Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

قوله تعالى: {فِي الخمر} : فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه متعلق ب «يوقع» اي: يُوقع بينكم هذين الشيئين في الخَمْر أي: بسبب شربها، و «في» تفيد السببية كقوله عليه السلام «إنَّ امرأةً دخلت النار في هِرَّةٍ» الثاني: أنها متعلقة بالبغضاء لأنه مصدر معرف بأل /. الثالث: أنه متعلقٌ ب «العَداوة» وقال أبو البقاء: «ويجوز أن تتعلَّق» في «بالعداوة أو ب» البغضاء «أي: أَنْ تتعادَوْا وأَنْ تتباغضوا بسبب شربِ الخمر» وعلى هذا الذي ذكره تكونُ المسألةُ من باب التازع وهو الوجهُ الرابع، إلاَّ أنَّ في ذلك إشكالاً وهو أَنَّ من حق المتنازعين أن يصلُحَ كلٌّ منهما للعمل، وهذا العاملُ الأولُ وهو العداوة لو سُلِّط على المتنازع فيه لزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو المعطوف، وقد يقال: إنه في بعضِ صورِ التنازع يُلْتَزَمُ إعمالُ الثاني، وذلك في فِعْلَي التعجب إذا تنازعا معمولاً فيه، وقد تقدَّ هذا مشبعاً في البقرة.

قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} هذا الاستفهامُ فيه معنى الأمر أي: انتهوا، ولذلك لَمَّا فهم عمر بن الخطاب الأمرية، قال: «انتهَيْنا يا رب انتهينا يا رب» ويدلُّ على ذلك أيضاً عطفُ الأمرِ الصريح عليه في قوله «وأطيعوا» كأنه قيل: انتهو عن شرب الخمر وعن كذا وأطيعوا، فمجيءُ هذه الجملةِ الاستفهاميةِ المصدَّرِة باسمٍ مُخْبَرٍ عنه باسمِ فاعل دالٍّ على ثبوتِ النهي واستقراره أبلغُ من صريحِ الأمر. قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جُمع الخمرُ والميسرُ مع الأنصابِ والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً؟ قلت: لأنَّ الخطابَ مع المؤمنين، وإنما نهاهم عَمَّا كانوا يتعاطَوْنه من شرب الخمرِ واللعبِ بالميسرِ وذِكْرِ الأنصابِ والأزلام لتأكيدِ تحريمِ الخمر والميسر وإظهارِ أنَّ ذلك جميعاً من أعمال أهل الجاهلية وأهل الشرك» انتهى. ويظهرُ شيءٌ آخرُ وهو أنه لم يُفْرِدِ الخمرَ والميسرَ بالذكر آخراً، بل ذَكَر معهما شيئاً يلزُم منه عدمُ الأنصاب والأزلام فكأنه ذكر الجميع آخراً، بيانه أنه قال: «في الخمر والميسر ويَصُدُّكم عن ذكر الله» بعبادة الأنصاب أو بالذبح عليها للأصنام على حَسَبِ ما تقدم تفسيره أول السورة، و «عن الصلاة» باشتغالِكم بالأزلام، وقد تقدَّم تفسيرها أيضاً، فَذِكْرُ الله والصلاة مُنَبِّهان على الأنصاب والأزلام، وهذا وجه حسن.

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

Explained together with ayah 91

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

قوله تعالى: {إِذَا مَا اتقوا} : ظرفٌ منصوبٌ بما يُفْهَم من الجملة السابقة وهي: «ليس» وما في حَيِّزها، والتقدير: لا يَأْثمون ولا يُؤاخَذُون وقت اتِّقائهم، ويجوزُ أن يكونَ ظرفاً محضاً، وأن يكونَ فيه معنى الشرط، وجوابه محذوف أو متقدِّمٌ على ما مَرَّ.

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

قوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ} : جوابُ قسم محذوف أي: واللَّهِ ليبلونكم، وقد تقدَّم أنه تَجِبُ اللامُ وإحدى النونين في مثلِ هذا الجواب. قوله: {بِشَيْءٍ} متعلِّقٌ ب «ليبلونَّكم» أي: ليختبرنَّكم بشيءٍ. وقوله: {مِّنَ الصيد} : في محلِّ جرٍّ صفةً ل «شيء» فيتعلَّقُ بمحذوف، و «من» الظاهرُ أنها تبعيضيةٌ لأنه لم يُحَرِّم صيدَ الحلال ولا صيد الحِلّ ولا صيد البحر. وقل: إنها لبيان الجنس. وقال مكي: «وقيل» من «لبيان الجنس، فلما قال» بشيء «لم يُعْلَم من أيِّ جنسٍ هو فبيَّن فقال:» من الصيدِ «كما تقولُ: و» لأَعطينَّك شيئاً من الذهبِ «وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء ثم قال:» وقيل: إنها للتبعيضِ «. وكونُها للبيان فيه نظرٌ، لأنَّ الصحيحَ أنها لا تكونُ للبيان، والقائلُ بأنها للبيانِ يُشْترط أن يكونَ المُبَيَّنُ بها معرفاً بأل الجنسية كقولِه: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] ، وبه قال ابنُ عطية أيضاً، والزجاج هو الأصل في ذلك فإنه قال:» وهذا كما تقولُ: «لامتحِنَتَّك بشيءٍ من الرِّزْقِ» وكما قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] .

قوله: {تَنَالُهُ} في محلِّ جر لأنه صفةٌ ثانيةٌ ل «شيء» ، وأجاز أبوالبقاء أن يكونَ حالاً: إمَّا من الصيد، وإمَّا من «شيء» وإن كان نكرة لأنه قد وُصِفَ فتخصَّص، واستبعدَ الشيخُ جَعْلَه حالاً من الصيد، ووجهُ الاستبعادِ أنه ليس المقصودَ بالحديث عنه. وقرأ الجمهور: {تناله} بالمنقوطةِ فوقُ لتأنيثِ الجمعِ، وابن وثاب والنخعي / بالمنقوطةِ من تحتُ لأنَّ تأنيثَه غيرُ حقيقي. وقوله: {ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ} [المائدة: 93] للناس فيه قولان، أحدُهما: أنَّ هذا من بابِ التوكيد، ولا يَضُرُّ حرفُ العطف في ذلك، وهذا كقولِه تعالى: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 34] ، حتى إنَّ الشيخَ جمالَ الدين بن مالك يَجْعَلُ هذا من التوكيدِ اللفظي المبوبِ له في النحو: والثاني: أنه ليس للتأكيد بل للتأسيس، إلا أنَّه جَعَل التغايرَ حاصلاً بتقديرِ المتعلقاتِ، فمنها أنَّ التقدير: اتَّقَوا الشرك وآمَنوا إيماناً كاملاً ثم اقتوا وآمَنوا أي: ثم ثَبَتُوا على التقوى والإِيمان المتقدمين، واستمروا على هذه الحال ثم اتقوا ثم تناهَوْا في التقوى وتوغلوا فيها، وأحسنوا للناسِ وواسَوْهم بأموالِهم، وإليه نحا أبو القاسم الزمخشري بعبارةٍ قريبةٍ من هذا المعنى.

قوله تعالى: {لِيَعْلَمَ الله} اللامُ متعلقةٌ ب «لَيبلونَّكم» والمعنى: ليتميَّزَ أو ليظهرَ لكم، وقد مضى تحقيقُه في البقرة، وأنَّ هذه تسمَّى لام كي، وقرأ بعضُهم: «لِيُعْلِم» بضم الياء وكسر اللام من أعلم، والمفعول الأول على هذه القراءة محذوفٌ أي: لِيُعْلِم اللَّهُ عبادَه، والمفعول الثاني هو قوله: {مَن يَخَافُهُ} ف «أَعْلَمَ» منقولةٌ بهمزة التعدية من «علم» المتعدية لواحد بمعنى « عَرَف» قوله: {بالغيب} في محل نصب على الحال من فاعلِ «يَخافُه» أي: يخافُه ملتبساً بالغيبِ، وقد تقدم معناه في البقرة.

وجَوَّز أبو البقاء فيه ثلاثة أوجه، أحدها: ما ذكرته، والثاني: أنه حالٌ من «مَنْ» في «من يخافه» ، والثالث: أنَّ الباءَ بمعنى «في» والغيب مصدرٌ واقعٌ موقعَ غائبٍ أي: يخافه في المكانِ الغائبِ عن الخَلْقِ، فعلى هذا يكونُ متعلقاً بنفس الفعل قبله، وعلى الأَوَّلَيْن يكونُ متعلقاً بمحذوفٍ على ما عُرِف.

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} : في محل نصب على الحال من فاعل «تقتلوا» ، و «حُرُمٌ» جمع حَرام، وحَرام يكون للمُحْرِم وإنْ كان في الحِلِّ ولِمَنْ في الحَرَم وإنْ كان حلالاً، وهما سيَّان في النهي عن قتل الصيد، وقد تقدم الكلامُ على هذه اللفظة. قوله: {منكم} في محلِّ نصب على الحال من فاعل «قَتَله» أي: كائناً منكم. وقيل: «مِنْ» للبيان وليس بشيء، لأنَّ كلَّ مَنْ قَتَل صيداً حكمُه كذلك. فإن قلت: هذا واردٌ أيضاً على جَعْلِه حالاً. قلتُ: لم يُقْصَدْ لذلك مفهومُ حتى إنه لو قتَله غيرُكم لم يكن عليه جزاءٌ، لأنه قصد بالخطابِ معنىً آخرَ وهو المبالغةُ في النهي عن قَتْلِ الصيد.

قوله: {مُّتَعَمِّداً} حالٌ أيضاً من فاعل «قَتَلَه» فعلى رَأْي مَنْ يجوِّزُ تعدُّدَ الحال يُجيز ذلك هنا، ومَنْ مَنَعَ يقول: إنَّ «منكم» للبيانِ حتى لا تتعدَّد الحالُ، و «مَنْ» يُجَوِّزُ أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، وموصولةً، والفاءُ لشبهِها بالشرطيةِ، ولا حاجةَ إليه وإنْ كانوا فعلوه في مواضع. قوله: «فجزاء» الفاءُ جوابُ الشرطِ أو زائدةٌ لشبه المبتدأ بالشرط، فعلى الأول الجملةُ بعدها في محلِّ جزمٍ، وعلى الثاني في محلِّ رفعٍ، وما بعد «مَنْ» على الأولِ في محلِّ جزمٍ لكونِه شرطاً، وعلى الثاني لا محلَّ له لكونه صلةً. وقرأ أهلُ الكوفة: «فجزاءٌ مثلُ» بتنوين جزاء ورفعه ورفع «مثل» ، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى «مثل» ، ومحمد بن مقاتل بتنوين «جزاءً» ونصبِه ونصب «مثلَ» والسُلمي برفع «جزاء» منوناً ونصبِ «مثل» ، وقرأ عبد الله: {فجزاؤُه} برفع «جزاء» مضافاً لضمير «مثل» رفعاً.

فأمَّا قراءةُ الكوفيين فلأنَّ «مثل» صفةٌ ل «جزاء» أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه «مثلَ ما قتله» أي مماثِلَه. وجَوَّز مكي وأبو البقاء وغيرُهما أَنْ يرتفعَ «مثل» على البدلِ، وذكر الزجاج وجهاً غريباً وهو أن يرتفعَ «مثل» على أنه خبرٌ ل «جزاء» ويكونُ «جزاء» مبتدأً قال: «والتقديرُ: فجزاءُ ذلك الفعلِ مثلُ ما قتل» قلت: ويؤيد هذا الوجهَ / قراءةُ عبد الله: «فجزاؤُه مثلُ» إلا أن الأحسنَ أن يقدِّر ذلك المحذوفُ ضميراً يعودُ على المقتول لا أَنْ يُقَدِّره: «فجزاءُ ذلك الفعل» و «مثل» بمعنى مماثل قاله جماعةٌ: الزمخشري وغيره، وهو معنى اللفظِ، فإنِّها في قوةِ اسمِ فاعل، إلاَّ أنَّ مكّياً تَوَهَّم أنَّ «مِثْلاً» قد يكون بمعنى غير مماثل فإنه قال: «ومثل» في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مُماثِل، والتقديرُ: فجزاءٌ مماثلٌ لِما قَتَل يعني في القيمةِ أو في الخِلْقة على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه لصار المعنى: فعليه جزاءٌ مثلُ المقتولِ من الصيد، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينِه لا جزاءٌ مثلُه، لأنه إذا وَدَى جزاءً مثلَ المقتول صار إنما وَدَى جزاءَ ما لم يُقْتَل؛ لأنَّ مثلَ المقتول لم يَقْتُلْه، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ مماثِلٌ للمقتول، ولذلك بَعُدَتِ القراءةُ بالإِضافة عند جماعة.

قلت: «مثل» بمعنى مُماثِل أبداً فكيف يقول «ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه» ؟ وأيضاً فقوله: «لصار المعنى إلى آخره» هذا الإِشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءةِ أصلاً، وإنما ذَكَره الناسُ في قراءةِ الإِضافة كما سيأتي، وكأنه نَقَل هذا الإِشكالَ من قراءةِ الإِضافة إلى قراءةِ التنوين.

وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فاستبعَدها جماعةٌ، قال الواحدي: «ولا ينبغي إضافةُ الجزاءِ إلى المِثْلِ لأنَّ عليه جزاءَ المنقولِ لا جزاءَ مثله فإنه لا جزاءَ عليه لَمَّا لم يقتلْه» وقال مكي بعد ما قَدَّمْتُه عنه: «ولذلك بَعُدَت القراءةُ بالإِضافة عند جماعةٍ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيدِ المقتول» قلت: ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ فإنَّ أكثرَ القراء عليها. وقد أجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ سديدةٍ، لَمَّا خفيت على أولئك طَعَنوا في المتواتر، منها: أنَّ «جزاء» …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

قوله تعالى: {وَطَعَامُهُ} : نسقٌ على «صيد» أي: أُحِلَّ لكم الصيدُ وطعامهُ، فالصيدُ الاصطيادُ، والطعامُ الإِطعام أي: إنه اسم مصدر، ويُقَّدَّرُ المفعولُ حينئذٍ محذوفاً أي: إطعامُكم إياه أنفسَكم، ويجوز أن يكون الصيدُ بمعنى المَصِيد. والهاءُ في «طعامُه» تعودُ على البحر على هذا أي: أُحِلَّ لكم مصيدُ البحر وطعامُ البحر، فالطعام على هذا غير الصيد، وفيه خلافٌ بين أهل التفسير ذكرْتُه في موضعه، ويجوز أن تعود الهاء على هذا الوجهِ أيضاً على الصيد بمعنى المصيد، ويجوز أن يكونَ «طعام» بمعنى مَطْعوم، ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ ابن عباس وعبد الله بن الحرث: «وطَعْمُه» بضم الميم وسكون العين.

قوله: {مَتَاعاً} في نصبِه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المصدر وإليه ذهب مكي وابن عطيَة وأبو البقاء وغيرهم، والتقدير: مَتَّعكم به متاعاً تنتفعون وتَأْتَدِمون به، وقال مكي: «لأنَّ قولَه» «أُحِلَّ لكم» بمعنى أَمْتَعْتُكم به إمتاعاً، كقوله: {كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] . والثاني: أنه مفعول من أجله، قال الزمشخري: «أي: أحلَّ لكم تمتيعاً لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قولِه تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] في باب الحالِ، لأنَّ قوله {مَتَاعاً لَّكُمْ} مفعولٌ له مختصٌّ بالطعام كما أنَّ» نافلةً «حالٌ مختص بيعقوب، يعني أُحِلَّ لكم طعامُه تمتيعاً لتنائكم تأكلونَه طريَّا ولسيَّارتكم يتزودونه قَديداً» انتهى. فقد خصَّص الزمخشري كونه مفعولاً له بكون الفعلِ وهو «أُحِلَّ مسنداً لقوله: {وَطَعَامُهُ} وليس علة لحِلِّ الصيد، وإنما علةٌ لحِلِّ الطعام فقط، وإنما حَمَلَه على ذلك مذهبُه - وهو مذهبُ أبي حنيفة - من أنَّ صيدَ البحرِ منقسمٌ إٍلى ما يُؤْكل وإلى ما لا يؤكل، وأنَّ طعامَه هو المأكولُ منه، وأنه لا يقع التمثيلُ إلا المأكول منه طريّاً وقديداً، وقوله» نافلةً «يعني أنَّ هذه الحالَ مختصةٌ بيعقوب لأنه وَلَدُ وَلَدٍ بخلاف إسحاق فإنه ولدُه لصلبه، والنافلةُ إنما تُطْلَقُ على ولد الولد دونَ الولد، فكذا» متاعاً «إلاَّ أنَّ هذا يؤدِّي إلى أنَّ الفعل الواحدَ يُسْنَدُ لفاعلين متعاطفين يكونُ في إسناده إلى أحدهما معللاً وإلى الآخر ليس كذلك، فإذا قلت:» قام زيد وعمرو إجلالاً لك «فيجوز أن يكونَ» قيام زيد «هو المختصَّ بالإِجلال أو بالعكس، وهذا فيه إلباسٌ، وأمَّا ما أورده من الحالِ في الاية الكريمة فثَمَّ قرينةٌ أَوجَبَتْ صَرْفَ الحالِ إلى أحدِهما بخلافِ ما نحن فيه من الآية الكريمة، وأمَّا غيرُ مذهبِه فإنه يكونُ مفعولاً له غيرَ مختصٍّ بأحدِ المتعاطفين وهو ظاهرٌ جَلِيٌّ. و» لكم «إنْ قلنا» متاعاً «مصدرٌ فيجوز أن يكونَ صفةً له، ويكونُ مصدراً مبيناً لكونه وُصِف، إن قلنا إنه مفعولٌ له فيتعلَّقُ بفعلٍ محذوفٍ، أي: أعني لكم نحو:» قمتُ إجلالاً لك «، ويجوز أن تكونَ اللامُ مقويةً لتعدية المصدر، إذ التقديرُ: لأنْ أمتِّعَكم، ولأنْ أُجِلَّك، وهكذا ما جاء من نظائره.

قوله: {مَا دُمْتُمْ} «ما» مصدريةٌ «، و» دمتم «صلتُها وهي مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: حُرِّم عليكم صيدُ البر مدةَ دوامِكم مُحْرمين. والجمهور على ضمِّ دال» دمتم «من لغة من قال: دام يدوم. وقرأ يحيى: {دِمتم} بكسرها من لغة مَنْ يقول: دام يدام كخاف يخاف، وهما كاللغتين في مات يموتُ ويَمات، وقد تقدَّم والجمهورُ على» وحُرِّم «مبنياً للمفعول،» صيدُ «رفعاً على قيامه مَقامَ الفاعل، وقرئ:» وحَرَّم «مبنياً» للفاعل، «صيدَ» نصباً على المفعول به. والجمهورُ أيضاً على «حُرُماً» بضم الحاء والراء جمعُ «حَرام» بمعنى مُحْرِم «ك» قَذال «و» قُذُل «. وقرأ ابن عباس {حَرَماً} بفتحهما، أي: ذوي حَرَم أي إحرام، وقيل: جَعَلهم بمنزلة المكان الممنوع منه، والأحسنُ أن يكون من باب» رجل عدل «جعلهم نفسَ المصدرِ فإنَّ» حَرَما «بمعنى إحرام، وتقدم أن المصدر يقع …

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

قوله تعالى: {جَعَلَ الله} : فيها وجهان، أحدهما: أنها بمعنى صَيَّر فتتعدَّى لاثنين، أولهما «الكعبة» والثاني «قياماً» والثاني: أن تكون بمعنى خلق فتتعدى لواحد، وهو «الكعبة» و «قياماً» نصبٌ على الحال. وقال بعضهم: إنَّ «جعل» هنا بمعنى «بَيَّن» و «حَكَم» ، وهذا ينبغي أن يُحْمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة؛ إذ لم ينقل أهلُ العربية أنها تكونُ بمعنى بَيَّن ولا حَكَم، ولكن يلزم من الجَعْلِ البيانُ، وأمَّا «البيتَ» فانتصابُه على أحد وجهين: إما البدلِ وإما عطفِ البيان، وفائدةُ ذلك أن بعض الجاهلية - وهم خثعم- سَمَّوْا بيتاً الكعبةَ اليمانية فجيء بهذا البدلِ أو البيانِ تبييناً له من غيره. وقال الزمخشري: «البيتَ الحرامَ» عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفةُ كذلك «واعترض عليه الشيخ بأن شرطَ البيانِ الجمودُ، والجمودُ لا يُشْعر بمدح، وإنما يُشْعر به المشتقُّ، ثم قال:» إلا أَنْ يريدَ أنه لَمَّا وُصِف البيت بالحرام اقتضى المجموعُ ذلك فيمكنُ «.

والكعبة لغةً: كلُّ بيت مربع، وسُمِّيَتْ الكعبةُ كعبةً لذلك، وأصل اشتقاق ذلك من الكَعْب الذي هو أحد أعضاء الآدمي. قال الراغب:» كَعْبُ الرجل « [العظم] الذي عند مُلْتقى الساق والقدم، والكعبة كلُّ بيتٍ على هيئتِها في التربيع، وبها سُمِّيَتِ الكعبة، وذُو الكَعَبات: بيتٌ كان في الجاهلية لبني ربيعة، وامرأة كاعِب: تكعَّب ثدياها» وقد تقدَّم القولُ في هذه المادةِ أولَ السورة.

والجمهور قرؤوا هنا: «قياماً» بألفٍ بعد الياء، وابن عامر: «قِيَماً» دون ألف بزنة «عِنَب» ، والقيام هنا يحتمل أن يكون مصدراً ل «قام - يقوم» والمعنى: أنَّ اللَّهَ جعل الكعبةَ سبباً لقيامِ الناس إليها، أي: لزيارتِها والحجِّ إليها، أو لأنَّها يَصْلُح عندها أمرُ دينهم ودنياهم، فيها يَقُومون، ويجوزُ أَنْ يكونَ القيامُ بمعنى القِوام فَقُلبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها، كذا قالَ الواحدي، وفيه نظرٌ إذ لا موجبَ لإِعلاله إذ هو ك «السِّواك» فينبغي أن يقال: إن القِيام والقِوام بمعنى واحد، قال:

181 - 2- قِوامُ دنيا وقِوامُ دينِ ... فأمَّا إذا دخَلَها تاءُ التأنيث لَزِمَتِ الياءُ نحو: «القيامة» وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فاستشكلها بعضُهم بأنه لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يكونَ مصدراً على فِعَل، وإما أن يكونَ على فِعال، فإنْ كان الأول فينبغي أن تصِحُّ الواو ك «حِوَل» و «عَوَر» وإن كان الثاني فالقصر لا يأتي إلا في شعر. وقرأ الجحدري: «قَيِّماً» بتشديد الياء وهو اسمٌ دالٌّ على ثبوت الصفة، وقد تقدَّم تحقيقُه أول النساء.

قوله: {والشهر الحرام والهدي والقلائد} عطف على «الكعبة» ، والمفعول الثاني أو الحال محذوفٌ لفهم المعنى أي: جَعَلَ الله أيضاً الشهرَ والهَدْيَ والقلائدَ قياماً. و «ذلك» فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: الحُكْمُ الذي حَكَمْناه ذلك لا غيرُه. والثاني: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي: ذلك الحكمُ هو الحقُّ لا غيره. الثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه السِّياقُ أي: شَرَعَ اللَّهُ ذلك، وهذا أقواها لتعلُّقِ لام العلة به. و «تعلموا» منصوبٌ بإضمار «أَنْ» بعد لام كي، لا بها. و «أَنَّ الله» وما في حَيِّزها سادَّةٌ مسدَّ المفعولين أو أحدِهما على حَسَبِ الخلاف المتقدم. و {وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} نسقٌ على «أنَّ» قبلها/.

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

Explained together with ayah 97

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

وقوله تعالى: {إِلاَّ البلاغ} : في رفعه وجهان، أحدهما: أنه فاعل بالجارِّ قبله لاعتماده على النفي، أي: ما استقرَّ على الرسول إلا البلاغ. والثاني أنه مبتدأ، وخبرُه الجارُّ قبله وعلى التقديرين فالاستثناء مفرَّغٌ.

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

وقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ} : جوابُها محذوف أي: ولو أُعجَبك كثرة الخبيثِ لَما استوى مع الطيب، أو: لَما أجدى شيئاً في المساواة. والبلاغُ يُحتمل أن يكون مصدراً ل «بَلَّغ» مشدداً أي: ما عليه إلا التبليغُ، فجاء على حذف الزوائد، ك «نبات» بعد «أنبت» ويحتمل أن يكونَ مصدراً ل «بَلَغ» مخففاً بمعنى البلوغ، ويكون المعنى: ما عليه إلا البلوغُ بتبليغه، فالبلوغُ مستلزِمٌ فعبَّر باللازم عن الملزومِ.

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.