Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 129

51

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَىٰنَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Say, "Never will we be struck except by what Allah has decreed for us; He is our protector." And upon Allah let the believers rely.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥١ ] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ: ما أثْبَتَهُ لِمَصْلَحَتِنا الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ، فَلا وجْهَ لِهَذا الفَرَحِ، لِرِضانا بِقَضائِهِ في تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَلَمْ يَسُؤْنا بِالحَقِيقَةِ كَيْفَ ؟

ولَمْ يَكْتُبْها عَلَيْنا لِيَضُرَّنا بِها، إذْ: ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ أيْ: يَتَوَلّى أُمُورَنا، فَإنَّما كَتَبَها عَلَيْنا لِيُوَفِّقَنا لِلصَّبْرِ والرِّضا بِها، فَيُعْطِينا مِنَ الأجْرِ ما هو خَيْرٌ مِنها ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا ناصِرَ ولا مُتَوَلِّيَ لِأمْرِهِمْ غَيْرُهُ.

52

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ

Say, "Do you await for us except one of the two best things while we await for you that Allah will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٢ ] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ .

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ أيْ: تَنْتَظِرُونَ ﴿بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ أيِ: العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَلُّ واحِدَةٍ مِنهُما هي حُسْنى العَواقِبِ، وهُما النَّصْرُ والشَّهادَةُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ أيْ: إحْدى السُّوئَيْنِ مِنَ العَواقِبِ إمّا: ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ أيْ: كَما أصابَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿أوْ﴾ بِعَذابٍ: ﴿بِأيْدِينا﴾ وهو القَتْلُ عَلى الكُفْرِ.

﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيْ: بِنا ما ذُكِرَ مِن عَواقِبِنا ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ أيْ: مُنْتَظِرُونَ ما هو عاقِبَتُكم فَلا بُدَّ أنْ يَلْقى كُلُّنا ما يَتَرَبَّصُهُ، لا يَتَجاوَزُهُ، فَلا تُشاهِدُونَ إلّا ما يَسُرُّنا، ولا نُشاهِدُ إلّا ما يَسُوؤُكم.

وقَوْلُهُ تَعالى:

53

قُلْ أَنفِقُوا۟ طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٣ ] ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ .

﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ يَعْنِي أمْوالَكم في سَبِيلِ اللَّهِ ووُجُوهِ البِرِّ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الفاعِلِ، أيْ: طائِعِينَ مِن قِبَلِ أنْفُسِكم، أوْ كارِهِينَ مَخافَةَ القَتْلِ ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ الإنْفاقُ. ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ: عاتِينَ، مُتَمَرِّدِينَ.

لَطائِفُ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أمَرَهم بِالإنْفاقِ ثُمَّ قالَ: ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ! قُلْتُ: هو أمْرٌ في مَعْنى الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ومَعْناهُ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]

وقَوْلُهُ:

؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً

أيْ: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمُ، اسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم، ولا نَلُومُكَ، أسَأْتَ إلَيْنا أمْ أحْسَنْتَ.

فَإنْ قُلْتَ: مَتى يَجُوزُ هَذا ؟ قُلْتُ: إذا دَلَّ الكَلامُ عَلَيْهِ، كَما جازَ عَكْسُهُ في قَوْلِكَ: رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا وغَفَرَ لَهُ.

فَإنْ قُلْتَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: لِنُكْتَةٍ فِيهِ، وهي أنْ كُثَيِّرًا كَأنَّهُ يَقُولُ لِعَزَّةَ: امْتَحِنِي لُطْفَ مَحَلِّكِ عِنْدِي، وقُوَّةَ مَحَبَّتِي لَكِ، وعامِلِينِي بِالإساءَةِ والإحْسانِ، وانْظُرِي: هَلْ يَتَفاوَتُ حالِي مَعَكِ، مُسِيئَةً كُنْتِ أوْ مُحْسِنَةً ! وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎أخُوَكَ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عامِدًا ∗∗∗ لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَغِشَّكَ في الوُدِّ

وكَذَلِكَ المَعْنى: أنْفَقُوا وانْظُرُوا، هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنكم ؟ واسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم، وانْظُرْ هَلْ تَرى اخْتِلافًا بَيْنَ حالِ الِاسْتِغْفارِ وتَرْكِهِ ؟

فَإنْ قُلْتَ: ما الغَرَضُ في نَفْيِ التَّقَبُّلِ، أهْوَ تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقَبُّلَهُ مِنهم، ورَدُّهُ عَلَيْهِمْ ما يَبْذُلُونَ مِنهُ، أمْ هو كَوْنُهُ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ذاهِبًا هَباءً لا ثَوابَ لَهُ ؟ قُلْتُ: يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ جَوابِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ حَيْثُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَذا مالِي أُعِينُكَ بِهِ، فاتْرُكْنِي ولا تَفْتِنِّي. واللَّهُ أعْلَمُ.

54

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allah and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٤ ] ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ .

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى قَبائِحَ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ المُهِينِ، وعَدَمِ قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ، تَأثَّرَهُ بِبَيانِ أنَّ ما يَظُنُّونَهُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا هو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِعَذابِهِمْ وبَلائِهِمْ، فَيَنْجَلِي تَمامَ الِانْجِلاءِ أنَّ النِّفاقَ مَهْواةُ الخَسارِ، لِجَلْبِهِ آفاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

55

فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

So let not their wealth or their children impress you. Allah only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٥ ] ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ .

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ أيْ: لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم، كَما قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُكابِدُونَ لِجَمْعِها وحِفْظِها مِنَ المَتاعِبِ، وما يَرَوْنَ فِيها مِنَ الشَّدائِدِ والمَصائِبِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ قِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ.

وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وهَذِهِ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ: يُرِيدُ إعْطاءَهم لِتَعْذِيبِهِمْ، ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ أيْ: فَيَمُوتُوا كافِرِينَ، لاهِينَ بِالتَّمَتُّعِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم.

وأصْلُ (الزَّهُوقِ) الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ - أفادَهُ القاضِي - .

56

وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌۭ يَفْرَقُونَ

And they swear by Allah that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٦ ] ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ .

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ ﴿إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ في الدِّينِ لِيَدْفَعُوا، بِدَلالَةِ اليَمِينِ، دَلائِلَ النِّفاقِ ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ في ذَلِكَ يَعْنِي أنَّهم كاذِبُونَ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ القَتْلَ، وما يُفْعَلُ بِالمُشْرِكِينَ، فَيَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ تَقِيَّةً، ويُؤَيِّدُونَهُ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ.

ثُمَّ أشارَ إلى سَبَبِ الخَوْفِ، وهو اضْطِرارُهم إلى مَساكِنِهِمْ مَعَ ضَعْفِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

57

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَـًٔا أَوْ مَغَٰرَٰتٍ أَوْ مُدَّخَلًۭا لَّوَلَّوْا۟ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٧ ] ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ .

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أيْ: حِصْنًا يَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ يَعْنِي غِيرانًا في الجِبالِ يَسْكُنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم غارًا ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ يَعْنِي مَوْضِعَ دُخُولٍ يَدْخُلُونَ فِيهِ، والسِّرْبَ في الأرْضِ ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَأقْبَلُوا نَحْوَهُ ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا، لا يَرُدُّهم شَيْءٌ، كالفَرَسِ الجَمُوحِ، أيِ: النَّفُورُ الَّذِي لا يَرُدُّهُ لِجامٌ، أيْ: لَوْ وجَدُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأمْكِنَةِ الَّتِي هي مَنفُورٌ عَنْها، مُسْتَنْكِرَةٌ، لَأتَوْهَ لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، وكَراهَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وغَمِّهِمْ بِعِزِّ الإسْلامِ، ونَصْرِ أهْلِهِ.

58

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنْ أُعْطُوا۟ مِنْهَا رَضُوا۟ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا۟ مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٨ ] ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ .

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ أيْ: يُعِيبُكَ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: في قِسْمَتِها.

ثُمَّ بَيَّنَ فَسادَ لَمْزِهِمْ، وأنَّهُ لا مَنشَأ لَهُ سِوى حِرْصِهِمْ عَلى حُطامِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها﴾ أيْ: قَدْرَ ما يُرِيدُونَ ﴿رَضُوا﴾ فَجَعَلُوهُ عَدْلًا ﴿وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾ فَيَجْعَلُونَهُ غَيْرَ عَدْلٍ.

59

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا۟ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ

If only they had been satisfied with what Allah and His Messenger gave them and said, "Sufficient for us is Allah; Allah will give us of His bounty, and [so will] His Messenger; indeed, we are desirous toward Allah," [it would have been better for them].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٩ ] ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ .

﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ﴾ أيْ: كَفانا فَضْلُهُ، وما قَسَمَهُ لَنا ﴿سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا، حَسْبَما نَرْجُو ونُؤَمِّلُ.

﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ أيْ: في أنْ يُغْنِمَنا ويُخَوِّلَنا فَضْلَهُ.

والجَوابُ مَحْذُوفٌ بِناءً عَلى ظُهُورِهِ. أيْ: لَكانَ خَيْرًا لَهم.

رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُقْسِمُ فَيْئًا، أتاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ: رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! اعْدِلْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلَكَ مَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟» فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ايذَنْ لِي فِيهِ فَأضْرِبَ عُنُقَهُ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أصْحابًا يَحْقِرُ أحَدُكم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ مَعَ صِيامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»» .

60

۞ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Zakah expenditures are only for the poor and for the needy and for those employed to collect [zakah] and for bringing hearts together [for Islam] and for freeing captives [or slaves] and for those in debt and for the cause of Allah and for the [stranded] traveler - an obligation [imposed] by Allah. And Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦٠ ] ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

لَمّا ذَكَرَ تَعالى لَمْزَهم في الصَّدَقاتِ تَأثَّرَهُ بِبَيانِ حَقِّيَّةِ ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ القِسْمَةِ، إذْ لَمْ يَتَجاوَزْ فِيها مَصارِفَها المَشْرُوعَةَ لَهُ، وهو عَيْنُ العَدْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ قَسْمَها لِهَؤُلاءِ، ولَمْ يَكِلْهُ إلى أحَدٍ غَيْرَهُ، ولَمْ يَأْخُذْ ﷺ مِنها لِنَفْسِهِ شَيْئًا، فَفِيمَ اللَّمْزُ لَقاسِمِها، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟

رَوى البُخارِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسِمٌ، واللَّهُ يُعْطِي»» .

ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ زِيادِ بْنِ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبايَعْتُهُ، فَأتى رَجُلٌ فَقالَ: أعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقالَ لَهُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ في الصَّدَقاتِ، حَتّى حَكَمَ فِيها هو، فَجَزَّأها ثَمانِيَةَ أجْزاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ»» .

فالآيَةُ رَدٌّ لِمَقالَةِ أُولَئِكَ اللَّمَزَةِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ. وإعْلامٌ بِمَن إعْطاؤُهم عَدْلٌ، ومَنعُهم ظُلْمٌ.

والفُقَراءُ، جَمْعُ فَقِيرٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، يُقالُ فَقِرَ يَفْقَرُ مِن بابِ تَعِبَ، إذا قَلَّ مالُهُ.

والمَساكِينُ: جَمْعُ مِسْكِينٍ، مِن (سَكَنَ سُكُونًا)، ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، لِسُكُونِهِ إلى النّاسِ، وهو بِفَتْحِ المِيمِ في لُغَةِ بَنِي أسَدٍ، وبِكَسْرِها عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: المِسْكِينُ: الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، والفَقِيرُ: الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ. وكَذَلِكَ قالَ يُونُسُ، وجُعِلَ الفَقِيرُ أحْسَنَ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.

قالَ: وسَألْتُ أعْرابِيًّا: أفَقِيرٌ أنْتَ ؟ فَقالَ: لا، واللَّهِ بَلْ مِسْكِينٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المِسْكِينُ أحْسَنُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، وهو الوَجْهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] وكانَتْ تُساوِي جُمْلَةً، وقالَ في حَقِّ الفُقَراءِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: المِسْكِينُ هو الفَقِيرُ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، فَجَعَلَهُما سَواءً. كَذا في (" المِصْباحِ ") .

قالَ البَدْرُ القَرافِيُّ: وإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، كَما إذا أُوصِيَ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، فَلا بُدَّ مِنَ الصَّرْفِ لِلنَّوْعَيْنِ، وإنِ افْتَرَقا اجْتَمَعا، كَما إذا أُوصِيَ لِأحَدِ النَّوْعَيْنِ، جازَ الصَّرْفُ لِلْآخَرِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِمُ المُحْتاجُونَ إلى الصَّدَقاتِ، فَقالَ: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ أيِ: السّاعِينَ في تَحْصِيلِها: القابِضُ والوازِنُ والكَيّالُ والكاتِبُ، ويُعْطُونَ أُجُورَهم مِنها.

ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَحْتاجُ إلَيْهِمُ الإمامُ فَقالَ: ﴿والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم قَوْمٌ ضَعُفَتْ نِيَّتُهم في الإسْلامِ، فَيَحْتاجُ الإمامُ إلى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ بِالعَطاءِ، تَقْوِيَةً …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.