Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 129

31

ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ

They have taken their scholars and monks as lords besides Allah, and [also] the Messiah, the son of Mary. And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣١ ] ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى، وفِيهِ وصْفُهم بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ.

والأحْبارُ عُلَماءُ اليَهُودِ جَمْعُ حَبْرٍ، بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وهو العالِمُ بِتَحْبِيرِ الكَلامِ وتَحْسِينِهِ - كَذا ذَكَرَهُ أئِمَّةُ اللُّغَةِ - قالَ بَعْضُهم: (الحِبْرُ) أعْظَمُ الأشْرافِ بَيْنَ الإسْرائِيلِيِّينَ، يَكُونُ عِنْدَهم وسِيلَةً لِلتَّقَرُّبِ لِلَّهِ، ومَرْتَبَةً وِراثِيَّةً في آلِ هارُونَ، يَكُونُ بَكْرٌ أشِيخَ مَن فِيها. انْتَهى.

و(الرُّهْبانُ) جَمْعُ راهِبٍ، بِمَعْنى المُتَعَبِّدِ الخاشِعِ الزّاهِدِ، وأصْلُ التَّرَهُّبِ عَنِ النَّصارى، التَّخَلِّي عَنْ أشْغالِ الدُّنْيا، وتَرْكُ مَلاذِّها والزُّهْدُ فِيها، والعُزْلَةُ عَنْ أهْلِها.

وفِي الحَدِيثِ ««لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ»» . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ الرّازِيُّ: الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأرْبابِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِمْ أنَّهم آلِهَةُ العالَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أطاعُوهم في أوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، أيْ: لِما رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: «يا عَدِيُّ ! اطْرَحْ عَنْكَ هَذا الوَثَنَ» . وسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: «أما إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أحَلُّوا لَهم شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وإذا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ، «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَّ إلى الشّامِ، وكانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ فَأُسِرَتْ أُخْتُهُ وجَماعَةٌ مِن قَوْمِهِ، ثُمَّ مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أُخْتِهِ، وأعْطاها، فَرَجَعَتْ إلى أخِيها، فَرَغَّبَتْهُ في الإسْلامِ، وفي القُدُومِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمَ عَدِيٌّ المَدِينَةَ، وكانَ رَئِيسًا في قَوْمِهِ طَيِّئٍ، وأبُوهُ حاتِمٌ الطّائِيُّ المَشْهُورُ بِالكَرَمِ، فَتَحَدَّثَ النّاسُ بِقُدُومِهِ، فَدَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِ عَدِيٍّ صَلِيبٌ مِن فِضَّةٍ، وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: فَقُلْتُ: إنَّهم لَمْ يَعْبُدُوهم، فَقالَ «بَلى إنَّهم حَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الحَلّالَ، وأحَلُّوا لَهُمُ الحَرامَ، فاتَّبَعُوهم فَذَلِكَ عِبادَتُهم إيّاهم» .

وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عَدِيُّ ! ما تَقُولُ ؟ أيَضُرُّكَ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أكْبَرَ مِنَ اللَّهِ ؟ ما يَضُرُّكَ أنْ يُقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَهَلْ تَعْلَمُ إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ» ؟ ثُمَّ دَعاهُ إلى الإسْلامِ فَأسْلَمَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ.

قالَ فَلَقَدْ رَأيْتُ وجْهَهُ اسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ والنَّصارى ضالُّونَ»» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَكَذا قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما في …

32

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ

They want to extinguish the light of Allah with their mouths, but Allah refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٢ ] ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: يُخْمِدُوا حُجَّتَهُ الدّالَّةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وتَقَدُّسِهِ عَنِ الوَلَدِ، أوِ القُرْآنِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أيْ: بِإعْلاءِ التَّوْحِيدِ، وإعْزازِ الإسْلامِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيْ: بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، ذَلِكَ.

قالَ أهْلُ المَعانِي: نُورُ اللَّهِ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ لِحُجَّتِهِ أوْ ما بَعْدَها، لِتَشْبِيهِ كُلٍّ مِنها بِالنُّورِ في الظَّهْرِ، والإطْفاءُ تَرْشِيحٌ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ حالَهم في مُحاوَلَتِهِمْ إبْطالَ النُّبُوَّةِ بِالتَّكْذِيبِ، بِحالِ مَن يَطْلُبُ إطْفاءَ نُورٍ عَظِيمٍ، مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهُ بِنَفْخِهِ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الشِّهابُ: رُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ، حَيْثُ شَبَّهَ الإبْطالَ بِالإطْفاءِ بِالفَمِ، ونَسَبَ النُّورَ إلى اللَّهِ، ومِن شَأْنِ النُّورِ المُضافِ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَظِيمًا، فَكَيْفَ يُطْفَأُ بِنَفْخِ الفَمِ، مَعَ ما بَيْنَ الكُفْرِ الَّذِي هو سَتْرٌ وإزالَةٌ لِلظُّهُورِ، والإطْفاءُ مِنَ المُناسَبَةِ.

الثّانِيَةُ: لا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يُتِمَّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وهو في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِهِ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ يَكُونُ في الفِعْلِ المَنفِيِّ لا مُوجَبٍ، إلّا أنْ يَسْتَقِيمَ المَعْنى.

وهُنا صَحَّ التَّفْرِيغُ مِنَ المُوجَبِ وهو: ﴿ويَأْبى اللَّهُ﴾ لِأنَّهُ نَفْيٌ في المَعْنى، لِأنَّهُ وقَعَ في مُقابَلَةِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِامْتِناعِ ما لَيْسَ في نَفْيِ الإرادَةِ، أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا إتْمامَ نُورِهِ، فَيَنْدَرِجُ في المُسْتَثْنى مِنهُ بَقاؤُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَضْلًا عَنِ الإطْفاءِ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

وقالَ الزَّجّاجُ: المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: (ويَكْرَهُ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا إتْمامَ نُورِهِ) .

قالَ الشِّهابُ: فالمَعْنى عَلى العُمُومِ المُصَحِّحِ لِلتَّفْرِيغِ عِنْدَهُ، فَلِلنّاسِ في تَوْجِيهِ التَّفْرِيغِ هُنا مَسْلَكانِ.

والحاصِلُ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِنُورِهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، صَحَّ إرادَةُ العُمُومِ، ووُقُوعُ التَّفْرِيغِ في الثّابِتاتِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، إذْ ما مِن عامٍّ إلّا وقَدْ خُصِّصَ، فَكُلُّ عُمُومٍ نِسْبِيٌّ لَكِنَّهُ يُكْتَفى بِهِ، ويُسَمّى عُمُومًا.

ألا تَرى أنَّ مِثالَهم (قَرَأْتُ إلّا يَوْمَ كَذا)، قَدْ قَدَّرَهُ كُلَّ يَوْمٍ، والمُرادُ مِن أيّامِ عُمُرِهِ، لا مِن أيّامِ الدَّهْرِ.

فَإنْ نُظِرَ إلى الظّاهِرِ في أمْثالِهِ كانَ عامًّا، واسْتَغْنى عَنِ النَّفْيِ، وإنْ نُظِرَ إلى نَفْسِ الأمْرِ، فَهو لَيْسَ بِعامٍّ، فَيُؤَوَّلُ بِالنَّفْيِ، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ وإنَّما أُوِّلَ بِهِ هُنا عِنْدَ مَن ذَهَبَ إلى تَأْوِيلِهِ، لِاقْتِضاءِ المُقابَلَةِ لَهُ، إذْ ما مِن إثْباتٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِالنَّفْيِ، فَيَلْزَمُهُ جَرَيانُ التَّفْرِيغِ في كُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ.

ولِذا قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ، وإنِ اخْتَصَّ بِالنَّفْيِ، إلّا أنَّهُ قَدْ يُمالُ مَعَ المَعْنى بِمَعُونَةِ القَرائِنِ، ومُناسِبَةِ المَقاماتِ، فَيَجْرِي بَعْضُ الإيجاباتِ …

33

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allah dislike it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٣ ] ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ .

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ أيِ: القُرْآنِ الَّذِي هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: التَّوْحِيدِ الثّابِتِ الَّذِي لا يَزُولُ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيِ: الدِّينَ الحَقَّ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أيْ: عَلى سائِرِ الأدْيانِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ أيْ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ.

وجَوابُ (لَوْ) فِيهِما مَحْذُوفٌ، لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ: ﴿هُوَ الَّذِي﴾ إلَخْ بَيانٌ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ المُرادَ مِن إتْمامِ نُورِهِ إظْهارُهُ ولِكَوْنِهِ بِحَسَبِ المَآلِ بِمَعْناهُ، ذَيَّلَهُ بِما ذَيَّلَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الكافِرِينَ بِالمُشْرِكِينَ تَفادِيًا عَنْ صُورَةِ التَّكْرارِ - كَذا في (" العِنايَةِ ") - .

وفِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ زَوى لِيَ الأرْضَ، مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زَوى لِي مِنها»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ قَبِيصَةَ أوْ قَبِيصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «صَلّى هَذا الحَيُّ مِن مُحارِبٍ الصُّبْحَ، فَلَمّا صَلَّوْا قالَ شابٌّ مِنهم: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّهُ سَتَفْتَحُ لَكم مَشارِقُ الأرْضِ ومَغارِبُها، وإنَّ عُمّالَها في النّارِ، إلّا مَنِ اتَّقى اللَّهَ وأدّى الأمانَةَ»» .

وأُخْرِجَ أيْضًا عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأمْرُ ما بَلَغَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، ولا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلّا أدْخَلَهُ هَذا الدِّينَ يُعِزُّ عَزِيزًا، ويُذِلُّ ذَلِيلًا، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإسْلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ»» .

وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ في أهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أصابَ مَن أسْلَمَ مِنهُمُ الخَيْرُ والشَّرَفُ والعِزُّ، ولَقَدْ أصابَ مَن كانَ كافِرًا مِنهُمُ الذُّلُّ والصَّغارُ والجِزْيَةُ.

وأُخْرِجَ أيْضًا عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلّا دَخَلَتْهُ كَلِمَةُ الإسْلامِ، يُعِزُّ عَزِيزًا، ويُذِلُّ ذَلِيلًا، إمّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهم مِن أهْلِها، وإمّا يُذِلُّهم فَيَدِينُونَ لَها»» .

وأُخْرِجَ أيْضًا عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا عَدِيُّ ! أسْلِمْ تَسْلَمْ» . فَقُلْتُ: إنِّي مِن أهْلِ دِينٍ. قالَ: «أنا أعْلَمُ بِدِينِكَ مِنكَ» . فَقُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي ؟ قالَ: «نَعَمْ ألَسْتَ مَنِ الرَّكُوسِيَّةِ، وأنْتَ تَأْكُلُ مِرْباعَ قَوْمِكَ ؟» قُلْتُ: بَلى ! قالَ: «فَإنَّ هَذا لا يَحِلُّ لَكَ في دِينِكَ» . قالَ فَلَمْ يَعُدْ أنْ قالَها، فَتَواضَعْتُ لَها. قالَ: «أما إنِّي أعْلَمُ ما الَّذِي يَمْنَعُكَ عَنِ الإسْلامِ، تَقُولُ: إنَّما اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النّاسِ، ومَن لا قُوَّةَ لَهُ، وقَدْ رَمَتْهُمُ العَرَبُ، أتَعْرِفُ الحِيرَةَ ؟» قُلْتُ: لَمْ أرَها، وقَدْ سَمِعْتُ بِها. قالَ: «فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ، حَتّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتّى تَطُوفَ بِالبَيْتِ مِن غَيْرِ جِوارِ أحَدٍ، ولَتُفْتَحُنَّ كُنُوزُ كِسْرى بْنِ هُرْمُزَ»، قُلْتُ: كِسْرى بْنُ هُرْمُزَ ؟ قالَ: «نَعَمْ ! كِسْرى بْنُ هُرْمُزَ، ولَيُبْذَلَنَّ المالَ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ» . …

34

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۗ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly and avert [them] from the way of Allah. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allah - give them tidings of a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٤ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾

أيْ: بِالطَّرِيقِ المُنْكَرِ مِنَ الرِّشا في الأحْكامِ، والتَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ في الشَّرائِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

و(الأكْلُ) مَجازٌ عَنِ الأخْذِ، بِعَلاقَةِ العِلِّيَّةِ والمُعْلَوْلِيَةِ، لِأنَّهُ الغَرَضُ الأعْظَمُ مِنهُ، وفِيهِ مِنَ التَّقْبِيحِ لِحالِهِمْ، وتَنْفِيرِ السّامِعِينَ عَنْهُ ما لا يَخْفى ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ دِينِ الإسْلامِ وحُكْمِهِ، واتِّباعِ الدَّلائِلِ إلى ما يَهْوَوْنَ، أوْ عَنِ المَسْلَكِ المُقَرَّرِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إلى ما افْتَرَوْهُ وحَرَّفُوهُ.

ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو إيثارُهم حَبَّ المالِ وكَنْزَهُ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وتَناسِيَهم وعِيدَهُ في الكَنْزِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ أيْ: يَحْفَظُونَهُما حِفْظَ المَدْفُونِ في الأرْضِ ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو الزَّكاةُ، ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾

35

يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ

The Day when it will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٥ ] ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَـزْتُمْ لأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ .

﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها﴾ أيْ: يُوقَدُ عَلَيْها ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَـزْتُمْ﴾ أيْ: ويُقالُ لَهم ضَمًّا إلى ما هم فِيهِ، هَذا ما كَنَزْتُمْ ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لِتَتَلَذَّذُوا بِهِ، فَكانَ سَبَبَ تَعْذِيبِها ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: وبالَهُ، وهو ألَمُهُ وشِدَّتُهُ بِالكَيِّ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:

الأُولى: قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: (لَيَأْكُلُونَ) دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الرِّشا عَلى الباطِلِ، وقَدْ ورَدَ ««لَعَنَ اللَّهُ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ»» .

وكَذا تَحْرِيمُ أخْذِ العِوَضِ عَلى فِعْلِ الواجِبِ، وفي جَوازِ الدَّفْعِ لِيُتَوَصَّلَ إلى حَقِّهِ خِلافٌ.

رَجَّحَ الجَوازَ لِيَتَوَصَّلَ إلى الحَقِّ، كالِاسْتِفْداءِ.

قالَ الحاكِمُ يَدْخُلُ في تَحْرِيمِ الرِّشا الأحْكامُ والشَّهاداتُ والفَتاوى وأُصُولُ الدِّينِ وفُرُوعُهُ، وكُلُّ مَن حَرَّفَ شَيْئًا لِغَرَضِ الدُّنْيا. انْتَهى.

الثّانِيَةُ: في الآيَةِ - كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - تَحْذِيرٌ مِن عُلَماءِ السُّوءِ وعُبّادِ الضَّلالِ، كَما قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَن فَسَدَ مِن عُلَمائِنا كانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ اليَهُودِ، ومَن فَسَدَ مِن عِبادِنا كانَ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ النَّصارى.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ»، قالُوا: اليَهُودُ والنَّصارى ؟ قالَ: «فَمَن ؟»، وفي رِوايَةٍ: فارِسُ والرُّومُ ؟ قالَ: «ومَنِ النّاسُ إلّا هَؤُلاءِ ؟»» . ثُمَّ أنْشَدَ لِابْنِ المُبارَكِ:

؎وهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُو كُ، وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها

الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (والَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤] أوْ مَنصُوبٌ تَقْدِيرُهُ: بَشِّرِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ.

والتَّعْرِيفُ في المَوْصُولِ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودِ، إمّا الأحْبارُ والرُّهْبانُ، وإمّا المُسْلِمُونَ الكانِزُونَ، لِجَرْيِ ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ، وإمّا ما هو أعَمُّ.

والأوَّلُ رُوِيَ عَنْ مُعاوِيَةَ، والثّانِي عَنِ السُّدِّيِّ، والثّالِثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي ذَرٍّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُوُ إشارَةً إلى الكَثِيرِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، لِلدَّلالَةِ عَلى اجْتِماعِ خَصْلَتَيْنِ مَذْمُومَتَيْنِ فِيهِمْ: أخْذُ البَراطِيلِ، وكَنْزُ الأمْوالِ والضَّنُّ بِها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُسْلِمُونَ الكانِزُونَ غَيْرُ المُنْفِقِينَ ويَقْرِنُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُرْتَشِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى تَغْلِيظًا، ودَلالَةً عَلى أنَّ مَن يَأْخُذُ مِنهُمُ السُّحْتَ، ومَن لا يُعْطِي مِنكم طِيبَ مالِهِ، سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ بِالعَذابِ الألِيمِ. انْتَهى.

قالَ في (" الأنْوارِ "): ويُؤَيِّدُ الثّانِي «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ كَبُرَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيَطِيبَ بِها ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم»» - رَواهُ أبُو داوُدَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ - .

وقَوْلُهُ ﷺ: ««ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»» - أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ – أيْ: لَيْسَ بِالكَنْزِ المُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ في الآيَةِ، فَإنَّ الوَعِيدَ عَلى الكَنْزِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ أنْ يُنْفَقَ فِيهِ.

وأمّا قَوْلُهُ …

36

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

Indeed, the number of months with Allah is twelve [lunar] months in the register of Allah [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred. That is the correct religion, so do not wrong yourselves during them. And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allah is with the righteous [who fear Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٦ ] ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكم وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ .

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ: عَدَدَها ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وهي القَمَرِيَّةُ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ فِيما أثْبَتَهُ وأوْجَبَهُ مِن حُكْمِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما في الجارِّ والمَجْرُورِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. أرادَ (بِالكِتابِ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَعْنى: أنَّ هَذا أمْرٌ ثابِتٌ في نَفْسِ الأمْرِ، مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأجْرامَ والحَرَكاتَ والأزْمِنَةَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشْرَ ﴿أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ: ذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، وواحِدٌ فَرْدٌ وهو رَجَبٌ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ، ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: بِهَتْكِ حُرْمَتِها بِالقِتالِ فِيها.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أيْ: لا تَجْعَلُوا حَرامَها حَلالًا، ولا حَلالَها حَرامًا، كَما فَعَلَ أهْلُ الشِّرْكِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ: جَمِيعًا، ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: بِالنَّصْرِ والإمْدادِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ثَمَرَةَ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ، وهو تَحْرِيمُ تَغْيِيرِ ما عُيِّنَ تَحْرِيمُهُ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وإيجابُ الحَذْوِ بِها عَلى ما سَبَقَ في كِتابِهِ، ناعِيًا عَلى المُشْرِكِينَ كُفْرَهم، بِإهْمالِهِمْ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

37

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌۭ فِى ٱلْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًۭا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًۭا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allah and [thus] make lawful what Allah has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allah does not guide the disbelieving people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٧ ] ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ .

﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ أيْ: تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى شَهْرٍ آخَرَ مَصْدَرُ (نَسْأهُ) إذا أخَّرَهُ ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ لِأنَّهُ تَحْلِيلُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، وتَحْرِيمُ ما حَلَّلَهُ، فَهو كَفْرٌ آخَرُ مَضْمُومٌ إلى كُفْرِهِمْ ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ عَنْ أحْكامِهِ إذا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الحِلِّ والحُرْمَةِ في شَهْرٍ واحِدٍ ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا﴾ أيْ: يُحِلُّونَ النَّسِيءَ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ سَنَةً، ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ.

﴿ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ أيْ: يَتْرُكُونَهُ عَلى حُرْمَتِهِ القَدِيمَةِ، ويُحافِظُونَ عَلَيْها سَنَةً أُخْرى، إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَغْيِيرِهِ غَرَضٌ مِن أغْراضِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ، بِاعْتِبارِ إحْلالِهِمْ لَهُ في العامِ الماضِي، والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ، أوْ حالٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّسِيءُ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَّهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أصْحابَ حُرُوبٍ وغاراتٍ، فَإذا جاءَ الشَّهْرُ الحَرامُ، وهم مُحارِبُونَ، شَقَّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ المُحارِبَةِ، فَيُحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ، حَتّى رَفَضُوا تَخْصِيصَ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِالتَّحْرِيمِ، فَكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أشَقِّ شُهُورِ العامِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: لِيُوافِقُوا العِدَّةَ الَّتِي هي الأرْبَعَةُ، ولا يُخالِفُوها، وقَدْ خالَفُوا التَّخْصِيصَ الَّذِي هو أحَدُ الواجِبَيْنِ، ورُبَّما زادُوا في عَدَدِ الشُّهُورِ، فَيَجْعَلُونا ثَلاثَةَ عَشَرَ، أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ، لِيَتَّسِعَ لَهُمُ الوَقْتُ.

ولِذَلِكَ قالَ عَزَّ وعَلا: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] يَعْنِي مِن غَيْرِ زِيادَةٍ زادُوها ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بِتَرْكِهِمُ التَّخْصِيصَ لِلْأشْهُرِ بِعَيْنِها ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ فاعْتَقَدُوا قَبِيحَها حَسَنًا: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَسائِلَ:

الأُولى: أنَّ الأحْكامَ تُعَلَّقُ بِالأشْهُرِ العَرَبِيَّةِ، وهي شُهُورُ الأهِلَّةِ، دُونَ الشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ.

قِيلَ: جُعِلَ أوَّلُ الشُّهُورِ الهِلالِيَّةِ المُحَرَّمُ، حَدَثَ في عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُؤَرَّخُ بِعامِ الفِيلِ، ثُمَّ أُرِّخَ في صَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ.

وقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا عَنِ السَّخاوِيِّ وُجُوهَ تَسْمِيَةِ الأشْهُرِ بِما سُمِّيَتْ بِهِ، ونَحْنُ نُورِدُ ذَلِكَ مَأْثُورًا عَنْ أُمَّهاتِ اللُّغَةِ المُعَوَّلِ عَلَيْها فَنَقُولُ:

١ - المُحَرَّمُ: عَلى أنَّهُ اسْمُ المَفْعُولِ، هو أوَّلُ الشُّهُورِ العَرَبِيَّةِ، أدْخَلُوا عَلَيْهِ الألِفَ واللّامَ لَمْحًا لِلصِّفَةِ في الأصْلِ، وجَعَلُوها عِلْمًا بِهِما، مِثْلَ النَّجْمِ والدَّبَرانِ ونَحْوِهِما، ولا يَجُوزُ دُخُولُهُما عَلى غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ عِنْدَ قَوْمٍ، وعِنْدَ قَوْمٍ يَجُوزُ عَلى صَفَرٍ وشَوّالٍ.

وجَمْعُ المُحَرَّمِ مُحَرَّماتٌ، والمُحَرَّمُ شَهْرُ اللَّهِ، سَمَّتْهُ العَرَبُ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَحِلُّونَ فِيهِ القِتالَ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ …

38

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allah, you adhere heavily to the earth? Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٨ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، أيِ: اثّاقَلْتُمْ مائِلِينَ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها الفانِيَةِ عَمّا قَلِيلٍ، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ الغَزْوِ المُسْتَتْبِعَةَ لِلرّاحَةِ الخالِدَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]

أوْ مائِلِينَ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم ودِيارِكم، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في سَنَةِ عَشْرٍ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنَ الطّائِفِ، اسْتُنْفِرُوا لِغَزْوِ الرُّومِ في وقْتِ عُسْرَةٍ وقَحْطٍ وقَيْظٍ، وقَدْ أُدْرِكَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ وطابَتْ ظِلالُها، ومَعَ بُعْدِ الشُّقَّةِ، وكَثْرَةِ العَدُوِّ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: الحَقِيرَةِ الفانِيَةِ: ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ ونَعِيمِها الدّائِمِ ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أيْ: فَما التَّمَتُّعُ بِلَذائِذِها ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: في جَنْبِ الآخِرَةِ أيْ: إذا قِيسَتْ إلَيْها، و(في) هَذِهِ تُسَمّى (في القِياسِيَّةَ)، لِأنَّ المَقِيسَ يُوضَعُ بِجَنْبِ ما يُقاسُ بِهِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ أيْ: مُسْتَحْقَرٌ لا يَؤْبَهُ لَهُ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنِ المُسْتَوْرِدِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ هَذِهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ» - وأشارَ بِالسَّبّابَةِ -».

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى مَن لَمْ يَنْفِرْ إلى الغَزْوِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

39

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًۭٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٩ ] ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: لِنُصْرَةِ نَبِيِّهِ، وإقامَةِ دِينِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ لِأنَّهُ الغَنِيُّ عَنِ العالَمِينَ، أيْ: وإنَّما تَضُرُّونَ أنْفُسَكم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ: ولا تَضُرُّوهُ، لِأنَّ اللَّهَ وعَدَهُ النَّصْرَ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.

﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مِنَ التَّعْذِيبِ والتَّبْدِيلِ ونُصْرَةِ دِينِهِ بِغَيْرِهِمْ، وفي هَذا التَّوَعُّدِ عَلى مَن يَتَخَلَّفُ عَنِ الغَزْوِ مِنَ التَّرْهِيبِ الرَّهِيبِ ما لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُهم: ثَمَرَةُ الآيَةِ لُزُومُ إجابَةِ الرَّسُولِ ﷺ إذا دَعا إلى الجِهادِ، وكَذا يَأْتِي مِثْلُهُ في دُعاءِ الأئِمَّةِ، ويَأْتِي مِثْلَ الجِهادِ الدُّعاءُ إلى سائِرِ الواجِباتِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّوْبِيخِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] وأنَّ المَيْلَ إلى المَنافِعِ والدَّعَةِ واللَّذّاتِ لا يَكُونُ رُخْصَةً في ذَلِكَ.

الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٣٨] فَهَذا زَجْرٌ.

الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما مَتاعُ﴾ [التوبة: ٣٨] الآيَةَ. وهَذا تَخْسِيسٌ لِرَأْيِهِمْ.

الخامِسُ: ما عَقَّبَ مِنَ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾

السّادِسُ: ما بالَغَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾

السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ﴾ الآيَةَ.

الثّامِنُ: قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَفِيهِ تَهْدِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

40

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍۢ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

If you do not aid the Prophet - Allah has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two, when they were in the cave and he said to his companion, "Do not grieve; indeed Allah is with us." And Allah sent down his tranquillity upon him and supported him with angels you did not see and made the word of those who disbelieved the lowest, while the word of Allah - that is the highest. And Allah is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٠ ] ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ أيْ: بِالخُرُوجِ مَعَهُ إلى تَبُوكَ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

يَعْنِي كَفّارَ مَكَّةَ حِينَ مَكَرُوا بِهِ، فَصارُوا سَبَبَ خُرُوجِهِ، فَخَرَجَ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﷺ، أيْ: أحَدَ اثْنَيْنِ ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ بَدَلُ البَعْضِ، إذِ المُرادُ بِهِ زَمانٌ مُتَّسِعٌ.

والغارُ نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في الجِهَةِ اليُمْنى مِن مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا، لِيَرْجِعَ الطَّلَبُ الَّذِينَ خَرَجُوا في آثارِهِما، ثُمَّ يَسِيرا إلى المَدِينَةِ، ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ، أيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لِصاحِبِهِ﴾ أيْ: أبِي بَكْرٍ: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أشْفَقَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَعْلَمُوا بِمَكانِهِما، فَيَخْلُصَ إلى الرَّسُولِ ﷺ أذًى، وطَفِقَ يَجْزَعُ لِذَلِكَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والحِفْظِ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «نَظَرْتُ إلى أقْدامِ المُشْرِكِينَ ونَحْنُ في الغارِ، وهم عَلى رُؤُوسِنا، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! لَوْ أنَّ أحَدَهم نَظَرَ إلى قَدَمَيْهِ أبْصَرَنا تَحْتَ قَدَمَيْهِ ! فَقالَ: «يا أبا بَكْرٍ ! ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما»» .

﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: أمَنَتَهُ الَّتِي تَسْكُنُ عِنْدَها القُلُوبُ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ، أنْزَلَهم لِيَحْرُسُوهُ في الغارِ، أوْ لِيُعِينُوهُ عَلى العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ والأحْزابِ وحُنَيْنٍ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وقَوّى أبُو السُّعُودِ الوَجْهَ الثّانِيَ، بِأنَّ الأوَّلَ يَأْباهُ وصْفُهم بِعَدَمِ رُؤْيَةِ المُخاطِبِينَ لَهم.

قُلْتُ: لا إباءَةَ، لِأنَّ هَذا وصْفٌ لازِمٌ لِإمْدادِ القُوَّةِ الغَيْبِيَّةِ في كُلِّ حالٍ، وفي الثّانِي تَفْكِيكٌ في الأُسْلُوبِ لِبُعْدِ المُتَعاطِفَيْنِ، فافْهَمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أيِ: المَغْلُوبَةَ المَقْهُورَةَ، و(الكَلِمَةُ) الشِّرْكُ، أوْ دَعْوَةُ الكُفْرِ، فَهو مَجازٌ عَنْ مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي مِن شَأْنِهِمُ التَّكَلُّمُ بِهِ عَلى أنَّها الشِّرْكُ، أوْ هي بِمَعْنى الكَلامِ مُطْلَقًا عَلى أنَّها دَعْوَةُ الكُفْرِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ، أوْ دَعْوَةَ الإسْلامِ كَما تَقَدَّمَ، أيِ: الَّتِي لا تَزالُ عالِيَةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ و: ﴿هِيَ العُلْيا﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. أوْ تَكُونُ (هي) فَصْلًا.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ أيْ: وجَعَلَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْجَهُ وأبْلَغُ، لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ، وإنَّ الجَعْلَ لَمْ يَتَطَرَّقْ لَها لِأنَّها في نَفْسِها عالِيَةٌ لا يَتَبَدَّلُ شَأْنُها ولا يَتَغَيَّرُ حالُها، وفي إضافَةِ (الكَلِمَةِ) إلى (اللَّهِ) …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.