Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 129

21

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢١ ] ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾

22

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allah has with Him a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٢ ] ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَهاهم تَعالى عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإنْ كانُوا أقْرَبَ الأقْرَبِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٣ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ أيْ: بِطانَةً وأصْدِقاءَ، تُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم، وتَمْدَحُونَهم وتَذُبُّونَ عَنْهم ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا﴾ أيِ: اخْتارُوا: ﴿الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِوَصْفِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ولِتَعَدِّيهِمْ وتَجاوُزِهِمْ عَمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مُقْتَضى الإيمانِ تَرْكُ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إذا كانَ مانِعًا مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، ومَحَبَّةِ واسِطَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ، ومَحَبَّةِ ما يُعْلِي دِينَهُ بِقَوْلِهِ:

24

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌۭ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍۢ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allah and His Messenger and jihad in His cause, then wait until Allah executes His command. And Allah does not guide the defiantly disobedient people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٤ ] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أيْ: أقارِبُكُمُ الأدْنَوْنَ، أوْ قَبِيلَتُكم.

قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ بَنُو أبِيهِ الأدْنَوْنَ، أوْ قَبِيلَتُهُ، كالعَشِيرِ - بِلا هاءٍ - مَأْخُوذَةٌ مِنَ (العِشْرَةِ)، أيِ: المُعاشَرَةِ، لِأنَّها مِن شَأْنِهِمْ، أوْ مِنَ (العَشَرَةِ) الَّذِي هو العَدَدُ لِكَمالِهِمْ، لِأنَّها عَدَدٌ كامِلٌ ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ: اكْتَسَبْتُمُوها ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ أيْ: فَواتَ وقْتِ نَفادَها بِفِراقِكم لَها.

﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أيْ: مَنازِلُ تُعْجِبُكُمُ الإقامَةُ فِيها مِنَ الدُّورِ والبَساتِينِ ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُنْعِمِ بِالكُلِّ ﴿ورَسُولِهِ﴾ وهو واسِطَةُ نِعَمِهِ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيْ: مِمّا يُعْلِي دِينَهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِقَضائِهِ، وهو عَذابٌ عاجِلٌ، أوْ عِقابٌ آجِلٌ، أوْ فَتْحُ مَكَّةَ، وهَذا أمْرُ تَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ. أيْ: فارْتَقِبُوا قَهْرَ اللَّهِ بِدَعْوى مَحَبَّتِهِ بِالإيمانِ، وتَكْذِيبِها بِتَرْجِيحِ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ والمُؤْثِرِينَ لِما ذُكِرَ عَلى رِضاهُ تَعالى.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهم: ثَمَرَةُ الآيَتَيْنِ تَحْرِيمُ مُوالاةِ الكُفّارِ، ولَوْ كانُوا أقْرِباءَ، وأنَّها كَبِيرَةٌ لِوَصْفِ مُتَوَلِّيهِمْ بِالظُّلْمِ، ووُجُوبِ الجِهادِ، وإيثارِهِ عَلى كُلِّ هَذِهِ المُشْتَهِياتِ المَعْدُودَةِ طاعَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مُصْلِحَةٍ واحِدَةٍ مِن مَصالِحِ الدِّينِ، وبَيْنَ جَمِيعِ مُهِمّاتِ الدُّنْيا، وجَبَ عَلى المُسْلِمِ تَرْجِيحُ الدِّينِ عَلى الدُّنْيا.

الثّالِثُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَشْدِيدٌ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ قَلَّما يَخْلُصُ مِنها، فَلِذا قِيلَ إنَّها أشَدُّ آيَةِ نَعْتٍ عَلى النّاسِ كَما فَصَّلَهُ في (" الكَشّافِ ") بِقَوْلِهِ:

وهَذِهِ آيَةٌ شَدِيدَةٌ لا تَرى أشَدَّ مِنها، كَأنَّها تَنْعِي عَلى النّاسِ ما هم عَلَيْهِ مِن رَخاوَةِ عَقْدِ الدِّينِ، واضْطِرابِ حَبْلِ اليَقِينِ فَلْيُنْصِفْ أوْرَعُ النّاسِ وأتْقاهم مِن نَفْسِهِ، هَلْ يَجِدُ عِنْدَهُ مِنَ التَّصَلُّبِ في ذاتِ اللَّهِ، والثَّباتِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ما يُسْتَحَبُّ لَهُ دِينُهُ عَلى الآباءِ والأبْناءِ والأخَواتِ، والعَشائِرِ والمالِ والمَساكِنِ وجَمِيعِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ويَتَجَرَّدُ مِنها لِأجْلِهِ ؟ أمْ يَزْوِي اللَّهُ عَنْهُ أحْقَرَ شَيْءٍ مِنها لِمَصْلَحَتِهِ فَلا يَدْرِي أيَّ طَرَفَيْهِ أطْوَلَ ؟ ويَغْوِيهِ الشَّيْطانُ عَنْ أجَلِّ حَظٍّ مِن حُظُوظِ الدِّينِ، فَلا يُبالِي كَأنَّما وقَعَ عَلى أنْفِهِ ذُبابٌ فَطَيَّرَهُ ؟ !

وقَوْلُهُ تَعالى:

25

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍۢ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًۭٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ

Allah has already given you victory in many regions and [even] on the day of Hunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with its vastness; then you turned back, fleeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٥ ] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: في مَواقِفِ حُرُوبٍ كَثِيرَةٍ، ووَقَعاتٍ شَهِيرَةٍ، كَغَزْوَةِ بَدْرٍ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ والحُدَيْبِيَةِ وخَيْبَرَ وفَتْحِ مَكَّةَ، وكانَتْ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما ذُكِرَ في الصَّحِيحَيْنِ - مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، زادَ بُرَيْدَةُ في حَدِيثِ: قاتَلَ في ثَمانٍ مِنهُنَّ ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ غَزَواتِهِ وسَراياهُ وبُعُوثَهُ سَبْعُونَ، وقِيلَ ثَمانُونَ.

﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: فاعْتَمَدْتُمْ عَلَيْها، حَيْثُ قُلْتُمْ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِن أمْرِ العَدُوِّ مَعَ قِلَّتِهِمْ، ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحَبِها وسِعَتِها.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ، أيْ: ضاقَتْ مَعَ سِعَتِها، عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، إمّا لِعَدَمِ وِجْدانِ مَكانٍ يُقِرُّونَ بِهِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ، أوْ أنَّهم لا يَجْلِسُونَ في مَكانٍ، كَما لا يَجْلِسُ في المَكانِ الضَّيِّقِ ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: مُنْهَزِمِينَ.

26

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًۭا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

Then Allah sent down His tranquillity upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers angels whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٦ ] ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: ما تَسْكُنُونَ بِهِ، وتَثْبُتُونَ مِن رَحْمَتِهِ ونَصْرِهِ، وانْهِزامِ الكُفّارِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِلْكَرِّ بَعْدَ الفَرِّ ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما، أوِ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَفِرُّوا، أوْ عَلى الكُلِّ، وهو الأنْسَبُ.

ولا ضَيْرَ في تَحْقِيقِ أصْلِ السَّكِينَةِ في الثّابِتِينَ مِن قَبْلُ، والتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الإيمانِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَةِ الإنْزالِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿وأنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.

27

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then Allah will accept repentance after that for whom He wills; and Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٧ ] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: مِنهم، لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: يُوَفِّقُهُ لِلْإسْلامِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ أيْ: يَتَجاوَزُ عَمّا سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ ويُثِيبُهم.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: فِيما نُقِلَ في غَزْوَةِ (حُنَيْنٍ)، وتُسَمّى غَزْوَةَ (أوْطاسٍ)، وهُما مَوْضِعانِ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، فَسُمِّيَتِ الغَزْوَةُ بِاسْمِ مَكانِهِما، وتُسَمّى غَزْوَةَ (هَوازِنَ)، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أتَوْا لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، في شَوّالٍ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَإنَّ الفَتْحَ كانَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِن رَمَضانَ، وبَعْدَهُ «أقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وهو يَقْصُرُ الصَّلاةَ، فَبَلَغَهُ أنَّ هَوازِنَ وثَقِيفَ جَمَعُوا لَهُ، وهم عامِدُونَ إلى مَكَّةَ، وقَدْ نَزَلُوا (حُنَيْنًا) وكانُوا حِينَ سَمِعُوا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، يَظُنُّونَ أنَّهُ إنَّما يُرِيهِمْ، فاجْتَمَعَتْ هَوازِنُ إلى مالِكِ بْنِ عَوْفٍ مِن بَنِي نَصْرٍ، وقَدْ أوْعَبَ مَعَهُ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازِنَ وبَنِي جُشَمِ بْنِ مُعاوِيَةَ وبَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وناسًا مِن بَنِي هِلالِ بْنِ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ، والأحْلافَ وبَنِي مالِكِ بْنِ ثَقِيفِ بْنِ بَكْرٍ.

وفِي جُشْمَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ رَئِيسُهم وكَبِيرُهم، شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ إلّا رَأْيُهُ ومَعْرِفَتُهُ بِالحَرْبِ، وكانَ شُجاعًا مُجَرِّبًا، وجَمِيعُ أمْرِ النّاسِ إلى مالِكِ بْنِ عَوْفٍ.

فَلَمّا أتاهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ، أقْبَلُوا عامِدِينَ إلَيْهِ، فَأجْمَعَ السَّيْرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وساقَ مَعَ النّاسِ أمْوالَهم ونِساءَهم وأبْناءَهم، يَرى أنَّهُ أثْبَتُ لِمَوْقِفِهِمْ، فَلَمّا نَزَلَ بِأوْطاسٍ، اجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ، فَقالَ دُرَيْدٌ: بِأيِّ وادٍ أنْتُمْ ؟ قالُوا: بِأوْطاسٍ. قالَ: نِعْمَ مَجالُ الخَيْلِ، لا حَزْنٌ ضِرْسٌ، ولا سَهْلٌ دَهْسٌ، ما لِي أسْمَعُ رُغاءَ البَعِيرِ، ونُهاقَ الحَمِيرِ، ويُعارَ الشّاءِ وبُكاءَ الصَّغِيرِ ؟ قالُوا: ساقَ مالِكٌ مَعَ النّاسِ نِساءَهم وأمْوالَهم وأبْناءَهم لِيُقاتِلُوا عَنْها، فَقالَ: راعِيَ ضَأْنٍ واللَّهِ ! وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ إنَّها إنْ كانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إلّا رَجُلٌ بِسِلاحِهِ، وإنْ كانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ في أهْلِكَ ومالِكَ !

ثُمَّ قالَ: ما فَعَلَتْ كَعْبٌ وكِلابٌ ؟ قالُوا: لَمْ يَشْهَدْها أحَدٌ مِنهم: قالَ: غابَ الحَدُّ والجِدُّ، لَوْ كانَ يَوْمُ عَلاءٍ ورِفْعَةٍ لَمْ يَغِبْ عَنْهم كَعْبٌ ولا كِلابٌ، ولَوَدِدْتُ أنَّكم فَعَلْتُمْ ما فَعَلا. فَمَن شَهِدَها مِنكم ؟ قالُوا: عَمْرٌو وعَوْفٌ ابْنا عامِرٍ. قالَ: ذانِكَ الجَذَعانِ، لا يَنْفَعانِ ولا يَضُرّانِ؛ ثُمَّ أنْكَرَ عَلى مالِكٍ رَأْيَهُ في ذَلِكَ وقالَ لَهُ: لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ بَيْضَةِ هَوازِنَ إلى نُحُورِ الخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهم إلى مُمْتَنِعِ بِلادِهِمْ، وعُلْيا قَوْمِهِمْ، ثُمَّ القِ الصِّبْيانَ عَلى مُتُونِ الخَيْلِ شَيْئًا، فَإنْ كانَتْ لَكَ، لَحِقَ بِكَ مَن وراءَكَ، وإنْ كانَتْ لِغَيْرِكَ، كُنْتَ قَدْ أحْرَزْتَ أهْلَكَ ومالَكَ.

قالَ: لا، واللَّهِ لا أفْعَلُ ذَلِكَ، إنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ، وكَبِرَ عَقْلُكَ، واللَّهِ لَتُطِعْنَنِي يا مَعْشَرَ هَوازِنَ، أوْ لَأتَّكِئَنَّ عَلى هَذا …

28

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌۭ فَلَا يَقْرَبُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Haram after this, their [final] year. And if you fear privation, Allah will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٨ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: المُطَهَّرَةُ بَواطِنُهم بِالإيمانِ ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أيْ: ذَوُو نَجَسٍ، لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ، هو مَجازٌ عَنْ خُبْثِ الباطِنِ، وفَسادِ العَقِيدَةِ، مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ، أوْ هو حَقِيقَةٌ، لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ، ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ، فَهي مُلابَسَةٌ لَهم، أوْ جُعِلُوا كَأنَّهُمُ النَّجاسَةُ بِعَيْنِها، مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِها.

﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ أيْ: لِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ يَجْتَمِعُ فِيهِ المُتَفَرِّقُونَ في الأرْضِ، لِيَسْرِيَ صَفاءُ القُلُوبِ مِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ، وها هُنا يُخافُ سَرَيانُ الظُّلُماتِ في العُمُومِ.

﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ أيْ: بَعْدَ حَجِّ عامِهِمْ هَذا، وهو عامُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ عَلى المَوْسِمِ، وتَقَدَّمَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتْبَعَ أبا بَكْرٍ بِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، لِيُنادِيَ في المُشْرِكِينَ: ««ألّا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ»» . فَأتَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ، وحَكَمَ بِهِ شَرْعًا وقَدَرًا.

﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ مِنَ الحَرَمِ، لِانْقِطاعِ أرْفاقٍ كانَتْ لَكم مِن قُدُومِهِمْ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ أيْ: مِن فَتْحِ البِلادِ، وحُصُولِ المَغانِمِ، وأخْذِ الجِزْيَةِ، وتَواجُهِ النّاسِ مِن أقْطارِ الأرْضِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ النّاسَ قالُوا: لَتُقْطَعَنَّ عَنّا الأسْواقُ، فَلَتَهْلِكَنَّ التِّجارَةُ، ولَيَذْهَبُنَّ ما كُنّا نُصِيبُ فِيها مِنَ المَرافِقِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ إلى قَوْلِهِ:

﴿وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أيْ: هَذا عِوَضُ ما تَخَوَّفْتُمْ مِن قَطْعِ تِلْكَ الأسْواقِ، فَعَوَّضَهُمُ اللَّهُ مِمّا قُطِعَ عَنْهم بِأمْرِ الشِّرْكِ، ما أعْطاهم مِن أعْناقِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الجِزْيَةِ. انْتَهى.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما يُصْلِحُكم: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فِيما يَأْمُرُ بِهِ ويَنْهى عَنْهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى نَجاسَةِ المُشْرِكِ، كَما في الصَّحِيحِ ««المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ»»، وأمّا نَجاسَةُ بَدَنِهِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ البَدَنِ والذّاتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحَلَّ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ.

وذَهَبَ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ إلى نَجاسَةِ أبْدانِهِمْ، وقالَ أشْعَثُ عَنِ الحَسَنِ: مَن صافَحَهم فَلْيَتَوَضَّأْ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وأقُولُ: الِاسْتِدْلالُ بِكَوْنِهِ تَعالى أحَلَّ طَعامَ أهْلِ الكِتابِ غَيْرُ ناهِضٍ، لِأنَّ البَحْثَ في المُشْرِكِينَ وقاعِدَةَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، فَلا يَتَناوَلُ أحَدُهُما الآخَرَ فِيهِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ اليَمَنِيِّينَ: مَذْهَبُ القاسِمِ والهادِي وغَيْرِهِما، أنَّ الكافِرَ نَجِسُ العَيْنِ، آخِذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، لِأنَّهُ الحَقِيقَةُ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: فَإنَّهُ «قالَ: لِلنَّبِيِّ ﷺ إنّا نَأْتِي أرْضَ أهْلِ الكِتابِ فَنَسْألُهم آنِيَتَهم، فَقالَ ﷺ: …

29

قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ

Fight those who do not believe in Allah or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allah and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah willingly while they are humbled.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٩ ] ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ .

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ المُشْرِكِينَ في إظْهارِ البَراءَةِ مِن عَهْدِهِمْ، وفي إظْهارِ البَراءَةِ عَنْهم في أنْفُسِهِمْ، وفي وُجُوبِ مُقاتَلَتِهِمْ، وفي تَبْعِيدِهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وعَدَمِ الخَوْفِ مِنَ الفاقَةِ المُتَوَهَّمَةِ مِنِ انْقِطاعِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ حُكْمَ أهْلِ الكِتابِ، وهو أنْ يُقاتِلُوا إلى أنْ يُسَلِّمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، مُنَبِّهًا في تَضاعِيفِ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ طُرُقِ الإغْناءِ المَوْعُودِ عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ، مُرْشِدًا إلى سُلُوكِهِ ابْتِغاءً لِفَضْلِهِ، واسْتِنْجازًا لِوَعْدِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ حِينَ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِتالِ الرُّومِ، فَغَزا بَعْدَ نُزُولِها غَزْوَةَ تَبُوكَ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ، فَصالَحَهم، فَكانَتْ أوَّلَ جِزْيَةٍ أصابَها أهْلُ الإسْلامِ، وأوَّلَ ذُلٍّ أصابَ أهْلَ الكِتابِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ. انْتَهى.

ولا يَخْفى شُمُولُ الآيَةِ لِكُلِّ ذَلِكَ بِلا تَخْصِيصٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ أمْرٍ نَزَلَ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ - اليَهُودِ والنَّصارى - وكانَ ذَلِكَ في سَنَةِ تِسْعٍ، ولِهَذا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقِتالِ الرُّومِ، ودَعا النّاسَ إلى ذَلِكَ، وأظْهَرَهُ لَهم، وبَعَثَ إلى أحْياءِ العَرَبِ حَوْلَ المَدِينَةِ فَنَدَبَهم، فَأوْعَبُوا مَعَهُ، واجْتَمَعَ مِنَ المُقاتِلَةِ نَحْوٌ مِن ثَلاثِينَ ألْفًا، وتَخَلَّفَ بَعْضُ النّاسِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، ومَن حَوْلَها مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ، وكانَ ذَلِكَ في عامِ جَدْبٍ، ووَقْتِ قَيْظٍ وحَرٍّ.

وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الشّامَ لِقِتالِ الرُّومِ، فَبَلَغَ تَبُوكَ، ونَزَلَ بِها، وأقامَ بِها قَرِيبًا مِن عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ اسْتَخارَ اللَّهَ في الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ عامَهُ ذَلِكَ لِضِيقِ الحالِ، وضَعْفِ النّاسِ، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى.

والتَّعْبِيرُ عَنْ (أهْلِ الكِتابِ) بِالمَوْصُولِ المَذْكُورِ، لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ، فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، كَما أمَرَ تَعالى، إذْ لَدَيْهِمْ مِن فَسادِ العَقِيدَةِ، فِيما يَجِبُ لَهُ تَعالى وفي البَعْثِ، أعْظَمُ ضَلالٍ وزَيْغٍ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ يَعْنِي ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِرَسُولِهِ الرَّسُولُ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ، فالمَعْنى أنَّهم يُخالِفُونَ أصْلَ دِينِهِمُ المَنسُوخِ اعْتِقادًا وعَمَلًا، إذْ غَيَّرُوا وبَدَّلُوا اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ.

وقَوْلُهُ: هابَ: فَيَكُونُ المُرادُ: لا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَتَنا ولا شَرِيعَتَهم، ومَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ سَبَبٌ لِقِتالِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دِينَ الحَقِّ﴾ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ، أوِ المُرادُ بِالحَقِّ: اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ أيْ: ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطُوهُ.

قالَ ابْنُ …

30

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Jews say, "Ezra is the son of Allah "; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allah." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved [before them]. May Allah destroy them; how are they deluded?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣٠ ] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .

﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما مَرَّ مِن عَدَمِ إيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وانْتِظامِهِمْ بِذَلِكَ في سَلْكِ المُشْرِكِينَ.

وقُرِئَ (عُزَيْرٌ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ القِياسِ تَخْفِيفًا، وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، ولَهم أوْجُهٌ أُخْرى في إعْرابِهِ، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ.

ولِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي دَعا الفَرِيقَيْنِ إلى مَقالَيْهِما هو الغُلُوُّ في التَّعْظِيمِ، فَأمّا اعْتِقادُ النَّصارى فَهو مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، تَكَفَّلَ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ بِذِكْرِهِ مِرارًا، ودَحْرِ شَبَهِهِ.

وأمّا اليَهُودُ في (عُزَيْرٍ) فَغُلاتُهم أوَجَهَلَتُهم يَتَفَوَّهُونَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ، وأمّا بَقِيَّتُهم فَيَعْتَبِرُونَهُ في مَقامِ مُوسى، ويَحْتَرِمُونَ دائِمًا ذِكْرُهُ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أقامَهُ لِجَمْعِ التَّوْراةِ المُبَدَّدَةِ، ولِتَجْدِيدِ المِلَّةِ المُوسَوِيَّةِ، وإرْجاعِها إلى عَهْدِها، وإصْلاحِ ما فَسَدَ مِن آدابِها وعَوائِدِها، بِإلْهامِ، فَإنَّ نُسْخَةَ التَّوْراةِ الأصْلِيَّةَ، وبَقِيَّةَ أسْفارِهِمْ فُقِدَتْ لَمّا أغارَ أهْلُ بابِلَ جُنْدُ بُخْتُ نَصَّرَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَدَمُوهُ، وسَبَوْا أهْلَهُ إلى مَمْلَكَتِهِمْ بابِلَ، وأقامُوا هُناكَ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ لَمّا نَبَغَ فِيهِمْ (عُزَيْرٌ) واشْتُهِرَ، واسْتَعْطَفَ أحَدَ مُلُوكِهِمْ في سَراحِهِمْ، فَأطْلَقَ لَهُ المَلِكُ الإجازَةَ، فَعادَ مِن بابِلَ بِمَن بَقِيَ مِنَ اليَهُودِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَدَّدَ ما انْدَثَرَ مِنَ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ.

قالَ بَعْضُ الكِتابِيِّينَ في قامُوسٍ لَهُ: زَعَمَ اليَهُودُ أنَّ أئِمَّتَهم عَقَدُوا مَجْمَعًا في عَهْدِ (عِزْرا) وجَمَعُوا الأسْفارَ العِبْرانِيَّةَ في قانُونٍ مُتَعارَفٍ عِنْدَهُمُ اليَوْمَ، وضَمُّوا إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلِ جَلاءِ بابِلَ.

وفِي (" الذَّخِيرَةِ ") مِن كُتُبِهِمْ ما نَصُّهُ: أجْمَعَ القَوْمُ عَلى أنَّ (عِزْرا) الَّذِي كانَ خَبِيرًا بِآثارِ وطَنِهِ وقِدَمِها، وماهِرًا بِمَعْرِفَةِ الطُّقُوسِ اليَهُودِيَّةِ، وبارِعًا بِالعُلُومِ المُقَدَّسَةِ، هو أوَّلُ مَن قَرَّرَ هَذا القانُونَ، وأثْبَتَ أجْزاءَهُ المُخْتَلِفَةَ، بَعْدَ الأسْرِ البابِلِيِّ في نَحْوِ السَّنَةِ ٥٤٢ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ولَمّا تَفَرَّقَتِ التَّوْراةُ آنَ الجَلاءِ، قامَ (عِزْرا) وجَمَعَ ما وُجِدَ مِنَ النُّسَخِ المُتَناثِرَةِ، وألَّفَ مِنها نُسْخَةً صَحَّحَها ونَقَّحَها ما اسْتَطاعَ، وبَدَّلَ أسْماءَ الأماكِنِ الَّتِي انْتَسَخَ ثَمَّ اسْتِعْمالُها، بِأسْماءٍ أُخْرى أشْهَرَ في عُرْفِهِمْ، ونَسَّقَ الكُلَّ نَسَقًا مُحْكَمًا، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ اعْتاضَ في كُلِّ الأسْفارِ عَنْ حُرُوفِ الخَطِّ العِبْرانِيِّ بِحُرُوفٍ كَلْدانِيَّةٍ، ألِفَ اسْتِعْمالَها اليَهُودُ مُدَّةَ أسْرِهِمُ الَّذِي اسْتَمَرَّ سَبْعِينَ سَنَةً. انْتَهى.

فَلِهَذا العَمَلِ المُهِمِّ عِنْدَهم دَعَوْهُ: (ابْنًا) . وفِيهِ مِنَ الجَراءَةِ عَلى المَقامِ الرَّبّانِيِّ ما فِيهِ. ولَوْ زَعَمُوا إرادَةَ المَجازِ في ذَلِكَ، فَلا مَناصَ لَهم مِن لُحُوقِ الكُفْرِ بِهِمْ، فَإنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِياطِ في …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.