Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ} : الضميرُ المرفوعُ لليهودِ المعاصرين، فحينئذ لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ أي: وإذا جاءكم ذريتُهم أو نَسْلُهم؛ لأنَّ أولئك المجعولَ منهم القردة والخنازير لم يَجيئوا، ويجوزُ ألاَّ يقدَّر مضافٌ محذوفٌ، وذلك على أن يكونَ قولُه {مَن لَّعَنَهُ الله} إلى أخره عبارةً عن المخاطبين في قوله: {يَا أَهْلَ الكتاب} وأنه مِمَّا وُضِع فيه الظاهرُ موضعَ المضمر، وكأنه قيل: أنتم، كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ فإنه لا بدَّ من تقدير مضافٍ في قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة} تقديرُه: وجَعَلَ من آبائِكم أو أسلافكم أو من جنسكم، لأن المعاصرين ليسوا مجعولاً منهم بأعيانِهم، فسواءً جَعَله مِمَّا ذَكَر أم لا، لا بد من حذف مضاف.

قوله تعالى: {وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر} هذه جملةٌ حاليةٌ / وفي العامل فيها وجهان أحدُهما: وبه بدأ أبو البقاء - أنه «قالوا» أي: قالوا كذا في حالِ دخولِهم كفرةً وخروجِهم كفرةً وفيه نظرٌ، إذ المعنى يَأباه. والثاني: أنه «آمنَّا» ، وهذا واضحٌ أي: قالوا آمنَّا في هذه الحال. و «قد» في «وقد دَخَلُوا» «وقد خَرَجُوا» لتقريب الماضي في الحال. وقال الزمخشري: «ولمعنًى آخرَ وهو أنَّ أماراتِ النفاقِ كانت لائحةً عليهم فكان الرسولُ عليه السلام متوقعاً لإِظهار الله تعالى ما كتموه، فدخَلَ حرفُ التوقعِ، وهو متعلِّقٌ بقولِه» قالوا آمنا «أي: قالوا ذلك وهذه حالُهم» يعني بقوله: «وهو متعلِّقٌ» أي: والحال، وقوةُ كلامِه تُعْطي أنَّ صاحبَ الحالِ وعاملَها الجملةُ المَحْكِيَّة بالقول. و «بالكفر» متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من فاعلِ «دَخَلوا» فيه حال من حالٍ أي: دَخلوا ملتبسين بالكفرِ أي: ومعَهم الكفرُ كقولِهم: «خرج زيدٌ بثابه» وقراءةِ مَنْ قرأ: {تَنْبُتُ بالدُّهْن} أي: وفيها الدهن، ومنه ما أنشدَ الأصمعي:

176 - 1- ومُسْتَنَّةٍ كاسْتنانِ الخَرُو ... فِ قد قَطَعَ الحَبْل بالمِرْوَدِ

أي: ومرودُه فيه، وكذلك «به» أيضاً حالٌ من فاعلِ «خرجوا» .

وقوله: {وهم} مبتدأٌ، و «قد خَرَجُوا» خبرُه، والجملةُ حالٌ أيضاً عطفٌ على الحالِ قبلَها، وإنما جاءتِ الأولى فعليةً والثانيةُ اسميةً تنبيهاً على فرطِ تهالكِهم في الكفر، وذلك أنهم كان ينبغي لهم إذا دخلوا على الرسولِ عليه السلام أَنْ يُؤمنوا، لِما يَرَوْن من حسنِ سَمْتِه وهَيْبَته وما يظهرُ على يديهِ الشريفة من الخوارقِ والمعجزات، ولذلك قال بعض الكفرة: «رأيت وجهَ مَنْ ليس بكذَّاب» فلمَّا [لم] ينجَعْ فيهم ذلك أكَّد كفرهَم الثاني بأَنْ أبْرَز الجملةَ اسميةً صدرُها اسمٌ وخبرها فعلٌ، ليكونَ الإِسنادُ فيها مرتين. وقال ابن عطية: «وقولُه» «وهم» تخليص من احتمالِ العبارةِ أن يدخُلَ قومٌ بالكفرِ ثم يؤمنوا ويخرجَ قومٌ وهم كفرة، فكان ينطبِقُ على الجميع وهم قد دَخَلوا بالكفر وقد خَرَجوا به، فأزال اللهُ الاحتمالَ بقوله: «وهم قد خَرَجوا به» أي: هم بأعيانِهم «وهذا المعنى سَبَقه إليه الواحدي فبسَطَه ابنُ عطية، قال الواحدي:» وهم قد خَرَجوا به «أكَّد الكلامَ بالضمير تعييناً إياهم بالكفرِ وتمييزاً لهم عن غيرِهم» وقال بعضُهم: «معنى» هم «التأكيدُ في إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكونَ من الرسولِ ما يوجِبُ كفرَهم مِنْ سوءِ معاملتِه لهم، بل كان يلطفُ بهم ويعاملُهم أحسنَ معاملةٍ، فالمعنى: أنهم هم الذين خَرَجوا بالكفر باختيارِ أنفسهم، لا أنك أنت الذي تسبَّبْبَ لبقائِهم في الكفر» وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وقد كانوا خَرَجُوا به» ولا معنى لهذا التأويلِ.

والواوُ في قوله تعالى: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ} تحتمل وجهين أحدهما: أن تكونَ عاطفةً لجملةِ حالٍ على مثلِها، والثاني: أن تكونَ هي نفسُها واوَ الحال، وعلى هذا يكونُ في الآية الكريمة حجةٌ لمن يُجيز تعدُّدَ الحالِ لذي حالٍ مفردٍ من غير عطف ولا بدل إلا في أفعلِ التفضيل، نحو: «جاء زيدٌ …

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

وقوله تعالى: {وترى} : يجوز أن تكونَ بصريةً فيكونَ «يُسارعون» حالاً، وأن تكونَ العِلْمية أو الظنيَّة فينتصب «يسارعون» مفعولاً ثانياً.

و «منهم» في محلِّ نصب على أنه صفةٌ ل «كثيراً» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائناً منهم أو استقرَّ منهم. وقرأ أبو حيوة: «العِدوان» بالكسر. وأَكْلِهم «هذا مصدرٌ مضافٌ لفاعله. والسحتَ مفعولُه، وقد تقدَّم ما فيه قبلَ ذلك وقوله:» لبئسما «قد تَقَدَّم ايضاً حكمُ» ما «مع بئس ونِعْم أولَ هذا الكتاب فأَغْنى عن إعادته.

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

وقوله تعالى: {لَوْلاَ} : حرفُ تحضيضٍ ومعناه التوبيخ. وقرأ الجراح وأبو واقد: «الِّربيُّون» مكان الربانيين. وقرأ ابن عباس «بئسما» بغير لام قسم. و «قولِهم» مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه، «والإِثْمَ» مفعولُه.

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

وقرأ أبو السمَّال: «ولُعنوا» بسكون العين، وحَسَّن تخفيفَها هنا كونُها كسرةً بين ضمتين، ومثلُه قولُ الآخر:

176 - 2- لو عُصْرَ منه البانُ والمسكُ انعصَرْ ... والظاهر أن الضميرَ في «كانوا» عائدٌ على الأحبار والرهبان، ويجوز أن يعودَ على المتقدمين.

وقول تعالى حكايةً عن اليهود: {يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} فيه قولان، أحدُهما: أنه خبرٌ مَحْضٌ. وزعم بعضُهم أنه على تقديرِ همزةِ استفهام تقديره: «أيدُ اللَّهِ مغلولةٌ» ؟ قالوا ذلك لَمَّا قَتَّر عليهم معيشتهم، ولا يحتاجون إلى هذا التقدير. و «بما قالوا» الباء للسببية أي: لُعنوا بسببِ قولِهم، و «ما» مصدريةٌ، ويجوزُ أن تكونَ موصولةً اسمية والعائدُ محذوف. وغَلُّ اليدِ وبسطُها هنا استعارةٌ للبخل والجود، وإن كان ليس ثَمَّ يدٌ ولا جارحة، وكلامُ العرب ملآنُ من ذلك. قالت العرب: «فلانٌ ينفق بكلتا يديه» قال:

176 - 3- يداك يدا مجدٍ، فكفٌّ مفيدةٌ ... وكفٌ إذا ما ضُنَّ بالمالِ تُنْفِقُ

وقال آخر هو ابو تمام:

176 - 4- تعوَّد بَسْطَ الكفِّ حتى لَوَ أنَّه ... دعاها لقَبْضٍ لم تُطِعْه أنامِلُهْ

وقد استعارت العربُ ذلك حيث لا يدَ البتة، ومنه قولُ لبيد:

176 - 5-. . . . . . . . . . . . . . ... إذْ أصبحَتْ بيدِ الشَمالِ زِمامُها

وقال آخر:

176 - 6- جادَ الحِمَى بَسْطُ اليدين بوابلٍ ... شَكَرتْ نداه تِلاعُه ووِهادُهْ

وقالوا: «بَسَطَ اليأسُ كفَّيه في صدري» واليأسُ معنًى لا عينٌ، وقد جعلوا له كَفَّين مجازاً. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ ثُنِّيت اليد في» بل يداه مبسوطتان «وهي في» يَدُ اللَّهِ مغلولةٌ «مفردةٌ؟ قلت: ليكونَ ردُّ قولِهم وإنكارُه أبلغَ وأدلَّ على إثباتِ غايةِ السخاء له ونَفْيِ البخل عنه، وذلك أنَّ غايةَ ما يبذله السخيُّ من ماله بنفسِه أن يعطيَه بيديه جميعاً فبنى المجازَ على ذلك» وقوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ} يحتمل الخبرَ المحضَ، ويحتمل أن يُرادَ به الدعاءُ عليهم. وفي مصحف عبد الله: «بُسُطان» يقال: «يدٌ بُسُط» على زنة «ناقة سُرُح» و «أُحُد» و «مِشْية سُجُع» ، أي: مبسوطة بالمعروف، وقرأ عبد الله: «بسيطتان» يقال: يد بسيطة أي: مُطْلَقَةٌ بالمعروف.

قوله: {يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} في هذه الجملة خمسةُ أوجه، أحدها: - وهو الظاهر - أنْ لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها مستأنفة والثاني: أنها في محلِّ رفع لأنها خبر ثان ل «يداه» والثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من الضميرِ المستكنِّ في «مبسوطتان» وعلى هذين الوجهين فلا بُدَّ من ضمير مقدَّرٍ عائدٍ على المبتدأ، أو على ذي الحال أي: ينفق بهما، وحَذْفُ مثلِ ذلك قليلٌ.

وقال أبو البقاء: «ينفق كيف يشاء» مسأنفٌ، ولا يجوزُ ان يكونَ حالاً من الهاء - يعني في «يداه» - لشيئين، أحدُهما: أنَّ الهاءَ مضاف إليها. والثاني: أنَّ الخبرَ يَفْصِل بينهما: ولا يجوزُ أن تكونَ حالاً من اليدين، إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما «قلت: قوله:» أحدُهما: أنَّ الهاء مضاف إليها «ليس ذلك بمانع؛ لأن الممنوع إنما هو مجيءُ الحال من المضافِ إليه إذا لم يكن المضاف جزءاً من المضافِ إليه أو كجزئه أو عاملاً فيه وهذا من النوع الأول فلا مانع فيه. وقوله:» والثاني: أن الخبرَ يَفْصِل بينهما «هذا أيضاً ليس بمانع، ومنه: {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} [هود: 72] إذا قلنا إن» شيخاً «حالٌ من اسم الإِشارة، والعاملُ فيه التنبيه. وقوله:» إذ ليس فيها ضمير «قد تقدَّم أن العائِدَ يُقَدَّر، أي: ينفق بهما.

الرابع: أنها حالٌ من» يداه «وفيه خلافٌ - أعني مجيءَ الحال من المبتدأ - ووجهُ المنعِ أنَّ العامل في الحالِ هو العاملُ في صاحبها، والعاملُ في صاحبها أمرٌ معنوي لا لفظيٌ وهو الابتداء، وهذا على أحدِ الأقوال في العاملِ في الابتداء. الخامس: أنها حال من الهاء في» يداه «ولا اعتبارَ بما منعه أبو البقاء لِمَا تقدَّم من تصحيحِ ذلك.

و» كيف «في مثلِ …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ} : تقدَّم الكلامُ على نظيرِ هذا التركيب.

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

قوله تعالى: {لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ} : مفعولُ الأكلِ هنا محذوفٌ اقتصاراً، أي لوُجِد منهم هذا الفعلُ، و «من فوقهم» متعلقٌ به أي: لأكلوا من الجهتين. وقال أبو البقاء: «إنَّ» من فوقهم «صفةٌ لمفعول محذوف أي: لأكلُوا رِزْقاً كائناً مِنْ فوقِهم» وقوله «منهم» خبر مقدم، و «أمةٌ» مبتدأ، و «مقتصدةٌ» صفتُها، وعلى رأي الأخفش يجوز أن تكون «أمة» فاعلاً بالجار. وقوله: {مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ} تنويعٌ في التفصيل، فأَخْبر في الجملة الأولى بالجار والمجرور، ووصفَ المبتدأ بالاقتصاد، ووصفَ المبتدأ في الجملة الثانية ب «منهم» ، وأخبر عنه بجملة قوله: {سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} وذلك لأنَّ الطائفةَ الأولى ممدوحةٌ فُوصفوا بالاقتصاد، وأخبر عنهم بأنهم من جملة أهل الكتاب فإنَّ الوصفَ ألزمُ من الخبر، فإنهم إذا أسلموا زال عنهم هذا الاسم، وأما الطائفة الثانية فإنهم وصفوا بكونهم من أهل الكتاب فإنَّ الوصفَ ألزمُ وهم كفار فهم منهم، وأخبر عنهم بالجملة الذَّمِّيَّة فإن الخبرَ ليس بلازم، وقد يُسْلِم منهم ناس فيزول عنهم الإِخبار بذلك.

و «ساءَ» هذه يجوزُ فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ تعجباً كأنه قيل: ما أسوأ عملَهم، ولم يذكر الزمخشري غيرَ هذا الوجه، ولكن النحاة لَمَّا ذكروا صيغَ التعجب لم يَعُدُّوا فيها «ساء» ، فإن أراد من جهةِ المعنى لا من [جهة] التعجب المبوبِ له في النحو فقريب. الثاني: أنها بمعنى «بِئْس» فتدلُّ على الذ‍‍‍َّمِّ كقوله تعالى: {سَآءَ مَثَلاً القوم} وعلى هذين القولين ف «ساءَ» غيرُ متصرفة، لأن التعجب والمدح والذم لا تتصرَّفُ أفعالُهما. الثالث: أن تكون «ساء» المتصرفة نحو: ساء يسوء، ومنه {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} [الإِسراء: 7] {سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} [الملك: 27] ، والمتصرفةُ متعديةٌ، قال تعالى: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} فأين مفعولُ هذه؟ قيل: هو محذوفٌ تقديره: ساء عملُهم المؤمنين، والتي بمعنى «بئس» لا بد لها من مميِّز، وهو هنا محذوفٌ تقديره: ساء عملاً الذي كانوا يعملونه. والحرب مؤنثةٌ، وهي في الأصل مصدر، وقد تقدَّم الكلامُ عليها في البقرة.

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

قوله تعالى: {ياأيها الرسول} : ناداه بأشرفِ الصفات البشرية. وقوله: {بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} وهو قد بَلَّغَ!! فأجاب الزمخشري بأن المعنى: جميعَ ما أُنْزل إليك، أي: أيَّ شيء أُنْزل غيرَ مراقِبٍ في تبليغه أحداً ولا خائفٍ أن ينالكَ مكروهٌ «وأجاب ابن عطية بقريب منه، قال:» أَمَر رسولَه بالتبليغِ على الاستيفاء والكمال، لأنه كان قد بلَّغ «، وأجابَ غيرُهما بأنَّ المعنى على الديمومة كقوله: {يا أَيُّهَا النبي اتق الله} [الأحزاب: 1] {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ} [النساء: 136] ، وإنما ذكرْتُ هذا لأنه ينفعُ في سؤالٍ سيأتي.

وقوله: {ما} يحتملُ أن تكونَ اسميةً بمعنى الذي، ولا يجوز أن تكون موصوفةً لأنه مأمورٌ بتبليغِ الجميع كما مَرَّ، والنكرةُ لا تَفِي بذلك فإن تقديرها:» بَلِّغْ شيئاً أُنزل إليك «وفي» أُنزل «ضمير مرفوعٌ يعودُ على ما قام مقامَ الفاعل، وتحتمل على بُعْدٍ أن تكون» ما «مصدريةً، وعلى هذا فلا ضميرَ في» أُنْزل «لأنَّ» ما «المصدريةَ حرفٌ على الصحيح فلا بُدَّ من شيءٍ يقومُ مقامَ الفاعلِ وهو الجارُّ بعده، وعلى هذا فيكونُ التقديرُ: بَلِّغِ الإِنزالَ، ولكنَّ الإِنزال لا يُبَلِّغُ فإنه معنى، إلا أن يُراد بالمصدر أنه واقعٌ موقعَ المفعول به، ويجوز أن يكونَ المعنى:» اعلَمْ بتبليغِ الإِنزالِ «فيكونُ مصدراً على بابه.

قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أي: وإنْ لم تفعل التبليغَ، فحذَف المفعولَ به ولم يقل:» وإن لم تبلِّغْ فما بَلَّغت «لِما تقدم في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} [الآية: 24] في البقرة، والجوابُ لا بد أن يكون مغايراً للشرط لتحصُل الفائدةُ، ومتى اتَّحدا اختلَّ الكلام، لو قلت:» إن أتى زيد فقد جاء «لم يَجُزْ، وظاهرُ قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ} اتحادُ الشرطِ والجزاء، فإن المعنى يَؤُول ظاهراً إلى: وإن لم تفعل لم تفعلْ. وأجابَ الناس عن ذلك بأجوبةٍ أسَدُّها ما قاله الأستاذ أبو القاسم الزمخشري، وقد أجابَ بجوابين، أحدُهما: أنه إذا لم يمتثل أمرَ اللهِ في تبليغِ الرسالاتِ وكَتْمِها كلِّها كأنه لم يُبْعَثْ رسولاً كان أمراً شنيعاً لاخفاءَ بشناعته، فقيل: إنْ لم تبلغ أدنى شيء وإن كلمةً واحدةً فكنت كمن ركب الأمرَ الشنيع الذي هو كتمانُ كلِّها، كما عَظَّم قَتْل النفسِ في قوله: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً} [المائدة: 32] . والثاني: أَنْ يُراد: وإنْ لم تفعلْ ذلك فلك ما يُوجِبُ كتمانَ الوحي كلِّه من العقاب فوضَع السببَ موضعَ المُسَبِّب، ويؤيده:» فأوحى الله إليَّ إنْ لم تبلِّغْ رسالاتي عَذَّبْتُك «.

وأجاب ابن عطية فقال:» أي: وإن تركت شيئاً فقد تركت الكل وصار ما بَلَّغْت غيرَ معتد به، فمعنى «وإن لم تفعل» : «وإن لم تستوفِ» نحوُ هذا قولُ الشاعر:

176 - 7- سُئِلْتَ فلم تبخَلْ، ولم تُعْطِ نائلاً ... ، فسِيَّان لا حمدٌ عليك ولا ذَمٌّ

أي: فلم تعطِ ما يُعَدُّ نائلاً، وإلا يتكاذَبِ البيتُ، يعني بالتكاذب أنه قد قال: «فلم تبخل» فيتضمن أنه أعطى شيئاً، فقوله بعد ذلك: «ولم تُعْطِ نائلاً» لو لم يقدِّر نائلاً يُعْتَدُّ به تكاذَبَ. وفيه نظر فإنه قوله «لم تبخل ولم تُعْطِ» لم يتواردا على محلِّ واحد حتى يتكاذَبا، فلا يلزمُ من عدمِ التقدير الذي قَدَّره ابن عطية كَذِبُ البيت، وبهذا الذي ذكرتُه يتبيِّنُ فسادُ قولِ مَنْ زعم أنَّ هذا البيتَ مِمَّا تنازَعَ فيه ثلاثةُ عواملَ: سُئِلت وتَبْخَلْ وتُعْطِ، وذلك لأنه قوله: «ولم تَبْخَلْ» على قولِ هذا القائلِ متسلطٌ على «طائل» فكأنه قيل: فلم تبخل بطائل، وإذا لم يبخل به فقد بذله وأعطاه فيناقضه قوله بعد ذلك. و «لم تُعْطِ نائلاً» .

وقد أفسد ابن الخطيب الرازي الجوابَ المتقدم واختار جواباً مِنْ عنده فقال: «أجاب الجمهور ب» إنْ لم تبلِّغ واحداً منها كنت كمن لم يبلِّغْ شيئاً «وهذا …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

Explained together with ayah 67

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قوله تعالى: {والصابئون} : الجمهور على قراءته بالواو وكذلك هو في مصاحف الأمصار. وفي رفعةِ تسعة أوجه، أحدها: وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعِهما - أنه مرفوع بالابتداء وخبرُه محذوفٌ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقدير: إنَّ الذين آمنوا والذين هادُوا مَنْ آمنَ بهم إلى آخره والصابئون كذلك، ونحوه: «إن زيداً وعمروٌ قائمٌ» أي: إنَّ زيداً قائم وعمرو قائم، فإذا فَعَلْنا ذلك فهل الحذفُ من الأول / أي: يكونُ خبرُ الثاني مثبتاً، والتقدير: إنَّ زيداً قائمٌ وعمروٌ قائم، فحذف «قائم» الأول أو بالعكس.؟ قولان مشهوران وقد وَرَد كلٌّ منهما: قال:

176 - 9- نحنُ بما عِنْدنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ

أي: نحن رضوان، وعكسه قوله:

177 - 0-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإني وقَيَّار بها لَغَريبُ

التقدير: وقيارٌ بها كذلك، فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أَنْ يكونَ الحذفُ من الأول أيضاً؟ فالجوابُ أنه يلزم من ذلك دخولُ اللام في خبر المبتدأ غيرِ المنسوخِ ب «إنَّ» وهو قليلٌ لا يقع إلا في ضرورة شعر، فالآية يجوز فيها هذان التقديران على التخريج. قال الزمخشري: «والصابئون: رفعٌ على الابتداء، وخبرُه محذوفٌ، والنيةُ به التأخير عمَّا في حَيِّز» إنَّ «من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمُهم كذلك والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً على ذلك:

177 - 1- وإلاَّ فاعلَمُوا أنَّا وأنتمْ ... بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

أي: فاعلموا أنَّا بُغاةٌ وأنتم كذلك» ثم قال بعد كلام: «فإنْ قلت: فقوله» والصابئون «معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو؟ قتل: هو مع خبره المحذوفِ جملةٌ معطوفة على جملة قوله: {إِنَّ الذين آمَنُواْ} إلى آخره، ولا محلَّ لها كما لا محلَّ للتي عَطَفَتْ عليها. فإن قلت: فالتقديمُ والتأخير لا يكون إلا لفائدةً فما هي؟ قلت: فائدتُه التنبيه على أن الصابئين يُتاب عليهم إنْ صَحَّ منهم الإِيمان والعملُ الصالحُ فما الظنُّ بغيرهم؟ وذلك أنَّ الصابئين أبينُ هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدُّهم عتياً، وما سُمُّوا صابئين إلا أنهم صَبَؤوا على الأديان كلها أي: خَرَجوا، كما أن الشاعر قدَّم قولَه:» وأنتم «تنبيهاً على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغي من قومِه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو» بُغاةٌ «؛ لئلا يدخُلَ قومُه في البغي قبلهم مع كونِهم أوغَل فيه منهم وأثبت قدماً. فإن قلت: فلو قيل:» والصابئين وإياكم «لكانَ التقديمُ حاصلاً. قلت: لو قيل هكذا لم يَكُنْ من التقديم في شيء لأنه لا إزالةَ فيه عن موضعه، وإنما يُقال مقدمٌ ومؤخرٌ للمُزال لا للقارِّ في مكانه، وتجري هذه الجملة مَجْرى الاعتراض» .

الوجه الثاني: أن «إنَّ» بمعنى نعم فهي حرفُ جوابٍ، ولا محلَّ لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وما بعده معطوفٌ عليه بالرفع، وخبرُ الجميع قوله: {مَنْ آمَنَ} إلى آخره، وكونُها بمعنى «نعم» قولٌ مرجوح، قال به بعضُ النحويين، وجَعَل من ذلك قول تعالى: {إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] في قراءةِ مَنْ قرأه بالألف، وفي الآية كلامٌ طويل يأتي إنْ شاء الله تعالى في موضعِه، وجعل منه أيضاً قولَ عبد الله بن الزبير: «إنَّ وصاحبُها» جواباً لمن قال له: «لَعَن الله ناقة حملتني إليك» أي: نعم وصاحبُها، وجَعَلَ منه قولَ الآخر:

177 - 2- بَرَزَ الغواني في الشبا ... بِ يَلُمْنَني وألومُهُنَّهْ

ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا ... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ أي: نعم والهاءُ للسكت، وأُجيب بأنَّ الاسمَ والخبرَ محذوفان في قولِ ابن الزبير، وبقي المعطوفُ على الاسمِ دليلاً عليه، والتقدير: إنها وصاحبها معلونان، وتقدير البيت: إنه كذلك، وعلى تقديرِ أن تكونَ بمعنى «نعم» فلا يَصِحُّ هنا جَعْلُها بمعناها؛ لأنها لم يتقدَّمْها شيء تكون جواباً له، …

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

قوله تعالى: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ} : قد تقدَّم الكلام على «كلما» مشبعاً فَأَغْنى عن إعادتِه. وقال الزمخشري: «كلما جاءهم رسول» جملةٌ شرطيةٌ وقعت صفةً ل «رسلاً» والراجعُ محذوفٌ أي: رسول منهم «، ثم قال:» فإنْ قلت: أين جوابُ الشرط، فإنَّ قولَه: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} ناب عن الجواب، لأنَّ الرسولَ الواحدَ لا يكون فريقين، ولأنه لا يحسُن أن تقولَ: «إن أكرمت أخي أخاك أكرمت» ؟ قلت: هو محذوفٌ يَدُلُّ عليه قوله: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} كأنه قيل: كلما جاءَهم رسولٌ ناصَبُوه، وقوله: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ} جواب مستأنف لقائلٍ يقول: كيف فَعَلُوا برسلهم؟ «قال الشيخ:» وليس «كلما» شرطاً، بل «كلَّ» منصوبٌ على الظرف و «ما» مصدرية ظرفية، ولم يجزم العرب ب «كلما» أصلاً، ومع تسليم أن «كلما» شرط فلا يمتنع لِما ذكر، أما الأول فلأنَّ المرادَ ب «رسول» الجنسُ لا واحدٌ بعينه، فيصح انقسامُه إلى فريقين نحو: «لا أصحبك ما طَلَعَ نجمٌ» أي: جنس النجوم، وأما الثاني فيعني أنه لا يجوزُ تقديمُ معمولِ جوابِ الشرط عليه، وهذا الذي منعه إنما منعه الفراءُ وحدَه، وأما غيرُه فأجاز ذلك، وهذا مع تسليم أنَّ «كلما» شرط، وأمَّا إذا مشينا على أنَّها ظرفيةٌ فلا حاجة إلى الاعتذارِ عن ذلك، ولا يمتنعُ تقديمُ معمولِ الفعلِ العاملِ في «كلما» تقول: «كلما جئتني أخاك أكرمتُ» قلت: هذا واضحٌ من أنها ليست شرطاً، وهذه العبارةُ تكثُر في عبارة الفقهاء دونَ النحاة. وفي عبارة أبي البقاء ما يُشْعر بما قاله الزمخشري فإنه قال: «وكَذَّبوا» جواب «كلما» «وفريقاً» مفعول ب «كَذَّبوا» و «فريقاً» منصوب ب «يقتلون» وإنما قدَّمَ مفعولَ «يقتلون» لتواخي رؤوسِ الآي، وقَدَّم مفعولَ «كَذَّبوا» مناسبة لما بعده.

قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً؟ قلت: جِيء ب» يقتلون «على حكايةِ الحالِ الماضية استفظاعاً للقتلِ، واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للعجبِ منها» انتهى. وقد يقال: فلِمَ لا حُكِيت حالُ التكذيب أيضاً فيُجاء بالفعل مضارعاً لذلك؟ ويُجاب بأنَّ الاستفظاعَ في القتلِ وشناعتِه أكثرُ / من فظاعةِ التكذيب، وأيضاً فإنه لمَّا جِيء به مضارعاً ناسَبَ رؤوس الآي.

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.