Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

قوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات} : «جعل» هنا تتعدى لمفعول واحد لأنها بمعنى خلق، هكذا عبارة النحويين، ظاهرها أنهما مترادفان. إلا أن الزمخشري فرَّق بينهما فقال: «الفرق بين الخَلْق والجَعْل أنَّ الخَلْق فيه معنى التقدير و [في] الجعل معنى التصيير كإنشاء شيء من شيء، أو تصييرِ شيءٍ شيئاً، أو نقلِه من كان إلى مكان، ومن ذلك: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف: 189] {وَجَعَلَ الظلمات والنور} لأنَّ الظلمات من الأجرام المتكاثفة والنور من النار» انتهى. وقال الطبري: «جَعَل» هنا هي التي تتصرف في طَرَف الكلام كما تقول: جعلت أفعل كذا، فكأنه: «وجعل إظلامَها وإنارتَها» وهذا لا يشبه كلام أهل اللسان. ولكونها عند أبي القاسم ليست بمعنى «خلق» فسَّرها هنا بمعنى أحدث وأنشأ. وكذا الراغب جعلها بمعنى أوجد.

ثم إن الشيخ اعترض عليه هنا لمَّا استطرد، وذكر أنها تكون بمعنى صَيَّر، ومثَّل بقوله: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً} [الزخرف: 19] فقال: «وما ذَكَره من أنَّ» جَعَل «بمعنى صَيَّر في قوله: {وَجَعَلُواْ الملائكة} لا يَصِحُّ لأنهم لا يُصَيِّرهم إناثاً، وإنما ذكر بعض النحويين أنها هنا بمعنى سمَّى» قلت: ليس المرادُ بالتصيير التصييرَ بالفعل، بل المراد التصيير بالقول، وقد نصَّ الزمخشري على ذلك، وسيأتي لهذا - إن شاء الله - مزيدُ بيان في موضعه. وقد ظهر الفرق بين تخصيص السماوات والأرض بالخَلْق والظلمات والنور بالجَعْل بما ذكره الزمخشري. وإنما وَحَّد النور وجَمَع الظلمات لأن النورَ مِنْ جنس واحد وهو النار، والظلمات كثيرة، فإنَّ ما من جِرْمٍ إلا وله ظلُّ، وظلُّه هو الظلمة، وحَسَّن هذا أيضاً أن الصلةَ التي قبلها تقدَّم فيها جَمْعٌ ثم مفردٌ فعطفْتَ هذه عليها كذلك وقد تقدَّم في البقرة الحكمة في جمع السماوات وإفراد الأرض. وقُدِّمت «الظلمات» في الذِّكر لأنه مُوافِقٌ في الوجود؛ إذ الظلمة قبل النور عند الجمهور.

قوله: {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ} «ثم» هذه ليست للترتيب الزماني، وإنما هي للتراخي بين الرتبتين، والمراد اسبتعادُ أن يَعْدِلوا به غيرَه مع ما أوضح من الدلالات. وهذه عطفٌ: إمَّا على قوله «الحمد لله» وإما على قوله: «خلق السماوات» قال الزمخشري: «فإن قلت: فما معنى» ثم «؟ قلت: استبعاد أن يَمْتَرُوا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم وميتهم وباعثهم» وقال ابن عطية: «ثم» دالة على ما قُبْح فِعْل الذين كفروا؛ فإنَّ خَلْقه للسماوات والأرض وغيرهما قد تَقَّرر، وآياتِه قد سَطَعَتْ، وإنعامه بذلك قد تبيَّن، ثم مع هذا كله يَعْدِلون به غيره «.

قال الشيخ: «ما قالاه من انها للتوبيخ والاستبعاد ليس بصحيح، لأنها لم تُوضَعْ لذلك، والاستبعادُ والتوبيخُ مستفادٌ من السياق لا من» ثم «، ولم أعلم أحداً من النحويين ذكر ذلك، بل» ثم «هنا للمُهْلة في الزمان، وهي عاطفةٌ جملةً اسمية على جملة اسمية» . يعني على «الحمد لله» . ثم اعترض على الزمخشري في تجويزه أن تكون معطوفةً على «خَلَق» بأنَّ «خَلَق» صلة، فالمعطوفُ عليها يُعطى حكمَها، ولكن ليس ثَمَّ رابطٌ يعود منها على الموصول. ثم قال: «إلا أن يكون على رأيِ مَنْ يَرى الرَّبْطَ بالظاهر كقولهم: أبو سعيدٍ الذي رَوَيْتُ عن الخدري» وهو قليلٌ جداً لا ينبغي أن يُحملَ عليه كتابُ الله «. قلت: الزمخشري إنما يريد العطف ب» ثم «لتراخي ما بين الرتبتين، ولا يريد التراخي في الزمان كما قد صرَّح به هو فيكف يَلْزمُه ما ذَكَرَ مِنَ الخلوِّ عن الرابط، وكيف يَتَخيَّل كونَها للمهلة في الزمان كما ذكر الشيخ؟

قوله: {بِرَبِّهِمْ} يجوز أن يتعلَّق ب» كفروا «فيكون» يُعْدِلون «بمعنى يَميلون عنه، من العُدول، ولا مفعولَ له حينئذ، ويجوز أن يتعلَّ ب» يعدِلون « وقُدِّم للفواصل، وفي الباء حينئذ احتمالان، أحدهما: ان تكون بمعنى عن، و» يَعْدِلون «من العُدول وأيضاً، أي يعدِلون عن ربهم إلى غيره. …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

قوله تعالى: {مِّن طِينٍ} : فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلِّقٌ ب «خَلَقكم» و «مِنْ» لابتداء الغاية. والثاني: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه حال، وهل يُحتاج في هذا الكلام إلى حَذْفِ مضاف أم لا؟ خلاف: ذهب جماعة كالمهدويِّ ومكي وجماعة إلى أنه لا حَذْفَ، وأن الإِنسان مخلوقٌ من الطين، وروي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من مولودٍ يولد إلا ويُذَرُّ على النطفة من تراب حفرته» . وقيل: إن النطفة أصلها الطين. وقال غالب المفسرين: ثمَّ محذوفٌ أي: خَلَقَ أَصْلَكم أو أباكم من طينٍ، يعنون آدم وقصته المشهورة. وقال امرؤ القيس:

185 - 9- إلى عِرْقِ الثَّرى رَسَخَتْ عُروقي ... وهذا الموتُ يَسْلُبُني شبابي

قالوا: أراد بعِرقْ الثرى آدم عليه السلام لأنه أصلُه.

قوله: {ثُمَّ قضى} إن كان «قضى» بمعنى أظهر ف «ثُمَّ» للترتيب الزماني على أصلها؛ لأنَّ ذلك متأخرٌ عن خَلْقِنا وهي صفة فعل، وإن كان بمعنى كَتَب وقَد‍َّر فهي للترتيب في الذِّكْر؛ لأنها صفة ذات، وذلك مُقَدَّم على خَلْقِنا.

قوله: {وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} مبتدأ وخبر، وسوَّغ الابتداء هنا شيئان، أحدهما: وَصْفُه، والثاني: عَطْفُه، ومجرَّدُ العطف من المسوغات، قال:

186 - 0- عندي اصْطِبارٌ وشَكْوى عند قاتلتي ... فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا

والتنكير في الأجلين للإِبهام. وهنا مُسَوِّغٌ آخر وهو التفصيل كقوله:

186 - 1- إذا ما بكى مِنْ خلفِها انصرفَتْ له ... بشِقٍ وشِقٌ عندنا لم يُحَوَّلِ

ولم يَجِبْ هنا تقديمُ الخبر وإن كان المبتدأ نكرةً والخبر ظرفاً؛ قال الزمخشري: لأنه تخصَّص بالصفةِ فقارَبَ «المعرفةَ، قال الشيخ:» وهذا الذي ذكره من كَوْنِه مُسَوِّغاً للابتداء بالنكرة لكونها وُصِفَتْ لا يتعيَّن، لجواز أن يكون المسوِّغُ التفصيلَ، ثم أنشد البيت: إذا ما بكى «قلت: الزمخشري لم يقلْ إنه تعيَّن ذلك حتى يُلْزِمَه به، وإنما ذكر أشهرَ المسوِّغات فإنَّ العطفَ والتفصيل قَلَّ مَنْ يذكرُهما في المسوِّغات.

قال الزمخشري:» فإن قلت: الكلامُ السائرُ أن يُقال: «عندي ثوب جيِّدٌ، ولي عبدٌ كيِّس» فما أوجب التقديم؟ قلت: أوجبه أن المعنى: وأيُّ أجل مسمَّى عنده، تعظيماً لشأن الساعة، فلمَّا جرى فيه هذا المعنى أوجب التقديم «. قال الشيخ: وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان التقدير: وأيُّ أجل مسمى عنده كانت» أيّ «صفةً لموصوف محذوف تقديره: وأجلٌ أيُّ أجلٍ مسمَّى عنده، ولا يجوز حَذْفُ الصفةِ إذا كانت» أيَّاً «ولا حَذْفُ موصوفِها وإبقاؤها لو قلت: مررت بأيِّ رجل، تريد برجلٍ أيِّ رجل لم يَجُزْ» قلت: ولم أَدْرِ كيف يُؤاخَذُ مَنْ فسَّر معنى بلفظٍ لم يَدَّعِ أن ذلك اللفظَ هو أصل الكلام المفسَّر، بل قال: معناه كيت وكيت، فكيف يَلزمه أن يكون ذلك الكلام الذي فسَّر به هو أصل ذلك المفسَّر؟ على أنه قد وَرَدَ حذفُ موصوفِ «أيّ» وإبقاؤها كقوله:

186 - 2- إذا حارب الحَجَّاجُ أيَّ منافقٍ ... عَلاه بسيفٍ كلما هَزَّ يقطعُ

قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} قد تقدَّم الكلامُ على «ثم» هذه. وتمترون تَفْتَعُون من المِرْيَة، وتقدَّم معناها في البقرة عند قوله: {مِنَ الممترين} [الآية: 147] وجَعَلَ الشيخ هذا من باب الالتفات، أعني قوله: «خَلَقَكم ثم أنتم تَمْتَرون» يعني أن قوله {ثْمَّ الذين كَفَرُواْ} غائبٌ، فالتفت عنه إلى قوله: «خلقكم ثم أنتم» . ثم كأنه اعترض على نفسه بأنَّ خَلْقَكم وقضاءَ الأجلِ لا يختصُّ به الكفار، بل المؤمنون مثلُهم في ذلك. وأجاب بأنه إنما قصد الكفار تنبيهاً لهم على خَلْقِه لهم وقدرتَه وقضائه لأجالهم. قال: «وإنما جَعَلْتُه من الالتفات؛ لأن هذا الخطابَ وهو {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} لايمكن أن يندرجَ فيه مَنْ اصطفاه الله بالنبوَّة والإِيمان» .

وأصل مُسَمَّى: مُسَمَّوٌ لأنه من مادة الاسم، وقد تقدَّم ذلك فقلبت الواو ياءً، ثم الياء ألفاً. وتمترون …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

قوله تعالى: {وَهُوَ الله فِي السموات} : في هذه الآية أقوالٌ كثيرة لخَّصْتُ جميعها في اثني عشر وجهاً؛ وذلك أن «هو» فيه قولان، أحدهما: هو ضمير اسم الله تعالى يعود على ما عادت عليه الضمائر قبله والثاني: أنه ضمير القصة، قال أبو عليّ. قال الشيخ: «وإنما فَرَّ إلى هذا لأنه لو أعاده على الله لصار التقدير: الله الله، فتركَّب الكلام من اسمين متَّحِدَيْن لفظاً ومعنًى لا نسبةَ بينهما إسنادية» قلت: الضمير إنما هو عائد على ما تقدَّم من الموصوف بتلك الصفاتِ الجليلة وهي خَلْقُ السماوات والأرض، وجَعْلُ الظلمات والنور، وخَلْق الناس من طين إلى آخرها، فصار في الإِخبار بذلك، فائدةٌ من غير شك، فعلى قول الجمهور يكون «هو» مبتدأ و «الله» خبره، و «في السماوات» متعلق بنفس الجلالة لما تَضَمَّنَتْه من معنى العبادة كأنه قيل: وهو المعبود في السماوات، وهذا قول الزجاج وابن عطية والزمخشري.

قال الزمخشري: «في السماوات» متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل: وهو المعبود فيها - ومنه: {وَهُوَ الذي فِي السمآء إله} [الزخرف: 84]- أو هو المعروف بالإِلهيَّة والمتوحِّد بالإِلهيَّة فيها، أو هو الذي يقال له «الله» لا يَشْرَكُه في هذا الاسمِ غيره «. قلت: إنما قال:» أو هو المعروف أو هو الذي يقال له الله «لأن هذا الاسم الشريف تقدَّم لك فيه خلاف: هل هو مشتق أو لا؟ فإن كان مشتقاً ظهر تعلُّق الجار به، وإن كان ليس بمشتق: فإمَّا أن يكون منقولاً أو مرتجلاً، وعلى كلا التقديرين فلا يعمل؛ لأن الأعلام لا تعمل فاحتاج أنْ يَتَأوَّل ذلك على كل قول من هذه الأقوال الثلاثة، فقوله» المعبود «راجع للاشتقاق، وقوله» المعروف «راجع لكونه عَلَماً منقولاً، وقوله» الذي يقال له اللهُ «راجع إلى كونه مرتجلاً، وكأنه -رَحِمه الله - استشعر بالاعتراض المذكور. والاعتراضُ منقولٌ عن الفارسي، قال:» وإذا جَعَلْتَ الظرف متعلقاً باسم الله جاز عندي على قياس مَنْ يقول إن الله أصله الإِله، ومن ذهب بهذا الاسم مذهب الأعلام وجب أن لا يتعلق به عنده إلا ان تُقَدِّر فيه ضرباً من معنى الفعل «فكأن الزمخشري - والله أعلم - أخذ هذا من قول الفارسيِّ وبَسَطه. إلا أن أبا البقاء نقل عن أبي علي أنه لا يتعلَّق» في «باسم الله لأنه صار بدخول الألف واللام، والتغييرِ الذي دخله كالعلمَ، ولهذا قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] . فظاهرُ هذا النقلِ أنه يمنع التعلُّق به وإن كان في الأصل مشتقاً.

وقال الزجاجُ: «هو متعلِّقٌ بما تضمَّنه اسم الله من لمعاني كقولك» أميرُ المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب «. قال ابن عطية:» هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرُها إحرازاً لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى. وإيضاحُه أنه أراد أن يَدَلَّ على خَلْقه وآثارِ قدرته وإحاطته واستيلائه نحو هذه الصفات، فَجَمع هذه كلِّها في قوله: {وَهُوَ الله} أي: الذي له هذه كلُّها في السماوات وفي الأرض، كأنه قال: وهو الخالق والرازق والمُحْيي والمحيط في السماوت والأرض، كما تقول: «زيد السلطان في الشام والعراق» فلو قصدت ذات زيد لكان محالاً، فإذ كان مقصدُ قولك: [زيد] الآمرُ الناهي الذي يولِّي ويَعْزِل كان فصيحاً صحيحاً، فأقمت السلطنة مُقامَ هذه الصفات، كذلك في الآية الكريمة أقمت «الله» مقام تلك الصفات «.

قال الشيخ:» ما ذكره الزجاج، وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى، لكن صناعة النحو تساعد عليه؛ لأنهما زعما أن «في السماوات» متعلق باسم الله لِما تَضَمَّنه من تلك المعاني، ولو صرح بتلك المعاني لم تعمل فيه جميعها، بل العمل من حيث اللفظُ لواحدٍ منها، وإن كان «في السماوات» متعلقاً بجميعها من حيث المعنى، بل الأوْلى أن يتعلَّق بلفظ «الله» لِما تضمَّنه من معنى الألوهية، وإن كان عَلَماً لأن العلمَ يَعْمَلُ في الظرف لِما يتضمنه من المعنى كقوله:

186 - 3- أنا أبو المِنْهالِ بعضَ الأحيانْ ... ف «بعضَ» نصب بالعلمَ …

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ} : «مِنْ آية» فاعل زيدت فيه «مِنْ» لوجود الشرطين فلا تَعَلُّق لها. و «من آيات» صفة ل «آية» فهي في محل جرٍّ على اللفظ أو رفعٍ على الموضع. ومعنى «مِنْ» التبعيض.

قوله: {إِلاَّ كَانُواْ} هذه الجملةُ الكونيَّةُ في محل نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير في «تأتيهم» والثاني: أنه «من آية» وذلك لتخصُّصِها بالوصف. «وتأتيهم» يحتمل أن يكون ماضيَ المعنى لقوله «كانوا» ويحتمل أن يكون «كانوا» مستقبلَ المعنى لقوله «تأتيهمْ» . واعلمْ أن الفعل الماضي لا يقع بعد «إلا» إلا بأحد شرطين: إمَّا وقوعِه بعد فعلٍ كهذه الآية الكريمة، أو يقترن ب «قد» نحو: ما زيدٌ إلا قد قام «. وهنا التفات من خطابه بقوله:» خلقكم «إلى آخره إلى الغَيْبة بقوله:» وما تأتيهم «.

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُواْ} : الفاء هنا للتعقيب، يعني أن الإِعراض عن الآيات أعقبه التكذيب. وقال الزمخشري: «فقد كذَّبوا» مردودٌ على كلامٍ محذوف، كأنه قيل: إن كانوا مُعْرِضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظمُ آيةٍ وأكبرها «. قال الشيخ:» ولا ضرورةَ تدعو إلى هذا مع انتظام الكلام «، وقوله» بالحق «من إقامة الظاهر مُقام المضمر، إذ الأصل: فقد كذَّبوا بها، أي بالآية. والأنباء جمع نبأ، وهو ما يَعْظُم وَقْعُه من الأخبار. وفي الكلام حذف، أي يأتيهم مضمون الأنباء. و» به «متعلق بخبر» كانوا «و» لمَّا «حرفُ وجوب أو ظرف زمان، والعامل فيه» كَذَّبوا «.

» وما يجوز أن تكون موصولة اسمية، والضمير في «به» عائدٌ عليها، ويجوز أن تكونَ مصدرية، قال ابن عطية، أي أنباء كونهم مستهزئين، وعلى هذا فالضمير لا يعود عليها لأنها حرفية، بل يعود على الحق، وعند الأخفش يعود عليها لأنها اسم عنده.

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا} : يجوز في «كم» أن تكون استفهامية وخبرية، وعلى كلا التقديرين فهي مُعَلِّقةٌ للرؤية عن العمل، لأن الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في ذلك، ولذلك أُعْطِيت أحكامَها من وجوب التصدير وغيره. والرؤيةُ هنا عِلْميَّة، ويَضْعُفُ كونها بصرية، وعلى كلا التقديرين فهي معلَّقة عن العمل، لأنَّ البَصَرية تجري مجراها، فإن كانت عِلْميَّةً ف «كم» وما في حيِّزها سادَّةٌ مَسدَّ مفعولين، وإن كانت بصرية فمسدَّ واحد.

و «كم» يجوز أن تكون عبارة عن الأشخاص فتكونَ معفولاً بها ناصبها «أَهْلَكْنا» و «مِنْ قَرْنٍ» على هذا تمييز لها، وأن تكون عبارةً عن المصدر فتنتصبَ انتصابَه بأهْلَكْنا، أي إهلاكاً، و «مِنْ قرن» على هذا صفةٌ لمفعول «أَهْلَكْنا» أي أهلكنا قوماً أو فوجاً من القرون؛ لأنَّ قرناً يراد به الجمع، و «مِنْ» تبعيضية، والأُولى لابتداء الغاية. وقال الحوفي: «من» الثانية بدل من «مِنْ» الأولى وهذا لا يُعْقل فهو وَهْمٌ بَيِّنٌ، ويجوز أن تكون «كم» عبارة عن الزمان فتنتصب على الظرف. قال أبو البقاء: «تقديره: كم أزمنةٍ أهلكنا فيها» وجعل أبو البقاء على هذا الوجه «من قرن» هو المفعول به و «مِنْ» مزيدة فيه وجاز ذلك لأن الكلام غير موجب والمجرور نكرة. إلا أن الشيخ منع ذلك بأنه لا يقع إذ ذاك المفردُ موقعَ الجمع لو قلت: [ «كم أزماناً ضربتُ رجلاً، أو كم مرةً ضربتُ رجلاً» لم يكن مدلولُ رجل رجالاً] ، لأن السؤال إنما يقع عن عدد الأزمنة أو المرات التي ضربت فيها، وبأن هذا ليس [موضعَ زيادة «مِنْ» لأنها لا تُزاد في الاستفهام] ، إلا وهو استفهام مَحْضٌ أو يكونُ بمعنى النفي، والاستفهام هنا ليس مَحْظَاً ولا مُراداً به النفيُ. [انتهى. والجواب عمَّا قاله: لا نُسَلِّم ذلك] .

قوله: {مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض} في موضع جر صفةً ل «قَرْن» وعاد الضميرُ عليه جمعاً باعتبار معناه، قاله أبو البقاء والحوفي، وضَعَّفه الشيخ بأنَّ «مِنْ قرن» تمييز ل «كم» ف «كم» هي المحدِّث عنها بالإِهلاك، فهي المُحَدَّثُ عنها بالتمكين لا ما بعدها، إذ «من قرن» يجري مجرى التبيين، ولم يُحَدَّثْ عنه. وجَوَّز الشيخ أن تكون هذه الجملة استنئافاً جواباً لسؤالٍ مقدَّر، قال كأنه قيل: ما كان من حالهم؟ فقيل: مكَّنَّاهم، وجعله هو الظاهر. وفي نظر، فإن النكرة مفتقرةٌ للصفة فَجَعْلُها صفةً أَلْيَق.

والفرق بين قوله {مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض} [وقوله] : «ما لم نمكِّن لكم» أنَّ « مَكَّنه في كذا» : أَثْبته فيها، ومنه:

{وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} [الأحقاف: 26] وأمَّا مكَّن له فمعناه جعل له مكاناً ومنه، {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض} [الكهف: 84] {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ} [القصص: 57] ، ومثله: «أَرَضَ له» أي جعل له أرضاً، هذا قول الزمخشري. وأمَّا الشيخ فإنه يظهر من كلامه التسوية بينهما فإن قال: «وتَعَدِّي مَكَّن هنا للذوات بنفسه وبحرف الجر، والأكثرُ تعديتُه باللام: {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} [يوسف: 21] {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ} [الكهف: 84] {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ} [القصص: 57] . وقال أبو عبيدة:» مكَّنَّاهم ومكَّنَّاهم لهم: لغتان فصيحتان نحو: نَصَحْتُه ونَصَحْتُ له «. [قلت: وبهذا قال] أبو علي والجرجاني.

قوله: {مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ} في» ما «هذه خمسة أوجه، أحدها: أن تكون موصولةً بمعنى الذي، وهي حينئذ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: التمكين الذي لم نمكِّن لكم، والعائد محذوف أي: الذي لم نمكَّنه لكم. الثاني: أنها نكرةٌ صفةٌ لمصدر محذوف تقديره: تمكيناً ما لم نمكِّنه لكم، ذكرهما الحوفي. وردَّ الشيخ الأول بأن» ما «بمعنى الذي لا تكون صفةً لمعرفة وإن كان» الذي «يقع صفة لها، ولو قلت:» ضربت الضرب ما ضَرَبَ زيدٌ «تريد الضربَ الذي ضربه زيد، لم يجز، فإن قلت:» الضرب الذي ضربه زيد «جاز. ورَدَّ الثاني بأن» ما …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

قوله تعالى: {فِي قِرْطَاسٍ} : يجوز أن يتعلق بمحذوف على انه صفة لكتاب، سواء أريد بكتاب المصدرُ أم الشيء المكتوب. ويجوز أن يتعلَّق بنفس «كتاباً» سواء أريد به المصدر أم الشيء المكتوب. ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله:

186 - 9-. . . . . . . . . . . . . . . صحيفةً ... أَتَتْكَ من الحَجَّاج يُتْلى كتابُها

وفي النفس مِنْ جَعْلِ «كتاباً» في الآية الكريمة مصدراً شيء؛ لأن نفس الكتاب لا تُوصف بالإِنزال إلا بتجوُّز بعيد، ولكنهم قد قالوه هنا، ويجوز أن يتعلَّق «في قرطاس» ب «نَزَّلْنا» .

والقِرْطاس: الصحيفة يُكتب فيها تكون من رَقَّ وكاغد، بكسر القاف وضمها، والفصيح الكسر، وقرئ بالضم شاذاً نقله أبو البقاء والقِرْطاس: اسم أعجمي معرَّب، ولا يقال قرطاس إلا إذا كان مكتوباً وإلا فهو طِرْس وكاغَد، وقال زهير:

187 - 0- لها أخاديدُ مِنْ آثارِ ساكنها ... كما تردَّدَ في قِرْطاسِه القلمُ

قوله: {فَلَمَسُوهُ} الضمير المنصوب يجوز أن يعود على القِرْطاس، وان يعود على «كتاب» بمعنى مكتوب. و «بأيديهم» متعلق ب «لَمَسَ» . والباء للاستعانة كعملت بالقَدُوم. و «لقال» جواب لو، جاء على الأفصح من اقتران جوابها المثبت باللام.

قوله: {إِنْ هاذآ} «إنْ» نافية، و «هذا» مبتدأ، و «إلا سحرٌ» خبره فهو استثناء مفرغ، والجملةُ المنفيَّة في محل نصب بالقول، وأوقع الظاهرَ موقع المضمر في قوله «لقال الذين كفروا» شهادةً عليهم «بالكفر. والجملة الامتناعية لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها.

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لولا} : الظاهر أن هذه الجملة مستأنفة سِيْقَتْ للإِخبار عنهم بفرط تعنُّتِهم وتصلُّبهم في كفرهم. قيل: ويجوز أن تكون معطوفةً على جواب «لو» أي: لو نَزَّلْنا عليك كتاباً لقالو كذا، ولقالوا: لولا أُنْزِل عليه مَلَك. وجيء بالجواب على أحد الجائزين، أعني حذف اللام من المثبت. وفيه بُعْدٌ؛ لأن قولهم «لولا أُنْزل» ليس مترتباً على قوله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا} و «لولا» هنا تحضيضية. والضمير في «عليه» الظاهر عودُه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: يجوز أن يعود على الكتاب أو القرطاس، والمعنى: لولا أُنْزل على الكتاب مَلَك لشهد بصحته، كما يُرْوى في القصة أنه قيل: له لن نؤمن حتى تعرجَ فتأتي بكتاب، ومعه أربعة ملائكة يشهدون، وهذا يَظْهر على رأي مَنْ يقول: إن الجملة من قوله: {وقالوا: لولا أُنْزل} معطوفةٌ على جواب لو، فإنه يتعلق به من حيث المعنى حينئذ.

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

قوله تعالى: {مَّا يَلْبِسُونَ} : في «ما» قولان، أحدهما: أنها موصولة بمعنى الذي أي: ولَخَلَطْنَا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم، قاله أبو البقاء وتكون «ما» حينئذ مفعولاً بها. الثاني: أنها مصدرية أي: ولَلَبَسْنا عليهم مثل ما يلبسون على غيرهم ويسلكونهم. وقرأ ابن محيصن: «ولَبَسْنا» بلام واحدة هي فاء الفعل، ولم يأت بلام في الجواب اكتفاءً بها في المعطوف عليه. وقرأ الزُّهري «ولَلَبَّسْنا» بلامين وتشديد الفعل على التكثير.

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

قوله تعالى: {وَلَقَدِ استهزىء} : قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو بكسر الذال على أصل التقاء الساكنين، والباقون بالضم على الإِتباع، ولم يبالَ بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصين، وقد قرَّرْتُ هذه القاعدة بدلائلها في البقرة عند قوله: {فَمَنِ اضطر} [الآية: 173] . و «برسلٍ» متعلق ب «استهزئ» . و «مِنْ قبلك» صفة لرسل، وتأويلُه ما تقدَّم في وقوع «من قبل» صلة.

قوله: {فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ} فاعل حاق: «ما كانوا» و «ما» يجوز أن تكون موصولةً اسمية، والعائد الهاء في «به» و «به» يتعلق ب «يستهزئون» و «يستهزئون» خبر ل «كان» ، و «منهم» متعلق بسخروا، على أنَّ الضمير يعود على الرسل، قال تعالى: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} [هود: 38] ، ويجوز أن يتعدَّى بالباء نحو: سَخِرْت به، ويجوز أن يتعلَّق «منهم» بمحذوف أنَّه حال من فاعل «سَخِروا» ، والضمير في «منهم» يعود على الساخرين. وقال أبو البقاء: «على المستهزئين» وقال الحوفي: «على أُمَمِ الرسلِ» .

وقد رَدَّ الشيخ على الحوفي بأنه يلزم إعادته على غير مذكور وجوابُه أنه في قوة المذكور، وردَّ على أبي البقاء بأنه يصير المعنى: فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين، فلا حاجةَ إلى هذه الحال لأنها مفهومةٌ من قوله «سخروا» وجوَّزوا أن تكون «ما» مصدرية، ذكره الشيخ، ولم يتعرَّض للضمير في «به» والذي يظهر أنه يعود على الرسل الذي يتضمَّنه الجمع، فكأنه قيل: فحاق بهم عاقبةُ استهزائهم بالرسول المندرج في جملة الرسل، وأمَّا على رأي الأخفش وابن السراج فتعود على «ما» مصدرية لأنها اسم عندهما.

وحاق ألفه منقلبة عن ياء بدليل يَحِيق، كباع يبيع، والمصدر حَيْق وحُيُوق وحَيَقان كالغَلَيان والنَّزَوان. وزعم بعضهم أنه من الحَوْق، وهو المستدير بالشيء، وبعضهم أنه من الحقّ، فأُبْدِلت إحدى القافين ياءً كتظنَّنْتُ، وهذان ليسا بشيء، أمَّا الأول فلاختلاف المادة إلا أن يريدوا الاشتقاق الأكبر، وأما الثاني فلأنها دعوى مجردة من غير دليل. ومعنى حاق أحاط، وقيل: عاد عليه وبالُ مَكْرِه، قال الفراء. وقيل: دار، والمعنى يدور على الإِحاطة والشمول، ولا تستعمل إلا في الشر. قال الشاعر:

187 - 1- فأوطأ جُرْدُ الخيلِ عُقْرَ ديارهمْ ... وحاقَ بهم من بأسِ ضَبَّةَ حائقُ

وقال الراغب: «قيل وأصله حَقَّ، فقلب نحو: زلَّ وزال، وقد قرئ:» فأزلَّهما وأزلَهما «وعلى هذا ذمَّة وذامه» وقال الأزهري: «جعل أبو إسحاق» «حاق» بمعنى أحاط، وكأن مأخذه من الحَوْق وهو ما استدار بالكَمَرَة «قال:» وجائز أن يكون الحَوْق فعلاً من حاق يحيق، كأنه في الأصل: حُيْق، فقلبت الياء واواً لانضمام ما قبلها «وهل يحتاج إلى تقدير مضاف قبل» ما كانوا «؟ نقل الواحدي عن أكثر المفسرين ذلك أي: عقوبة ما كانوا، أو جزاء ما كانوا، ثم قال:» وهذا إذا جعلت «ما» عبارة عن القرآن والشريعة وما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن جعلْتَ «ما» عبارةً عن العذاب الذي كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوعدهم به إن لم يؤمنوا استغْنَيْتَ عن تقدير المضاف، والمعنى: فحاق بهم العذابُ الذي يستهزئون به وينكرونه.

والسُّخْرِيَّة: الاستهزاء والتهكم، يقال: سَخِر منه وبه، ولا يقال إلا استهزاءً به فلا يتعدَّى ب «مِنْ» وقال الراغب: «سَخَرْتُهُ إذا سَخَّرْتَه للهُزْء منه، يقال: رجل سُخَرَة بفتح الخاء إذا كان يَسْخَر من غيره، وسُخْرة بسكونها إذا كان يُسْخر منه، ومثله: ضُحَكة وضُحْكة، ولا ينقاس. وقوله: {فاتخذتموهم سِخْرِيّاً} [المؤمنون: 110] يحتمل أن يكون من التسخير، وأن يكون من السُّخْرية» . وقد قرئ سُخرياً وسِخرياً بضمِّ السين وكسرها. وسيأتي له مزيد بيان في موضعه إن شاء الله تعالى.

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.