Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 101–110 of 129

101

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍۢ

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madinah. They have become accustomed to hypocrisy. You, [O Muhammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠١ ] ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ .

﴿ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ يَعْنِي حَوْلَ بَلْدَتِكم، وهي المَدِينَةُ ﴿مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾

أيْ: مَرَنُوا ومَهَرُوا فِيهِ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ دَلِيلٌ لِمَرانَتِهِمْ عَلَيْهِ، ومَهارَتِهِمْ فِيهِ، أيْ: يُخْفُونَ عَلَيْكَ، مَعَ عُلُوِّ كَعْبِكَ في الفِطْنَةِ وصِدْقِ الفِراسَةِ، لِفَرْطِ تَأنُّقِهِمْ وتَصَنُّعِهِمْ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ، والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ.

قالَ في (" الِانْتِصافِ ") وكَأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ تَوْطِئَةٌ لِتَقْرِيرِ خَفاءِ حالِهِمْ عَنْهُ ﷺ، لِما لَهم مِنَ الخِبْرَةِ في النِّفاقِ والضَّراوَةِ بِهِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ، أيْ: لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ، ولا يَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ غَيْرُهُ، لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطانِ الكُفْرِ، وإظْهارِ الإخْلاصِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ لِلْمُفَسِّرِينَ في المَرَّتَيْنِ وُجُوهٌ: إظْهارُ نِفاقِهِمْ وإحْراقُ مَسْجِدِ الضِّرارِ، أوِ الفَضِيحَةُ وعَذابُ القَبْرِ، أوْ أخْذُ الزَّكاةِ لِما أنَّهم يُعِدُّونَها مَغْرَمًا بَحْتًا، ونَهْكَ الأبْدانِ، وإتْعابَها بِالطّاعاتِ الفارِغَةِ عَنِ الثَّوابِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: هو - فِيما بَلَغَنِي عَنْهم - ما هم مِن أمْرِ الإسْلامِ، وما يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْظِ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ حِسْبَةٍ، ثُمَّ عَذابُهم في القُبُورِ إذا صارُوا إلَيْها، ثُمَّ العَذابُ العَظِيمُ الَّذِي يُرَدُّونَ إلَيْهِ، عَذابُ الآخِرَةِ، ويَخْلُدُونَ فِيهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: ولَعَلَّ تَكْرِيرَ عَذابِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ المَشْفُوعِ بِالنِّفاقِ، أوِ النِّفاقُ المُؤَكَّدُ بِالتَّمَرُّدِ فِيهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمَرَّتَيْنِ مُجَرَّدَ التَّكْثِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (فارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ) أيْ: كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ [التوبة: ١٢٦]

تَنْبِيهٌ:

لا يُنافِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] لِأنَّ هَذا مِن بابِ التَّوَسُّمِ فِيهِمْ بِصِفاتٍ يُعْرَفُونَ بِها، لا أنَّهُ يَعْرِفُ جَمِيعَ مَن عِنْدَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ عَلى التَّعْيِينِ، وقَدْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ في بَعْضِ مَن يُخالِطُهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ نِفاقًا، وإنْ كانَ يَراهُ صَباحًا ومَساءً، وشاهِدُ هَذا بِالصِّحَّةِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَنا أجْرٌ بِمَكَّةَ، فَقالَ: «لَتَأْتِيَنَّكم أُجُورُكم، ولَوْ كُنْتُمْ فِي جُحْرِ ثَعْلَبٍ» .

وأصْغى إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ فَقالَ: «إنَّ في أصْحابِي مُنافِقِينَ، أيْ: يَرْجُفُونَ ويَتَكَلَّمُونَ بِما لا صِحَّةَ لَهُ»» .

ورَوى ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ حَرْمَلَةُ أتى النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: الإيمانُ هاهُنا، وأشارَ بِيَدِهِ إلى لِسانِهِ والنِّفاقُ …

At-Tawba 9:101Listen in Qur'an →
102

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed a righteous deed with another that was bad. Perhaps Allah will turn to them in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٢ ] ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: أقَرُّوا بِها، وهي تَخَلُّفُهم عَنِ الغَزْوِ، وإيثارُ الدَّعَةِ عَلَيْهِ، والرِّضا بِسُوءِ جِوارِ المُنافِقِينَ، أيْ: لَمْ يَعْتَذِرُوا مِن تَخَلُّفِهِمْ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ كَغَيْرِهِمْ ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ كالنَّدَمِ وما سَبَقَ مِن طاعَتِهِمْ ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ كالتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: يَقْبَلَ تَوْبَتَهم ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَخَلَّفَ أبُو لُبابَةَ وخَمْسَةٌ مَعَهُ، ثُمَّ إنَّ أبا لُبابَةَ ورَجُلَيْنِ مَعَهُ تَفَكَّرُوا ونَدِمُوا وأيْقَنُوا بِالهَلاكِ وقالُوا: نَحْنُ في الظِّلالِ والطُّمَأْنِينَةِ مَعَ النِّساءِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ في الجِهادِ ! واللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أنْفُسَنا بِالسَّوارِي، فَلا نُطْلِقُها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، هو الَّذِي يُطْلِقُها، فَفَعَلُوا وبَقِيَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَتِهِ فَقالَ: «مَن هَؤُلاءِ المُوَثَّقُونَ بِالسَّوارِي» ؟ فَقالَ رَجُلٌ: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا، فَعاهَدُوا اللَّهَ ألّا يُطْلِقُوا أنْفُسَهم حَتّى تَكُونَ أنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهم. فَقالَ: «لا أُطْلِقُهم، حَتّى أُومَرَ بِإطْلاقِهِمْ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ أطْلَقَهم وعَذَرَهم، وبَقِيَ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم، لَمْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] الآيَةَ، فَجَعَلَ أُناسٌ يَقُولُونَ: هَلَكُوا، إذْ لَمْ يَنْزِلْ عُذْرُهم، وآخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]»

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، وزادَ: «فَجاءَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ بِأمْوالِهِمْ حِينَ أُطْلِقُوا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! هَذِهِ أمْوالُنا، فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، واسْتَغْفِرْ لَنا فَقالَ: «ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ».

وأُخْرِجَ هَذا القَدْرُ وحْدَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وغَيْرِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في سَبْعَةٍ: أرْبَعَةٍ مِنهم رَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، وهم أبُو لُبابَةَ ومِرْداسٌ، وأوْسُ بْنُ خُذامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ ودِيعَةَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَندَهْ في (" الصَّحابَةِ ") مِن طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيانَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَبُوكَ سِتَّةٌ: أبُو لُبابَةَ، وأوْسُ بْنُ خِذامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ ودِيعَةَ، ومَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ.

فَجاءَ أبُو لُبابَةَ وأوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَرَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، وجاءُوا بِأمْوالِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! خُذْ هَذا الَّذِي حَبَسَنا عَنْكَ، فَقالَ: لا …

At-Tawba 9:102Listen in Qur'an →
103

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةًۭ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌۭ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

Take, [O, Muhammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allah 's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allah is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٣ ] ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ أيْ: بَعْضَها ﴿صَدَقَةً﴾

قالَ المَهايِمِيُّ: لِتَصْدُقَ تَوْبَتُهم إذْ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أيْ: عَمّا تَلَطَّخُوا بِهِ مِن أوَضارِ التَّخَلُّفِ. وعَنْ حُبِّ المالِ الَّذِي كانَ التَّخَلُّفُ بِسَبَبِهِ ﴿وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ أيْ: عَنْ سائِرِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ عَنِ المالِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّزْكِيَةُ مُبالَغَةٌ في التَّطْهِيرِ وزِيادَةٌ فِيهِ، أوْ بِمَعْنى الإنْماءِ والبَرَكَةِ في المالِ ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: واعْطِفْ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ لَهم وتَرَحَّمْ ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ أيْ: تُسَكِّنُ نُفُوسَهم إلَيْها، وتُطَمْئِنُ قُلُوبَهم بِها، ويَثِقُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم.

وقالَ قَتادَةُ: سَكَنٌ، أيْ: وقارٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَحْمَةٌ لَهم. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا دَعا لِلرَّجُلِ، أصابَتْهُ وأصابَتْ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ» . وفي رِوايَةٍ: «إنَّ صَلاةَ النَّبِيِّ ﷺ لَتُدْرِكُ الرَّجُلَ ووَلَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ».

والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ: يَسْمَعُ اعْتِرافَهم بِذُنُوبِهِمْ ودُعاءَهم ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما في ضَمائِرِهِمْ مِنَ النَّدَمِ والغَمِّ، لِما فَرَطَ مِنهم.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ قُرِئَ مَجْزُومًا عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، وأمّا بِالرَّفْعِ فَعَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في ﴿خُذْ﴾ أوْ صِفَةٌ لِ (صَدَقَةٍ)، والتّاءُ لِلْخِطابِ أوْ لِلصَّدَقَةِ.

والعائِدُ عَلى الأوَّلِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما بَعْدَهُ، أيْ: بِها.

وقُرِئَ تُطْهِرُهم، مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ، ولَمْ يُقْرَأْ: وتُزَكِّيهِمْ، إلّا بِإثْباتِ الياءِ وهو خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأمْرِ أوْ في جَوابِهِ، أيْ: وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها، هَذا عَلى قِراءَةِ "تُطَهِّرْهُمْ" بِالجَزْمِ.

وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَـ (تُزَكِّيهِمْ) عَطْفٌ عَلى (تُطَهِّرُهم) حالًا أوْ صِفَةً.

الثّانِي: قُرِئَ ﴿صَلاتَكَ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، و(صَلَواتَكَ) بِالجَمْعِ، مُراعاةً لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم.

وقالَ الشِّهابُ: جَمَعَ (صَلاةً)، لِأنَّها اسْمُ جِنْسٍ، والتَّوْحِيدُ لِذَلِكَ، أوْ لِأنَّها مَصْدَرٌ في الأصْلِ.

الثّالِثُ: قالَ الشِّهابُ: السَّكَنُ السُّكُونُ، وما يُسْكَنُ إلَيْهِ مِنَ الأهْلِ والوَطَنِ، فَإنْ كانَ المُرادُ الأوَّلَ، فَجَعْلُها نَفْسَ السَّكَنِ والِاطْمِئْنانِ مُبالَغَةٌ، وهو الظّاهِرُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مَجازٌ بِتَشْبِيهِ دُعائِهِ، في الِالتِجاءِ إلَيْهِ بِالسَّكَنِ، انْتَهى.

قالَ أبُو البَقاءِ: سَكَنٌ بِمَعْنى مَسْكُونٍ إلَيْها، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَنِّثْهُ، وهو مِثْلُ القَبْضِ بِمَعْنى المَقْبُوضِ.

الرّابِعُ: قِيلَ: المَأْمُورُ بِهِ في الآيَةِ الزَّكاةُ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وكانُوا أرادُوا التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْخُذَ بَعْضَها لِتَوْبَتِهِمْ، لِأنَّ الزَّكاةَ لَمْ تُقْبَلْ مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ، فَتَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها.

وقِيلَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ، بَلْ هم لَمّا تابُوا، بَذَلُوا جَمِيعَ مالِهِمْ كَفّارَةً لِلذَّنْبِ الصّادِرِ مِنهم، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ بَعْضِها وهو الثُّلُثُ، وهَذا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وهو المُخْتارُ عِنْدَهم. ونَقَلَ الرّازِيُّ أنَّ …

At-Tawba 9:103Listen in Qur'an →
104

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Do they not know that it is Allah who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allah who is the Accepting of repentance, the Merciful?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٤ ] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا تَهْيِيجٌ إلى التَّوْبَةِ والصَّدَقَةِ اللَّتَيْنِ كُلٌّ مِنهُما يَحُطُّ الذُّنُوبَ ويُمَحِّصُها ويَمْحَقُها، وإخْبارٌ بِأنَّ كُلَّ مَن تابَ إلَيْهِ، تابَ عَلَيْهِ، ومَن تَصَدَّقَ تَقَبَّلَ مِنهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: الضَّمِيرُ في: (يَعْلَمُوا) لِلْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذِكْرُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، مَعَ أنَّهُ تَقَدَّمَ ما يُشِيرُ إلَيْهِ، تَحْقِيقًا لِما سَبَقَ مِن قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وتَطْهِيرِ الصَّدَقَةِ وتَزْكِيَتِها لَهم، وتَقْرِيرًا لِذَلِكَ، وتَوْطِينًا لِقُلُوبِهِمْ بِبَيانِ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وأخْذِ صَدَقاتِهِمْ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنْ أُسْنِدَ الأخْذُ والتَّطْهِيرُ والتَّزْكِيَةُ إلَيْهِ ﷺ .

قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ في النَّفْسِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ في إيهامِ المُخاطَبِ وإزالَةِ الشَّكِّ عَنْهُ، أنْ يَقُولَ: أما عَلِمْتَ أنَّ مَن عَلَّمَكَ يَجِبُ عَلَيْكَ خِدْمَتُهُ ؟ أما عَلِمْتَ أنَّ مَن أحْسَنَ إلَيْكَ يَجِبُ عَلَيْكَ شُكْرُهُ ؟ فَبَشَّرَ تَعالى هَؤُلاءِ التّائِبِينَ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وصَدَقاتِهِمُ. انْتَهى.

وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِغَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ فالِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ لَهم عَلى عَدَمِ التَّوْبَةِ، وتَرْغِيبٌ فِيها، وإزالَةٌ لِما يَظُنُّونَ مِن عَدَمِ قَبُولِها وقُرِئَ بِالتّاءِ.

وهُوَ عَلى الأوَّلِ التِفاتٌ، وعَلى الثّانِي بِتَقْدِيرِ (قُلْ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ والتّائِبِينَ مَعًا، لِلتَّمَكُّنِ والتَّخَصُّصِ.

الثّانِي: الضَّمِيرُ أعْنِي (هو) إمّا لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لَهُ مَعَ التَّخَصُّصِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ، لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ ذَلِكَ، والخَبَرُ المُضارِعُ مِن مَواقِعِهِ.

وقِيلَ: مَعْنى التَّخْصِيصِ في هو، أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّما اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ويَرُدُّها، فاقْصُدُوهُ، ووَجَّهُوها إلَيْهِ، لِأنَّ كَثْرَةَ رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَظِنَّةٌ لِتَوَهُّمِ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: تَعْدِيَةُ القَبُولِ بِ (عْنَ)، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّجاوُزِ، والعَفْوِ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي تابُوا عَنْها، وقِيلَ: (عَنْ) هُنا بِمَعْنى (مِن)، كَما يُقالُ: أخَذْتُ هَذا مِنكَ وعَنْكَ.

الرّابِعُ: الأخْذُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْقَبُولِ والإثابَةِ، لِأنَّ الكَرِيمَ والكَبِيرَ إذا قَبِلَ شَيْئًا عَوَّضَ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الإسْنادُ إلى اللَّهِ مَجازًا مُرْسَلًا.

وقِيلَ: في نِسْبَةِ الأخْذِ إلى الرَّسُولِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ثُمَّ إلى ذاتِهِ تَعالى، إشارَةٌ إلى أنَّ أخْذَ الرَّسُولِ ﷺ، قائِمٌ مَقامَ أخْذِ اللَّهِ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِ نَبِيِّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]

الخامِسُ: جُمْلَةُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، وزِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِما يُقَرِّرُهُ، مَعَ زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِيهِ، كَما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ الَّتِي تُفِيدُ تَكَرُّرَ ذَلِكَ مِنهُ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ المُخْتَصُّ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، وأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ …

At-Tawba 9:104Listen in Qur'an →
105

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And say, "Do [as you will], for Allah will see your deeds, and [so, will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٥ ] ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿وقُلِ﴾ أيْ: لِأهْلِ التَّوْبَةِ والتَّزْكِيَةِ والصَّلاةِ، لا تَكْتَفُوا بِها، بَلْ: ﴿اعْمَلُوا﴾ جَمِيعَ ما تُؤْمَرُونَ بِهِ ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أيْ: فَيَزِيدُكم قُرْبًا عَلى قُرْبٍ، ﴿ورَسُولُهُ﴾ فَيَزِيدُكم صَلَواتٌ ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ فَيَتْبَعُونَكم، فَيَحْصُلُ لَكم أجْرُهم، مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ - هَكَذا قالَهُ المَهايِمِيُّ - وهو قَوِيٌّ في الِارْتِباطِ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّ المُؤْمِنِينَ شُهَداءُ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] الآيَةَ، والشَّهادَةُ لا تَصِحُّ إلّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ أعْمالَهم، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، عِنْدَ حُضُورِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِأنَّهم أهْلُ الصِّدْقِ والسَّدادِ والعَفافِ والرَّشادِ.

ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ وعِيدٌ لِلْمُخالِفِينَ أوامِرَهُ، بِأنَّ أعْمالَهم سَتُعْرَضُ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كائِنٌ لا مَحالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] وقالَ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقَدْ ظَهَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ««لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ، لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ، لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا مَن كانَ»» .

ورُوِيَ أنَّ أعْمالَ الأحْياءِ تُعْرَضُ عَلى الأمْواتِ مِنَ الأقْرِباءِ والعَشائِرِ في البَرْزَخِ - كَما في مُسْنَدِ أحْمَدَ والطَّيالِسِيِّ - .

﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِالمُجازاةِ عَلَيْهِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: في وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ - أيْ: (حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: إلَيْهِ) - مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ما لا يَخْفى. ووَجْهُ تَقْدِيمِ (الغَيْبِ) في الذِّكْرِ لِسِعَةِ عِلْمِهِ، وزِيادَةِ خَطَرِهِ عَلى الشَّهادَةِ، غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الغَيْبُ ما يُسِرُّونَهُ مِنَ الأعْمالِ، والشَّهادَةُ ما يُظْهِرُونَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]، فالتَّقَدُّمُ حِينَئِذٍ لِتَحَقُّقِ أنَّ نِسْبَةَ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالسِّرِّ والعَلَنِ واحِدَةٌ، عَلى أنَّ أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدَهُ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ رُتْبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى رُتْبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو، أوْ مَبادِئُهُ القَرِيبَةُ أوِ البَعِيدَةُ، مُضْمَرٌ قَبْلَ ذَلِكَ في القَلْبِ. فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِهِ في حالَتِهِ الأُولى، مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِ في حالَتِهِ الثّانِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

At-Tawba 9:105Listen in Qur'an →
106

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And [there are] others deferred until the command of Allah - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٦ ] ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وآخَرُونَ﴾ يَعْنِي مِنَ المُتَخَلِّفِينَ: ﴿مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُؤَخَّرُونَ أمْرَهُمُ انْتِظارًا لِحُكْمِهِ تَعالى فِيهِمْ، لِتَرَدُّدِ حالِهِمْ بَيْنَ أمْرَيْنِ ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.

﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَتَجاوَزُ عَنْهم ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِأحْوالِهِمْ، ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فِيما يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قُرِئَ في السَّبْعَةِ: (مُرْجَؤُونَ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ، بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ. وقُرِئَ (مُرْجَوْنَ) بِدُونِ هَمْزَةٍ. كَما قُرِئَ: (تُرْجِي مَن تَشاءُ) بِهِما، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ، وكَأعْطَيْتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الياءُ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، كَقَوْلِهِمْ: قَرَأْتُ وقَرَيْتُ، وتَوَضَّأْتُ وتَوَضَّيْتُ، وهو في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ.

وعَلى كَوْنِهِ لُغَةً أصْلِيَّةً فَهو يائِيٌّ، وقِيلَ: إنَّهُ واوِيٌّ كَذا في (" العِنايَةِ ") .

الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ. وكَذا قالَ الأصَمُّ: إنَّهم مُنافِقُونَ أرْجَأهُمُ اللَّهُ، فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهم ما عَلِمَهُ مِنهم، وحَذَّرَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، إنْ لَمْ يَتُوبُوا، أنْ يُنَزِّلَ فِيهِمْ قُرْآنًا، فَقالَ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِ واحِدٍ: إنَّهُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِي خُلِّفُوا، أيْ: عَنِ التَّوْبَةِ، وهم مُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، قَعَدُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ في جُمْلَةِ مَن قَعَدَ، كَسَلًا ومَيْلًا إلى الدَّعَةِ وطِيبِ الثِّمارِ والظِّلالِ، لا شَكًّا ونِفاقًا، فَكانَتْ مِنهم طائِفَةٌ رَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، كَما فَعَلَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ، وطائِفَةٌ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وهم هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ، فَنَزَلَتْ تَوْبَةُ أُولَئِكَ قَبْلَ هَؤُلاءِ، وأُرْجِئَ هَؤُلاءِ عَنِ التَّوْبَةِ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الآتِيَةُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]

قالَ في (" العِنايَةِ "): وإنَّما اشْتَدَّ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ مَعَ إخْلاصِهِمْ، والجِهادُ فَرْضُ كِفايَةٍ، لِما قِيلَ إنَّهُ كانَ عَلى الأنْصارِ خاصَّةً فَرْضَ عَيْنٍ، لِأنَّهم بايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَيْهِ.

ألا تَرى قَوْلَ راجِزِهِمْ في الخَنْدَقِ:

؎نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدا عَلى الجِهادِ ما بَقِينا أبَدا

وهَؤُلاءِ مِن أجَلِّهِمْ، فَكانَ تَخَلُّفُهم كَبِيرَةً.

الثّالِثُ: (إمّا) في الآيَةِ، إمّا لِلشَّكِّ بِالنِّسْبَةِ إلى المُخاطَبِ، أوْ لِلْإبْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أيْضًا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ عَلى المُخاطَبِينَ أمْرَهم.

والمَعْنى: لِيَكُنْ أمْرُهم عِنْدَكم بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، والمُرادُ تَفْوِيضُ ذَلِكَ إلى إرادَتِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: أمْرُهم دائِرٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

At-Tawba 9:106Listen in Qur'an →
107

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًۭا ضِرَارًۭا وَكُفْرًۭا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًۭا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٧ ] ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .

﴿والَّذِينَ﴾ أيْ: ومِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ: ﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ: بَنَوْا: ﴿مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ أيْ: مَضارَّةً لِأهْلِ مَسْجِدِ قُباءٍ ﴿وكُفْرًا﴾ أيْ: تَقْوِيَةً لِلْكُفْرِ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ ﴿وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانُوا يَجْتَمِعُونَ بِمَسْجِدِ قُباءٍ اجْتِماعًا واحِدًا، يُؤَدُّونَ أجَلَّ الأعْمالِ، وهي الصَّلاةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها تَقْوِيَةُ الإسْلامِ، بِجَمْعِ قُلُوبِ أهْلِهِ عَلى الخَيْراتِ، ورَفْعِ الِاخْتِلافِ مِن بَيْنِهِمْ ﴿وإرْصادًا﴾ أيْ: إعْدادًا وتَرَقُّبًا وانْتِظارًا.

﴿لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: كَفْرٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مِن قَبْلُ، وهو أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فاسِقًا) . وكانُوا أعَدُّوهُ لَهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، ويَظْهَرَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - كَما سَنَفَصِّلُهُ ـ.

﴿ولَيَحْلِفُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُهُورِ نَواياهُ ومَقاصِدِهِمُ السَّيِّئَةِ ﴿إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾ أيْ: ما أرَدْنا، بِبِناءِ المَسْجِدِ، إلّا الخَصْلَةَ الحُسْنى، أوِ الإرادَةَ الحُسْنى، وهي الصَّلاةُ، وذِكْرُ اللَّهِ، والتَّوْسِعَةُ عَلى المُصَلِّينَ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: في حَلِفِهِمْ.

At-Tawba 9:107Listen in Qur'an →
108

لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًۭا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌۭ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٨ ] ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ .

﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ أيْ: لا تُصَلِّ في مَسْجِدِ الشِّقاقِ ﴿أبَدًا﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ غَضَبِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أمَرَ بِهَدْمِهِ وإحْراقِهِ كَما يَأْتِي. وإطْلاقُ (القائِمِ) عَلى المُصَلِّي والمُتَهَجِّدِ مَعْرُوفٌ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَقُومُ اللَّيْلَ، وفي الحَدِيثِ ««مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا»» .

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ أيْ:

بُنِيَتْ قَواعِدُهُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ، وقَصْدِ التَّحَفُّظِ مِن مَعاصِي اللَّهِ، بِفِعْلِ الصَّلاةِ الَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ أيْ: مِن أيّامِ وُجُودِهِ ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ﴾ أيْ: تُصَلِّيَ ﴿فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ أيِ: المُبالِغِينَ في الطَّهارَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ.

ثُمَّ أشارَ إلى فَضْلِ مَسْجِدِ التَّقْوى عَلى مَسْجِدِ الضِّرارِ بِقَوْلِهِ:

At-Tawba 9:108Listen in Qur'an →
109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍۢ فَٱنْهَارَ بِهِۦ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠٩ ] ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخافَةٍ مِنهُ ﴿ورِضْوانٍ﴾ أيْ: طَلَبِ رِضْوانٍ مِنهُ: ﴿خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا﴾ أيْ: طَرَفِ ﴿جُرُفٍ﴾ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِها أيْ: مَهْواةٍ ﴿هارٍ﴾ أيْ: مُشْرِفٌ عَلى السُّقُوطِ ﴿فانْهارَ بِهِ﴾ أيْ: سَقَطَ مَعَهُ ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

At-Tawba 9:109Listen in Qur'an →
110

لَا يَزَالُ بُنْيَٰنُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْا۟ رِيبَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٠ ] ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: لا يَزالُ هَدْمُهُ سَبَبُ شَكٍّ ونِفاقٍ زائِدٍ عَلى شَكِّهِمْ ونِفاقِهِمْ، لا يَزُولُ وسْمُهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ولا يَضْمَحِلُّ أثَرُهُ ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: قِطَعًا، وتَتَفَرَّقُ أجْزاءً، فَحِينَئِذٍ يَسَلُونَ عَنْهُ.

وأمّا ما دامَتْ سالِمَةً مُجْتَمِعَةً، فالرِّيبَةُ باقِيَةٌ فِيها مُتَمَكِّنَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ التَّقْطِيعِ تَصْوِيرًا لِحالِ زَوالِ الرِّيبَةِ عَنْها، ويَجُوزُ أيْ: يُرادُ حَقِيقَةُ تَقْطِيعِها وتَمْزِيقِها بِالمَوْتِ، أوْ بِعَذابِ النّارِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِنِيّاتِهِمْ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فِيما أمَرَ بِهَدْمِ بُنْيانِهِمْ، حِفْظًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ مَقاصِدِهِمُ الرَّدِيئَةِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّها قِصَّةٌ عَلى حِيالِها، وفي سائِرِها بِالواوِ عَلى عَطْفِ قِصَّةِ مَسْجِدِ الضِّرارِ الَّذِي أحْدَثَهُ المُنافِقُونَ عَلى سائِرِ قِصَصِهِمْ.

الثّانِي: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ «أنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ، قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْها، رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ يُقالُ لَهُ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، وكانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقَرَأ عِلْمَ أهْلِ الكِتابِ، وكانَ فِيهِ عَبّادَةً في الجاهِلِيَّةِ، ولَهُ شَرَفٌ في الخَزْرَجِ كَبِيرٌ.

فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ، واجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وصارَ لِلْإسْلامِ كَلِمَةٌ عالِيَةٌ، وأظْهَرَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، شَرَّقَ اللَّعِينُ أبُو عامِرٍ بِرِيقِهِ، وبارَزَ بِالعَداوَةِ، وظاهَرَ بِها، وخَرَجَ فارًّا إلى كَفّارِ مَكَّةَ يُمالِئُهم عَلى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فاجْتَمَعُوا بِمَن وافَقَهم مِن أحْياءِ العَرَبِ، وقَدِمُوا عامَ (أُحُدٍ)، فَكانَ أبُو عامِرٍ في أوَّلِ المُبارَزَةِ إلى قَوْمِهِ مِنَ الأنْصارِ فَخاطَبَهم واسْتَمالَهم إلى نَصْرِهِ ومُوافَقَتِهِ.

فَلَمّا عَرَفُوا كَلامَهُ قالُوا: لا أنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا، يا فاسِقُ، يا عَدُوَّ اللَّهِ ! ونالُوا مِنهُ وسَبُّوهُ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَعاهُ إلى اللَّهِ قَبْلَ فِرارِهِ، وقَرَأ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ، فَأبى أنْ يُسْلِمَ وتَمَرَّدَ.

فَدَعا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَمُوتَ بَعِيدًا طَرِيدًا فَنالَتْهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فَرَغَ النّاسُ مِن (أُحُدٍ)، ورَأى أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ في ارْتِفاعٍ وظُهُورٍ، ذَهَبَ إلى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ يَسْتَنْصِرُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَوَعَدَهُ ومَنّاهُ، وأقامَ عِنْدَهُ، وكَتَبَ إلى جَماعَةٍ مِن قَوْمِهِ مِنَ الأنْصارِ، مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ أنَّهُ سَيُقْدِمُ بِجَيْشٍ يُقاتِلُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَغْلِبُهُ ويَرُدُّهُ عَمّا هو فِيهِ، وكانَ أمَرَهم أنْ يَتَّخِذُوا لَهُ مَعْقِلًا ومَرْصَدًا لَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَشَرَعُوا في بِناءِ مَسْجِدٍ مُجاوِرٍ لِمَسْجِدِ قُباءٍ، فَبَنَوْهُ وأحْكَمُوهُ، وفَرَغُوا مِنهُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ.

فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسِجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ …

At-Tawba 9:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.