Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

قوله تعالى: {أَلاَّ تَكُونَ} : قرأ البصري والأَخَوان برفع النون، والباقون بنصبها. فَمَنْ رفع ف «أَنْ» عنده مخففةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ تقديرُه: أنه، و «لا» نافية، و «تكون» تامة، و «فتنةٌ» فاعلها، والجملةُ خبر «أن» وهي مفسِّرةٌ لضميرِ الأمرِ والشأن، وعلى هذا ف «حَسِب» هنا لليقين لا للشكِّ، ومن مجيئِها لليقين قولُ الشاعر:

178 - 0- حَسِبْتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ ... رَباحاً إذا ما المرءُ أصبحَ ثاقِلاً

أي: تيقَّنْتُ لأنه لا يلِيقُ الشكُّ بذك، وإنما اضطرِرْنا إلى جَعْلِها في الآية الكريمة بمعنى اليقين لأنَّ «أَنْ» المخففةَ لا تقع إلا بعد يقين، فأمَّا قوله:

178 - 1- أرجو وآمُل أَنْ تدنُو مودتُها ... وما إخالُ لدينا منكِ تنويلُ

فظاهرُه أنها مخففةٌ لعدم إعمالها وقد وقعت بعد «أرجو» و «آمل» وليسا بيقينٍ. والجوابُ من وجهين، أحدُهما: أنَّ «أَنْ» ناصبة، وإنما أُهْمِلَتْ حملاً على «ما» المصدرية، ويَدُلُّ على ذلك انها على ذلك أنها لو كانَتْ مخففةً لفُصِل بينها وبين الجملةِ الفعليةِ بما سنذكره، ويكون هذا مثلَ قولِ الله تعالى: {لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} [البقرة: 233] ، وكقوله:

178 - 2- يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسَكما ... وحيثما كنتما لُقِّيتُما رَشَدا

أَنْ تَحْمِلا حاجةً لي خَفَّ مَحْمَلُها ... تستوجبا نعمةً عندي بها ويَدا

أَنْ تقرآنِ على أسماءَ ويحكما ... مني السلامَ وألاَّ تُشْعِرا أحدا

فقوله: «أَنْ تقرآن» بدلٌ من «حاجة» وقد أَهْمل «أن» ومثلُه قوله:

178 - 3- إني زعيمٌ يا نُوَيْ ... قَةُ إن نجوْتِ من الرَّزاحِ

ونجوتِ من وَصَبِ العدو ... و [من الغدو] إلى الرَّواحِ

أَنْ تهبطين بلادَ قَوْ ... مٍ يَرْتَعُون من الطِّلاحِ

وكيفما قُدِّر فيما ذكرته من الأبيات يلزم أحد شذوذين قد قيل باحتمال كل منهما: إمَّا إهمالُ «أَنْ» وإمَّا وقوع المخففة بعد غير علم، وعدمُ الفصل بينها وبين الجملة الفعلية.

والثاني من وجهي الجواب: أنَّ رجاءه وأملَه قَوِيا حتى قربا من اليقين فأجراهما مُجْراه في ذلك. وأما قول الشاعر:

178 - 4- عَلِموا أَنْ يُؤَمَّلون فجادُوا ... قبلَ أَنْ يُسْألوا بأعظمِ سُؤْلِ

فالظاهرُ أنها المخففة، وشَذَّ عدمُ الفصلِ، ويُحتمل أن تكونَ الناصبةَ شَذَّ وقوعُها بعد العلمِ وشَذَّ إهمالُها، ففي الأولِ شذوذٌ واحدٌ وهو عدم الفصلِ، وفي الثاني شذوذان: وقوعُ الناصبةِ بعد العلمِ، وإهمالُها حملاً على «ما» أختِها.

وجاء هنا على الواجبِ - عند بعضِهم - أو الأحسنِ - عند آخرين - وهو الفصلُ بين «أَنْ» الخفيفةِ وبين خبرِها إذا كان جملةً فعلية متصرفة غيرَ دعاءٍ، والفاصلُ: إمَّا نفيٌ كهذه الآية، / وإمَّا حرفُ تنفيس كقوله تعالى:

{عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى} [المزمل: 20] ، ومثلُه: «عَلِمْت أن سوف تقومُ» وإمَّا «قد» كقوله تعالى: {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} [المائدة: 113] وإمَّا «لو» - وهي غريبة - كقوله: {وَأَلَّوِ استقاموا} [الجن: 16] {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب} [سبأ: 14] . وتَحرَّزْتُ بالفعلية من الاسمية فإنها لا تحتاج إلى فاصل، كقولِه تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [يونس: 10] وكقوله:

178 - 5- في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد عَلِموا ... أَنْ هالِكٌ كلُّ مَنْ يَخْفَى ويَنْتَعِلُ وبالمصترفةِ من غيرِ المتصرفة فإنه لا تَحْتاج إلى فاصلٍ، كقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى} [النجم: 39] {وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ} [الأعراف: 185] ، وبغيرِ دعاءٍ من الواقعةِ دعاءً كقولِه تعالى: {أَنَّ غَضَبَ الله} [النور: 9] في قراءة نافع.

ومَنْ نصب «تكونَ» ف «أَنْ» عنده هي الناصبة للمضارع دخلت على فعل منفي ب «لا» ، و «لا» لا يمنعُ أن يعملَ ما بعدها فيما قبلها من ناصبٍ ولا جازم ولا جارّ، …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

Explained together with ayah 71

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

قوله تعالى: {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} : معناه أحدُ الثلاثة، ولذلك منع الجمهورُ أن يُنْصَبَ ما بعده، لا تقول: ثالثٌ ثلاثةً ولا رابعٌ أربعةً، قالوا: لأنه اسمُ فاعلٍ ويعملُ عمل فعله، وهنا لا يقع موقعَه فعلٌ فعلٌ إذ لا يقال: ربَّعْتُ الأربعة ولا ثلَّثْتُ الثلاثة، وأيضاً فإنه أحدُ الثلاثة فيلزم أن يعمل في نفسه، وأجاز النصبَ بمثل هذا ثعلب، وردَّه عليه الجمهور بما ذكرته لك، أمَّا إذا كان من غيرِ لفظِ ما بعده فإنه يجوزُ فيه الوجهان: النصب والإِضافة نحو: رابعٌ ثلاثةَ، وإن شئت: ثلاثةٍ. واعلم أنه يجوز أن يُشتقَّ من واحد إلى عشرة صيغةُ اسمِ فاعل نحو: «واحد» ويجوز قبله فيقال: حادي وثاني وثالث إلى عاشر، وحينئذ يجوز أن يستعمل مفرداً فيقال: ثالث ورابع، كما يقال: ثلاثة وأربعة من غير ذكر مفسرٍ، وأن يستعملَ استعمالَ أسماءِ الفاعلين إنْ وقع بعده مغايرُه لفظاً، ولا يكونُ إلا ما دونه برتبةٍ واحدٍ نحو عاشرُ تسعةٍ، وتاسعُ ثمانيةٍ، فلا يجامعُ ما دونَه برتبتين نحو: عاشرُ ثمانيةٍ ولا ثامنُ أربعةٍ، ولا يُجامِعُ ما فوقه مطلقاً فلا يقال: تاسعُ عشرةٍ ولا رابعُ ستةٍ، إذا تقرر ذلك فيعطى حكمَ اسمَ الفاعلِ فلا يعملُ إلا بشروطه، وأمَّا إذا جامع موافقاً له لفظاً وجبت إضافتُه نحو: ثالثُ ثلاثةٍ وثاني اثنين، وتقدَّم خلاف ثعلب، ويجوز أن يُبْنى أيضاً من احد عشر إلى تسعة عشر فيقال: حادي عشر وثالث عشر، ويجوز أَنْ يُستعمل مفرداً كما ذكَرْتُه لك، ويجوز أن يُسْتَعْمل مجامعاً لغيره ولا يكونُ إلا موافقاً، فيقال: حادي عشر أحد عشرَ، وثالثَ عشرَ ثلاثَة عشرَ، ولا يقال: ثالثَ عشرَ اثني عشرَ، وإن كا بعضهم خالف، وحكمُ المؤنثِ كحكمِه في الصفاتِ الصريحةِ فيقال: ثالثة ورابعة، وحاديةَ عشرةَ، وثالثةَ عشرةَ ثلاثَ عشرةَ، وله أحكامٌ كثيرة استوفيتُها في «شرح التسهيل» .

قوله: {وَمَا مِنْ إله} «مِنْ» زائدة في المبتدأ لوجود الشرطين، وهما كونُ الكلامِ غيرَ إيجابٍ، وتنكيرُ ما جَرَّتْهُ، و «إلهٌ» بدل من محل «إلهٍ» المجرورِ ب «مِنْ» الاستغراقية، لأن محلَّه رفعٌ كما تقدم، والتقدير: وما إلهٌ في الوجودِ إلا إلهٌ متصفٌ بالواحدانية. قال الزمخشري: «من» في قوله: «مِنْ إله» للاستغراقِ، وهي المقدرةُ مع «لا» التي لنفي الجنس في قولك: «لا إلهَ إلا اللَّهُ» والمعنى، وما من إله قط في الوجود إلا إلهٌ متصفٌ بالوحدانية وهو الله تعالى «. فقد تحصَّل مِنْ هذا أن» مِنْ إله «وخبرُه محذوفٌ، و» إلا إلهٌ «بدلٌ على المحل. قال مكي:» ويجوزُ في الكلام النصبُ: «إلا إلهاً» على الاستثناء «قال أبو البقاء ولو» قُرئ بالجرِّ بدلاً من لفظ «إله» لكان جائزاً في العربية «قتل: ليس كما قال، لأنه يلزمُ زيادةُ» مِنْ «في الواجب، لأن النفيَ انتقضَ ب» إلاَّ «لو قلت:» ما قامَ إلا من رجلٍ «لم يَجُزْ فكذا هذا، وإنما يجوزُ ذلك على رأي الكوفيين والأخفشِ، فإنَّ الكوفيين يشترطون تنكيرَ مجرورها فقط، والأخفشُ لا يشترط شيئاً.

قال مكي: «واختار الكسائي الخفضَ على البدل من لفظ» إله «وهو بعيدٌ لأنَّ» مِنْ «لا تُزَاد في الواجب» . قلت: ولو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ قوله «إلا إلهٌ» خبر المبتدأ، وتكونُ المسألة من الاستثناءِ المفرغِ، كأنه قيل: ما إلهٌ إلا إلهٌ متصفٌ بالواحدِ لَمَا ظهر له منعٌ، لكني لم أرَهم قالوه. وفيه مجالٌ للنظر.

قوله: {لَيَمَسَّنَّ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ هذا عليه، والتقديرُ: واللَّهِ إنْ لم ينتهوا ليمسَّنَّ، وجاء هذا على القاعدةِ التي قَرَّرْتُها: وهو أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقسمٌ أُجيب سابقُهما ما لم يسبقْهما ذو خبر، وقد يجابُ الشرطُ مطلقاً، وقد تقدَّم أيضاً أن فعلَ الشرطِ حينئذ لا يكون إلا ماضياً لفظاً، أو معنًى لا لفظاً كهذه الآية، فإنْ قيل: السابقُ هنا الشرطُ، اذ القسمُ مقدرٌ فيكون تقديرُه متأخراً فالجوابُ أنه لو قُصِد تأخُّرُ القسمِ في …

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ} : تقدَّم نظيره مراراً وأنَّ فيه رأيين: رأيُ الجمهورُ تقديمُ حرفِ العطف على الهمزة تقديراً، ورأيُ أبي القاسم بقاؤُه على حالِه وحَذْفُ جملةٍ معطوفٍ على عليها، والتقديرُ: أيثبتون على كفرِهم فلا يَتُوبون، والاستفهامُ فيه قولان / أظهرُهما: أنه للتعجيب من حالهم: كيف لا يتوبون ويستغفرون من هذه المقالةِ الشنعاء؟ والثاني: أنه بمعنى الأمر وهو رأي ابن زياد الفراء، كأنه قال: تُوبوا واستغفروا من هاتين المقالتين، كقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91] . كلامُ ابن عطية يُفْهِم أنه للتحضيضِ، قال: «رَفَقَ جلَّ وعلا بهم بتحضيضِه إياهم على التوبة وطلبِ المغفرة» يعني بذلك من حيث المعنى، وإلاَّ فَفَهْمُ التحضيضِ من هذا اللفظ غيرُ مُسَلَّمٍ، وكيف يُعْقَلُ أنَّ حرف العطف فَصَلَ بين الهمزة ولا المفهمةِ للتحضيضِ؟ فإنْ قلت: هذا إنما يُشْكِلُ على قولِنا: إنَّ «ألا» التحضيضيةَ بسيطةٌ غيرُ مركبةٍ، فلا يُدَّعى فيها الفصل بحرفِ العطف، أما إذا قلنا إنها همزة الاستفهامِ دَخَلَتْ على «لا» النافيةِ وصارَ معناهما التحضيضَ فلا يَضُرُّ الفصلُ بحرف العطف، لأنه عُهِد في «لا» النافيةِ الداخلِ عليها همزةُ الاستفهام، فالجواب: أنه لا يجوزُ مطلقاً؛ لأنَّ ذلك المعنى قد انسلخَ وحَدَثَ معنىً آخرُ وهو التحضيضُ، فلا يلزُم من الجوازِ في الأصلِ الجوازُ بعد حدوثِ معنًى جديدٍ.

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

قوله تعالى: {مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} : كقوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} [آل عمران: 144] . و «قد خَلَتْ» صفةٌ له كما في الآيةِ الأخرى. وتقدَّم معنى الحصرِ. وقوله: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} ابتداءٌ وخبرٌ، ولا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعراب. و «صِدِّيقَةٌ» تأنيثُ «صِدِّيق» وهو بناء مبالغة ك «فَعّال» و «فَعُول» إلا أنه لا يعمل عملَ أمثلةِ المبالغة، فلا يقال: «زيدٌ شِرِّيبٌ العسلَ» كما يقال: «شَرَّابٌ العسلَ» وإن كان القياس إعمالَه، وهل هو مِنْ «صَدَق» الثلاثي أو من «صَدَّق» مضعفاً؟ القياسُ يقتضي الأولَ، لأنَّ أمثلةَ المبالغةِ تَطَّرِدُ من الثلاثي دونَ الرباعي، فإنه لم يَجيء منه إلا القليلُ. وقال الزمخشري: «انه من التصديق» وكذا ابنُ عطية، إلا أنَّه جَعَله محتملاً، وهذا واضحٌ لقوله: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا} فقد صَرَّح بالفعلِ المسند إليها مضعفاً.

وقوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} لا محلَّ له لأنه اسئنافٌ وبيان لكونِهما كسائرِ البشرِ في احتياجِهما إلى مايَحْتاج إليه كلُّ جسمٍ مُولَدٍ، والإلهُ الحقُّ منزَّهٌ عن ذلك. وقال بضعهم: «هو كناية عن احتياجهما إلى التغَوُّطِ» ولا حاجة إليه. قوله: «كيف» منصوب بقوله: «نُبَيِّن» بعده، وتقدم ما فيه في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] وغيرِه، ولا يجوز أن يكونَ معمولاً لِما قبله لأن له صدرَ الكلام، وهذه الجملةُ الاستفهامية في محلِّ نصب لأنها معلقةٌ للفعل قبلها. وقوله: {ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ} كالجملةِ قبلَها، «وأَنَّى» بمعنى كيف، و «يُؤْفكون» ناصبٌ ل «أنَّى» ويُؤْفكون: بمعنى يُصْرَفُون.

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

قوله تعالى: {مَا لاَ يَمْلِكُ} : يجوز أن تكونَ «ما» بمعنى الذي، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ فلا محلَّ لها، وصفةٌ فمحلُّها النصبُ، وفي وقوعِ «ما» على العاقلِ هنا لأنه أُريد به عيسى وأمُّه وجوهٌ، أحدها: أنه أُتِي ب «ما» مراداً به العاقلُ لأنها مبهمةٌ تقعُ على كل شيء، كذا قالَه سيبويه، أو أُريد به النوعُ كقوله: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء} [النساء: 3] أي: النوعَ الطيب، أو أُريد به العاقلُ مع غيره لأنَّ أكثرَ ما عُبِد مِنْ دونَ [اللَّهِ] غيرُ عاقلٍ كالأصنامِ والأوثانِ والكواكبِ والشجرِ، أو شبهُهُ على أولِ أحوالِه، لأنه في أولِ حالِه لا يُوصَفُ بعقلٍ فيكف يُتَّخذ إلهاً معبوداً؟ وفي تكريرِ الأمر بقوله: «انظُرْ» «ثم انظر» دلالةٌ على الاهتمام بالنظر، وأيضاً فقد اختَلف متعلَّقُ النظرين، فإنَّ الأولَ أمرٌ بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآياتِ وبيانِها بحيث إنه لا شكَّ فيها ولا ريبَ، والأمرُ الثاني بالنظر في كونِهم صُرِفوا عن تدبُّرها والإِيمان بها، أو بكونِهم قُلِبوا عمَّا أُريد بهم. قال الزمخشري: «فإنْ قتل: ما معنى التراخي في قولِه:» ثم انظرْ «؟ قلت: معناه ما بينَ التعجبين، يعني أنه بَيَّن لهم الآياتِ بياناً عجباً، وأنَّ إعراضَهم عنها أعجُب منه» انتهى. يعني أنه من بابِ التراخي في الرُّتَبِ لا في الأزمنةِ، ونحوُه: {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] وسيأتي.

قوله: {والله هُوَ السميع العليم} «هو» : يجوزُ أن يكونَ مبتدأ ثانياً، و «السميعُ» خبرُه، و «العليمُ» خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ، والجملةُ خبرُ الأول، ويجوزُ أَنْ يكونَ فصلاً، وقد عُرِف ما فيه، ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً. وهذه الجملةُ الظاهرُ فيها أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، ويحتمل أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعلِ «تَعْبُدون» أي: أتعبدون غيرَ الله والحالُ أن الله هو المستحقُّ للعبادة لأنه يَسْمع كل شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلامُ الزمخشري فإن قال: {والله هُوَ السميع العليم} متعلق ب «أتعبدون» أي: أتشركون بالله ولا تَخْشَوْنه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟ أتعبدون العاجزَ واللَّهُ هو السميع العليم؟ انتهى. والرابطُ بين الحالِ وصاحبِها الواوُ، ومجيءُ هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة، فإنَّ السميع يسمع ما يُشْكَى إليه من الضُّرِّ وطلب النفع ويعلم مواقعَهما كيف يكونان؟

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

قوله تعالى: {غَيْرَ الحق} : فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف أي: لا تَغْلُوا في دينكم غُلُوَّاً غيرَ الحق أي: غلوَّاً باطلاً، ولم يذكر الزمخشري غيره. الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من ضمير الفاعل في «تَغْلُوا» أي: لا تَغْلوا مجاوزينَ الحق، ذكره أبو البقاء الثالث: أنه حالٌ من «دينكم» أي: لا تغلوا فيه وهو باطل، بل اغلُوا فيه وهو حَقٌّ، ويؤيد هذا ما قاله الزمخشري فإنه قال: «لأنَّ الغلوَّ في الدين غُلُوَّان: حقٌّ وهو أَنْ يُفْحص عن حقائِقه ويفتَّشَ عن أباعدِ معانيه ويُجْتَهَدَ في تحصيله حُجَجَه، وغلوٌ باطل: وهو أن يَتَجاوز الحقَّ ويتخطاه بالإِعراض عن الأدلة» . الرابع: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتصل. الخامس: على الاستثناءِ المنقطع. ذكرَ هذين الوجين الشيخُ عن غيره، واستبعدهما فإنه قال: «وأبعدَ مَنْ ذهب إلى أنها استثناءٌ متصل، ومَنْ ذهب إلى انها استثناءٌ منقعطع ويقدِّره ب» لكن الحقَّ فاتبعوه «قلت: والمستثنى منه يَعْسُر تعيينُه، والذي يظهر فيه أنه قوله: {فِي دِينِكُمْ} كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينكم إلا الدين الحق فإنه يجوز لكم الغلوُّ فيه، ومعنى الغلو فيه ما تقدم من تقرير الزمخشري له.

وذكر الواحدي فيه الحالَ والاستثناء فقال:» وانتصابُ «غيرَ الحق» من وجهين، احدُهما: الحالُ والقطعُ من الدين كأنه قيل: لا تغُلُوا في دينكم مخالفين للحقِّ، لأنهم خالفوا الحقَّ في دينهم ثم غَلَوا فيه بالإِصرار عليه. والثاني: أن يكونَ منصوباً على الاستثناء، فيكون «الحق» مستثنًى من المَنْهِيِّ عن الغلوِّ فيه بأَنْ يجوزَ الغلوُّ فيما هو حق على معنى اتباعِه والثباتِ عليه. وهذا نصٌّ فيما ذكرْتُ لك من أنَّ المستثنى هو «دينُكم» .

وتقدَّم معنى الغلوِّ في سورة النساء وظاهرُ هذه الأعاريب المتقدمةِ أنَّ «تَغْلُوا» فعلٌ لازم، وكذا نصَّ عليه أبو البقاء، إلا أن أهلَ اللغةِ يفسِّرونه بمعنى متعدٍّ، فإنهم قالوا: معناه لا تتجاوزوا الحد. قال الراغب: «الغلو تجاوزُ الحَدِّ، يقال ذلك إذا كان في السعر» غلاءً «وإذا كان في القَدْر والمنزلة» غُلُوَّا «وفي السهم» غَلْوا «وأفعالها جميعاً غلا يغلو، فعلى هذا يجوز أن ينتصب» غير الحق «مفعولاً به أي: لا تتجازوا في دينِكم غير الحق، فإنْ فَسَّرنا» تغلوا «بمعنى تتباعدوا من قولهم:» غلا السهمُ «أي: تباعدَ كانَ قاصراً، فيحتمل أن يكونَ مَنْ قال بأنه لازم أخذه من هذا لا من الأول.

قوله: {كَثِيراً} في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه / مفعولٌ به، وعلى هذا اكثرُ المتأوِّلين، فإنهم يفسِّرونه بمعنى: وأضَلُّوا كثيراً منهم أو من المنافقين.

والثاني: أنه منصوبٌ على المصدرية أي: نعت لمصدر محذوف أي: إضلالاً كثيراً، وعلى هذا فالمفعول محذوف أي: أضَلُّوا غيرهم إضلالاً كثيراً.

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

قوله تعالى: {مِن بني إِسْرَائِيلَ} : في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبُها: إمَّا «الذين» وإمَّا «واو» كفروا «وهم بمعنًى واحدٍ. وقوله: {على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى} المرادُ باللسانِ الجارحةُ لا اللغةُ، كذا قال الشيخ يعني أنَّ الناطقَ بِلَعْنِ هؤلاء لسانُ هذين النبيين، وجاء قولُه {على لِسَانِ} بالإِفراد دون التثنيةِ والجمعِ فلم يَقُلْ:» على لسانَيْ «ولا» على ألسنةِ «لقاعدةٍ كليةٍ، وهي: أن كلَّ جزأين مفردين من صاحبيهما إذا أُضيفا إلى كليهما من غيرِ تفريقٍ جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ، لفظُ الجمعِ - وهو المختارُ - ويليه التثنيةُ عند بعضِهم، وعند بعضِهم الإِفرادُ مقدمٌ علة التثنيةِ، فيقال:» قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين «وإنْ شئت: رأسَي الكبشين، وإن شئت: رأسَ الكبشين، ومنه: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، فقولي» جزأين «تحرُّزٌ من شيئين ليسا بجزأين نحو:» درهميكما «وقد جاء:» من بيوتِكما وعمائمكما وأسيافمكا «لأَمْنِ اللَّبْسِ، وبقولي:» مفردين «من نحو:» العينين واليدين «فأمَّا قولُه تعالى: {فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ففُهِم بالإِجماع وبقولي:» من غيرِ تفريق «تحرُّزٌ من نحو: قَطَعْتُ رأسي الكبشين: السمينِ والكبشِ الهزيل» ، ومنه هذه الآية فلا يجوزُ إلا الإِفرادُ وقال بعضهم: «وهو مختارٌ» أي: فيجوز غيرُه. وقد مضى تحقيقُ هذه القاعدةِ في سورة المائدة بكلامٍ طويٍ فعليك بالالتفاتِ إليه.

وفي النفسِ من كونِ المرادِ باللسان الجارحةَ شيءٌ، ويؤيد ذلك ما قاله الزمخشري فإنه قال: «نَزَّل اللهُ لَعْنَهم في الزبور على لسانِ داود، وفي الإِنجيل على لسانِ عيسى وقوةُ هذا تَأْبى كونَه الجارحةَ، ثم أني رأيتُ الواحدي ذكرَ عن المفسرين قولين، ورجَّح ما قلته قال - رحمه الله -:» وقال ابن عباس: يريد في الزبور وفي الإِنجيلِ، ومعنى هذا أنَّ اللَهَ تعالى لَعَنَ في الزبور مَنْ يكفر من بني إسرائيل وكذلك في الإِنجيل، وقيل: على لسان داود وعيسى؛ لأنَّ الزبورَ لسانُ داود والإِنجيلَ لسانُ عيسى «فهذا نصٌّ في أن المراد باللسانِ غيرُ الجارحة، ثم قال:» وقال الزجاج: «وجائزٌ أن يكون داود وعيسى عَلِما أنَّ محمداً نبيٌّ مبعوثٌ، وأنهما لَعَنا مَنْ يكفر به» والقول هو الأول، فتجويزُ الزجاجِ لذلك ظاهرٌ أنه يُراد باللسانِ الجارحةُ ولكن ليس قولاً للمفسرين. و «على لسانِ» متعلِّقٌ ب «لعن» قال أبو البقاء: «كما يُقال: جاء زيدٌ على فرس» . وفيه نظرٌ إذ الظاهر أنه حالٌ. وقولُه: «ذلك بما عَصَوْا» قد تقدَّم نظيره قوله: {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} في هذه الجملة الناقصةِ وجهان، أظهرهما: أن تكونَ عطفاً على صلةِ «ما» وهو «عَصَوْا» أي: ذلك بسب عصيانِهم وكونِهم معتدين. والثاني: أنها استئنافيةٌ أي: أخبر الله تعالى عنهم بذلك. قال الشيخ: «ويُقَوِّي هذا ما جاءَ بعده كالشرحِ له، وهو قولُه: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ} .

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

وقوله تعالى: {عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} : متعلِّقٌ ب «يَتَناهَوْن» و «فعلوه» صفةٌ ل «منكر» . قال الزمخشري: «ما معنى وصفِ المنكرِ بفعلوه، ولا يكونُ النهيُ بعد الفعلِ؟ قلت: معناه لا يتناهَوْن عن معاودةِ منكرٍ فَعَلُوه، أو عن مِثْلِ منكرٍ فَعَلوه، أو عن منكرٍ أرادُوا فِعْلَه، كما ترى أماراتِ الخوضِ في الفسقِ وآلاتِه تُسَوَّى وتُهَيَّأُ، ويجوز أن يُرادَ: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكرٍ فعلوه، بل يُصِرُّون عليه ويُداومون، يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه» .

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

وقوله تعالى: {لَبِئْسَ مَا} : و «بئسما قَدَّمَتْ قد تقدَّم إعرابُ نظيرِ ذلك فلا حاجةَ إلى إعادته، وهنا زيادةٌ أخرى لخصوصِ التركيب وستعرِفُها. قوله: {أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ} في محلِّه أوجهٌ، أحدها: أنه مرفوعٌ على البدلِ من المخصوصِ بالذم، والمخصوصُ قد حُذِفَ وأُقيمت صفتُه مُقامه فإنه تُعْرِبُ» ما «اسماً تاماً معرفةً في محلِّ رفعٍ بالفاعلية بفعلِ الذمِّ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، و» قَدَّمت لهم انفُسُهم «جملة في محلِّ رفعٍ صفةً له، والتقديرُ لبئس الشيءُ شيءٌ قَدَّمَتْهُ لهم أنفُسُهم، ف» أَنْ سَخِط اللهُ عليهم «بدلٌ من» شيء «المحذوفِ، وهذا هو مذهبُ سيبويه كما تقدَّم تقريرُه. الثاني: أنه المخصوصُ بالذمِّ فيكونُ فيه ثلاثةُ الأوجهِ المشهورةِ، أحدُها: أنه مبتدأٌ والجملةُ قبلَه خبرُه، والرابطُ على هذا العمومُ عند مَنْ يَجْعَلُ ذلك أو لا يَحْتاج إلى رابط لأن الجملةَ عينُ المبتدأ، الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ لأنك لَمَّا قلت:» بِئْسَ الرجل «قيل لك: مَنْ هو؟ فقلت: فلان، أي: هو فلان. الثالث: أنه مبتداٌ خبرُه محذوفٌ، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وإلى كونه مخصوصاً بالذمِّ ذهب جماعةٌ كالزمخشري ولم يذكر غيرَه، قال: {أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ} هو المخصوص بالذمِّ كأنه قيل: لِبئْس زادُهم إلى الآخرة سُخْطُ اللهِ عليهم، والمعنى: موجِبُ سُخْطِ الله» قلت: وفي تقديرِ هذا المضاف من المحاسنِ ما لا يَخْفى على متأمِّله، فإنَّ نفسَ السخطِ المضافَ إلى الباري تعالى لا يُقال هو المخصوص بالذم، إنما المخصوصُ بالذم أسبابُه، وذهبَ إليه أيضاً الواحدي ومكي وأبو البقاء إلاَّ أنَّ الشيخ بعد أَنْ حكى هذا الوجهَ عن أبي القاسم الزمخشري قال: «ولم يَصِحَّ هذا الإِعرابُ إلا على مذهبِ الفراء والفارسي/ في جَعْلِ» ما «موصولةً، أو على مذهبِ مَنْ يجعلُ» ما «تمييزاً، و» قَدَّمَتْ لهم «صفتها، وأمَّا على مذهبِ سيبويه فلا يتأتَّى ذلك ثم ذَكَر مذهبَ سيبويه.

والوجه الثالث من أوجهِ» أَنْ سَخِطَ «: أنه في محل رفع على البدلِ من» ما «وإلى ذلك ذهب مكي وابنُ عطية، إلا أن مكِّيّاً حكاه عن غيره، قال:» وقيل: في موضعِ رفعٍ على البدلِ من «ما» في «لبئس» على أنها معرفةٌ «قال الشيخ - بعد ما حكى هذا الوجهَ عن ابن عطية -: ولا يَصِحُّ هذا سواءً كانت» ما «تامةً أو موصولةً لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدلِ منه، و» أَنْ سَخِطَ «لا يجوزُ أَنْ يكونَ فاعلاً ل» بِئْسَ «لأنَّ فاعل» بِئْس «لا يكونُ أَنْ والفعل» وهو إيرادٌ واضِحٌ كما قاله.

الوجه الرابع: أنه في محلِّ نصبٍ على البدلِ من «ما» إذا قيل بأنها تمييزٌ، ذَكَر مكي وأبو البقاء، وهذا لا يجوزُ البتة؛ وذلك لأنَّ شرطَ التمييز عند البصريين ان يكونَ نكرةً، و «أَنْ» وما في حَيِّزها عندهم من قبيلِ أعرفِ المعارفِ لأنَّها تُشْبِهُ المُضْمَرَ، وقد تقدم تقريرُ ذلك فيكف يَقعُ تمييزاً لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه؟ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك لأنَّهم لا يُجيزون التمييزَ بكلِّ معرفةٍ خصوصاً أَنْ والفعل. الخامسُ: أنه في محلِّ نصبٍ على البدلِ من الضمير المنصوبِ ب «قَدَّمَتْ» العائدِ على «ما» الموصولة أو الموصوفة على حَسَبِ ما تقدَّم، والتقديرُ: قَدَّمَتْه سُخْط الله، كقولك: «الذي رأيت زيداً أخوك» وفي هذا بحثٌ في موضعِه. السادس: أنه موضع نصب على إسقاطِ الخافضِ، إذ التقديرُ: لأَنْ سَخِط، وهذا جارٍ على مذهبه سيبويه والفراء لأنهما يَزْعُمان أنَّ محلَّ «أَنْ» بعد حَذْفِ الخافض في محلِّ نصب. السابع: أنه في محلِّ جر بذلك الخافضِ المقدَّرِ، هذا جارٍ على مذهبِ الخليلِ والكسائي لأنهما يُزْعُمان أنَّهما في محل جر، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مرةٍ، وعلى هذا فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي: لَبِئْسما قَدَّمَتْ لهم أنفسُهم عملُهم أو صُنْعُهم، ولامُ العلةِ المقدرةُ معلَّقَةٌ إمَّا بجملةِ …

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.