Muslim99Muslim99
← Tafsir library

9. At-Tawba

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

سُورَةُ التَّوۡبَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 129

1

بَرَآءَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

[This is a declaration of] disassociation, from Allah and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.

سُورَةُ التَّوْبَةِ

هِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قِيلَ: سِوى آيَتَيْنِ في آخِرِها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَإنَّهُما نَزَلَتا بِمَكَّةَ. وفِيهِ نَظَرٌ. فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ أنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ما كانَ لِلنَّبِيِّ. . - لِما ورَدَ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْلِهِ ﷺلِأبِي طالِبٍ: «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» .

وهِيَ مِائَةٌ وتِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً ولِهَذِهِ السُّورَةِ عَشَرَةُ أسْماءَ:

١- بَراءَةُ: سُمِّيَتْ بِها لِافْتِتاحِها بِها، ومَرْجِعِ أكْثَرِ ما ذُكِرَ فِيها إلَيْها.

٢- التَّوْبَةُ: لِتَكْرارِها فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٣] ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [التوبة: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] وقَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وهُما أشْهَرُ أسْمائِها.

٣- الفاضِحَةُ: أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ:

سُورَةُ التَّوْبَةِ، قالَ: التَّوْبَةُ هي الفاضِحَةُ، ما زالَتْ تَنْزِلُ: ومِنهم ومِنهم، حَتّى ظَنُّوا أنَّها لَمْ تُبْقِ أحَدًا مِنهم إلّا ذُكِرَ فِيها.

سُورَةُ العَذابِ: رَواهُ الحاكِمُ عَنْ حُذَيْفَةَ، وذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ فِيها.

٥- المُقَشْقَشَةُ: رَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والقَشْقَشَةُ مَعْناها التَّبْرِئَةُ، وهي مُبَرِّئَةٌ مِنَ النِّفاقِ.

٦- المُنَقِّرَةُ: أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لِأنَّها نَقَرَتْ عَمّا في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ. أيْ بَحَثَتْ.

٧- البَحُوثُ: بِفَتْحِ الباءِ، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، رَواهُ الحاكِمُ عَنِ المِقْدادِ.

٨- الحافِرَةُ: ذَكَرَهُ ابْنُ الغَرْسِ، لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، أيْ بَحَثَتْ عَنْها، مَجازًا.

٩- المُثِيرَةُ: رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ لِأنَّها أثارَتْ مَثالِبَهم وعَوْراتِهم أيْ أخْرَجَتْها مِنَ الخَفاءِ إلى الظُّهُورِ.

١٠- المُبَعْثِرَةُ: لِأنَّها بَعْثَرَتْ أسْرارَهم أيْ أظْهَرَتْها.

١١- المُدَمْدِمَةُ: أيِ المَهْلَكَةُ لَهم.

١٢- المُخْزِيَةُ.

١٣- المُنَكِّلَةُ: أيِ المُعاقِبَةُ لَهم.

١٤- المُشَرِّدَةُ: أيِ الطّارِدَةُ لَهم والمُفَرِّقَةُ جَمْعَهم.

ولَيْسَ في السُّوَرِ أكْثَرُ أسْماءٍ مِنها ومِنَ الفاتِحَةِ.

تَنْبِيهٌ:

لِلسَّلَفِ في وجْهِ تَرْكِ كِتابَةِ البَسْمَلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ والتَّلَفُّظِ بِها أقْوالٌ:

١-

رَوى الحاكِمُ في (المُسْتَدْرَكِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ: لِمَ لَمْ تُكْتَبْ في (بَراءَةَ) البَسْمَلَةُ؟ قالَ: لِأنَّها أمانٌ. وبَراءَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ.

أيْ فَنُزُولُها لِرَفْعِ الأمانِ الَّذِي يَأْبى مَقامُهُ التَّصْدِيرَ بِما يُشْعِرُ بِبَقائِهِ مِن ذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى، مَشْفُوعًا بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ. ولِذا قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: اسْمُ اللَّهِ سَلامٌ وأمانٌ، فَلا يُكْتَبُ في النَّبْذِ والمُحارَبَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قِيلَ لَهُ: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَتَبَ إلى أهْلِ الحَرْبِ البَسْمَلَةَ. قالَ: إنَّما ذَلِكَ ابْتِداءٌ مِنهُ يَدْعُوهم، ولَمْ …

2

فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allah and that Allah will disgrace the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٢ ] ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ .

﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ أيْ: فَقُولُوا لَهم: سِيرُوا في الأرْضِ بَعْدَ نَبْذِنا العَهْدَ، آمِنِينَ مِنَ القَتْلِ والقِتالِ مُدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وذَلِكَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ إلى عَشْرٍ يَخْلُونَ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ.

والمَقْصُودُ تَأْمِينُهم مِنَ القَتْلِ، وتَفَكُّرُهم واحْتِياطِيهِمْ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَيْسَ لَهم بَعْدَها إلّا السَّيْفُ، ولِيَعْلَمُوا قُوَّةَ المُسْلِمِينَ إذْ لَمْ يَخْشَوُا اسْتِعْدادَهم لَهم.

وهَذِهِ الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ كانَتْ عَهْدًا لِمَن لَهُ عَهْدٌ دُونَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ، فَأتَمَّتْ لَهُ.

فَأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ مُوَقَّتٌ، فَأجَلُهُ إلى مُدَّتِهِ، مَهْما كانَتْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] كَما يَأْتِي.

رُوِيَ هَذا عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا تَأْجِيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، فَمَن كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ رُفِعَ إلَيْها، ومَن كانَتْ أكْثَرَ حُطَّ إلَيْها، ومَن كانَ عَهْدُهُ بِغَيْرِ أجْلٍ حُدَّ بِها، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ حَرْبٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، يُقْتَلُ حَيْثُ أُدْرِكَ ويُؤْسَرُ، إلّا أنْ يَتُوبَ ويُؤْمِنَ.

أقُولُ: ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ إطْلاقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] لِأنَّ لَهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الإضافَةَ لِلْعَهْدِ، أيِ: المَدَّةُ المَعْهُودَةُ وهي الأرْبَعَةُ الأشْهَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الإمْهالَ لَيْسَ لِعَجْزٍ عَنْكم ولَكِنْ لِحِكْمَةٍ ولُطْفٍ بِكم، أيْ: فَلا تُفَوِّتُونَهُ وإنْ أمْهَلَكم ﴿وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ أيْ: مُذِلُّهم بِالقَتْلِ في الدُّنْيا، والعَذابِ في الآخِرَةِ.

3

وَأَذَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

And [it is] an announcement from Allah and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage that Allah is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allah. And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٣ ] ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ فَإنْ تُبْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ (الأذانُ) بِمَعْنى الإيذانِ، وهو الإعْلامُ، كَما أنَّ الأمانَ والعَطاءَ بِمَعْنى الإيمانِ والإعْطاءِ.

وارْتِفاعُهُ كارْتِفاعِ: (بَراءَةٌ) وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مِثْلِها، والفَرْقُ بَيْنَ مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى والثّانِيَةِ أنَّ تِلْكَ إخْبارٌ بِثُبُوتِ البَراءَةِ، وهَذِهِ إخْبارٌ بِوُجُوبِ الإعْلامِ بِما ثَبَتَ، وإنَّما عُلِّقَتِ البَراءَةُ بِالَّذِينِ عُوهِدُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَلَّقَ الأذانَ بِالنّاسِ، لِأنَّ البَراءَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُعاهِدِينَ والنّاكِثِينَ مِنهم، وأمّا الأذانُ فَعامٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، مَن عاهَدَ ومَن لَمْ يُعاهِدْ، ومَن نَكَثَ مِنَ المُعاهِدِينَ ومَن لَمْ يَنْكُثْ كَذا في (" الكَشّافِ ") .

ويَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ: قِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وقِيلَ يَوْمُ النَّحْرِ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وهو الصَّوابُ، لِأنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أذَّنا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَوْمَ عَرَفَةَ.

وفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ بِأصَحِّ إسْنادٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ»، وكَذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ.

ويَوْمُ عَرَفَةَ مُقَدِّمَةٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ يَكُونُ الوُقُوفُ والتَّضَرُّعُ والتَّوْبَةُ والِابْتِهالُ والِاسْتِقامَةُ، ثُمَّ يَوْمَ النَّحْرِ تَكُونُ الوِفادَةُ والزِّيارَةُ، ولِهَذا سُمِّيَ طَوافُهُ طَوافَ الزِّيارَةِ، لِأنَّهم قَدْ طُهِّرُوا مِن ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهم يَوْمَ النَّحْرِ في زِيارَتِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ إلى بَيْتِهِ، ولِهَذا كانَ فِيهِ ذَبْحُ القَرابِينِ، وحَلْقُ الرُّؤُوسِ، ورَمْيُ الجِمارِ ومُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ وعَمَلُ يَوْمِ عَرَفَةَ، كالطُّهُورِ والِاغْتِسالِ بَيْنَ يَدَيْ هَذا اليَوْمِ، انْتَهى.

تَنْبِيهٌ:

رَوى الأئِمَّةُ هاهُنا آثارًا كَثِيرَةً، نَأْتِي مِنها عَلى جَوامِعِها:

قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن (تَبُوكَ) حِينَ فَرَغَ، فَأرادَ الحَجَّ ثُمَّ قالَ: «إنَّما يَحْضُرُ المُشْرِكُونَ فَيَطُوفُونَ عُراةً فَلا أُحِبُّ أنْ أحُجَّ»، حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ: فَأرْسَلَ أبا بَكْرٍ وعَلِيًّا فَطافا بِالنّاسِ في (ذِي المَجازِ) وبِأمْكِنَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَبايَعُونَ بِها، وبِالمَواسِمِ كُلِّها، فَآذَنُوا أصْحابَ العَهْدِ بِأنْ يُؤْمِنُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَهي الأشْهُرُ المُتَوالِياتُ، عِشْرُونَ مِن ذِي الحِجَّةِ، إلى عَشْرٍ يَخْلُونَ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ، ثُمَّ لا عَهْدَ لَهم، وآذَنَ النّاسَ كُلَّهم بِالقِتالِ، إلى أنْ يُؤْمِنُوا».

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ [بَراءَةُ] عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ كانَ بَعَثَ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيُقِيمَ لِلنّاسِ الحَجَّ، قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ بَعَثْتَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: «لا يُؤَدِّي عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِي»، ثُمَّ دَعا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ …

4

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤ ] ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِن شُرُوطِ المِيثاقِ فَلَمْ يَقْتُلُوا مِنكم أحَدًا ولَمْ يَضُرُّوكم فَقَطْ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، أيْ: لَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَكم شَيْئًا، مِنَ (النَّقْضِ)، وكَلِمَةُ (ثُمَّ)، لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى عَهْدِهِمْ مَعَ تَمادِي المُدَّةِ ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا﴾ أيْ: لَمْ يُعاوِنُوا ﴿عَلَيْكم أحَدًا﴾ أيْ: عَدُوًّا مِن أعْدائِكم.

﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ ثُمَّ حَرَّضَ تَعالى عَلى الوَفاءِ بِذَلِكَ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن بابِ التَّقْوى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: فاتَّقُوهُ في ذَلِكَ.

5

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when the sacred months have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakah, let them [go] on their way. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥ ] ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿فَإذا انْسَلَخَ﴾ أيِ: انْقَضى ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ أيِ: الَّتِي أُبِيحَ لِلَّذِينِ عُوهِدُوا فِيها أنْ يَسِيحُوا في الأرْضِ، وحَرُمَ فِيها قِتالُهم ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ - كَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ - .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا عامٌّ، والمَشْهُورُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ الحَرَمِ، لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]

﴿وخُذُوهُمْ﴾ أيِ: ائْسِرُوهم ﴿واحْصُرُوهُمْ﴾ أيِ: احْبِسُوهم في المَكانِ الَّذِي هم فِيهِ، لِئَلّا يَتَبَسَّطُوا في سائِرِ البِلادِ ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ﴾ أيْ: لِقِتالِهِمْ، ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ ومَمَرٍّ ﴿فَإنْ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ الكُفْرِ ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أيْ: فاتْرُكُوا التَّعَرُّضَ لَهم ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَغْفِرُ لَهم ما سَلَفَ مِنَ الكُفْرِ والغَدْرِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُرادَ (بِالأشْهُرِ الحُرُمِ) أشْهَرُ العَهْدِ، هو الَّذِي اخْتارَهُ الأكْثَرُونَ.

سَمّاها (حُرُمًا) لِتَحْرِيمِ قِتالِ المُشْرِكِينَ فِيها ودِمائِهِمْ، فالألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى وصْفِها بِالحُرْمَةِ، تَأْكِيدًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ إباحَةُ السِّياحَةِ مِن حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهم، مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها.

وقِيلَ: المُرادُ (بِالأشْهُرِ الحُرُمِ): رَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والباقِرِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، لِأنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ (بِالفاءِ)، فَهو مُخالِفٌ لِلسِّياقِ الَّذِي يَقْتَضِي تَوالِيَ هَذِهِ الأشْهُرِ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: ﴿الحُرُمُ﴾ هاهُنا هي أشْهَرُ التَّسْيِيرِ أوَّلُها يَوْمُ الأذانِ، وهو اليَوْمُ العاشِرُ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّأْذِينُ بِذَلِكَ، وآخِرُها العاشِرُ مِن رَبِيعٍ الآخَرِ. ولَيْسَتْ هي الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] فَإنَّ تِلْكَ واحِدٌ فَرْدٌ هو رَجَبٌ، وثَلاثَةٌ سَرْدٌ وهي ذُو القِعْدَةِ وتالِياهُ.

ولَمْ يُسَيِّرِ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ، فَإنَّ هَذا لا يُمْكِنُ، لِأنَّها غَيْرُ مُتَوالِيَةٍ، وهو إنَّما أجَّلَهم أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ بَعْدَ انْسِلاخِها أنْ يُقاتِلَهُمُ. انْتَهى.

وقالُوا: يَلْزَمُ عَلى هَذا بَقاءُ حُرْمَةِ تِلْكَ الأشْهُرِ، وتَكَلُّفُ الجَوابِ بِنَسْخِها، إمّا بِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلَيْهِ، أوْ بِما صَحَّ مِن أنَّهُ ﷺ حاصَرَ الطّائِفَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنَ المُحَرَّمِ، مَعَ أنَّ هَذا الإجْماعَ كَلامًا، وقَدْ خالَفَ بَعْضُهم في بَقاءِ حُرْمَتِها، إلّا أنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ كَما قالَهُ في (" العِنايَةِ ") .

وفِيها: إنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: مَنعُ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ في تِلْكَ السَّنَةِ، لا …

6

وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allah. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٦ ] ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ .

﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُمِرْتَ بِقِتالِهِمْ، أيِ: اسْتَأْمَنَكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أشْهُرِ العَهْدِ، فَأجِبْهُ إلى طَلِبَتِهِ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، أيِ: القُرْآنَ الَّذِي تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ، ويَتَدَبَّرَهُ، ويَطَّلِعَ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ، وتَقُومَ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ بِهِ، فَإنْ أسْلَمَ ثَبَتَ لَهُ ما لِلْمُسْلِمِينَ، وإنْ أبى فَإنَّهُ يُرَدُّ إلى مَأْمَنِهِ ودارِهِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها، ثُمَّ قاتِلْهُ إنْ شِئْتَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي الأمْرَ بِالإجارَةِ وإبْلاغَ المَأْمَنِ، بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، أيْ: جَهَلَةٌ، فَلا بُدَّ مِن إعْطائِهِمُ الأمانَ حَتّى يَسْمَعُوا ويَفْهَمُوا الحَقَّ، ولا يَبْقى لَهم مَعْذِرَةٌ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُسْتَأْمَنَ لا يُؤْذى، وأنَّهُ يُمَكَّنُ مِنَ العَوْدِ مِن غَيْرِ غَدْرٍ بِهِ ولا خِيانَةٍ، ولِذا ورَدَ في التَّرْهِيبِ مِن عَدَمِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ والغَدْرِ ما يَزْجُرُ أشَدَّ الزَّجْرِ.

فَرَوى البُخارِيُّ في (" تارِيخِهِ ") والنَّسائِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن أمَّنَ رَجُلًا عَلى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأنا بَرِيءٌ مِنَ القاتِلِ وإنْ كانَ المَقْتُولُ كافِرًا»» .

ورَوى أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَن قَدِمَ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإسْلامِ، في أداءِ رِسالَةٍ أوْ تِجارَةٍ، أوْ طَلَبِ صُلْحٍ أوْ مُهادَنَةٍ، أوْ حَمْلِ جِزْيَةٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ، وطَلَبَ مِنَ الإمامِ أوْ نائِبِهِ أمانًا أُعْطِيَ، ما دامَ مُتَرَدِّدًا في دارِ الإسْلامِ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى مَأْمَنِهِ ووَطَنِهِ.

قالَ الحاكِمُ: وإنَّما يُجارُ ويُؤَمَّنُ إذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ يَطْلُبُ الخِداعَ والمَكْرَ، لِأنَّهُ تَعالى عَلَّلَ لُزُومَ الإجارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾

الثّانِي: قالَ الحاكِمُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْكافِرِ دُخُولُ المَسْجِدِ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى كَلامِ اللَّهِ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ قَدِيمَيْنِ، وهُمُ الحَنابِلَةُ، ومَن وافَقَهم كالعَضُدِ.

قالُوا: لِأنَّ مَنطُوقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَسْمَعُهُ الكافِرُ والمُؤْمِنُ والزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، والَّذِي يَسْمَعُهُ جُمْهُورُ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ.

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ لَيْسَ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ، والقَوْلُ بِأنَّ كَلامَ اللَّهِ شَيْءٌ مُغايِرٌ لَها باطِلٌ، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ كَلامُ اللَّهِ إلّا لَها، وقَدِ اعْتَرَفَ الرّازِيُّ بِقُوَّةِ هَذا، لِإلْزامِ مَن خالَفَ فِيهِ، وقَدْ مَضى لَنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ، فارْجِعْ إلَيْهِ.

الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كافٍ في الدِّينِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْلِيدُ كافِيًا، …

7

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allah and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Haram? So as long as they are upright toward you, be upright toward them. Indeed, Allah loves the righteous [who fear Him].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧ ] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ .

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ أيْ: أمانٌ ﴿عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ أيْ: وهم كافِرُونَ بِهِما، فالاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ لِأنْ يَكُونَ لَهم عَهْدٌ ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى تَرْكِ الحَرْبِ مَعَهم عَشْرَ سِنِينَ ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أيْ: فَما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى عَهْدِهِمْ، مُراعِينَ لِحُقُوقِكم، فاسْتَقِيمُوا لَهم عَلى عَهْدِهِمْ.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: فاتَّقُوهُ في نَقْضِ عَهْدِ المُسْتَقِيمِينَ عَلى عَهْدِهِمْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ والمُسْلِمُونَ، اسْتَمَرَّ العَقْدُ والهُدْنَةُ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ مِن ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ إلى أنْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ العَهْدَ، ومالَؤُوا حُلَفاءَهم، وهم بَنُو بَكْرٍ، عَلى خُزاعَةَ أحْلافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلُوهم مَعَهم في الحَرَمِ أيْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ غَزاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ البَلَدَ الحَرامَ، ومَكَّنَهُ مِن نَواصِيهِمْ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، فَأُطْلِقَ مَن أسْلَمَ مِنهم، بَعْدَ القَهْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، فَسُمُّوا الطُّلَقاءَ، وكانُوا قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ، ومَنِ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ، وفَرَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعَثَ إلَيْهِ بِالأمانِ والتَّسْيِيرِ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، يَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ، ومِنهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وغَيْرُهُما، ثُمَّ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

8

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨ ] ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهم وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ .

﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم بَعْدَ ما سَبَقَ لَهم مِن تَأْكِيدِ الإيمانِ والمَواثِيقِ ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا﴾ أيْ: قَرابَةً ويَمِينًا ﴿ولا ذِمَّةً﴾ أيْ: عَهْدًا.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَرْدُودَةٌ عَلى الآيَةِ الأُولى، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ، وحالُهم ما ذُكِرَ ؟ وفِيهِ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَرُّءِ مِنهم، لِأنَّ مَن كانَ أسِيرَ الفُرْصَةِ، مُتَرَقِّبًا لَها، لا يُرْجى مِنهُ دَوامُ العَهْدِ.

قالَ النّاصِرُ: ولَمّا طالَ الكَلامُ بِاسْتِثْناءِ الباقِينَ عَلى العَهْدِ، أُعِيدَتْ (كَيْفَ) تَطْرِيَةً لِلذِّكْرِ، ولِيَأْخُذَ بَعْضُ الكَلامِ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ. انْتَهى.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى بَيانَ حالِهِمُ المُنافِيَةِ لِثَباتِهِمْ عَلى العَهْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: ما تَتَفَوَّهُ بِهِ أفْواهُهم ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ، لا عَقِيدَةَ تَزْعَمُهم، ولا مُرُوءَةَ تَرْدَعُهم.

وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ، لِما في بَعْضِ الكَفَرَةِ مِنَ التَّفادِي عَنِ العُذْرِ، والتَّعَفُّفِ عَمّا يَجُرُّ إلى أُحْدُوثَةِ السُّوءِ.

9

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

They have exchanged the signs of Allah for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٩ ] ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتَبْدَلُوا بِها ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: مِن مَتاعِ الدُّنْيا، يَعْنِي أهَوِيَتَهُمُ الفاسِدَةَ ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: فَعَدَلُوا عَنْهُ أوْ صَرَفُوا غَيْرَهم ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

10

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٠ ] ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ .

﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ أيِ: المُجاوِزُونَ الغايَةَ في الظُّلْمِ والمَساوِئِ.

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.