بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ وهي سَبْعُ آياتٍ
الفاتِحَةُ في الأصْلِ أوَّلُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْتَحَ؛ كالكِتابِ، والثَّوْبِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ تَدْرِيجٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ كالكَلامِ التَّدْرِيجِيِّ حُصُولًا؛ والسُّطُورِ والأوْراقِ التَّدْرِيجِيَّةِ قِراءَةً وعَدًّا؛ والتّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ؛ أوْ هي مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفَتْحِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ؛ إشْعارًا بِأصالَتِهِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ بِالذّاتِ؛ وبِالباقِي بِواسِطَتِهِ؛ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ واسِطَةٌ في تَعَلُّقِهِ بِالباقِي ثانِيًا؛ حَتّى يَرُدَّ أنَّهُ لا يَتَسَنّى في الخاتِمَةِ؛ لِما أنَّ خَتْمَ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ آخِرِهِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ انْقِطاعِ المُلابَسَةِ عَنْ أجْزائِهِ الأُوَلِ؛ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ الفَتْحَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ فَتْحٌ لَهُ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ وهو بِعَيْنِهِ فَتَحٌ لِلْجُمُوعِ بِواسِطَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ؛ وكَذا الكَلامُ في الخاتِمَةِ؛
فَإنَّ بُلُوغَ آخِرِ الشَّيْءِ يَعْرِضُ لِلْآخِرِ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ ولِلْكُلِّ بِواسِطَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحَقَّقَتْهُ؛ والمُرادُ بِالأوَّلِ ما يَعُمُّ الإضافِيَّ؛ فَلا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّ إطْلاقَ الفاتِحَةِ عَلى السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَمامِها؛ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الأوَّلِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ؛ لا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ عَلى ما عَلَيْهِ اصْطِلاحُ أهْلِ الأُصُولِ؛ ولا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِهَذا الِاسْمِ في أوائِلِ عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ قَبْلَ تَحَصُّلِ المَجْمُوعِ بِنُزُولِ الكُلِّ؛ لِما أنَّ التَّسْمِيَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ؛ أوْ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالإذْنِ؛ فَيَكْفِي فِيها تَحَصُّلُهُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أوْ في اللَّوْحِ؛ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ وأمْلاهُ جِبْرِيلُ عَلى السَّفَرَةِ؛ ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ ما في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ؛ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ؛ لا بِمَعْنى "مِن"؛ كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ؛ لِما عَرَفْتَ أنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ لا جُزْئِيٌّ لَهُ؛ ومَدارُ التَّسْمِيَةِ كَوْنُهُ مَبْدَأً لِلْكِتابِ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ لا في القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ ولا في التَّعْلِيمِ؛ ولا في النُّزُولِ كَما قِيلَ؛ أمّا الأوَّلُ فَبَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى تُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ؛ وأمّا الأخِيرانِ فَلِأنَّ اعْتِبارَ المَبْدَئِيَّةِ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ؛ أوْ مِن حَيْثُ النُّزُولُ يَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والتَّرْتِيبَ النُّزُولِيَّ لَيْسا عَلى نَسَقِ التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ وتُسَمّى أُمَّ القرآن؛ لِكَوْنِها أصْلًا ومَنشَأً لَهُ؛ إمّا لِمَبْدَئِيَّتِها لَهُ؛ وإمّا لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ؛ أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ؛ والأحْكامِ …