Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

وقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ} : يجوزُ أَنْ يتعلَّق ب «نعمة» وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها. و «إذ هم» ظرفٌ، ناصبُه النعمة أيضاً أي: اذكروا نعمته عليكم في وقتِ هَمِّهم، ويجوز أن يتعلقَ هذا الظرفُ بما تعلّق به «عليكم» إذا جعلتَه حالاً من «نعمة» ، ولا يجوزُ أَنْ يكون منصوباً ب «اذكروا» لتنافي زمنيهما، فإنَّ «إذ» للمضي، و «اذكروا» مستقبل. و «أن يَبْسُطوا» على إسقاط الباء أي: هَمُّوا بأن يبسطوا، ففي موضع «أَنْ» الخلافُ المشهور.

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

قوله تعالى: {مِنهُمُ اثني عَشَرَ نَقِيباً} : «منهم» يجوز أن يتعلق ب «بَعَثْنا» وأَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حال مِنْ «اثني عشر» لأنه في الأصلِ صفةُ له، فلما قُدُّمِ نُصِب حالاً. وقد تقدَّم الكلامُ في تركيب «اثني عشر» وبنائه وحَذْفِ نونِه في البقرة فَأَغْنى عن إعادته. و «ميثاق» يجوزُ أَنْ يكونَ مضافاً إلى المفعول - وهو الظاهر - أي: إن الله تعالى واثَقَهم، وأَنْ يكونَ مضافاً لفاعله: أي: إنهم واثقوه تعالى. والمفاعلة يجوز نسبةُ الفعلِ فيها إلى كلِّ من المذكورَيْنِ. والنقيب: فعيل، قيل: بمعنى فاعِل مشتقاً من النَّقْب وهو التفتيس، ومنه: {فَنَقَّبُواْ فِي البلاد} [ق: 36] وسُمِّي بذلك لأنه يفتشُ عن أحوالِ القوم وأسرارهم. وقيل: هو بمعنى مفعول، كأن القوم اختاره على علمٍ منهم تفتيشٍ على أحواله. وقيل: هو للمبالغةِ كعليم وخبير.

قوله: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ} هذه اللامُ هي الموطئة للقسم، والقسم معها محذوفٌ، وقد تقدَّم أنه إذا اجتمع شرطٌ وقسمٌ أجيب سابقهما، إلا أن يتقدَّم ذو خبرٍ فيُجاب الشرطُ مطلقاً. وقوله: {لأُكَفِّرَنَّ} هذه اللام هي جوابُ القسم لسبقه، وجوابُ الشرط محذوفٌ / لدلالة جواب القسم عليه، وهذا معنى قول الزمخشري أنَّ قوله «لأكفرنَّ» سادٌّ مسد جوابي القسم والشرط، لا كما فهمه بعضُهم، وردَّ عليه ذلك. ويجوز أن يكون «لأكفرن» جواباً لقوله تعالى قبل ذلك: {وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ} لِما تَضَمَّنه الميثاقُ من معنى القسم، وعلى هذا فتكون الجملتان - أعني قوله: «وبعثنا» «وقال الله» - فيهما وجهان، أحدهما: أنهما في محلِّ نصبٍ على الحال، والثاني: أن تكونا جملتي اعتراض، والظاهرُ أنَّ قوله: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ} جوابُه: «لأكفرنَّ» كم تقدم، وجملةُ هذا القسمِ المشروطِ وجوابُه مفسرةٌ لذلك الميثاق المتقدم.

والتعزير: التعظيم، قال:

171 - 0- وكم من ماجدٍ لهُمُ كريمٍ ... ومِنْ لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ

وقيل: هو الثناء بخير، قال يونس، وهو قريب من الأول. وقيل: هو الردُّ عن الظلم قاله الفراء. وقال الزجاج: «هو الردع والمنع» فعلى القولين الأولين يكون المعنى: «وعَظَّمْتُموهم وأثنيتم عليهم خيراً» وعلى الثالث والرابع يكون المعنى: «وردَدْتم وردَعْتم سفهاءَهم عنهم. قال الزجاج:» عزرت فلاناً «: فَعَلْتُ به ما يردعه عن القبيح، مثل نَكَّلت، فعلى هذا يكون» عَزَّرْتُموهم «رَدّدْتم عنهم اعداءهم» وقرأ الحسن البصري: «برسْلي» بسكون العين حيث وقع. وقرأ الجحدري: «وعَزَرْتموهم» خيفيفةَ الزاي وهي لغة. وقرأ في الفتح: «وتَعْزُوروه» بفتح حرف المضارعة وسكون العين وضم الزاي، وهي موافقة لقراءته هنا.

وقوله: {وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً} تقدَّم الكلام في «قَرْضا» وفي نصبه في البقرة.

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم} تقدم الكلام على نظيره، وكذلك {سَوَآءَ السبيل} [النساء: 155] . وقرأ الجمهور: «قاسيةً» اسم فاعل من قسا يقسو، وقرأ الأَخَوان: - وهي قراءة عبد الله - «قَسِيَّةً» بفتح القاف وكسر السينِ وتشديدِ الياء. واختلفَ الناسُ في هذه القراءةِ: فقال الفارسي: «ليست في ألفاظِ العربِ في الأصل، وإنما هي كلمةٌ أعجميه معرَّبة» يعني أنها مأخوذةٌ من قولِهم: «دِرْهم قِسِيّ» أي: مَغْشُوش، شَبَّه قلوبَهم في كونِها غيرَ صافيةٍ من الكَدَر بالدارهم المغشوشةِ غير الخالصةِ، وأنشدوا قولَ أبي زبيد:

171 - 1- لها صَواهِلُ في صُمِّ السِّلام كما ... صاحَ القَسِيَّات في أَيْدي الصياريفِ

وقوله الآخر:

171 - 2- وما زَوَّدوني غيرَ سَحْقِ عِمامةٍ ... وخمسَ مِئٍ منها قِسِيُّ زائفُ

وقال صحاب الكشاف: «وقرأ عبد الله:» قَسِيَّة «أي: رديئة مغشوشة مِنْ قولِهم:» درهم قَسِيّ «وهو من القسوة؛ لأنَّ الذهبَ والفضة الخالصين فهيما لينٌ، والمغشوشُ فيه صلابةٌ ويُبس، والقسي والقاسح - بالحاءِ المهملة - أَخَوانِ في الدلالة على اليُبْس» وهذا القول سبقه إليه المبردُ فإنه قال: «يُسَمَّى الدرهمُ المغشوشُ قَسِيّاً لصلابته وشدتِه للغشِّ الذي فيه» ، وهو يَرْجِعُ للمعنى الأول، والقاسي والقاسح، بمعنى واحد، وعلى هذين القولين تكوت اللفظةُ عربية، وقيل: بل هذه القراءة توافِقُ قراءةُ الجماعة في المعنى والاشتقاق، لأنه فعيل للمبالغة كشاهد وشهيد فكذلك قاسٍ وقسِيّ، وإنما أُنِّث على معنى الجماعةِ. وقرأ الهَيْصم بن شداخ: «قُسِيَّة» بضم القاف وتشديد الياء. وقرئ «قِسَّية» بكسر القاف إتباعاً، وأصل القراءتين: قاسِوَة وقَسِيوة لأنَّ الاشتقاق من القسوة.

قوله: {يُحَرِّفُونَ} في هذه الجملة أربعة أوجه، أنها مستأنفة بيانٌ لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوةَ أعظمُ من الافتراء على الله تعالى. والثاني: أنها حال من مفعول «لعنَّاهم» أي: لعنَّاهم حالَ اتصافهم بالتحريف. والثالث: - قال أبو البقاء - أنه حال من الضمير المستتر في «قاسية» ، وقال: «ولا يجوزُ أن يكون حالاً من القلوب، لأن الضمير في» يُحَرِّفون «لا يرجع إلى القلوب» وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنه من حيث جَوَّز أن يكونَ حالاً من الضمير في «قاسية» يلزَمُه أن يُجَوِّز أن يكون حالاً من «القلوب» لأنَّ الضميرَ المسترر في «قاسية» يعودُ على القلوب، فكما يمتنع أن يكونَ حالاً مِنْ ظاهره، يمتنع أن يكونَ حالاً من ضميرِه، وكأن المانع الذي توهَّمه كونُ الضمير - وهو الواو في «يُحَرِّفون - إنما يعود على اليهود بجملتِهم لا على قلوبهم خاصةً، فإنَّ القلوبَ لا تُحَرِّف، إنما يحرِّف أصحاب القلوب، وهذا لازمٌ له في تجويزه الحاليةَ من الضمير في» قاسية «.

ولقائل أن يقولَ: المرادُ بالقلوبِ نفسُ الأشخاص، وإنما عَبَّر عنهم بالقلوب لأن هذه الأعضاءَ هي محلُّ التحريف أي: إنه صادرٌ عنها بتفكُّرها فيه، فيجوزُ على هذا أن يكونَ حالاً من القلوب. والرابع: أن تكون حالاً من «هم» قال أبو البقاء: «وهو ضعيفٌ» يعني لأنَّ الحالَ من المضاف إليه لا تجوزُ، وغيرُه يجوِّزُ ذلك في مثلِ هذا الموضعِ؛ لأنَّ المضاف بعضُ المضاف إليه. / وقرأ الجمهورُ بفتح الكافِ وكسرِ اللامِ وهو جمعُ «كلمة» وقرأ أبو رجاء: «الكِلْمِ» بكسر الكافِ وسكونِ اللام، وهو تخفيفُ قراءة الجماعة، وأصلُها أنه كَسَرَ الكافَ إتباعاً ثم سكَّن العينَ تخفيفاً، وقرأ السُلمي والنخغي: «الكلام» بالألف. «وعن مواضِعه» قد ذُكِر مثلُه في النساء.

قوله: {على خَآئِنَةٍ} في «خائنة» ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها اسمُ فاعل والهاء للمبالغة كراوية ونسَّابة أي: على شخص خائن، قال الشاعر:

171 - 3- حَدَّثْتَ نفسَك بالوفاءِ ولم تَكُنْ ... للغدرِ خائنةً مُغِلَّ الإصبَعِ

الثاني: أن التاء للتأنيث، وأُنِّث على معنى طائفة أو نفس أو فَعْلَة خائنة. الثالث: أنها مصدرٌ كالعافية …

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

قوله تعالى: {وَمِنَ الذين قَالُواْ} : فيه خمسةُ أوجه، أحدهما: - وهو الظاهر- أنَّ «مِنْ» متعلقة بقوله «أخذنا» والتقدير الصحيح فيه أن يقال: تقديرُه: «وأَخَذْنا من الذين قالوا: إنَّا نصارى ميثاقهم» فتوقع «الذين بعد» أَخَذْنا «وتؤخِّر عنه» ميثاقهم «ولا يجوز أن تقدِّر» وأَخَذْنا ميثاقَهم من الذين «فتقدم» ميثاقَهم «على» الذين قالوا «وإنْ كان ذلك جائزاً من حيثُ كونُهما مفعولين، كلُّ منهما جائزُ التقديم والتأخيرِ، لأنه يلزم عودُ الضميرِ على متأخر لفظاً ورتبة، وهو لا يجوز إلا في مواضعَ محصورةٍ، نصَّ على ذلك جماعةٌ منهم مكي وأبو البقاء الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ قامَتْ صفتُه مَقامه، والتقدير:» ومن الذين قالوا إنّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم «فالضمير في» ميثاقهم «يعود على ذلك المحذوف. والثالث: أنه خبر مقدم أيضاً، ولكن قَدَّروا المبتدأ موصولاً حُذِف وبقيت صلتُه، والتقدير:» ومن الذين قالوا: إنَّا نصارى مَنْ أخذنا ميثاقهم «فالضمير في» ميثاقهم «عائد على» مَنْ «والكوفيون يجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك. ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا، وقَدَّره عندهم:» ومن الذين قالوا: إنَّ نصارى مَنْ أخذنا «وهذا التقدير لايؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط، بل يجوز أن تكونَ» مَنْ «المقدرةُ نكرةً موصوفةً حُذِفت وبقيت صفتُها، فيكون كالمذهب الأول. الرابع: أن تتعلِّق» مِنْ «ب» أخذنا «كالوجه الأول، إلا أنه لا يلزَمُ فيه ذلك التقديرُ، وهو أن توقع» من الذين «بعد» أخذنا «وقبل» ميثاقهم «، بل يجوز أن يكون التقدير على العكسِ، بمعنى أنَّ الضميرَ في» ميثاقهم «يعودُ على بني إسرائيل، ويكون المصدرُ من قوله» ميثاقهم «مصدراً تشبيهياً، والتقدير: وأخذنا من النصارى ميثاقاً مثلَ ميثاق بني إسرائِيل كقولك:» أخَذْتُ من زيد ميثاق عمرو «أي: ميثاقاً مثل ميثاق عمرو، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري فإنه قال:» أَخَذْنا من النصارى ميثاقَ مَنْ ذُكِر قبلَهم من قوم موسى أي: مثل ميثاقِهم بالإِيمان بالله والرسل. الخامس: أنَّ «من الذين» معطوف على «منهم» من قوله تعالى: «ولا تزال تَطَّلِعُ على خائنةٍ منهم أي: من اليهود، والمعنى: ولا تزال تَطَّلع على خائنةٍ من اليهود ومن الذين قالوا إنَّا نصارى، ويكون قوله: {اأَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} على هذا مستأنفاً. وهذا ينبغي ألاَّ يجوز لوجهين، أحدهما: الفصلُ غيرُ المغتفر. والثاني: أنه تهيئةٌ للعامل في شيء وقطعه عنه، وهو لا يجوز.

قوله: {بَيْنَهُمُ} فيه وجهان، أحدهما: أنه ظرفٌ ل «أغرينا» . والثاني: أنه حالٌ من «العداوة» فيتعلق بمحذوف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً للعداوة، لأنَّ المصدر لا يتقدم معموله عليه. «وإلى يوم القيامة» أجاز فيه أبو البقاء أن يتعلَّق بأغرينا، أو بالعداوة، أو بالبغضاء، أي: أغرينا إلى يوم القيامة بينهم العداوة والبغضاء، أو أنهم يتعادَون إلى يوم القيامة، أو يتباغضون إلى يوم القيامة. وعلى مأ أجازه أبو البقاء تكونُ المسألةُ من باب الإعمال، ويكون قد وُجد التنازع بين ثلاثة عوامل، ويكون من إعمال الثالث للحذف من الأول والثاني، وتقدم تحرير ذلك. و «أغرينا» مِنْ أغراه بكذا أي: ألزمه إياه، وأصلُه من الغِراء الذي يُلْصَقُ به ولامه واو، فالأصل: أَغْرَوْنا، وإنما قُلِبت الواو ياء لوقوعها رابعة كأغوينا، ومنه قولُهم: «سَهْمٌ مَغْرُوُّ» أي معمول بالغِراء، يقال «غَرِيَ بكذا يَغْرى غَرَاء وغِراء، فإذا أريد / تعديتُه عُدِّي بالهمزة، فقيل:» أغريته بكذا «. والضميرُ في» بينهم «يحتمل أن يعود على» الذين قالوا إنَّا نصارى «وأن يعودَ على اليهود المتقدمين الذكر، وبكلٍ قال جماعةٌ، وهذا الكلامُ معطوف على الكلام قبله من قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ} أي: ولقد أخذ اللهُ ميثاقَ بين إسرائيل، وأخذنا مِنَ الذين قالوا.

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

قوله تعالى: {يُبَيِّنُ} في محلِّ نصبٍ على الحال من «رسولنا» أي: جاءكم رسولنا في هذه الحالة. و «ممَّا» يتعلق بمحذوف لأنه صفة ل «كثيراً» و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، و «تُخْفون» صلتُها والعائد محذوف أي: من الذين كنتم تخفونه. «ومن الكتاب» متعلق بمحذوف على أنه حالٌ من العائد المحذوف. وقوله: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ} لا محلِّ له لاستئنافِه، والضميرُ في «يبيِّن» و «يَعْفُو» يعود على الرسول، وقد جَوِّز قوم أَنْ يعودَ على الله تعالى، وعلى هذا فلا محلِّ لقوله: «يبيِّن» من الإِعراب. ويمتنع أن يكونَ حالاً من «رسولنا» لعدمِ الرابط، وصفة «كثير» محذوفةٌ للعلم بها تقديرُه: عن كثير من ذنوبكم، وحَذْفُ الصفة قليل. وقوله: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله} لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها، و «من الله» يجوز أَنْ يتعلَّق ب «جاء» وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حال من «نور» قُدِّمَتْ صفةُ النكرة عليها فنُصِبَتْ حالا.

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

قوله تعالى: {يَهْدِي} : فيه خمسة أوجه، أظهرها: انه في محل رفع لأنه صفة ثانية ل «كتاب» وَصَفه بالمفرد ثم بالجملة وهو الأصل. الثاني: أن يكون صفة أيضاً لكن ل «نور» ذَكَره أبو البقاء، وفيه نظر، إذ القاعدة انه إذا اجتمعت التوابعُ قُدِّم النعتُ على عطف النسق تقول: «جاء زيدٌ العاقلُ وعمرو» ولا تقول: «جاء زيدٌ وعمرو العاقل» ولأن فيه إلباساً أيضاً. الثالث: أن يكونَ حالاً من «كتاب» لأنَّ النكرة لَمَّا تخصصت بالوصفِ قَرُبَتْ من المعرفة، وقياسُ قول أبي البقاء أنه يجوز أن يكونَ حالاً من «نور» كما جاز أن يكون صفة له. الرابع: أنه حال من «رسولنا» بدلاً من الجملة الواقعة حالاً له وهي قوله «يبين» الخامس: أنه حالٌ من الضمير في «يبيِّن» ذكرهما أبو البقاء ولا يَخْفى ما فيها من الفصل، ولأنَّ فيه ما يُشْبه تهيئة العامل للعمل وقطعَه عنه.

والضميرُ في «به» يعودُ على مَنْ جَعَلَ «يَهْدي» حالاً منه أو صفة له، قال أبو البقاء: «فلذلك أُفْرِد، أي: إنَّ الضمير في» به «أتى به مفرداً، وقد تقدَّمه شيئان، وهما نورٌ وكتابٌ، ولكنْ لَمَّا قَصَد بالجملة من قوله» يهدي «الحالَ أو الوصفَ من أحدهما أفردَ الضمير، وقيل: الضمير في» به «يعودُ على الرسول. وقيل: يعودُ على السلام، وعلى هذين القولين لا تكونُ الجملة من قوله» يهدي «حالاً ولا صفةً لعدم الرابط. و» مَنْ «موصولةٌ أو نكرة موصوفة، وراعى لفظَها في قوله» اتَّبع «فلذلك أفرد الضمير، ومعناها، فلذلك جَمَعَه في قوله: {وَيُخْرِجُهُمْ} .

وقرأ عبيد بن عمير ومسلم بن جندب والزهري:» بهُ «بضمِّ الهاء حيث وقع، وقد تقدم أنه الأصل. وقرأ الحسن:» سُبْل «بسكون الباء، وهو تخفيف قياسي به كقولهم في» عُنُق «:» عُنْق «، وهذا أولى لكونه جمعاً، وهو مفعول ثاني ل» يهدي «على إسقاط حرف الجر أي: إلى سبل، وتقدم تحقيق نظيره، ويجوز أن ينتصب على أنه بدلٌ من» رضوانه «: إمَّا بدلُ كل مِنْ كل؛ لأن» سبل السلام «هي رضوان الباري تعالى، وإمَّا بدل اشتمال لأن الرضوان مشتمل على سبل السلام، أو لأنها مشتملة على رضوان الله تعالى، وإما بدل بعض من كل، لأنَّ سبل السلام بعض الرضوان. و» بإذنه «متعلق ب» يخرجهم «أي بتيسيره أو بأمره، والباء للحال أي: مصاحبين لتيسيره، أو للسببية، أي: بسببِ امره المنزل على رسوله.

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

قوله تعالى: {فَمَن يَمْلِكُ} : الفاءُ عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملة مقدرة قبلها، والتقديرُ: قل كذبوا - أوليس الأمر كذلك - فمن يملك؟ وقوله: «من الله» في احتمالان، أظهرهما: أنه متعلق بالفعل قبله. والثاني: ذَكَره أبو البقاء أنه حال من «شيئاً» يعني من حيث إنه كان صفةً في الأصل للنكرة فقُدِّم عليها فانتصب حالاً، وفيه بٌعْدٌ أو منعٌ. وقوله: {فَمَنْ} استفهامُ توبيخ وتقرير، وهو دالٌ على جواب الشرط بعده عند الجمهورِ. وقوله: {وَمَن فِي الأرض} من باب عطف العام على الخاص حتى يبالِغَ في نفي الإِلهية عنهما، فكأنه نصَّ عليهما مرتين مرة بذكرهما مفردين، ومرةً باندراجِهما في العموم و «جميعاً» حالٌ من المسيح وأمه ومَنْ في الأرض، أو من «مَنْ» وحدها لعمومها، ويجوز أن تكونَ منصوبةً على التوكيد مثل «كل» ، وذكرها بعض النحويين من ألفاظ التوكيد. وقوله: {يَخْلُق} جملةٌ لا محلَّ لها لاستئنافها.

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

قوله تعالى: {فَلِمَ} : هذه الفاءُ جوابُ شرط مقدر وهو ظاهرُ كلام الزمخشري فإنه قال: «فإن صَحَّ أنكم أبناء الله وأحباؤه فلِمَ تُذْنبون وتُعَذَّبون؟» ويجوز أن تكون كالفاء قبلها في كونها عاطفة على جملة مقدرة أي: كَذَبْتُمْ فلِمَ يعذبكم؟ والباء في «بذنوبكم» سببية. و «مِمَّن خلق» صفةٌ ل «بشر» فهو في محل رفع متعلق بمحذوف.

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

قوله تعالى: {يُبَيِّنُ لَكُمْ} : تقدَّم نظيره. وقوله: «على فترة» فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلقٌ ب «جاءكم» أي: جاءكم / على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، ذكره الزمخشري والثاني: أنه حال من فاعل «يبين» أي: يبين في حال كونه على فترة. والثالث: أنه حال من الضمير المجرور في «لكم» فيتعلَّق على هذين الوجهين بمحذوفٍ. و «من الرسل» صفةٌ ل «فترة» على أن معنى «من» ابتداءُ الغاية أي: فترةٍ صادرة من إرسال الرسل. قوله: {أَن تَقُولُواْ} مفعول من أجله، فقدَّره الزمخشري: «كراهة أن تقولوا» وأبو البقاء: مخافةَ أن تقولوا، والأول أَوْلى. وقوله: «يبيِّن» يجوز ألاَّ يُرادَ له مفعول البتة، والمعنى: يبذل لكم البيانَ، ويجوز أن يكون محذوفاً: إمَّا لدلالة اللفظ عليه وهو ما تقدَّم من قوله: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً} [المائدة: 15] وإمَّا لدلالة الحال أي: يبيِّن لكم ما كنتم تختلفون فيه. «ومن بشير» فاعل، زِيْدَتْ فيه «مِنْ» لوجود الشرطين و «لا نذير» عطف على لفظه، ولو قرئ برفعه مراعاةً لموضعه جاز. وقوله: {فَقَدْ جَاءَكُمْ} عطف على جملة مقدرة أي: لا تعتذروا فقد جاءكم. وما بعد هذا من الجمل واضحُ الإِعرابُ لِما تقدم من نظائره.

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

Explained together with ayah 19

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.