Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 129

41

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًۭا وَثِقَالًۭا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

Go forth, whether light or heavy, and strive with your wealth and your lives in the cause of Allah. That is better for you, if you only knew.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤١ ] ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ كُنْتُمْ خِفافًا في النُّفُورِ لِنَشاطِكم لَهُ، وثِقالًا عَنْهُ، لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكم، أوْ خِفافًا لِقِلَّةِ عِيالِكم وأذْيالِكم، وثِقالًا لِكَثْرَتِها، أوْ خِفافًا مِنَ السِّلاحِ وثِقالًا مِنهُ، أوْ رُكْبانًا ومُشاةً، أوْ شَبابًا وشُيُوخًا أوْ مَهازِيلُ وسِمانًا، واللَّفْظُ الكَرِيمُ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، والمُرادُ حالُ سُهُولَةِ النَّفْرِ وحالُ صُعُوبَتِهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ ثُلَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم ما كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ غَزاةٍ قَطُّ، ويَسْتَشْهِدُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

ولَمّا كانَتِ البُعُوثُ إلى الشّامِ، قَرَأ أبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُورَةَ بَراءَةَ حَتّى أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أرى رَبَّنا اسْتَنْفَرَنا شُيُوخًا وشَبابًا، جَهِّزُونِي يا بَنِيَّ ! فَقالَ بَنُوهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَدْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ماتَ، ومَعَ أبِي بَكْرٍ حَتّى ماتَ، ومَعَ عُمَرَ حَتّى ماتَ، فَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ فَقالَ: ما سُمِعَ عُذْرُ أحَدٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الشّامِ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ.

وكانَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، ويَقُولُ: فَلا أجِدُنِي إلّا خَفِيفًا أوْ ثَقِيلًا، ولَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزاةِ المُسْلِمِينَ إلّا عامًا واحِدًا.

وقالَ أبُو راشِدٍ الحَرّانِيُّ: وافَيْتُ المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ، فارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جالِسًا عَلى تابُوتٍ مِن تَوابِيتِ الصَّيارِفَةِ بِحِمْصَ، وقَدْ فَصَلَ عَنْها يُرِيدُ الغَزْوَ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْكَ، فَقالَ: أتَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُعُوثِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾

وعَنْ حَيّانَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: نَفَرْنا مَعَ صَفْوانَ بْنِ عَمْرٍو وكانَ والِيًا عَلى حِمْصَ - فَرَأيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا هِمًّا، قَدْ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ، مِن أهْلِ دِمَشْقَ، عَلى راحِلَتِهِ فِيمَن أغارَ، فَأقْبَلْتُ إلَيْهِ فَقُلْتُ: يا عَمُّ ! لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْكَ، قالَ: فَرَفَعَ حاجِبَيْهِ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي ! اسْتَنْفَرَنا اللَّهُ خِفافًا وثِقالًا، ألا إنَّهُ مَن يُحِبُّهُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ فَيُبْقِيهِ. وإنَّما يَبْتَلِي اللَّهُ مِن عِبادِهِ مَن شَكَرَ وصَبَرَ وذَكَرَ، ولَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ - ورَوى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ - .

فَرَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الأنْفُسَ الزَّكِيَّةَ، وحَيّاها مِن بَواسِلَ، باعَتْ أرْواحَها في مَرْضاةِ رَبِّها، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وأكْرَمَتْ نَفْسَها عَنِ الِاغْتِرارِ بِزَخارِفِ هَذِهِ الحَياةِ الدَّنِيَّةِ.

ثُمَّ رَغَّبَ تَعالى في النَّفَقَةِ في سَبِيلِهِ، وبَذْلِ المُهَجِ في مَرْضاتِهِ، ومَرْضاةِ رَسُولِهِ، فَقالَ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما في اسْمِ الإشارَةِ إلى النَّفِيرِ والجِهادِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ، والمُرادُ بِكَوْنِهِ خَيْرًا، أنَّهُ خَيْرٌ في نَفْسِهِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الدَّعَةِ، والتَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الحاكِمُ: الجِهادُ بِالمالِ ضُرُوبٌ: مِنها إنْفاقُهُ عَلى نَفْسِهِ في السَّيْرِ في الجِهادِ، ومِنها صَرْفُ ذَلِكَ إلى الآلاتِ الَّتِي يُسْتَعانُ بِها عَلى الجِهادِ، ومِنها صَرْفُهُ إلى مَن يَنُوبُ عَنْهُ أوْ يَخْرُجُ …

42

لَوْ كَانَ عَرَضًۭا قَرِيبًۭا وَسَفَرًۭا قَاصِدًۭا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

Had it been an easy gain and a moderate trip, the hypocrites would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allah, "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allah knows that indeed they are liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .

﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أيْ: نَفْعًا سَهْلَ المَأْخَذِ، ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ أيْ: وسَطًا ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ أيْ: لا لِأجْلِكَ، بَلْ لِمُوافَقَةِ أهْوائِهِمْ ﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ بِضَمِّ الشِّينِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها، أيِ: النّاحِيَةُ الَّتِي نُدِبُوا إلَيْها. وسُمِّيَتِ النّاحِيَةُ الَّتِي يَقْصِدُها المُسافِرُ بِذَلِكَ، لِلْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ في الوُصُولِ إلَيْها.

وقُرِئَ (بَعِدَتْ) بِكَسْرِ العَيْنِ. قالَ الشِّهابُ: بَعِدَ يَبْعَدُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، لُغَةٌ فِيهِ، لَكِنَّهُ اخْتَصَّ بِبُعْدِ المَوْتِ غالِبًا. و(لا تَبْعُدْ)، يُسْتَعْمَلُ في المَصائِبِ لِلتَّفَجُّعِ والتَّحَسُّرِ كَقَوْلِهِ:

؎لا يُبْعِدِ اللَّهُ إخْوانًا لَنا ذَهَبُوا أفْناهُمُ حَدَثانُ الدَّهْرِ والأبَدُ

﴿وسَيَحْلِفُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفُونَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (سَيَحْلِفُونَ)، أوْ هو مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ.

والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ، أيْ: سَيَحْلِفُونَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، مُعْتَذِرِينَ بِالعَجْزِ، يَقُولُونَ بِاللَّهِ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ أيْ: إلى تِلْكَ الغَزْوَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ والحَلِفَ لا يُفِيدانِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِهَذا الحَلِفِ والمُخالَفَةِ ودَعْوى العَجْزِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

43

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ

May Allah pardon you, [O Muhammad]; why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ .

﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِالتَّخَلُّفِ حِينَ اعْتَلُّوا بِعِلَلِهِمْ، ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ هَلّا تَرَكْتَهم لَمّا اسْتَأْذَنُوكَ فَلَمْ تَأْذَنْ لِأحَدٍ مِنهم في القُعُودِ، لِتَعْلَمَ الصّادِقَ مِنهم في إظْهارِ طاعَتِكَ مِنَ الكاذِبِ، فَإنَّهم قَدْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ.

ولِهَذا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَسْتَأْذِنُهُ في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

44

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

Those who believe in Allah and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving with their wealth and their lives. And Allah is Knowing of those who fear Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ .

﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: لِمَنعِ إيمانِهِمْ بِهِ، مِن مُخالَفَتِهِ، مَعَ القُدْرَةِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِمَنعِ إيمانِهِمْ بِهِ مِن تَرْكِ تَعْوِيضِ الثَّوابِ والحَياةِ الأبَدِيِّينَ إذا أُمِرُوا: ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: لِأنَّهم يَوَدُّونَ الجِهادَ بِها قُرْبَةً، فَيَبْذُلُونَها في سَبِيلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ أيْ: فَيُعْطِيهِمْ مِنَ الأجْرِ ما يُناسِبُ تَقْواهم.

فَفِيهِ شَهادَةٌ لَهم بِالِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الأتْقِياءِ، وعِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَّوابِ.

45

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ

Only those would ask permission of you who do not believe in Allah and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥ ] ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ .

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: في تَرْكِ الجِهادِ بِهِما: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إذْ لا يَرْجُونَ ثَوابَهُ ولا حَياتَهُ، وهُمُ المُنافِقُونَ، ولِذا قالَ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فِيما تَدْعُوهم إلَيْهِ، أيْ: رَسَخَ فِيها الرَّيْبُ ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: لَيْسَتْ لَهم قَدَمٌ ثابِتَةٌ في شَيْءٍ، فَهم قَوْمٌ حَيارى هَلْكى، لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ في تَصْدِيرِهِ تَعالى فاتِحَةَ الخِطابِ بِبِشارَةِ العَفْوِ، دُونَ ما يُوهِمُ العِتابَ، مِن مُراعاةِ جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَعَهُّدِهِ بِحُسْنِ المُفاوَضَةِ، ولُطْفِ المُراجِعَةِ ما لا يَخْفى عَلى أُولِي الألْبابِ.

قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: انْظُرُوا إلى هَذا اللُّطْفِ: بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ ذَلِكَ المَعْفُوِّ.

قالَ مَكِّيٌّ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] افْتِتاحُ كَلامٍ مِثْلَ (أصْلَحَكَ اللَّهُ وأعَزَّكَ) . وقالَ الدّاوُدِيُّ: إنَّها تَكْرِمَةٌ.

أقُولُ: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الجَهْمِ يُخاطِبُ المُتَوَكِّلَ وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:

؎عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَعُوذُ بِعَفْوِكَ أنْ أُبْعَدَ

؎ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورَشِيدًا هَدى

؎أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى

وما اشْتُهِرَ مِن كَوْنِ العَفْوِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَنْبٍ - غَيْرُ صَحِيحٍ - فالواجِبُ تَفْسِيرُهُ في كُلِّ مَقامٍ بِما يُناسِبُهُ.

قالَ الشِّهابُ: وهو يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا ذَنْبَ، كَما تَقُولُ لِمَن تُعَظِّمُهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ، ما صَنَعْتَ في أمْرِي ؟ وفي الحَدِيثِ: ««عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وصَبْرِهِ وكَرَمِهِ، واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ»» .

وقالَ السَّخاوَنْدِيُّ: وهو تَعْلِيمٌ لِتَعْظِيمِهِ ﷺ، ولَوْلا العَفْوُ في الخِطابِ لَما قامَ بِصَوْلَةِ العِتابِ

وقالَ القاضِي عِياضٌ في (" الشِّفا "): وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَأمْرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مِنَ اللَّهِ نَهْيٌ، فَيُعَدُّ مَعْصِيَةً ولا عَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً، بَلْ يَعُدُّهُ أهْلُ العِلْمِ مُعاتَبَةً، وغَلَّطُوا مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ.

قالَ نِفْطَوَيْهِ: وقَدْ حاشاهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ مُخَيَّرًا في أمْرَيْنِ.

قالُوا: وقَدْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ فِيما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ وحْيٌ، وكَيْفَ ؟ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢] فَلَمّا أذِنَ لَهم أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِما لَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِ مِن سِرِّهِمْ، أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَقَعَدُوا لِنِفاقِهِمْ، وأنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَ، ولَيْسَ (عَفا) هُنا بِمَعْنى غَفَرَ، بَلْ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««عَفا اللَّهُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ»» . ولَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ قَطُّ، أيْ: لَمْ يَلْزَمْهم ذَلِكَ.

ونَحْوُهُ لِلْقُشَيْرِيِّ قالَ: إنَّما يَقُولُ: (العَفْوُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَنْبٍ)، مَن لَمْ يَعْرِفْ كَلامَ العَرَبِ، قالَ: ومَعْنى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] أيْ: لَمْ يُلْزِمْكَ ذَنْبًا. انْتَهى.

وقَدْ عُدَّ ما وقَعَ في الكَشّافِ هُنا مِن قَبِيحِ سَقَطاتِهِ.

ولِلْعَلّامَةِ أبِي مَسْعُودٍ مُناقَشَةٌ مَعَهُ في ذَلِكَ، أوْرَدَها لِبُلُوغِها …

46

۞ وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allah disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ .

﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، أيْ: قُوَّةً مِن مالٍ وسِلاحٍ وزادٍ ونَحْوِها ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: فَكَسَّلَهم وضَعَّفَ رَغْبَتَهم ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ عَلى أنَّ عُدَّةَ الحَرْبِ مِنَ الكُراعِ والسِّلاحِ وجَمِيعِ ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى العَدُوِّ، مِن جُمْلَةِ الجِهادِ.

فَما صُرِفَ في المُجاهِدِينَ صُرِفَ في ذَلِكَ، وهَذا جَلِيٌّ فِيما يُتَّقى بِهِ مِنَ العُدَّةِ كالسِّلاحِ، فَأمّا ما يَحْصُلُ بِهِ الإرْهابُ مِنَ الرّاياتِ والطُّبُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا يَضْعُفُ بِهِ قَلْبُ العَدُوِّ، فَهو داخِلٌ في الجِهادِ، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْفالِ: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ويَكُونُ ذَلِكَ كَلِباسِ الحَرِيرِ حالَةَ الحَرْبِ، وهَذا جَلِيٌّ حَيْثُ لا يُؤَدِّي إلى السَّرَفِ.

الثّانِي: إنَّ الفِعْلَ يَحْسُنُ بِالنِّيَّةِ، ويَقْبُحُ بِالنِّيَّةِ، وإنِ اسْتَوَيا في الصُّورَةِ، لِأنَّ النَّفِيرَ واجِبٌ مَعَ نِيَّةِ النَّصْرِ، وقَبِيحٌ مَعَ إرادَةِ تَحْصِيلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم لِما يَحْصُلُ مِنهُ مِن إرادَةِ المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ.

الثّالِثُ: لِلْإمامِ مَنعُ مَن يُتَّهَمُ بِمَضَرَّةِ المُسْلِمِينَ، أنْ يَخْرُجَ لِلْجِهادِ، فَلَهُ نَفْيُ الجاسُوسِ والمُرْجِفِ والمُخَذِّلِ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ.

الرّابِعُ: ذَكَرُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِإلْقاءِ اللَّهِ تَعالى كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ، يَعْنِي نَزَّلَ خَلْقَ داعِيَةِ القُعُودِ فِيهِمْ مَنزِلَةَ الأمْرِ، والقَوْلِ الطّالِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أيْ: أماتَهم، أوْ هو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ، أوْ هو حِكايَةُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أوْ هو إذْنُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم بِالقُعُودِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ القاعِدِينَ﴾ ؟ قُلْتُ: هو ذَمٌّ لَهم وتَعْجِيزٌ، وإلْحاقٌ بِالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ، وهُمُ القاعِدُونَ والخالِفُونَ والخَوالِفُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]

قالَ النّاصِرُ: وهَذا مِن تَنْبِيهاتِهِ الحَسَنَةِ. ونَزِيدُهُ بَسْطًا فَنَقُولُ:

لَوْ قِيلَ: (اقْعُدُوا) مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، لَمْ يُفِدْ سِوى أمْرِهِمْ بِالقُعُودِ، وكَذَلِكَ: (كُونُوا مَعَ القاعِدِينَ) .

ولا تَحْصُلُ هَذِهِ الفائِدَةُ مِن إلْحاقِهِمْ بِهَؤُلاءِ الأصْنافِ المَوْصُوفِينَ عِنْدَ النّاسِ بِالتَّخَلُّفِ والتَّقاعُدِ، المَوْسُومِينَ بِهَذِهِ السِّمَةِ، إلّا مِن عِبارَةِ الآيَةِ، ولَعَنَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، لَقَدْ بالَغَ في تَوْعِيدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ولَمْ يَقُلْ: لَأجْعَلَنَّكَ مَسْجُونًا. لِمِثْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ مِنَ البَلاغَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى …

47

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah. And among you are avid listeners to them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا ولأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ أيْ: فَسادًا وشَرًّا ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ أيْ: ولَأسْرَعُوا السَّيْرَ والمَشْيَ بَيْنَكم بِالفَسادِ.

قالَ الشِّهابُ: الإيضاعُ: إسْراعُ سَيْرِ الإبِلِ. يُقالُ: وضَعَتِ النّاقَةُ، تَضَعُ إذا أسْرَعَتْ، وأوْضَعْتُها أنا.

والمُرادُ: الإسْراعُ بِالنَّمائِمِ، لِأنَّ الرّاكِبَ أسْرَعُ مِنَ الماشِي. فَقِيلَ: المَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، وهو النَّمائِمُ، فَشَبَّهَ النَّمائِمَ بِالرَّكائِبِ في جَرَيانِها وانْتِقالِها، وأثْبَتَ لَها الإيضاعَ. فَفِيهِ تَخْيِيلِيَّةٌ ومَكْنِيَّةٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ سُرْعَةَ إفْسادِهِمْ لِذاتِ البَيْنِ بِالنَّمِيمَةِ، بِسُرْعَةِ سَيْرِ الرَّكائِبِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها الإيضاعُ، وهو لِلْإبِلِ.

و(خِلالَ) جَمْعُ خَلَلٍ، وهو الفُرْجَةُ، اسْتَعْمَلَ ظَرْفًا بِمَعْنى (بَيْنَ) .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولأوْضَعُوا﴾ مَرْسُومٌ في الإمامِ بِألْفَيْنِ، لِأنَّ الفَتْحَةَ كانَتْ تُكْتَبُ ألْفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ، والخَطُّ العَرَبِيُّ اخْتِراعٌ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَقِيَ مِن تِلْكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ، فَكَتَبُوا صُورَةِ الهَمْزَةُ ألِفًا وفَتَحَها ألِفًا أُخْرى ونَحْوَهُ: ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١]

﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ لَكم ما تُفْتَنُونَ، بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم، وإفْسادِ نِيّاتِكم ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِقَوْلِهِمْ مُسْتَحْسِنُونَ لِحَدِيثِهِمْ، وإنْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ حالَهم، لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، فَيَتَوَهَّمُونَ مِنهُمُ النُّصْحَ والإعانَةَ، وهم يُرِيدُونَ التَّخْذِيلَ والفِتْنَةَ، فَيُؤَدِّي إلى وُقُوعِ شَرٍّ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وفَسادٍ كَبِيرٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ جَرِيرٍ، أيْ: فِيكم عُيُونٌ يَسْمَعُونَ لَهُمُ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا لا يَبْقى لَهُ اخْتِصاصٌ بِخُرُوجِهِمْ مَعَهم، بَلْ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ الأحْوالِ. والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ في المُناسَبَةِ بِالسِّياقِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ اسْتَأْذَنَ، فِيما بَلَغَنِي، مِن ذَوِي الشَّرَفِ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانُوا أشْرافًا في قَوْمِهِمْ، فَثَبَّطَهُمُ اللَّهُ، لِعِلْمِهِ بِهِمْ أنْ يَخْرُجُوا فَيُفْسِدُوا عَلَيْهِ جُنْدَهُ.

وكانَ في جُنْدِهِ قَوْمٌ أهْلُ مُحِبَّةٍ لَهم وطاعَةٍ فِيها يَدْعُونَهم إلَيْهِ، لِشَرَفِهِمْ فِيهِمْ، فَقالَ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ انْتَهى.

﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِمْ، وفِيهِ شُمُولٌ لِلْفَرِيقَيْنِ: القاعِدِينَ والسَّمّاعِينَ.

ثُمَّ بَرْهَنَ تَعالى عَلى ابْتِغائِهِمُ الفِتْنَةَ في كُلِّ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ:

48

لَقَدِ ٱبْتَغَوُا۟ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَهُمْ كَٰرِهُونَ

They had already desired dissension before and had upset matters for you until the truth came and the ordinance of Allah appeared, while they were averse.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨ ] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾ .

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ طَلَبُوا الشَّرَّ بِتَشْتِيتِ شَمْلِكَ، وتَفْرِيقِ صَحْبِكَ عَنْكَ، مِن قَبْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، كَما فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ انْصَرَفَ بِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَنِ المُسْلِمِينَ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ أيْ دَبَّرُوا لَكَ الحِيَلَ والمَكايِدَ ودَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ.

قالَ الشِّهابُ: المُرادُ مِنَ ﴿الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤] المَكايِدُ، فَتَقْلِيبُها مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِها، أوِ (الآراءِ)، فَتَقْلِيبُها تَفْتِيشُها وإحالَتُها.

﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ وهو تَأْيِيدُكَ ونَصْرُكَ وظَفَرُكَ ﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: عَلا دِينُهُ ﴿وهم كارِهُونَ﴾ أيْ: عَلى رَغْمٍ مِنهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، رَمَتْهُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وحارَبَتْهُ يَهُودُ المَدِينَةِ ومُنافِقُوها. فَلَمّا نَصَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأعْلى كَلِمَتَهُ. قالَ ابْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ: هَذا أمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، (أيْ: أقْبَلَ)، فَدَخَلُوا في الإسْلامِ ظاهِرًا. ثُمَّ كُلَّما أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأهْلَهُ، أغاظَهم ذَلِكَ وساءَهم.

49

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen. And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٩ ] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ أيْ: في القُعُودِ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ: لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ.

رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، أخِي بَنِي سَلَمَةَ، وذَلِكَ فِيما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ ذاتَ يَوْمٍ وهو في جِهازِهِ: «هَلْ لَكَ يا جَدُّ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ ؟» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أوَتَأْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ؟ فَواللَّهِ ! لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي ما رَجُلٌ أشَدَّ عَجَبًا بِالنِّساءِ مِنِّي، وإنِّي أخْشى، إنْ رَأيْتُ نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ، ألّا أصْبِرَ عَنْهُنَّ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: «أذِنْتُ لَكَ !»» .

قالَ الشِّهابُ يَعْنِي أنَّهُ يَخْشى العِشْقَ لَهُنَّ، أوْ مُواقَعَتَهُنَّ مِن غَيْرِ حِلٍّ.

وبَناتُ الأصْفَرِ: لِلرُّومِ، كَبَنِي الأصْفَرِ. وقِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ: مِنها أنَّهم مَلَكَهم بَعْضُ الحَبَشَةِ، فَتَوَلَّدَ بَيْنَهم نِساءٌ وأوْلادٌ ذَهَبِيَّةُ الألْوانِ. انْتَهى.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ هَذا مِن أشْرَفِ بَنِي سَلَمَةَ.

وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهم: «مَن سَيِّدُكم يا بَنِي سَلَمَةَ ؟» قالُوا: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ؟ عَلى أنّا نُبَخِّلُهُ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ ؟ ولَكِنَّ سَيِّدَكُمُ الفَتى الجَعْدُ الأبْيَضُ، بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ»» .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: في عَيْنِها ونَفْسِها، وأكْمَلُ أفْرادِها الغَنِيُّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ، الحَقِيقُ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ، سَقَطُوا لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومَخْلَصًا عَنْها. وذَلِكَ بِمَ فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجُرْأةِ عَلى الِاسْتِئْذانِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الشَّنِيعَةِ، ومِنَ القُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ، وقُرِئَ بِإفْرادِ الفِعْلِ، مُحافَظَةً عَلى لَفْظِ (مِن) . وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، مَعَ تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، إيذانٌ بِأنَّهم وقَعُوا فِيها، وهم يَحْسَبُونَ أنَّها مَنجًى مِنَ الفِتْنَةِ، زَعْمًا مِنهم أنَّ الفِتْنَةَ إنَّما هي التَّخَلُّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ (الِافْتِتانِ) بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ، تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المَهْواةِ المُهْلِكَةِ، المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَجاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ. انْتَهى.

﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ أيْ: سَتُحِيطُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا مَحِيدَ لَهم عَنْها ولا مَهْرَبَ، وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا.

ثُمَّ بَيَّنَ عَداوَتَهم، زِيادَةً في تَشْهِيرِ مَساوِئِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

50

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌۭ يَقُولُوا۟ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا۟ وَّهُمْ فَرِحُونَ

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before," and turn away while they are rejoicing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾ .

﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أيْ: مِن فَتْحٍ وظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ: تُورِثُهم مَساءَةً لِفَرْطِ عَداوَتِهِمْ ﴿وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: مِن نَوْعِ شِدَّةٍ ﴿يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ أيْ: بِالحَزْمِ في القُعُودِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إصابَةِ المُصِيبَةِ، فَيَتَبَجَّحُوا بِما صَنَعُوا حامِدِينَ لِآرائِهِمْ ﴿ويَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ مُجْتَمَعِهِمُ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ الفَرَحَ بِرَأْيِهِمْ، ﴿وهم فَرِحُونَ﴾ أيْ: بِرَأْيِهِمْ وبِما أصابَكم وبِما سَلِمُوا.

ثُمَّ أرْشَدَ تَعالى إلى جَوابِهِمْ بِبُطْلانِ ما بَنَوْا عَلَيْهِ مَسَرَّتَهم، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.