Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

(سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَتا آيَةٍ)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قَدْ سَلَفَ أنَّ ما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَصادَ، وقافَ، ونُونَ ولا مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ كَحامِيمَ، وطاسِينَ، وياسِينَ المُوازِنَةِ لِقابِيلَ، وهابِيلَ، وكَطاسِينَ مِيمٌ المُوازِنَةُ لِدارًا بِجِرْدَ حَسْبَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، فَطَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةَ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًَا، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ، وأمّا ما فِيها مِنَ الفَتْحِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَإنَّما هي حَرَكَةُ هَمْزَةِ الجَلالَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ عَلى ثُبُوتِها إذْ لَيْسَ إسْقاطُها لِلدَّرْجِ بَلْ لِلتَّخْفِيفِ فَهي بِبَقاءِ حَرَكَتِها في حُكْمِ الثّابِتِ المُبْتَدَإ بِهِ والمِيمُ بِكَوْنِ الحَرَكَةِ لِغَيْرِها في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الكَلامِ. وقِيلَ: هي حَرَكَةٌ لِالتِقاءِ السَّواكِنِ الَّتِي هي الياءُ والمِيمُ ولامُ الجَلالَةِ بَعْدَ سُقُوطِ هَمْزَتِها. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ سُقُوطَها مَبْنِيٌّ عَلى وُقُوعِها في الدَّرْجِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ سُكُونَ المِيمِ وقْفِيٌّ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِها عَمّا بَعْدَها مُسْتَدْعٍ لِثَباتِ الهَمْزَةِ عَلى حالِها، لا كَما في الحُرُوفِ والأسْماءِ المَبْنِيَّةِ عَلى السُّكُونِ فَإنَّ حَقَّها الِاتِّصالُ بِما بَعْدَها وضْعًَا واسْتِعْمالًَا فَتُسْقَطُ بِها هَمْزَةُ الوَصْلِ وتُحَرَّكُ أعْجازُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَسائِرِ الفَواتِحِ، وإنْ جُعِلَتِ اسْمًَا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ ذَكِّرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وأمّا الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ أوِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ أوِ الجَرِّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ، فَلا مَساغَ لِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّ ما بَعْدَها غَيْرُ صالِحٍ لِلْخَبَرِيَّةِ ولا لِلْإقْسامِ عَلَيْهِ فَإنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرَ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَإ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ أوْ حالٌ مِنهُ وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى اخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما مَرَّ مِن أنَّ مَعْنى الحىِّ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ والفَناءِ، ومَعْنى القَيُّومِ: الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، ومِن ضَرُورَةِ اخْتِصاصِ ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ بِهِ تَعالى اخْتِصاصُ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ تَعالى لِاسْتِحالَةِ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في ثَلاثِ سُوَرٍ، في …

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

(سُورَةُ آلِ عِمْرانَ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَتا آيَةٍ)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قَدْ سَلَفَ أنَّ ما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَصادَ، وقافَ، ونُونَ ولا مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ كَحامِيمَ، وطاسِينَ، وياسِينَ المُوازِنَةِ لِقابِيلَ، وهابِيلَ، وكَطاسِينَ مِيمٌ المُوازِنَةُ لِدارًا بِجِرْدَ حَسْبَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، فَطَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةَ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًَا، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ، وأمّا ما فِيها مِنَ الفَتْحِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَإنَّما هي حَرَكَةُ هَمْزَةِ الجَلالَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ لِتَدُلَّ عَلى ثُبُوتِها إذْ لَيْسَ إسْقاطُها لِلدَّرْجِ بَلْ لِلتَّخْفِيفِ فَهي بِبَقاءِ حَرَكَتِها في حُكْمِ الثّابِتِ المُبْتَدَإ بِهِ والمِيمُ بِكَوْنِ الحَرَكَةِ لِغَيْرِها في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ في الكَلامِ. وقِيلَ: هي حَرَكَةٌ لِالتِقاءِ السَّواكِنِ الَّتِي هي الياءُ والمِيمُ ولامُ الجَلالَةِ بَعْدَ سُقُوطِ هَمْزَتِها. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ سُقُوطَها مَبْنِيٌّ عَلى وُقُوعِها في الدَّرْجِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ سُكُونَ المِيمِ وقْفِيٌّ مُوجِبٌ لِانْقِطاعِها عَمّا بَعْدَها مُسْتَدْعٍ لِثَباتِ الهَمْزَةِ عَلى حالِها، لا كَما في الحُرُوفِ والأسْماءِ المَبْنِيَّةِ عَلى السُّكُونِ فَإنَّ حَقَّها الِاتِّصالُ بِما بَعْدَها وضْعًَا واسْتِعْمالًَا فَتُسْقَطُ بِها هَمْزَةُ الوَصْلِ وتُحَرَّكُ أعْجازُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَسائِرِ الفَواتِحِ، وإنْ جُعِلَتِ اسْمًَا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ ذَكِّرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وأمّا الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ أوِ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ أوِ الجَرِّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ، فَلا مَساغَ لِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّ ما بَعْدَها غَيْرُ صالِحٍ لِلْخَبَرِيَّةِ ولا لِلْإقْسامِ عَلَيْهِ فَإنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرَ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لَهُ أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَإ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ أوْ حالٌ مِنهُ وأيًَّا ما كانَ؛ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى اخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما مَرَّ مِن أنَّ مَعْنى الحىِّ: الباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ والفَناءِ، ومَعْنى القَيُّومِ: الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، ومِن ضَرُورَةِ اخْتِصاصِ ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ بِهِ تَعالى اخْتِصاصُ اسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ تَعالى لِاسْتِحالَةِ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في ثَلاثِ سُوَرٍ، في …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ: القرآن. عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانًَا بِكَمالِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ، كَما يَلُوحُ بِهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمَيِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّنْجِيمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ عَنِ الاسْمِ الجَلِيلِ أوْ هي الخَبَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ كَما مَرَّ. وقُرِئَ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ الكِتابِ، فالظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنِفَةً، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًَا بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ: نَزَلَ الكِتابُ مِن عِنْدِهِ.

﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ: نَزَّلَهُ مُحِقًَّا في تَنْزِيلِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ أوْ مُلْتَبِسًَا بِالعَدْلِ في أحْكامِهِ أوْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ التَّوْحِيدِ وما يَلِيهِ، وفي وعْدِهِ ووَعِيدِهِ أوْ بِما يُحَقِّقُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحُجَجِ البَيِّنَةِ.

﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ بِالِاتِّفاقِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ حالًَا مِن فاعِلِ نَزَّلَ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ حالِيَّتِهِ مِنَ الكِتابِ، فَهو عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ بِلا عَطْفٍ ولا بَدَلِيَّةٍ حالٌ مِنهُ بَعْدَ حالٍ، وأمّا عِنْدَ مَن يَمْنَعُهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِن مَحَلِّ الحالِ الأُولى عَلى البَدَلِيَّةِ. وقِيلَ: مِنَ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرًَا لِقِيامِهِ مَقامَ عامِلِهِ المُتَحَمِّلِ لَهُ، فَيَكُونُ حالًَا مُتَداخِلَةً، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ وفائِدَةُ تَقْيِيدِ التَّنْزِيلِ بِها حَثُّ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَلى الإيمان بالمُنَزَّلِ وتَنْبِيهُهم عَلى وُجُوبِهِ، فَإنَّ الإيمان بالمُصَدَّقِ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ بِما يُصَدِّقُهُ حَتْمًَا.

﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مَفْعُولٌ لِمُصَدِّقًَا، واللّامُ دِعامَةٌ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ نَحْوُ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، أيْ: مُصَدِّقًَا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى حُضُورِها، وكَمالِ ظُهُورِ أمْرِها بَيْنَ النّاسِ، وتَصْدِيقِهِ إيّاها في الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، والأمْرِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وكَذا في أنْباءِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، وكَذا في نُزُولِهِ عَلى النَّعْتِ المَذْكُورِ فِيها، وكَذا في الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ، ظاهِرٌ لا رَيْبَ فِيهِ، وأمّا في الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِهِما فَمِن حَيْثُ أنَّ أحْكامَ كُلِّ واحِدٍ مِنها وارِدَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى خُصُوصِيّاتِ الأُمَمِ المُكَلَّفَةِ بِها مُشْتَمِلَةً عَلى المَصالِحِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِهِمْ.

﴿وَأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ تَعْيِينٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وتَبْيِينٌ لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ، تَأْكِيدًَا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًَا لِما بَعْدَهُ، إذْ بِذَلِكَ يَتَرَقّى شَأْنُ ما يُصَدِّقُهُ رِفْعَةً ونَباهَةً، ويَزْدادُ في القُلُوبِ قَبُولًَا ومَهابَةً، ويَتَفاحَشُ حالُ مَن كَفَرَ بِهِما في …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ، أيْ: أنْزَلَهُما مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في البَيانِ.

﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ، أيْ: أنْزَلَهُما لِهِدايَةِ النّاسِ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما، أيْ: أنْزَلَهُما حالَ كَوْنِهِما هُدىً لَهم. والإفْرادُ لِما أنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلا نَفْسَ الهُدى مُبالَغَةً أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ، أيْ: ذَوَيْ هُدىً، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ هِدايَتُهُما بِجَمِيعِ ما فِيهِما مِن حَيْثُ هو جَمِيعٌ، فالمُرادُ بِالنّاسِ الأُمَمُ الماضِيَةُ مِن حِينِ نُزُولِهِما إلى زَمانِ نَسْخِهِما، وإنْ أُرِيدَ هِدايَتُهُما عَلى الإطْلاقِ - وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ - فالنّاسُ عَلى عُمُومِهِ لِما أنَّ هِدايَتَهُما بِما عَدَّ الشَّرائِعَ المَنسُوخَةَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُصَدِّقُهُما القرآن فِيها ومِن جُمْلَتِها البِشارَةُ بِنُزُولِهِ وبِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ تَعُمُّ النّاسَ قاطِبَةً.

﴿وَأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ "الفُرْقانُ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالغُفْرانِ، أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِهِ: هَهُنا: إمّا جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، عُبِّرَ عَنْها بِوَصْفٍ شامِلٍ لِما ذَكَرَ مِنها وما لَمْ يَذْكُرْ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ بِالتَّعْمِيمِ إثْرَ تَخْصِيصِ بَعْضِ مَشاهِيرِها بِالذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ﴾، وإمّا نَفْسُ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ أُعِيدَ ذِكْرُها بِوَصْفٍ خاصٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الإنْزالِ، تَنْزِيلًَا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ و إمّا الزَّبُورُ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى المَواعِظِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، الدّاعِيَةِ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ، الزّاجِرَةِ عَنِ الشَّرِّ والفَسادِ، وتَقْدِيمُ الإنْجِيلِ عَلَيْهِ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْهُ نُزُولًَا لِقُوَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلتَّوْراةِ في الِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ والشَّرائِعِ، وشُيُوعِ اقْتِرانِهِما في الذِّكْرِ، و إمّا القرآن نَفْسُهُ، ذُكِرَ بِنَعْتٍ مادِحٍ لَهُ بَعْدَ ما ذُكِرَ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًَا لِشَأْنِهِ، ورَفْعًَا لِمَكانِهِ، وقَدْ بَيَّنَ أوَّلًَا تَنْزِيلَهُ التَّدْرِيجِيَّ إلى الأرْضِ، وثانِيًَا إنْزالَهُ الدُّفَعِيَّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، أوْ أُرِيدَ بِإنْزالِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ العارِي عَنْ قَيْدِ التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ، و إمّا المُعْجِزاتُ المَقْرُونَةُ بِإنْزالِ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُحَقِّ والمُبْطَلِ.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى ما فُصِّلَ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوْ مِنها، ومِنَ المُعْجِزاتِ وآياتٍ مُضافَةٍ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ تَعْيِينًَا لِحَيْثِيَّةِ كُفْرِهِمْ، وتَهْوِيلًَا لِأمْرِهِمْ، وتَأْكِيدًَا لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الشَّدِيدَ، وإيذانًَا بِأنَّ ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقَ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الكُفْرُ بِالكُلِّ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الكُفْرُ بِبَعْضٍ مِنها، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: إمّا أهْلُ الكِتابَيْنِ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ المُحاجَّةِ مَعَهم أوْ جِنْسُ الكَفَرَةِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، أيْ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما ذُكِرَ مِن آياتِ اللَّهِ النّاطِقَةِ بِالحَقِّ، لاسِيَّما بِتَوْحِيدِهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ …

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرض ولا في السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ سِيقَ لِبَيانِ سَعَةِ علمه تعالى، وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما في العالَمِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الكُفْرِ والفُسُوقِ سِرًَّا وجَهْرًَا إثْرَ بَيانِ كَمالِ قدرته وعِزَّتِهِ، تَرْبِيَةً لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ وتَنْبِيهًَا عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ، كَما كانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ رُتْبَةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما ذُكِرَ بِعَدَمِ خَفائِهِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرض ولا في السَّماءِ﴾ إيذانًَا بِأنَّ علمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ - وإنْ كانَتْ في أقْصى الغاياتِ الخَفِيَّةِ - لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ أنْ يُقارِنَهُ شائِبَةُ خَفاءٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما في عُلُومِ المَخْلُوقِينَ، بَلْ هو في غايَةِ الوُضُوحِ والجَلاءِ. والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرُ لِإنَّ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِهِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما، كائِنٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما أوِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يَخْفى" وإنَّما عَبَّرَ بِهِما عَنْ كُلِّ العالَمِ لِأنَّهُما قُطْراهُ، وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أحْوالِ أهْلِها، وتَوْسِيطُ حَرْفِ النَّفْيِ بَيْنَهُما لِلدِّلالَةِ عَلى التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بِاعْتِبارِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنّا المُسْتَدْعِيَيْنِ لِلتَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِنا.

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، ناطِقَةٌ بِبَعْضِ أحْكامِ قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى، وجَرَيانِ أحْوالِ الخَلْقِ في أطْوارِ الوُجُودِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ مُقَرِّرَةً لِكَمالِ عِلْمِهِ مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ دُخُولِها تَحْتَ الوُجُودِ ضَرُورَةَ وُجُوبِ علمه تعالى بِالصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى التَّصْوِيرِ المُتَرَتِّبِ عَلى المَشِيئَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِها بِمَراتِبَ، وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُصَوِّرُكُمْ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أيْ: يُصَوِّرُكم وأنْتُمْ في الأرْحامِ مُضَغٌ. و "كَيْفَ" مَعْمُولٌ لِ يَشاءُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، إمّا مِن فاعِلِ يُصَوِّرُكُمْ، أيْ: يُصَوِّرُكم كائِنًَا عَلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، أيْ: مُرِيدًَا أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: يُصَوِّرُكم كائِنِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ تَعالى تابِعِينَ لَها في قَبُولِ الأحْوالِ المُتَغايِرَةِ مِن كَوْنِكم نُطَفًَا ثُمَّ عَلَقًَا ثُمَّ مُضَغًَا غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ ثُمَّ مُخَلَّقَةً، وفي الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى بُطْلانِ زَعْمِ مَن زَعَمَ رُبُوبِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو مِن جُمْلَةِ أبْناءِ النَّواسِيتِ المُتَقَلِّبِينَ في هَذِهِ الأطْوارِ عَلى مَشِيئَةِ البارِي عَزَّ وجَلَّ، وكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ "تَصَوَّرَكُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ، أيْ: صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ.

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إذْ لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الشُّؤُونِ العَظِيمَةِ الخاصَّةِ بِالأُلُوهِيَّةِ أحَدٌ لِيُتَوَهَّمَ أُلُوهِيَّتُهُ.

﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المُتَناهِي في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِذَلِكَ يَخْلُقُكم عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النَّمَطِ البَدِيعِ.

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ شُرُوعٌ في إبْطالِ شُبَهِهِمُ النّاشِئَةِ عَمّا نَطَقَ بِهِ القرآن في نَعْتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ الربوبية ومَناطِها بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تارَةً بَعْدَ أُخْرى، وكَوْنِ كُلِّ مَن عَداهُ مَقْهُورًَا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تابِعًَا لِمَشِيئَتِهِ. قِيلَ: «إنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ؟ قالَ ﷺ: بَلى، قالُوا: فَحَسْبُنا ذَلِكَ.» فَنَعى عَلَيْهِمْ زَيْغَهم وفِتْنَتَهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ مُؤَسَّسٌ عَلى أُصُولٍ رَصِينَةٍ وفُرُوعٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْها ناطِقَةٍ بِالحَقِّ قاضِيَةٍ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ. والمُرادُ بِـ"الإنْزالِ": القَدْرُ المُشْتَرَكُ المُجَرَّدُ عَنِ الدِّلالَةِ عَلى قَيْدِ التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ، ولامُ الكِتابِ لِلْعَهْدِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما قَبْلُ مِنَ الاعْتِناءِ بِشَأْنِ بِشارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَشْرِيفِ الإنْزالِ عَلَيْهِ، ومِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما أُنْزِلَ. فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ -لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِرِفْعَةِ شَأْنِهِ أوْ بِمَنفَعَتِهِ - تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ ولِيَتَّصِلَ بِهِ تَقْسِيمُهُ إلى قِسْمَيْهِ.

﴿مِنهُ آياتٌ﴾ الظَّرْفُ خَبَرٌ، وآياتٌ مُبْتَدَأٌ أوْ بِالعَكْسِ، بِتَأْوِيلٍ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآيَةُ. والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَواعِدِ الصِّناعَةِ. والثّانِي أدْخَلُ في جَزالَةِ المَعْنى، إذِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ انْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَعْهُودَيْنِ لا كَوْنَهُما مِنَ الكِتابِ فَتَذَكَّرْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ، أيْ: هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ كائِنًَا عَلى هَذِهِ الحالِ، أيْ: مُنْقَسِمًَا إلى مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، أوِ الظَّرْفُ هو الحالُ وحْدَهُ، وآياتٌ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

﴿مُحْكَماتٌ﴾ صِفَةُ آياتٌ، أيْ: قَطْعِيَّةُ الدِّلالَةِ عَلى المَعْنى، المُرادُ: مُحْكَمَةُ العِبارَةِ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ.

﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ أيْ: أصْلٌ فِيهِ وعُمْدَةٌ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها، فالمُرادُ بِالكِتابِ: كُلُّهُ، والإضافَةُ بِمَعْنى فِي، كَما في واحِدِ العَشْرَةِ لا بِمَعْنى اللّامِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ الكِتابِ عِبارَةً عَمّا عَدا المُحْكَماتِ، والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ، وإنَّما أفْرَدَ الأُمَّ مَعَ تَعَدُّدِ الآياتِ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أصْلِيَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، أوْ بَيانُ أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقِيلَ: اكْتُفِيَ بِالمُفْرَدِ عَنِ الجَمْعِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ بِها جِيَفُ الحَصْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ

أيْ: وأمّا جُلُودُها.

﴿وَأُخَرُ﴾ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى آياتٌ، أيْ: وآياتٌ أُخَرُ، وهي جَمْعُ "أُخْرى"، وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ أوْ عَنْ آخَرٍ. ** مِن ﴿مُتَشابِهاتٌ﴾ صِفَةٌ لِ أُخَرُ، وفي الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِلْمَحْذُوفِ، أيْ: مُحْتَمِلاتٌ لِمَعانٍ مُتَشابِهَةٍ لا يَمْتازُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ في اسْتِحْقاقِ الإرادَةِ بِها، ولا يَتَّضِحُ الأمْرُ إلّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ والتَّأمُّلِ …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ مِن تَمامِ مَقالَةِ الرّاسِخِينَ، أيْ: لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ، قالَ ﷺ: « "قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شاءَ أقامَهُ عَلى الحَقِّ وإنْ شاءَ أزاغَهُ عَنْهُ".» وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَبْلُنا بِبَلايا تَزِيغُ فِيها قُلُوبُنا.

﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ: إلى الحَقِّ والتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، أوْ إلى الإيمان بالقِسْمَيْنِ. و"بَعْدَ" نُصِبَ بِ "لا تُزِغْ" عَلى الظَّرْفِ، و "إذْ" في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ خارِجًَا مِنَ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: بَعْدَ وقْتِ هِدايَتِكَ إيّانا وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى أنْ.

﴿وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "هَبْ"، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لِما مَرَّ مِرارًَا، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: كائِنَةٌ مِن لَدُنْكَ، و "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، و"لَدُنْ" في الأصْلِ ظَرْفٌ بِمَعْنى أوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ الذَّواتِ، نَحْوِ: "مِن لَدُنْ زَيْدٍ"، ولَيْسَتْ مُرادِفَةً لِـ "عِنْدَ" إذْ قَدْ تَكُونُ فَضْلَةً وكَذا لَدى، وبَعْضُهم يَخُصُّها بِظَرْفِ المَكانِ، وتُضافُ إلى صَرِيحِ الزَّمانِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ تَنْتَفِضُ الرَّعْدَةُ في ظُهَيْرِي ∗∗∗ مِن لَدُنِ الظُّهْرِ إلى العُصَيْرِ

وَلا تُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ بِحالٍ، و أكْثَرُ ما تُضافُ إلى المُفْرَداتِ، وقَدْ تُضافُ إلى أنْ وصِلَتِها، كَما في قَوْلِهِ:

؎ ولَمْ تَقْطَعْ أصْلًَا مِن لَدُنْ أنْ ولِيتَنا ∗∗∗ قَرابَةَ ذِي رَحِمٍ ولا حَقَّ مُسْلِمِ

أيْ: مِن لَدُنْ وِلايَتِكَ إيّانا، وقَدْ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ:

تَذَكَّرْ نُعْماهُ لَدُنْ أنْتَ يافِعُ

وَإلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أيْضًَا كَما في قَوْلِهِ:

؎ لَزِمْنا لَدُنْ سالَمْتُمُونا وفاتَكم ∗∗∗ فَلا يَكُ مِنكم لِلْخِلافِ جُنُوحُ

وَقَلَّما تَخْلُو عَنْ "مِن" كَما في البَيْتَيْنِ الأخِيرَيْنِ.

﴿رَحْمَةً﴾ واسِعَةً، تُزْلِفُنا إلَيْكَ ونَفُوزُ بِها عِنْدَكَ أوْ تَوْفِيقًَا لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارَّيْنِ لِما مَرَّ مِرارًَا مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ، لاسِيَّما عِنْدَ الإشْعارِ بِكَوْنِهِ مِنَ المَنافِعِ بِاللّامِ، فَإذا أوْرَدَهُ يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ.

﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، و "أنْتَ" إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ أوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، و إطْلاقُ الوَهّابِ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مَوْهُوبٍ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِن قِبَلِهِ تَعالى، وأنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُنْعِمُ بِهِ عَلى عِبادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ أيِ: الحِسابِ يَوْمَ أوِ الجَزاءِ يَوْمَ، حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ مَقامَهُ المُضافُ إلَيْهِ تَهْوِيلًَا لَهُ وتَفْظِيعًَا لِما يَقَعُ فِيهِ.

﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ، ومَقْصُودُهم بِهَذا عَرْضُ كَمالِ افْتِقارِهِمْ إلى الرَّحْمَةِ، وأنَّها المَقْصِدُ الأسْنى عِنْدَهُمْ، و التَّأْكِيدُ لِإظْهارِ ما هم عَلَيْهِ مِن كَمالِ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ، أوْ لِانْتِفاءِ الرَّيْبِ والتَّأْكِيدِ لِما مَرَّ، و إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الِالتِفاتِ لِإبْرازِ كَمالِ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ المَهِيبِ الهائِلِ، بِخِلافِ ما في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَإنَّهُ مَقامُ طَلَبِ الإنْعامِ كَما سَيَأْتِي و لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإخْلافِ وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَقْرِيرِ قَوْلِ الرّاسِخِينَ. و "المِيعادُ" مَصْدَرٌ، كالمِيقاتِ واسْتَدَلَّ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ، وَأُجِيبُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ بِدَلائِلَ مُفَصَّلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًَا.

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ الدِّينَ الحَقَّ والتَّوْحِيدَ، وذَكَرَ أحْوالَ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِهِ وشَرَحَ شَأْنَ القرآن العَظِيمِ وكَيْفِيَّةَ إيمانِ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ بِهِ، شَرَعَ في بَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ جِنْسُ الكَفَرَةِ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأصْنافِ، وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ أوِ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ.

﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَنْفَعَهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ و بِسُكُونِ الياءِ جِدًَّا في اسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ عَلى حُرُوفِ اللِّينِ.

﴿أمْوالُهُمْ﴾ الَّتِي يَبْذُلُونَها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ.

﴿وَلا أوْلادُهُمْ﴾ الَّذِينَ بِهِمْ يَنْتَصِرُونَ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ وعَلَيْهِمْ يُعَوِّلُونَ في الخُطُوبِ المُلِمَّةِ، وتَأْخِيرُ الأوْلادِ عَنِ الأمْوالِ مَعَ تَوْسِيطِ حَرْفِ النَّفْيِ بَيْنَهُما إمّا لِعَراقَةِ الأوْلادِ في كَشْفِ الكُرُوبِ،أوْ لِأنَّ الأمْوالَ أوَّلُ عُدَّةٍ يُفْزَعُ إلَيْها عِنْدَ نُزُولِ الخُطُوبِ.

﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِن عَذابِهِ تَعالى.

﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًَا مِنَ الإغْنِياءِ، وقِيلَ: كَلِمَةُ "مِن" بِمَعْنى البَدَلِ، والمَعْنى: بَدَلَ رَحْمَةِ اللَّهِ أوْ بَدَلَ طاعَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: بَدَلَ الحَقِّ ومِنهُ قَوْلُهُ: "وَلا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ"، أيْ: لا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ بَدَلَكَ، أيْ: بَدَلَ رَحْمَتِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ احْتِمالَ سَدِّ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ طاعَتِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ حَتّى يُتَصَدّى لِنَفْيِهِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِتَفْظِيعِ حالِ الكَفَرَةِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِمْ، والأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِالكُفْرِ: حَطَبُ النّارِ وحَصَبُها الَّذِي تُسَعَّرُ بِهِ، فَإنْ أُرِيدَ بَيانُ حالِهِمْ عِنْدَ التَّسْعِيرِ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ وتَقَرُّرِهِ، وإلّا فَهو لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِيقَةَ حالِهِمْ ذَلِكَ وأنَّ أحْوالَهُمُ الظّاهِرَةَ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَهم حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وقُودُ النّارِ بِأعْيانِهِمْ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ مُلابَسَتِهِمْ بِالنّارِ ما لا يَخْفى، و "هُمْ" يَحْتَمِلُ الِابْتِداءَ، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الفَصْلِ، و الجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِعَدَمِ الإغْنِياءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ إنَّ، و أيًَّا ما كانَ؛ فَفِيها تَعْيِينٌ لِلْعَذابِ الَّذِي بَيَّنَ أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم لا تُغْنِي عَنْهم مِنهُ شَيْئًَا. وقُرِئَ "وُقُودُ النّارِ" بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: أهْلُ وقُودِها.

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.