم بِما يَدُلُّ عَلى مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ كالكُفْرِ والمَعاصِي، ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ كالإيمانِ والطّاعاتِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: بُخْلًا بِالمَبَرّاتِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ قَبْضَ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ والبُخْلِ، كَما أنَّ بَسْطَها كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ، لِأنَّ مَن يُعْطِي يَمُدُّ يَدَهُ، بِخِلافِ مَن يَمْنَعُ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أيْ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ وطاعَتَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ.

قالَ الشِّهابُ: مَعْنى: (نَسُوا اللَّهَ) أنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ ولا يُطِيعُونَهُ، لِأنَّ الذِّكْرَ لَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِإطاعَتِهِ، فَجَعَلَ النِّسْيانَ مَجازًا عَنِ التَّرْكِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ الطّاعَةِ، ونِسْيانُ اللَّهِ مَنعُ لُطْفِهِ وفَضْلِهِ عَنْهم.

قالَ النِّحْرِيرُ: جَعَلَ النِّسْيانَ مَجازًا لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى، وامْتِناعِ المُؤاخَذَةِ عَلى نِسْيانِ البَشَرِ.

﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الفِسْقِ، الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ، والِانْسِلاخُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ.

وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنَّ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُهُ هَذا الِاسْمُ الفاحِشُ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ حِينَ بالَغَ في ذَمِّهِمْ، وإذا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَقُولَ: كَسِلْتُ، لِأنَّ المُنافِقِينَ وُصِفُوا بِالكَسَلِ في قَوْلِهِ: (كُسالى) فَما ظَنُّكَ بِالفِسْقِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

68

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ هِىَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

Allah has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allah has cursed them, and for them is an enduring punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٨ ] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .

﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: عِقابًا وجَزاءً: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: لا يَنْقَطِعُ.

69

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةًۭ وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَٰدًۭا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٩ ] ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ مَثَلُ الَّذِينَ أوْ فَعَلْتُمْ مِثْلَهم، أيْ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عُذِّبُوا، والِالتِفاتُ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلتَّشْدِيدِ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿وأكْثَرَ أمْوالا﴾ أيْ: تُفِيدُهم مَزِيدَ قُوَّةٍ، ومَنافِعَ جَمَّةً ﴿وأوْلادًا﴾ أيْ: تُفِيدُهم مَزِيدَ قُوَّةٍ لا تَفُوتُ بِفَواتِ المالِ، ومَنافِعَ أُخَرَ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ: انْتَفَعُوا بِنَصِيبِهِمْ، ثُمَّ أعْطاكم أيُّها المُنافِقُونَ أقَلَّ مِمّا أعْطاهم ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: دَخَلْتُمْ في الباطِلِ، كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ، أوْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: لَمْ يَسْتَحِقُّوا عَلَيْها ثَوابًا في الدّارَيْنِ، أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَما لَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا الدّارَيْنِ.

رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَتَّتَبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ، وباعًا بِباعٍ، حَتّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» . قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أهْلُ الكِتابِ ؟ قالَ: «فَمَن ؟» وفي رِوايَةٍ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ:

«اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمُ القُرْآنَ»: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ - قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: الخَلاقُ: الدِّينُ - قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! كَما صَنَعَتْ فارِسُ والرُّومُ ؟ قالَ: «فَهَلِ النّاسُ إلّا هم» ؟» وهَذا الحَدِيثُ لَهُ شاهِدٌ في الصَّحِيحِ - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ مُغْنٍ مِنهُ، كَما أغْنى قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ عَنْ أنْ يُقالَ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يَذُمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ بِشَهَواتِهِمُ الفانِيَةِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسِّسَ أمْرَ الِاسْتِمْتاعِ، ويُهَجِّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ يُشَبِّهُ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ، كَما تُرِيدُ أنَّ تَنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماحَةِ فِعْلِهِ فَتَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ، كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ، ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ، مُسْتَغْنٍ بِاسْتِنادِهِ إلَيْهِ، عَنْ تِلْكَ التَّقْدِمَةِ.

ثُمَّ وعَظَ تَعالى المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ:

70

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] 'Aad and Thamud and the people of Abraham and the companions of Madyan and the towns overturned? Their messengers came to them with clear proofs. And Allah would never have wronged them, but they were wronging themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٠ ] ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ التَّواتُرِ ﴿نَبَأُ﴾ أيْ: خَبَرُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهو إهْلاكُهم بَعْدَ تَنْعِيمِهِمْ لِكُفْرِهِمْ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ، مِنها تَطْوِيلُ أعْمارِهِمْ، ثُمَّ أُهْلِكُوا بِالطُّوفانِ ﴿وعادٍ﴾ قَوْمِ هُودٍ، أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ مِنها مَزِيدُ قُوَّتِهِمْ، ثُمَّ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وثَمُودَ﴾ قَوْمِ صالِحٍ، أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ، مِنها القُصُورُ، ثُمَّ أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ ﴿وقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أُهْلِكُوا بِالهَدْمِ - كَذا في (" التَّنْوِيرِ ") .

وقالَ المَهايِمِيُّ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ مِنها عِظَمُ المُلْكِ، ثُمَّ أهْلَكَ مَلِكَهم نَمْرُودَ بِالبَعُوضِ الدّاخِلِ في أنْفِهِ ﴿وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ قَوْمِ شُعَيْبٍ، أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ، مِنها التِّجارَةُ، ثُمَّ أهْلَكَهم بِإفاضَةِ النّارِ عَلَيْهِمْ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمْ، أيِ: انْقَلَبَتْ بِهِمْ، فَصارَ عالِيها سافِلَها، وأُمْطِرُوا حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ، أنْ جاءَتْهم بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِهِمْ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: بِإهْلاكِهِ إيّاهم، لِأنَّهُ أقامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإزاحَةِ العِلَلِ.

والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ: فَكَذَّبَهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وتَرْكِ شُكْرِهِ تَعالى، وصَرْفِهِمْ نِعَمَهُ إلى غَيْرِهِ ما أعْطاهم إيّاهم لِأجْلِهِ، فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ العَذابَ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.