Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

(سُورَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وسِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً)

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سِلْكِهِمْ مِنَ المَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ والحادِثِينَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَ انْتِظامِهِمْ فِيهِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ خِطابَ المُشافَهَةِ لا يَتَناوَلُ القاصِرِينَ عَنْ دَرَجَةِ التَّكْلِيفِ إلّا عِنْدَ الحَنابِلَةِ بَلْ إمّا بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَلى الأخِيرَيْنِ وإمّا بِطَرِيقِ تَعْمِيمِ حُكْمِهِ لَهُما بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ، فَإنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ آخِرَ الأُمَّةِ مُكَلَّفٌ بِما كُلِّفَ بِهِ أوَّلُها كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿الحَلالُ ما جَرى عَلى لِسانِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ والحَرامُ ما جَرى عَلى لِسانِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وقَدْ فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، وأمّا الأُمَمُ الدّارِجَةُ قَبْلَ النُّزُولِ فَلا حَظَّ لَهم في الخِطابِ لِاخْتِصاصِ الأوامِرِ والنَّواهِي بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِثالُ وأمّا انْدِراجُهم في خِطابِ ما عَداهُما مِمّا لَهُ دَخْلٌ في تَأْكِيدِ التَّكْلِيفِ وتَقْوِيَةِ الإيجابِ فَسَتَعْرِفُ حالَهُ، ولَفْظُ النّاسِ يَنْتَظِمُ الذُّكُورَ والإناثَ حَقِيقَةً، وأمّا صِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فَوارِدَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ لِعَدَمِ تَناوُلِها حَقِيقَةً لِلْإناثِ عِنْدَ غَيْرِ الحَنابِلَةِ، وأمّا إدْخالُهُنَّ في الأمْرِ بِالتَّقْوى بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ وإنْ كانَ فِيهِ مُراعاةُ جانِبِ الصِّيغَةِ لَكِنَّهُ يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ لَفْظِ النّاسِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا مُطْلَقُ التَّقْوى الَّتِي هي التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤْثِمُ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ وإمّا التَّقْوى فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ أبْناءِ الجِنْسِ، أيِ: اتَّقُوهُ في مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ عَلى الإطْلاقِ أوْ في مُخالَفَةِ تَكالِيفِهِ الوارِدَةِ هَهُنا وأيًَّا ما كانَ؛ فالتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وكَذا وصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ فَإنَّ خَلْقَهُ تَعالى إيّاهم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لِإنْبائِهِ عَنْ قُدْرَةٍ شامِلَةٍ لِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عِقابُهم عَلى مَعاصِيهِمْ وعَنْ نِعْمَةٍ كامِلَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الِاتِّقاءِ مِن مُوجِباتِ نِقْمَتِهِ وأتَمِّ الزَّواجِرِ عَنْ كُفْرانِ نِعْمَتِهِ، وكَذا جَعْلُهُ تَعالى إيّاهم صِنْوانًَا مُفَرَّغَةً مِن أرُومَةٍ واحِدَةٍ هي نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُوجِباتِ الِاحْتِرازِ عَنِ الإخْلالِ بِمُراعاةِ ما بَيْنَهم مِن حُقُوقِ الأُخُوَّةِ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ في "رَبَّكُمْ" و"خَلَقَكُمْ" لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أيْضًَا مَعَ اخْتِصاصِهِ فِيما قَبْلُ بِالمَأْمُورِينَ بِناءً عَلى أنَّ تَذْكِيرَ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وخَلْقِهِ لِلْكُلِّ مِن مُؤَكِّداتِ الأمْرِ بِالتَّقْوى ومُوجِباتِ الِامْتِثالِ بِهِ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ لِأنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ بِواسِطَةِ ما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ كانَ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

﴿وَآتُوُا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ ومَظانِّهِ بِتَكْلِيفِ ما يُقابِلُها أمْرًَا ونَهْيًَا عَقِيبَ الأمْرِ بِنَفْسِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وتَقْدِيمُ ما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِهِمْ ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ؛ إذِ الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ إلى الأجانِبِ.

واليَتِيمُ مَن ماتَ أبُوهُ مِنَ اليُتْمِ وهو الِانْفِرادُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وجَمْعُهُ عَلى يَتامى إمّا لِأنَّهُ لَمّا جَرى مَجْرى الأسْماءِ جُمِعَ عَلى يَتاتِمْ ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ يَتامى، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مِن وادِي الآفاتِ جُمِعَ عَلى يَتْمى ثُمَّ جُمِعَ يَتْمى عَلى يَتامى، والِاشْتِقاقُ يَقْتَضِي صِحَّةَ إطْلاقِهِ عَلى الكِبارِ أيْضًَا واخْتِصاصُهُ بِالصِّغارِ مَبْنِيٌّ عَلى العُرْفِ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلُمِ﴾ فَتَعْلِيمٌ لِلشَّرِيعَةِ لا تَعْيِينٌ لِمَعْنى اللَّفْظِ، أيْ: لا يَجْرِي عَلى اليَتِيمِ بَعْدَهُ حُكْمُ الأيْتامِ، والمُرادُ بِإيتاءِ أمْوالِهِمْ: قَطْعُ المُخاطَبِينَ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ عَنْها وكَفُّ أكُفِّهِمُ الخاطِفَةِ عَنِ اخْتِزالِها وتَرْكُها عَلى حالِها غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَها بِسُوءٍ حَتّى تَأْتِيَهم وتَصِلَ إلَيْهِمْ سالِمَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّبَدُّلِ، والأكْلِ لا الإعْطاءِ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالبُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا﴾ الآيَةُ وإنَّما عَبَّرَ عَمّا ذَكَرَ بِالإيتاءِ مَجازًَا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادُهم بِذَلِكَ إيصالَها إلَيْهِمْ لا مُجَرَّدَ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَها، فالمُرادُ بِهِمْ إمّا الصِّغارُ عَلى ما هو المُتَبادِرُ والأمْرُ خاصٌّ بِمَن يَتَوَلّى أمْرَهم مِنالأوْلِياءِ والأوْصِياءِ وشُمُولُ حُكْمِهِ لِأوْلِياءِ مَن كانَ بالِغًَا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ دُونَ العِبارَةِ، وأمّا مَن جَرى عَلَيْهِ اليُتْمُ في الجُمْلَةِ مَجازًَا أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ بالِغًَا، فالأمْرُ شامِلٌ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ صِيغَةَ مُوجِبٍ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ مِن حِفْظِ أمْوالِهِمْ والتَّحَفُّظِ عَنْ إضاعَتِها مُطْلَقًَا، وأمّا وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى الكِبارِ فَمُسْتَفادٌ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِهِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ: الصِّغارُ وبِالإيتاءِ: الإعْطاءُ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، وقِيلَ: أُطْلِقَ اسْمُهم عَلى الكِبارِ بِطَرِيقِ الِاتِّساعِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِاليُتْمِ حَثًَّا لِلْأوْلِياءِ عَلى المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ أوَّلَ ما بَلَغُوا قَبْلَ أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ اسْمُهُمُ المَعْهُودُ، فالإيتاءُ بِمَعْنى الإعْطاءِ بِالفِعْلِ ويَأْباهُما ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَلُوُا اليَتامى﴾ إلَخْ فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِالدَّفْعِ وارِدٌ عَلى وجْهِ التَّكْلِيفِ الِابْتِدائِيِّ لا عَلى وجْهِ تَعْيِينِ وقْتِهِ أوْ بَيانِ شَرْطِهِ فَقَطْ كَما هو مُقْتَضى القَوْلَيْنِ، وأمّا تَعْمِيمُ الِاسْمِ لِلصِّغارِ والكِبارِ مَجازًَا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ مَعَ تَعْمِيمِ الإيتاءِ لِلْإيتاءِ حالًَا ولِلْإيتاءِ مَآلًَا، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِأوْلِياءِ كِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ مَن بَلَغَ مِنهم فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ وأنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًَا فَمَعَ ما سَبَقَ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى، فالأنْسَبُ ما …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ الإقْساطُ: العَدْلُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ فَقِيلَ: هو مِن قَسَطَ، أيْ: جارَ و"لا" مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ . وقِيلَ: هو بِمَعْنى أقْسَطَ، فَإنَّ الزَّجّاجَ حَكى أنَّ قَسَطَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أقْسَطَ، والمُرادُ بِالخَوْفِ العِلْمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًَا بِكَوْنِ المَعْلُومِ مَخُوفًَا مَحْذُورًَا لا مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، لِأنَّ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الجَوابُ هو العِلْمُ بِوُقُوعِ الجَوْرِ المَخُوفِ لا الخَوْفُ مِنهُ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ شامِلًَا لِمَن يُصِرُّ عَلى الجَوْرِ ولا يَخافُهُ وهَذا شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يُباشِرُونَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأنْفُسِ اليَتامى أصالَةً وبِأمْوالِهِمْ تَبَعًَا عَقِيبَ النَّهْيِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِهِمْ خاصَّةً، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِ ونُزُولِهِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ المُرَكَّبِ مِنَ المُفْرَدِ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَن تَحِلُّ لَهم مِنَ اليَتامى اللّاتِي يَلُونَهُنَّ لَكِنْ لا لِرَغْبَةٍ فِيهِنَّ بَلْ في مالِهِنَّ ويُسِيئُونَ في الصُّحْبَةِ والمُعاشَرَةِ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِنَّ أنْ يَمُتْنَ فَيَرِثُوهُنَّ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ. وقِيلَ: هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها فَيَرْغَبُ في مالِها وجَمالِها ويُرِيدُ أنْ يَنْكِحَها بِأدْنى مِن سُنَّةِ نِسائِها فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ في إكْمالِ الصَّداقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما سِواهُنَّ مِنَ النِّساءِ وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ رِوايَةً عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وأمّا اعْتِبارُ اجْتِماعِ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنهُنَّ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ حَيْثُ قالُوا: كانَ الرَّجُلُ يَجِدُ اليَتِيمَةَ لَها مالٌ وجَمالٌ ويَكُونُ ولِيَّها فَيَتَزَوَّجُها ضَنًَّا بِها عَنْ غَيْرِهِ فَرُبَّما اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ عَشْرٌ مِنهُنَّ إلَخْ فَلا يُساعِدُهُ الأمْرُ بِنِكاحِ غَيْرِهِنَّ فَإنَّ المَحْذُورَ حِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ بِتَقْلِيلِ عَدَدِهِنَّ أيْ: وإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في حَقِّ اليَتامى إذا تَزَوَّجْتُمْ بِهِنَّ بِإساءَةِ العِشْرَةِ أوْ بِنَقْصِ الصَّداقِ.

﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ "ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ما بَعْدَها صِلَتُها أوْ صِفَتُها أوْ أُوثِرَتْ عَلى مَن ذَهابًَا إلى الوَصْفِ وإيذانًَا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ والغالِبُ في الِاعْتِبارِ لا بِناءً عَلى أنَّ الإناثَ مِنَ العُقَلاءِ يَجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ لِإخْلالِهِ بِمَقامِ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "مَن طابَ" و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ بِهِنَّ: غَيْرُ اليَتامى بِشَهادَةِ قَرِينَةِ المَقامِ، أيْ: فانْكِحُوا مَنِ اسْتَطابَتْها نُفُوسُكم مِنَ الأجْنَبِيّاتِ وفي إيثارِ الأمْرِ بِنِكاحِهِنَّ عَلى النَّهْيِ عَنْ نِكاحِ اليَتامى مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مَزِيدُ لُطْفٍ في اسْتِنْزالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الحِرْصِ عَلى ما مُنِعَتْ مِنهُ كَما أنَّ وصْفَ النِّساءِ بِالطِّيبِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ فِيهِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ والتَّرْغِيبِ فِيهِنَّ وكُلُّ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ بِصَرْفِهِمْ عَنْ نِكاحِ اليَتامى وهو السِّرُّ في تَوْجِيهِ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ إلى النِّكاحِ المُتَرَقَّبِ مَعَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

﴿وَآتُوُا النِّساءَ﴾ أيِ: اللّاتِي أمَرَ بِنِكاحِهِنَّ.

﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ جَمْعُ صَدُقَةٍ كَسَمُرَةٍ وهي المَهْرُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الدّالِ عَلى التَّخْفِيفِ وبِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، جَمْعُ صُدْقَةٍ كَغُرْفَةٍ وبِضَمِّها عَلى التَّوْحِيدِ وهو تَثْقِيلُ صُدْقَةٍ كَظُلُمَةٍ في ظُلْمَةٍ.

﴿نِحْلَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ لِأنَّها مِمّا فَرَضَهُ اللَّهُ في النِّحْلَةِ، أيِ: المِلَّةِ والشِّرْعَةِ والدِّيانَةِ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً مِنهُ تَعالى. وقالَ الزَّجّاجُ: تَدَيُّنًَا فانْتِصابُها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: أعْطُوهُنَّ دِيانَةً وشِرْعَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: "نِحْلَةً" أيْ: هِبَةً وعَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَفَضُّلًَا مِنهُ عَلَيْهِنَّ فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِنها أيْضًَا، وقِيلَ: عَطِيَّةً مِن جِهَةِ الأزْواجِ مِن نَحَلَهُ كَذا إذا أعْطاهُ إيّاهُ ووَهَبَهُ لَهُ عَنْ طِيبَةٍ مِن نَفْسِهِ نِحْلَةً ونُحْلًَا، والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ المُهُورِ بِالنِّحْلَةِ مَعَ كَوْنِها واجِبَةً عَلى الأزْواجِ لِإفادَةِ مَعْنى الإيتاءِ عَنْ كَمالِ الرِّضا وطِيبِ الخاطِرِ وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ الإيتاءَ والنِّحْلَةَ بِمَعْنى الإعْطاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وانْحِلُوُا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، أيْ: أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عَنْ طِيبَةِ أنْفُسِكم أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "آتُوا" أيْ: آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ ناحِلِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ أوْ مِنَ الصَّدُقاتِ، أيْ: مَنحُولَةً مُعْطاةً عَنْ طِيبَةِ الأنْفُسِ، فالخِطابُ لِلْأزْواجِ. وقِيلَ: لِلْأوْلِياءِ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ مُهُورَ بَناتِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ هَنِيئًَا لَكَ النّافِجَةُ لِمَن يُولَدُ لَهُ بِنْتٌ يَعْنُونَ: تَأْخُذُ مَهْرَها فَتَنْفِجُ بِهِ مالَكَ، أيْ: تُعْظِمُهُ.

﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ، وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مُجْرى ذَلِكَ فَإنَّهُ قَدْ يُشارُ بِهِ إلى المُتَعَدِّدِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهَواتِ المَعْدُودَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ رُؤْبَةَ أنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ في قَوْلِهِ:

؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ كَأنَّها وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَلَقَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ كَأنَّهُما قالَ: لَكِنِّي أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ أوْ لِلصَّداقِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ صَدُقاتِهِنَّ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَآتُوُا النِّساءَ صَداقَهُنَّ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ حَيْثُ عَطَفَ "أكُنْ" عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ووَقَعَ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ أخَّرْتَنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ وكَذا "عَنْ" لَكِنْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّجافِي والتَّجاوُزِ، و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ، أيْ: كائِنٍ مِنَ الصَّداقِ وفِيهِ بَعْثٌ لَهُنَّ عَلى تَقْلِيلِ المَوْهُوبِ.

﴿نَفْسًا﴾ تَمْيِيزٌ، والتَّوْحِيدُ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الجِنْسِ، أيْ: إنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًَا مِنَ الصَّداقِ مُتَجافِيًَا عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّباتٍ غَيْرَ مُخْبَثاتٍ بِما يَضْطَرُّهُنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعاشَرَتِكم لَكِنْ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الهِبَةِ والسَّماحَةِ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ إيذانًَا بِأنَّ العُمْدَةَ في الأمْرِ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

﴿وَلا تُؤْتُوُا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى وتَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن شَرْطِ إيتائِها ووَقْتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ إثْرَ بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأنْفُسِهِنَّ - أعْنِي نِكاحَهُنَّ - وبَيانُ بَعْضِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَيْرِهِنَّ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ ومِن حَيْثُ المالُ اسْتِطْرادًَا، والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ نُهُوا أنْ يُؤْتُوُا المُبَذِّرِينَ مِنَ اليَتامى أمْوالَهم مَخافَةَ أنْ يُضَيِّعُوها وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ وهي لِلْيَتامى لا نَظَرًَا إلى كَوْنِها تَحْتَ وِلايَتِهِمْ كَما قِيلَ فَإنَّهُ غَيْرُ مُصَحَّحٍ لِاتِّصافِها بِالوَصْفِ الآتِي بَلْ تَنْزِيلًَا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِالأوْلِياءِ فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنِّسْبِيِّ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًَا حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ بَنِي نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مُبالَغَةً في زَجْرِهِمْ عَنْ قَتْلِهِمْ فَكَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أيَّدَ ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًَا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًَا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ. فَقِيلَ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ شَيْئًَا تَقُومُونَ بِهِ وتَنْتَعِشُونَ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَلَوْ ضَيَّعْتُمُوهُ لَضِعْتُمْ، ثُمَّ زِيدَ في المُبالَغَةِ حَتّى جُعِلَ ما بِهِ القِيامُ قِيامًَا فَكَأنَّها في أنْفُسِها قِيامُكم وانْتِعاشُكم. وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتْ إلى الأوْلِياءِ لِأنَّها مِن جِنْسِ ما يُقِيمُ بِهِ النّاسُ مَعايِشَهم حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِها الخُصُوصِيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ بَلِ الجِنْسِيَّةُ الَّتِي هي مَعْنى ما يُقامُ بِهِ المَعاشُ وتَمِيلُ إلَيْهِ القُلُوبُ ويُدَّخَرُ لِأوْقاتِ الِاحْتِياجِ، وهي بِهَذا الِاعْتِبارِ لا تَخْتَصُّ بِاليَتامى.

وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن حَمْلِ الأوْلِياءِ عَلى المُحافَظَةِ المَذْكُورَةِ كَيْفَ لا؟ والوَحْدَةُ الجِنْسِيَّةُ المالِيَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِما بَيْنَ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ الأوْلِياءِ بَلْ هي مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ أمْوالِهِمْ وأمْوالِ الأجانِبِ؛ فَإذَنْ لا وجْهَ لِاعْتِبارِها أصْلًَا. وقُرِئَ "اللّاتِي" و"اللَّواتِي"، وقُرِئَ "قَيْمًَا" بِمَعْنى قِيامًَا كَما جاءَ عَوْذًَا بِمَعْنى عِياذًَا، وقُرِئَ "قِوامًَا" بِكَسْرِ القافِ وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ أوْ مَصْدَرُ قاوَمَ، وقُرِئَ بِفَتْحِها.

﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيْ: واجْعَلُوها مَكانًَا لِرِزْقِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَتَرَبَّحُوا حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ كائِنًَا مَن كانَ، والمُرادُ: نَهْيُهُ عَنْ أنْ يُفَوِّضَ أمْرَ مالِهِ إلى مَن لا رُشْدَ لَهُ مِن نِسائِهِ وأوْلادِهِ ووُكَلائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: كَلامًَا لَيِّنًَا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: عِدُوهم عِدَةً جَمِيلَةً بِأنْ تَقُولُوا إذا صَلَحْتُمْ ورَشَدْتُمْ سَلَّمْنا إلَيْكم أمْوالَكم وكُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ لِحُسْنِهِ شَرْعًَا أوْ عَقْلًَا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ فَهو مَعْرُوفٌ وما أنْكَرَتْهُ لِقُبْحِهِ شَرْعًَا أوْ …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

﴿وابْتَلُوُا اليَتامى﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ أصْحابِها سُفَهاءً، أيْ: واخْتَبِرُوا مَن لَيْسَ مِنهم بَيِّنَ السَّفَهِ قَبْلَ البُلُوغِ بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في صَلاحِ الدِّينِ والِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ المالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، فَإنْ كانُوا مِن أهْلِ التِّجارَةِ فَبِأنْ تُعْطُوهم مِنَ المالِ ما يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بَيْعًَا وابْتِياعًَا، وإنْ كانُوا مِمَّنْ لَهُ ضِياعٌ وأهْلٌ وخَدَمٌ فَبِأنْ تُعْطُوهم مِنهُ ما يَصْرِفُونَهُ إلى نَفَقَةِ عَبِيدِهِمْ وخَدَمِهِمْ وأُجَرائِهِمْ وسائِرِ مَصارِفِهِمْ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفِيَّةُ أحْوالِهِمْ.

﴿حَتّى إذا بَلَغُوُا النِّكاحَ﴾ بِأنْ يَحْتَلِمُوا لِأنَّهم يَصْلُحُونَ عِنْدَهُ لِلنِّكاحِ.

﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: شاهَدْتُمْ وتَبَيَّنْتُمْ، وقُرِئَ "أحَسْتُمْ" بِمَعْنى أحْسَسْتُمْ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ خَلا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحَسْنَ بِهِ وهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ

﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيِ: اهْتِداءً إلى وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ مِن غَيْرِ عَجْزٍ وتَبْذِيرٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ أوْ لِلِاعْتِدادِ بِمَبْدَئِيَّتِهِ لَهُ، والتَّنْوِينُ لِلدِّلالَةِ عَلى كِفايَةِ رُشْدٍ في الجُمْلَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ وبِضَمِّهِما.

﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ وفي إيثارِ الدَّفْعِ عَلى الإيتاءِ الوارِدِ في أوَّلِ الأمْرِ إيذانٌ بِتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، ونَظْمُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ حَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ:

فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءَها ... بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أُشْكِلَ

وَما بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ جُعِلَتْ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ "بَلَغُوا" وجَوابُهُ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: وابْتَلُوُا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ دَفْعَ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إمّا بِالتَّبْذِيرِ أوْ بِالعَجْزِ لا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ أبَدًَا وبِهِ أخَذَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَنْتَظِرُ إلى خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لِأنَّ البُلُوغَ بِالسِّنِّ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً فَإذا زادَتْ عَلَيْها سَبْعُ سِنِينَ - وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في أحْوالِ الإنْسانِ لِما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مُرُوهم بِالصَّلاةِ لِسَبْعٍ» - دُفِعَ إلَيْهِ مالُهُ أُونِسَ مِنهُ رُشْدٌ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ.

﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهم أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم تُفْرِطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبَرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالدَّفْعِ وتَقْرِيرٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ إلَخْ، أيْ: مَن كانَ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ غَنِيًَّا فَلْيَتَنَزَّهْ عَنْ أكْلِها ولْيَقْنَعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى والرِّزْقِ إشْفاقًَا عَلى اليَتِيمِ وإبْقاءً عَلى مالِهِ.

﴿وَمَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.

﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ بِالأقْرَبِينَ: المُتَوارِثُونَ مِنهُمْ، و"مِن" في "مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"نَصِيبٌ" أيْ: لَهم نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تَرَكَ وقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُها بِ "نَصِيبٌ".

﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ إيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرْجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِهِمْ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِنَّ، والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ والإشارَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ، والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ. رُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ خَلَّفَ زَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةٍ وثَلاثَ بَناتٍ فَزَوى ابْنا عَمِّهِ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ وعَرْفَجَةُ مِيراثَهُ عَنْهُنَّ عَلى سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَتْ أُمُّ كُحَّةٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَتْ إلَيْهِ فَقالَ: ارْجِعِي حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى فَنَزَلَتْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِما: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًَا ولَمْ يُبَيِّنْ فَلا تُفَرِّقا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًَا حَتّى يُبَيِّنَ فَنَزَلَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ فَأعْطى أُمَّ كُحَّةٍ الثُّمُنَ والبَناتِ الثُّلُثَيْنِ والباقِي لِابْنىِ العَمِّ» وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن "ما" الأخِيرَةِ بِإعادَةِ الجارِّ وإلَيْها يَعُودُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، وهَذا البَدَلُ مُرادٌ في الجُمْلَةِ الأُولى أيْضًَا مَحْذُوفٌ لِلتَّعْوِيلِ عَلى المَذْكُورِ وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ بَعْضِ الأمْوالِ بِبَعْضِ الوَرَثَةِ كالخَيْلِ وآلاتِ الحَرْبِ لِلرِّجالِ وتَحْقِيقُ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقًَّا مِن كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ.

﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قِسْمَةً مَفْرُوضَةً أوْ عَلى الحالِيَّةِ إذِ المَعْنى ثَبَتَ لَهم نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ حالَ كَوْنِهِ مَفْرُوضًَا أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ: أعْنِي نَصِيبًَا مَقْطُوعًَا مَفْرُوضًَا واجِبًَا لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ.

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَّرِكَةِ، وإنَّما قُدِّمَتْ مَعَ كَوْنِها مَفْعُولًَا لِأنَّها المَبْحُوثُ عَنْها ولِأنَّ في الفاعِلِ تَعَدُّدًَا فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ يَفُوتُ تَجاوُبُ أطْرافِ الكَلامِ.

﴿أُولُو القُرْبى﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ.

﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾ مِنَ الأجانِبِ.

﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطُوهم شَيْئًَا مِنَ المالِ المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما وهو أمْرُ نَدْبٍ كُلِّفَ بِهِ البالِغُونَ مِنَ الوَرَثَةِ تَطْيِيبًَا لِقُلُوبِ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ وتَصَدُّقًَا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: أمْرُ وُجُوبٍ ثُمَّ اخْتُلِفَ في نَسْخِهِ.

﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ وهو أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ويَعْتَذِرُوا مِن ذَلِكَ ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ في أمْرِ اليَتامى فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ، أوْ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يُضَرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، أوْ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًَا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم ؟ أوْ لِلْمُوصِينَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ،وَ "لَوْ" بِما في حَيِّزِها صِلَةٌ لِلَّذِينَ عَلى مَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ورَثَةً ضِعافًَا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى المَقْصُودِ مِنهُ والعِلَّةِ فِيهِ، وبَعْثٌ عَلى التَّرَحُّمِ وأنْ يُحِبَّ لِأوْلادِ غَيْرِهِ ما يُحِبُّ لِأوْلادِ نَفْسِهِ وتَهْدِيدٌ لِلْمُخالِفِ بِحالِ أوْلادِهِ، وقُرِئَ "ضُعَفاءَ" و"ضِعافى" و"ضَعافى".

﴿فَلْيَتَّقُوُا اللَّهَ﴾ في ذَلِكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.

﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَ ما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَإ والمُنْتَهى؛ إذْ لا نَفْعَ لِلْأوَّلِ بِدُونِ الثّانِي، ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا لِلْيَتامى مِثْلَ ما يَقُولُونَ لِأوْلادِهِمْ بِالشَّفَقَةِ وحُسْنِ الأدَبِ أوْ لِلْمَرِيضِ ما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ ويُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ وكَلِمَةَ الشَّهادَةِ أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ عُذْرًَا ووَعْدًَا حَسَنًَا أوْ يَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ما لا يُؤَدِّي إلى تَجاوُزِ الثُّلُثِ.

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الظُّلْمِ أوْ ظالِمِينَ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ أيْ: مَلْءَ بُطُونِهِمْ.

﴿نارًا﴾ أيْ: ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويُؤَدِّي إلَيْها، وعَنْ أبِي بَرَدَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى قَوْمًَا مِن قُبُورِهِمْ تَتَأجَّجُ أفْواهُهم نارًَا، فَقِيلَ: مَن هُمْ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ ".» ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أيْ: سَيَدْخُلُونَ نارًَا هائِلَةً مُبْهَمَةَ الوَصْفِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الياءِ مُخَفَّفًَا ومُشَدَّدًَا مِنَ الإصْلاءِ والتَّصْلِيَةِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ قاسى حَرَّها، وصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ، وأصْلَيْتُهُ: ألْقَيْتُهُ فِيها، والسَّعِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٌ مِن سَعَرْتُ النّارَ إذا ألْهَبْتُها. رُوِيَ أنَّ آكِلَ مالِ اليَتِيمِ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ والدُّخانُ يَخْرُجُ مِن قَبْرِهِ ومِن فِيهِ وأنْفِهِ وأُذُنَيْهِ وعَيْنَيْهِ فَيَعْرِفُ النّاسُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ في الدُّنْيا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ فاحْتَرَزُوا عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى بِالكُلِّيَّةِ فَصَعُبَ الأمْرُ عَلى اليَتامى، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ الآيَةُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.