Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 211–220 of 286

211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الخِطابِ؛ والمُرادُ بِالسُّؤالِ تَبْكِيتُهُمْ؛ وتَقْرِيعُهم بِذَلِكَ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَجِيءِ البَيِّناتِ؛ ﴿كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ مُعْجِزَةٍ ظاهِرَةٍ؛ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وآيَةٍ ناطِقَةٍ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ المَأْمُورِ بِالدُّخُولِ فِيهِ؛ و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ؛ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ؛ ومَحَلُّها النَّصْبُ؛ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أوِ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ؛ عَلى حَذْفِ العائِدِ مِنَ الخَبَرِ؛ و"آيَةٍ" مُمَيِّزُها؛ ﴿؛ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ الَّتِي هي آياتُهُ الباهِرَةُ؛ فَإنَّها سَبَبٌ لِلْهُدى الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ؛ وتَبْدِيلُها: جَعْلُها سَبَبًا لِلضَّلالَةِ؛ وازْدِيادِ الرِّجْسِ؛ أوْ تَحْرِيفُها؛ أوْ تَأْوِيلُها الزّائِغُ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾؛ ووَصَلَتْ إلَيْهِ؛ وتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِها. والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ؛ مَعَ أنَّ التَّبْدِيلَ لا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ المَجِيءِ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوها بَعْدَما وقَفُوا عَلى تَفْصِيلِها؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾؛ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فَبَدَّلُوها ومَن يُبَدِّلُ"؛ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ لِظُهُورِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عاقَبَهُ أشَدَّ عُقُوبَةٍ؛ فَإنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ"؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

Al-Baqara 2:211Listen in Qur'an →
212

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allah are above them on the Day of Resurrection. And Allah gives provision to whom He wills without account.

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾: أيْ: حَسُنَتْ في أعْيُنِهِمْ؛ وأُشْرِبَتْ مَحَبَّتُها في قُلُوبِهِمْ؛ حَتّى تَهالَكُوا عَلَيْها؛ وتَهافَتُوا فِيها؛ مُعْرِضِينَ عَنْ غَيْرِها؛ والتَّزْيِينُ - مِن حَيْثُ الخَلْقُ والإيجادُ - مُسْتَنِدٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ القِراءَةُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو خالِقُهُ؛ وكُلٌّ مِنَ الشَّيْطانِ؛ والقُوى الحَيَوانِيَّةِ؛ وما في الدُّنْيا مِنَ الأُمُورِ البَهِيَّةِ؛ والأشْياءِ الشَّهِيَّةِ؛ مُزَيَّنٌ بِالعَرَضِ؛ ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "زُيِّنَ"؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ السُّخْرِيَةِ مِنهُمْ؛ وهم فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ؛ كَبِلالٍ؛ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ كانُوا يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا؛ وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى؛ و"مِن": ابْتِدائِيَّةٌ؛ فَكَأنَّهم جَعَلُوا السُّخْرِيَةَ مُبْتَدَأةً مِنهُمْ؛ ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ هَمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعَيْنِهِمْ؛ وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ التَّقْوى لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْراضَهم عَنِ الدُّنْيا لِلِاتِّقاءِ عَنْها؛ لِكَوْنِها مُخِلَّةً بِتَبَتُّلِهِمْ إلى جَنابِ القُدْسِ؛ شاغِلَةً عَنْهُ؛ ﴿فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّهم في أعْلى عِلِّيِّينَ؛ وهم في أسْفَلِ سافِلِينَ؛ أوْ لِأنَّهم في أوْجِ الكَرامَةِ؛ وهم في حَضِيضِ الذُّلِّ والمَهانَةِ؛ أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ؛ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها؛ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾؛ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ؛ فَيُوَسِّعُ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا تارَةً؛ وابْتِلاءً أُخْرى.

Al-Baqara 2:212Listen in Qur'an →
213

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۦنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allah sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over the Scripture except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allah guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allah guides whom He wills to a straight path.

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾: مُتَّفِقِينَ عَلى كَلِمَةِ الحَقِّ؛ ودِينِ الإسْلامِ؛ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ آدَمَ؛ وإدْرِيسَ؛ أوْ نُوحٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أيْ: فاخْتَلَفُوا؛ فَبَعَثَ.. إلَخْ.. وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وقَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ما يُذْكَرُ عُقَيْبَهُ؛ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾؛ عَنْ كَعْبٍ: "الَّذِي عَلِمْتُهُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا؛ والمُرْسَلُ مِنهم ثُلْثُمائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ؛ والمَذْكُورُ في القرآن ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ"؛ وقِيلَ: كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً؛ مُتَّفِقَةً عَلى الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ في فَتْرَةِ إدْرِيسَ؛ أوْ نُوحٍ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ؛ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ﴿وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ جِنْسَ الكِتابِ؛ أوْ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ مِمَّنْ لَهُ كِتابٌ؛ كِتابَهُ الخاصَّ بِهِ؛ لا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الإطْلاقِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِهِمْ كِتابٌ؛ وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَ بِكُتُبِ مَن قَبْلَهُمْ؛ وعُمُومُ النَّبِيِّينَ لا يُنافِي خُصُوصَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾: حالٌ مِن "الكِتابَ"؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ .

﴿لِيَحْكُمَ﴾: أيْ: الكِتابُ؛ أوْ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ أوْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ؛ ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: المَذْكُورِينَ؛ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ؛ ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ أوْ: فِيما التُبِسَ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في الحَقِّ؛ أوْ في الكِتابِ المُنْزَلِ مُلْتَبِسًا بِهِ؛ والواوُ حالِيَّةٌ؛ ﴿إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾؛ أيْ: الكِتابَ المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ؛ وإزاحَةِ الشِّقاقِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ الإنْزالِ بِالإيتاءِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الحَقِّ؛ فَإنَّ الإنْزالَ لا يُفِيدُ تِلْكَ الفائِدَةَ؛ أيْ: عَكَسُوا الأمْرَ؛ حَيْثُ جَعَلُوا ما أُنْزِلَ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِهِ؛ ورُسُوخِهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: رَسَخَتْ في عُقُولِهِمْ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فاخْتَلَفُوا؛ وما اخْتَلَفَ فِيهِ.. إلَخْ.. وقِيلَ: بِالمَلْفُوظِ؛ بِناءً عَلى عَدَمِ مَنعِ "إلّا" عَنْهُ؛ كَما في قَوْلِكَ: "ما قامَ إلّا زَيْدٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ"؛ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ "مِن"؛ أيْ: اخْتَلَفُوا بَغْيًا؛ وتَهالُكًا عَلى الدُّنْيا؛ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ؛ ﴿مِنَ الحَقِّ﴾؛ بَيانٌ لِـ "ما"؛ وفي إبْهامِهِ أوَّلًا؛ وتَفْسِيرِهِ ثانِيًا؛ ما لا يَخْفى مِنَ التَّفْخِيمِ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ بِأمْرِهِ؛ أوْ بِتَيْسِيرِهِ؛ ولُطْفِهِ؛ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ مُوصِلٍ إلى الحَقِّ؛ وهو اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.

Al-Baqara 2:213Listen in Qur'an →
214

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allah?" Unquestionably, the help of Allah is near.

﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾؛ خُوطِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ حَثًّا لَهم عَلى الثَّباتِ عَلى المُصابَرَةِ عَلى مُخالَفَةِ الكَفَرَةِ؛ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ مِن جِهَتِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ اخْتِلافِ الأُمَمِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وقَدْ بُيِّنَ فِيهِ مَآلُ اخْتِلافِهِمْ؛ وما لَقِيَ الأنْبِياءُ؛ ومَن مَعَهم مِن قَبْلِهِمْ؛ مِن مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ؛ ومُقاساةِ الهُمُومِ؛ وأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمُ النَّصْرُ؛ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ؛ والهَمْزَةُ فِيها لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ أيْ: بَلْ حَسِبْتُمْ؛ ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِكم مَثَلُهم بَعْدُ؛ ولَمْ تُبْتَلَوْا بِما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ؛ الَّتِي هي مَثَلٌ في الفَظاعَةِ؛ والشِّدَّةِ؛ وهو مُتَوَقَّعٌ؛ ومُنْتَظَرٌ؛ ﴿مَسَّتْهُمُ﴾: اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾؛ أيْ: الشِّدَّةُ؛ مِنَ الخَوْفِ؛ والفاقَةِ؛ ﴿والضَّرّاءُ﴾؛ أيْ: الآلامُ؛ والأمْراضُ؛ ﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا؛ بِما دَهَمَهم مِنَ الأهْوالِ؛ والأفْزاعِ؛ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أيْ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ اضْطَرَّهُمُ الضَّجَرُ إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ - وهو أعْلَمُ النّاسِ بِشُئُونِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأوْثَقُهم بِنَصْرِهِ -؛ والمُؤْمِنُونَ المُقْتَدُونَ بِآثارِهِ؛ المُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِهِ: ﴿مَتى﴾؛ أيْ: مَتى يَأْتِي؛ ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾؛ طَلَبًا؛ وتَمَنِّيًا لَهُ؛ واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ؛ والعَناءِ؛ وقُرِئَ: "حَتّى يَقُولُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ وهَذا - كَما تَرى - غايَةُ الغاياتِ القاصِيَةِ؛ ونِهايَةُ النِّهاياتِ النّائِيَةِ؛ كَيْفَ لا.. والرُّسُلُ - مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِمْ في الثَّباتِ؛ والِاصْطِبارِ - حَيْثُ عِيلَ صَبْرُهُمْ؛ وبَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ مِنَ الضَّجَرِ؛ والضَّجِيجِ؛ عُلِمَ أنَّ الأمْرَ بَلَغَ إلى غايَةٍ لا مَطْمَحَ وراءَها؟ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾؛ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: فَقِيلَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ؛ إسْعافًا لِمَرامِهِمْ؛ والمُرادُ بِالقُرْبِ: القُرْبُ الزَّمانِيُّ؛ وفي إيثارِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُناسِبَةِ لِما قَبْلَها؛ وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ والتَّأْكِيدِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِها؛ وتَقْرِيرِهِ ما لا يَخْفى؛ واخْتِيارُ حِكايَةِ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ لَنا؛ لِما أنَّها في حُكْمِ إنْشاءِ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَتِها؛ دُونَ حِكايَةِ نَفْسِ النَّصْرِ؛ مَعَ تَحَقُّقِهِ؛ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ؛ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وارِدًا مِن جِهَتِهِ (تَعالى) عِنْدَ الحِكايَةِ؛ عَلى نَهْجِ الِاعْتِراضِ؛ لا وارِدًا عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الوُصُولَ إلى جَنابِ القُدْسِ لا يَتَسَنّى إلّا بِرَفْضِ اللَّذّاتِ؛ ومُكابَدَةِ المَشاقِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ؛ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ".»

Al-Baqara 2:214Listen in Qur'an →
215

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

They ask you, [O Muhammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allah is Knowing of it."

﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾: أيْ: مِن أصْنافِ أمْوالِهِمْ؛ ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾؛ "ما": إمّا شَرْطِيَّةٌ؛ وإمّا مَوْصُولَةٌ حُذِفَ العائِدُ إلَيْها؛ أيْ: ما أنْفَقْتُمُوهُ مِن خَيْرٍ؛ أيِّ خَيْرٍ كانَ؛ فَفِيهِ تَجْوِيزُ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الأمْوالِ؛ وبَيانٌ لِما في السُّؤالِ؛ إلّا أنَّهُ جُعِلَ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أوِ الصِّلَةِ؛ وأُبْرِزَ في مَعْرِضِ بَيانِ المَصْرِفِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ المَصارِفِ المَعْدُودَةِ؛ لِأنَّ الِاعْتِدادَ بِالإنْفاقِ بِحَسَبِ وُقُوعِهِ في مَوْقِعِهِ؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ جاءَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ؛ وهو شَيْخٌ هَرِمٌ؛ لَهُ مالٌ عَظِيمٌ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ماذا نُنْفِقُ مِن أمْوالِنا؟ وأيْنَ نَضَعُها؟ فَنَزَلَتْ.»

﴿واليَتامى﴾؛ أيْ: المُحْتاجِينَ مِنهُمْ؛ ﴿والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسّائِلِينَ؛ والرِّقابِ؛ إمّا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في المَواقِعِ الأُخَرِ؛ وإمّا بِناءً عَلى دُخُولِهِمْ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ فَإنَّهُ شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ واقِعٍ؛ في أيِّ مَصْرِفٍ كانَ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُوَفِّي ثَوابَهُ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِيهِ فَرْضُ الزَّكاةِ لِيُنْسَخَ بِهِ؛ كَما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ.

Al-Baqara 2:215Listen in Qur'an →
216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Fighting has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allah Knows, while you know not.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾: بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ ورَفْعِ "القِتالُ"؛ أيْ: قِتالُ الكَفَرَةِ؛ وقُرِئَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ؛ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ونَصْبِ "القِتالُ"؛ وقُرِئَ "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القَتْلُ"؛ أيْ: قَتْلُ الكَفَرَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾: حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَكْرُوهٌ لَكم طَبْعًا؛ عَلى أنَّ الكُرْهَ مَصْدَرٌ؛ وُصِفَ بِهِ المَفْعُولُ؛ مُبالَغَةً؛ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ كَـ "الخُبْزُ"؛ بِمَعْنى "المَخْبُوزُ"؛ وقُرِئَ بِالفَتْحِ؛ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَضْمُومِ؛ كَـ "الضَّعْفُ"؛ و"الضُّعْفُ"؛ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الإكْراهِ مَجازًا؛ كَأنَّهم أُكْرِهُوا عَلَيْهِ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لَهُ؛ ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ وهو جَمِيعُ ما كُلِّفُوهُ مِنَ الأُمُورِ الشّاقَّةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ؛ فَإنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ؛ وتَنْفِرُ عَنْهُ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ دالَّةٌ عَلى أنَّ في القِتالِ خَيْرًا لَهُمْ؛ ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾؛ وهو جَمِيعُ ما نُهُوا عَنْهُ؛ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَلَذَّةِ؛ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ لا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾؛ ما هو خَيْرٌ لَكُمْ؛ فَلِذَلِكَ يَأْمُرُكم بِهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا تَعْلَمُونَهُ؛ ولِذَلِكَ تَكْرَهُونَهُ؛ أوْ: واللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خَيْرٌ؛ وشَرٌّ لَكُمْ؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُما؛ فَلا تَتَّبِعُوا في ذَلِكَ رَأْيَكُمْ؛ وامْتَثِلُوا بِأمْرِهِ (تَعالى).

Al-Baqara 2:216Listen in Qur'an →
217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

They ask you about the sacred month - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allah and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Haram and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allah. And fitnah is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire, they will abide therein eternally.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾؛ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ عَلى سَرِيَّةٍ؛ في جُمادى الآخِرَةِ؛ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ؛ لِيَتَرَصَّدُوا عِيرًا لِقُرَيْشٍ؛ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ؛ وثَلاثَةٌ مَعَهُ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأسَرُوا اثْنَيْنِ؛ واسْتاقُوا العِيرَ بِما فِيها مِن تِجارَةِ الطّائِفِ؛ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ؛ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى الآخِرَةِ؛ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ؛ شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ؛ ويَبْذَعِرُّ فِيهِ النّاسُ إلى مَعايِشِهِمْ؛ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ؛ وعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ؛ وقالُوا: ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا؛ ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ؛ والأُسارى؛» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "لَمّا نَزَلَتْ أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَنِيمَةَ؛ والمَعْنى: يَسْألُكَ الكُفّارُ؛ أوِ المُسْلِمُونَ؛ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ عَلى أنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "الشَّهْرِ"؛ وتَنْكِيرُهُ لِما أنَّ سُؤالَهم كانَ عَنْ مُطْلَقِ القِتالِ؛ الواقِعِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ لا عَنِ القِتالِ المَعْهُودِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: يَسْألُونَكَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ وقُرِئَ: "عَنْ قِتالٍ فِيهِ"؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾؛ وقُرِئَ: "قَتْلٍ"؛ قُلْ؛ في جَوابِهِمْ؛ ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ؛ وخَبَرٍ؛ مَحَلُّها النَّصْبُ بِـ "قُلْ"؛ وإنَّما جازَ وُقُوعُ "قِتالٌ" مُبْتَدَأً؛ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً؛ لِتَخَصُّصِهِ إمّا بِالوَصْفِ؛ إنْ تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: "قِتالٌ كائِنٌ فِيهِ"؛ وإمّا بِالعَمَلِ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ؛ وإنَّما أُوثِرَ التَّنْكِيرُ احْتِرازًا عَنْ تَوَهُّمِ التَّعْيِينِ؛ وإيذانًا بِأنَّ المُرادَ مُطْلَقُ القِتالِ الواقِعِ فِيهِ؛ أيِّ قِتالٍ كانَ؛ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ؛ ولا في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ إلّا أنْ يُقاتَلُوا فِيهِ؛ وما نُسِخَتْ؛ وأكْثَرُ الأقاوِيلِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .

﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مُبْتَدَأٌ قَدْ تَخَصَّصَ بِالعَمَلِ فِيما بَعْدَهُ؛ أيْ: ومَنعٌ عَنِ الإسْلامِ المُوصِلِ لِلْعَبْدِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾: عَطْفٌ عَلى "صَدٌّ"؛ عامِلٌ فِيما بَعْدَهُ مِثْلَهُ؛ أيْ: وكُفْرٌ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وحَيْثُ كانَ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ الكُفْرِ بِهِ (تَعالى)؛ لَمْ يَقْدَحِ العَطْفُ المَذْكُورُ في حُسْنِ عَطْفِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ عَلى "سَبِيلِ اللَّهِ"؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مَحْضٍ؛ وقِيلَ: هو أيْضًا مَعْطُوفٌ عَلى "صَدٌّ"؛ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: "وَصَدُّ المَسْجِدِ الحَرامِ"؛ ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ﴾؛ وهو النَّبِيُّ ﷺ؛ والمُؤْمِنُونَ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "وَكُفْرٌ بِهِ"؛ ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: خَبَرٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ؛ أيْ: كَبائِرُ السّائِلِينَ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِمّا عَنَوْا بِالسُّؤالِ؛ وهو ما فَعَلَتْهُ السَّرِيَّةُ خَطَأً؛ وبِناءً عَلى الظَّنِّ؛ و"أفْعَلُ" يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ؛ والجَمْعُ؛ والمُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ ﴿والفِتْنَةُ﴾؛ أيْ: ما …

Al-Baqara 2:217Listen in Qur'an →
218

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allah - those expect the mercy of Allah. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نَزَلَتْ في أصْحابِ السَّرِيَّةِ؛ لِما ظُنَّ بِهِمْ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلا أجْرَ لَهُمْ؛ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كَرَّرَ المَوْصُولَ؛ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الهِجْرَةِ؛ والجِهادِ؛ فَكَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿يَرْجُونَ﴾؛ بِما لَهم مِن مَبادِي الفَوْزِ؛ ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ثَوابَهُ؛ أثْبَتَ لَهُمُ الرَّجاءَ؛ دُونَ الفَوْزِ بِالمَرْجُوِّ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْأجْرِ؛ وإنَّما هو عَلى طَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لا لِأنَّ في فَوْزِهِمُ اشْتِباهًا؛ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾: مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ ما فَرَطَ مِن عِبادِهِ خَطَأً؛ ﴿رَحِيمٌ﴾: يُجْزِلُ لَهُمُ الأجْرَ؛ والثَّوابَ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

Al-Baqara 2:218Listen in Qur'an →
219

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

They ask you about wine and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allah makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾: تَوارَدَتْ في شَأْنِ الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ؛ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾؛ فَطَفِقَ المُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَها؛ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ؛ ومُعاذًا؛ ونَفَرًا مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - قالُوا: أفْتِنا يا رَسُولَ اللَّهِ في الخَمْرِ؛ فَإنَّها مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَشَرِبَها قَوْمٌ؛ وتَرَكَها آخَرُونَ؛ ثُمَّ دَعا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ناسًا مِنهم فَشَرِبُوا؛ فَسَكِرُوا؛ فَأمَّ أحَدُهُمْ؛ فَقَرَأ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ؛ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ"؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾؛ الآيَةُ.. فَقَلَّ مَن يَشْرَبُها؛ ثُمَّ دَعا عِتْبانُ بْنُ مالِكٍ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ؛ في نَفَرٍ؛ فَلَمّا سَكِرُوا تَفاخَرُوا؛ وتَناشَدُوا؛ حَتّى أنْشَدَ سَعْدٌ شِعْرًا فِيهِ هِجاءُ الأنْصارِ؛ فَضَرَبَهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ بَعِيرٍ؛ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً؛ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: « "اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا"؛» فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ .. إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "انْتَهَيْنا يا رَبُّ"؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "لَوْ وقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنها في بِئْرٍ فَبُنِيَتْ في مَكانِها مَنارَةٌ؛ لَمْ أُؤَذِّنْ عَلَيْها؛ ولَوْ وقَعَتْ في بَحْرٍ؛ ثُمَّ جَفَّ؛ فَنَبَتَ فِيهِ الكَلَأُ؛ لَمْ أرْعَهُ"؛ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "لَوْ أدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِيها لَمْ تَتْبَعْنِي"؛ وهَذا هو الإيمانُ؛ والتُّقى حَقًّا - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -؛ والخَمْرُ: مَصْدَرُ "خَمَرَهُ"؛ أيْ: "سَتَرَهُ"؛ سُمِّيَ بِهِ مِن عَصِيرِ العِنَبِ ما غُلِي؛ واشْتَدَّ؛ وقُذِفَ بِالزُّبْدِ؛ لِتَغْطِيَتِها العَقْلَ؛ والتَّمْيِيزَ؛ كَأنَّها نَفْسُ السَّتْرِ؛ كَما سُمِّيَتْ "سَكَرًا" لِأنَّها تُسْكِرُهُما؛ أيْ: تَحْجِزُهُما؛ والمَيْسِرُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن "يَسَرَ"؛ كَـ "المَوْعِدُ"؛ و"المَرْجِعُ"؛ يُقالُ: "يَسَرْتَهُ"؛ إذا "قَمَرْتَهُ"؛ واشْتِقاقُهُ إمّا مِن "اليُسْرُ"؛ لِأنَّهُ أخْذُ المالِ بِيُسْرٍ؛ مِن غَيْرِ كَدٍّ؛ وإمّا مِن "اليَسارُ"؛ لِأنَّهُ سَلْبٌ لَهُ؛ وصِفَتُهُ أنَّهُ كانَتْ لَهم عَشَرَةُ أقْداحٍ؛ هي الأزْلامُ؛ والأقْلامُ: الفَذُّ؛ والتَّوْأمُ؛ والرَّقِيبُ؛ والحِلْسُ؛ والنّافِسُ؛ والمُسْبِلُ؛ والمُعَلّى؛ والمَنِيحُ؛ والسَّفِيحُ؛ والوَغْدُ؛ لِكُلٍّ مِنها نَصِيبٌ مَعْلُومٌ مِن جَزُورٍ يَنْحَرُونَها؛ ويُجَزِّئُونَها عَشَرَةَ أجْزاءٍ؛ وقِيلَ: ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ؛ إلّا الثَّلاثَةَ؛ هِيَ: المَنِيحُ؛ والسَّفِيحُ؛ والوَغْدُ؛ لِلْفَذِّ سَهْمٌ؛ ولِلتَّوْأمِ سَهْمانِ؛ ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةٌ؛ ولِلْحِلْسِ أرْبَعَةٌ؛ ولِلنّافِسِ خَمْسَةٌ؛ ولِلْمُسْبِلِ سِتَّةٌ؛ ولِلْمُعَلّى سَبْعَةٌ؛ يَجْعَلُونَها في الرَّبابَةِ؛ وهي خَرِيطَةٌ؛ ويَضَعُونَها عَلى يَدَيْ عَدْلٍ؛ ثُمَّ يُجَلْجِلُها؛ ويُدْخِلُ يَدَهُ فَيُخْرِجُ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ؛ قِدْحًا قِدْحًا؛ فَمَن خَرَجَ لَهُ قِدْحٌ مِن ذَواتِ الأنْصِباءِ أخَذَ النَّصِيبَ المُعَيَّنَ لَها؛ ومَن خَرَجَ لَهُ مِن تِلْكَ الثَّلاثَةِ غَرِمَ ثَمَنَ الجَزُورِ؛ مَعَ حِرْمانِهِ؛ وكانُوا يَدْفَعُونَ تِلْكَ الأنْصِباءَ إلى الفُقَراءِ؛ ولا يَأْكُلُونَ مِنها؛ ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ؛ ويَذُمُّونَ مَن يَدْخُلُ فِيهِ؛ ويُسَمُّونَهُ "البَرْمَ"؛ وفي حُكْمِهِ جَمِيعُ أنْواعِ القِمارِ؛ مِنَ النَّرْدِ؛ …

Al-Baqara 2:219Listen in Qur'an →
220

فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allah knows the corrupter from the amender. And if Allah had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾: مُتَعَلِّقٌ إمّا بِـ "يُبَيِّنُ"؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ الآياتِ؛ وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "الآياتِ"؛ أيْ: يُبَيِّنُها لَكم كائِنَةً فِيهِما؛ أيْ: مُبَيِّنَةً لِأحْوالِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِهِما؛ وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ التَّفَكُّرِ؛ وإمّا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: تَتَفَكَّرُونَ في الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ في الأحْكامِ الوارِدَةِ في أجْوِبَةِ الأسْئِلَةِ المارَّةِ؛ فَتَخْتارُونَ مِنها ما يَصْلُحُ لَكم فِيهِما؛ وتَجْتَنِبُونَ عَنْ غَيْرِهِ؛ وهَذا التَّخْصِيصُ هو المُناسِبُ لِمَقامِ تَعْدادِ الأحْكامِ الجُزْئِيَّةِ؛ ويَجُوزُ التَّعْمِيمُ لِجَمِيعِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ؛ فَـ "ذَلِكَ" حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ البَياناتِ؛ كُلًّا؛ أوْ بَعْضًا؛ لا إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ فِعْلٌ مُسْتَقِلٌّ؛ لَيْسَ بِعِبارَةٍ عَنْ تِلْكَ البَياناتِ؛ والمُرادُ بِالآياتِ غَيْرُ ما ذُكِرَ؛ والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الوارِدِ في الأجْوِبَةِ المَذْكُورَةِ يُبَيِّنُ اللَّهُ (تَعالى) لَكُمُ الآياتِ والدَّلائِلَ؛ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في أُمُورِكُمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وتَأْخُذُونَ بِما يَصْلُحُ لَكُمْ؛ ويَنْفَعُكم فِيهِما؛ وتَذَرُونَ ما يَضُرُّكُمْ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ المُبَيِّنَةُ؛ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن نَظِيرِهِ؛ رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ الآيَةُ.. تَحامى النّاسُ عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى؛ وتَعَهُّدِ أمْوالِهِمْ؛ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ.»

﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾: أيْ: التَّعَرُّضُ لِأحْوالِهِمْ؛ وأمْوالِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ الإصْلاحِ؛ خَيْرٌ مِن مُجانَبَتِهِمُ اتِّقاءً؛ ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾؛ وتُعاشِرُوهم عَلى وجْهٍ يَنْفَعُهُمْ؛ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾؛ أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ؛ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ العَلاقَةِ النَّسَبِيَّةِ؛ ومِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ؛ ومَواجِبِها؛ المُخالَطَةُ بِالإصْلاحِ؛ والنَّفْعِ؛ وقَدْ حُمِلَ المُخالَطَةُ عَلى المُصاهَرَةِ؛ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾: "العِلْمُ" بِمَعْنى: "المَعْرِفَةُ"؛ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ؛ و"مِن" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ؛ أيْ: يَعْلَمُ مَن يُفْسِدُ في أُمُورِهِمْ عِنْدَ المُخالَطَةِ؛ أوْ مَن يَقْصِدُ بِمُخالَطَتِهِ الخِيانَةَ؛ والإفْسادَ؛ مُمَيِّزًا لَهُ مِمَّنْ يُصْلِحُ فِيها؛ أوْ يَقْصِدُ الإصْلاحَ؛ فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِعَمَلِهِ؛ فَفِيهِ وعْدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ خَلا أنَّ في تَقْدِيمِ "المُفْسِدَ"؛ مَزِيدَ تَهْدِيدٍ؛ وتَأْكِيدٍ لِلْوَعِيدِ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يُعْنِتَكُمْ؛ أيْ: يُكَلِّفَكم ما يَشُقُّ عَلَيْكم - مِن "العَنَتُ"؛ وهو "المَشَقَّةُ" -؛ لَفَعَلَ؛ ولَمْ يُجَوِّزْ لَكم مُداخَلَتَهُمْ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يَعِزُّ عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْناتُكُمْ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: فاعِلٌ لِأفْعالِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى بِناءِ التَّكْلِيفِ؛ عَلى أساسِ الطّاقَةِ؛ دَلِيلٌ عَلى ما يُفِيدُهُ كَلِمَةُ "لَوْ"؛ مِنَ انْتِفاءِ مُقَدَّمِها.

Al-Baqara 2:220Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.