Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 129

11

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

But if they repent, establish prayer, and give zakah, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١ ] ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم، لَهم ما لَكم، وعَلَيْهِمْ ما عَلَيْكم، فَعامَلُوهم مُعامَلَةَ الإخْوانِ، وفِيهِ مِنِ اسْتِمالَتِهِمْ واسْتِجْلابِ قُلُوبِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ونُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلْحَثِّ عَلى تَأمُّلِ ما فَصَلَ مِن أحْكامِ المُشْرِكِينَ المُعاهِدِينَ وعَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها.

12

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then fight the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢ ] ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ .

﴿وإنْ نَكَثُوا﴾ أيْ: نَقَضُوا ﴿أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ أيْ: فَقاتِلُوهم.

وإنَّما أُوثِرُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، لِلْإيذانِ بِأنَّهم صارُوا بِذَلِكَ ذَوِي رِياسَةٍ وتَقَدُّمٍ في الكُفْرِ، أحِقّاءُ بِالقَتْلِ والقِتالِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأئِمَّةِ رُؤَساؤُهم وصَنادِيدُهم، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ إمّا لِأهَمِّيَّةِ قَتْلِهِمْ، أوْ لِلْمَنعِ مِن مُراقَبَتِهِمْ، ولِكَوْنِهِمْ مَظِنَّةً لَها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ، فَإنَّ قَتْلَهم غالِبًا يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ مَن دُونَهم. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ جَمْعُ يَمِينٍ أيْ: لا عُهُودَ لَهم عَلى الحَقِيقَةِ، حَيْثُ لا يُراعُونَها ولا يَعُدُّونَ نَقْضَها مَحْذُورًا، فَهم وإنْ تَفَوَّهُوا بِها، لا عِبْرَةَ بِها.

وقُرِئَ (لا إيمانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، أيْ: لا إسْلامَ، ولا تَصْدِيقَ لَهم، حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ النَّقْضِ والطَّعْنِ ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ والطَّعْنِ ويَرْجِعُونَ إلى الإيمانِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ "): اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ إنَّ الذِّمِّيَّ يُقْتَلُ إذا طَعَنَ في الإسْلامِ أوِ القُرْآنِ أوْ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِسُوءٍ، سَواءٌ شَرَطَ انْتِفاضَ العَهْدِ بِهِ أمْ لا، واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ انْتَهى.

ثُمَّ حَضَّ عَلى قِتالِهِمْ بِتَهْيِيجِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وإغْرائِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

13

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

Would you not fight a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allah has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ ] ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي حَلَفُوها في المُعاهَدَةِ ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] فَيَكُونُ نَعْيًا عَلَيْهِمْ جِنايَتُهُمُ القَدِيمَةُ، ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: بِالقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ خَرَجُوا لِنَصْرِ غَيْرِهِمْ فَما نَجَتْ وعَلِمُوا بِذَلِكَ، اسْتَمَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ طَلَبًا لِلْقِتالِ، بَغْيًا وتَكَبُّرًا.

وقِيلَ: بِنَقْضِهِمُ العَهْدَ، وقِتالِهِمْ مَعَ حُلَفائِهِمْ بَنِي بَكْرٍ لِخُزاعَةَ، أحْلافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتّى سارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الفَتْحِ وكانَ ما كانَ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وهُمُ الَّذِينَ كانَتْ مِنهُمُ البَداءَةُ بِالمُقاتَلَةِ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهم أوَّلًا بِالكِتابِ المُنِيرِ، وتَحَدّاهم بِهِ، فَعَدَلُوا عَنِ المُعارَضَةِ، لِعَجْزِهِمْ عَنْها، إلى القِتالِ، فَهُمُ البادِئُونَ بِالقِتالِ، والبادِئُ أظْلَمُ، فَما يَمْنَعُكم مِن أنْ تُقاتِلُوهم بِمِثْلِهِ، وأنْ تَصْدِمُوهم بِالشَّرِّ كَما صَدَمُوكم.

﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أيْ: أتَخافُونَ أنْ يَنالَكم مِنهم مَكْرُوهٌ حَتّى تَتْرُكُوا قِتالَهم ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ وتَرْكِ قِتالِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ الصَّحِيحِ أنْ لا يَخْشى المُؤْمِنُ إلّا رَبَّهُ، ولا يُبالِي بِمَن سِواهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] قالَهُ _الزَّمَخْشَرِيُّ _ . وفِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى.

ثُمَّ عَزَمَ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ الأمْرَ بِالقِتالِ لِحِكْمَتِهِ بِقَوْلِهِ:

14

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍۢ مُّؤْمِنِينَ

Fight them; Allah will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts of a believing people

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٤ ] ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِآلامِ الجِراحاتِ والمَوْتِ ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ: تَغْلِيبًا لَكم عَلَيْهِمْ ﴿ويُخْزِهِمْ﴾ أيْ: بِالأسْرِ والِاسْتِرْقاقِ، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِمُ العَذابُ الحِسِّيُّ والمَعْنَوِيُّ، ﴿ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ.

15

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

And remove the fury in the believers' hearts. And Allah turns in forgiveness to whom He wills; and Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٥ ] ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِما كابَدُوا مِنَ المَكارِهِ والمَكايِدِ ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: فَيَحْصُلُ لَكَ أجَرَهم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: في أفْعالِهِ وأوامِرِهِ.

وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم هَذِهِ المَواعِيدَ كُلَّها، فَكانَ إخْبارُهُ ﷺ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ مُعْجِزَةً عَظِيمَةً، دالَّةً عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

16

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

Do you think that you will be left [as you are] while Allah has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allah, His Messenger and the believers as intimates? And Allah is Acquainted with what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٦ ] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولا تُؤْمَرُوا بِالجِهادِ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً يُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَهم.

والواوُ في (ولَمّا) حالِيَّةٌ، و(لَمّا) لِلنَّفْيِ مَعَ التَّوَقُّعِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، إذْ لَوْ شَمَّ رائِحَةَ الوُجُودِ، لَعَلِمَ قَطْعًا، فَلَمّا لَمْ يَعْلَمْ لَزِمَ عَدَمُهُ قَطْعًا ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿جاهَدُوا﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصُ مِنَ المُجاهِدِينَ مِنكم مِن غَيْرِهِمْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تُخْتَبَرُوا، حَتّى يَظْهَرَ المُخْلِصُونَ مِنكم، وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، لِوَجْهِ اللَّهِ، ولَمْ يَتَّخِذُوا ولِيجَةً، أيْ: بِطانَةً مِنَ الَّذِينَ يُضادُّونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ودَلَّتْ (لَمّا) عَلى أنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ وإيضاحَهُ مُتَوَقَّعٌ كائِنٌ، وإنَّ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا دِينَهم لِلَّهِ يُمَيَّزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُخْلِصِينَ، وفي الآيَةِ اكْتِفاءٌ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُقَصِّرِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَ إرادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ، وهَذا كَما قالَ:

؎وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِنِي

وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآيَةَ، وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الجِهادِ اخْتِبارُ المُطِيعِ مِن غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

17

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allah [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٧ ] ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ .

﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلى اسْمِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أيْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِنها، فَهو جَمْعٌ مُضافٌ في سِياقِ النَّفْيِ، ويَدْخُلُ في المَسْجِدِ الحَرامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، إذْ نَفْيُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنِ الفَرْدِ المُعَيَّنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وقُرِئَ (مَسْجِدِ اللهِ) بِالتَّوْحِيدِ، تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ وهو المَسْجِدُ الحَرامُ، أشْرَفُ المَساجِدِ في الأرْضِ، الَّذِي بُنِيَ عَلى أوَّلِ يَوْمٍ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ وأسَّسَهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ.

قالَ في (" البَصائِرِ "): (يَعْمُرُ) إمّا مِنَ العِمارَةِ الَّتِي هي حِفْظُ البِناءِ، أوْ مِنَ العُمْرَةِ الَّتِي هي الزِّيارَةُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ: عَمَرْتُ بِمَكانِ كَذا أيْ: أقَمْتُ بِهِ. انْتَهى.

﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِحالِهِمْ وقالِهِمْ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَعْمُرُوا﴾

﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ولِهَذا قالَ تَعالى:

18

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

The mosques of Allah are only to be maintained by those who believe in Allah and the Last Day and establish prayer and give zakah and do not fear except Allah, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٨ ] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ .

﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الجَنَّةِ.

وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الصِّفاتِ السَّنِيَّةِ، في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ، لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يَحْسَبُونَ أنَّهم في ذَلِكَ مُحْسِنُونَ، ولِتَوْبِيخِهِمْ بِقَطْعِهِمْ أنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ ما بِهِمْ مِن هَذِهِ الكِمالاتِ، إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى، فَما بالُ الكَفَرَةِ وهم هم، وأعْمالُهم أعْمالُهم ! ! وفِيهِ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَرْغِيبٌ لَهم في تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، ورَفْضِ الِاغْتِرارِ بِاللَّهِ تَعالى. - كَذا حَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ - .

وقالَ النّاصِرُ: وأكْثَرُهم يَقُولُ: إنَّ (عَسى) مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، بِناءً مِنهم عَلى أنَّ اسْتِعْمالَها غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْمُخاطَبِينَ.

والحَقُّ أنَّ الخِطابَ مَصْرُوفٌ إلَيْهِمْ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ: فَحالُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ حالٌ مَرْجُوَّةُ العاقِبَةِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ، ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (العِمارَةُ) تَتَناوَلُ زَمَّ ما اسْتَرَمَّ مِنها وقَمَّها، وتَنْظِيفَها وتَنْوِيرَها بِالمَصابِيحِ، وتَعْظِيمَها واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ، ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ، بَلْ هو أجَلُّهُ وأعْظَمُهُ، وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ المَساجِدُ مِن أحادِيثِ الدُّنْيا، فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الحَدِيثِ.

رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن غَدا إلى المَسْجِدِ أوْ راحَ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّما غَدا أوْ راحَ»» .

ورَوَيا أيْضًا عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ»» .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ، فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ»»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.

الثّانِي: إنَّما لَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ لِدُخُولِهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ، فَتُرِكَ لِلْمُبالَغَةِ في ذِكْرِ الإيمانِ بِالرِّسالَةِ، دَلالَةً عَلى أنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ، إذا ذُكِرَ أحَدُهُما فُهِمَ الآخَرُ، عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِذِكْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ إلى الإيمانِ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ومِن جُمْلَتِهِ رِسالَةُ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] كَذا في (" العِنايَةِ ") .

الثّالِثُ: في تَخْصِيصِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ بِالذِّكْرِ، تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِما وحَثٌّ عَلى التَّنَبُّهِ لَهُما.

الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ عَمَلَ الكُفّارِ مُحْبَطٌ لا ثَوابَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

19

۞ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Haram equal to [the deeds of] one who believes in Allah and the Last Day and strives in the cause of Allah? They are not equal in the sight of Allah. And Allah does not guide the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ ] ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

رَوى العَوْفِيُّ في (" تَفْسِيرِهِ ") عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ، ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ، مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعُمّارُهُ، فَخَيَّرَ اللَّهُ الإيمانَ والجِهادَ مَعَ رَسُولِهِ عَلى عِمارَةِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وأنَّهم ظالِمُونَ بِشِرْكِهِمْ، لا تُغْنِي عِمارَتُهم شَيْئًا.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: (السِّقايَةُ) بِالكَسْرِ والضَّمِّ مَوْضِعُ السَّقْيِ. وفي (" التَّهْذِيبِ "): هو المَوْضِعُ المُتَّخَذُ فِيهِ الشَّرابُ في المَواسِمِ وغَيْرِها. انْتَهى.

وفِي (" التّاجِ "): سِقايَةُ الحاجِّ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْقِيهِ لِلْحُجّاجِ مِنَ الزَّبِيبِ المَنبُوذِ في الماءِ، وكانَ يَلِيها العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ. انْتَهى.

ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؛ وقالَ الآخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وهو يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُهُ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ.

ورَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (" مُصَنَّفِهِ ") ولَفْظُهُ: إنَّ رَجُلًا قالَ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ. وقالَ آخَرُ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ. الحَدِيثَ.

قالَ بَعْضُهم: فَظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ المُفاضَلَةَ كانَتْ بَيْنَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ ونَظائِرِهِما، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، مَعَ أنَّ الرِّوايَةَ السّالِفَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تُنافِيهِ، وكَذا تَخْصِيصُ ذِكْرِ الإيمانِ بِجانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، وكَذا وصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأجْلِ تَسْوِيَتِهِمُ المَذْكُورَةِ.

وأقُولُ: لا مُنافاةَ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ فِيما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لا يُرْتابُ فِيهِ، وقَوْلُ النُّعْمانِ (فَأنْزَلَ اللَّهُ)، بِمَعْنى أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحاوُرِ نَزَلَ فِيهِ فَيْصَلٌ مُتَقَدِّمٌ، وهو هَذِهِ الآيَةُ، لا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها كَما بَيَّنَها غَيْرَ ما مَرَّةٍ.

وهَذا الِاسْتِعْمالُ شائِعٌ بَيْنَ السَّلَفِ، ومَن لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ تَتَناقَضُ عِنْدَهُ الرِّواياتُ، ويَحارُ في المَخْرَجِ، فافْهَمْ ذَلِكَ وتَفَطَّنْ لَهُ.

وتَأْيِيدُ أبِي السُّعُودِ نُزُولَها في المُسْلِمِينَ بِما أطالَ فِيهِ ذُهُولٌ عَنْ سِباقِ الآيَةِ وعَنْ سِياقِها، فِيما صَدَعَتْ فِيهِ مِن شَدِيدِ التَّهْوِيلِ، وعَنْ لاحِقِها في دَرَجاتِ التَّفْضِيلِ، وقَصْرِ الفَوْزِ …

20

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allah with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allah. And it is those who are the attainers [of success].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢٠ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ .

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، وهم وإنْ يَكُنْ لَهم دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، جاءَ عَلى زَعْمِهِمْ ومَدْعاهم. قالَهُ في (" العِنايَةِ ") .

﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيْ: لا أنْتُمْ. أيِ: المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ دُونَكم.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.