Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 91–100 of 286

91

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And when it is said to them, "Believe in what Allah has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allah before, if you are [indeed] believers?"

﴿وَإذا قِيلَ﴾؛ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ؛ لا سِيَّما في لامِ التَّبْلِيغِ؛ ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جَمِيعًا؛ والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالإيمان بالقرآن؛ لَكِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ إيذانًا بِتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ؛ مِن حَيْثُ مُشارَكَتُهُ لِما آمَنُوا بِهِ؛ فِيما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ ومُوافَقَتُهُ لَهُ في المَضْمُونِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإيمانَ بِما عَداهُ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِهِ لَيْسَ بِإيمانٍ بِما أنْزَلَ اللَّهُ؛ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ﴾: أيْ: نَسْتَمِرُّ عَلى الإيمانِ؛ ﴿بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾؛ يَعْنُونَ بِهِ التَّوْراةَ؛ وما نُزِّلَ عَلى

أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِتَقْرِيرِ حُكْمِها؛ ويَدُسُّونَ فِيهِ أنَّ ما عَدا ذَلِكَ غَيْرُ مُنَزَّلٍ عَلَيْهِمْ؛ ومُرادُهم بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إمّا أنْفُسُهُمْ؛ فَمَعْنى الإنْزالِ عَلَيْهِمْ: تَكْلِيفُهم بِما في المُنَزَّلِ مِنَ الأحْكامِ؛ وإمّا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو الظّاهِرُ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَزِيَّةِ الإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالفُرْقانِ لِما مَرَّ مِن بَغْيِهِمْ؛ وحَسَدِهِمْ عَلى نُزُولِهِ عَلى مَن لَيْسَ مِنهُمْ؛ ولِأنَّ مُرادَهم بِالمَوْصُولِ - وإنْ كانَ هو التَّوْراةَ؛ وما في حُكْمِها خاصَّةً - لَكِنَّ إيرادَها بِعُنْوانِ الإنْزالِ عَلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما عَداها لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ فَلَوْ أُرِيدَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ مِن تَكْلِيفِهِمْ يَلْزَمُ مِن مُغايَرَةِ القرآن لِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ - حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ - عَدَمُ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِما فِيهِ؛ كَما يَلْزَمُ عَدَمُ كَوْنِهِ نازِلًا عَلى واحِدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ؛ وتَجْرِيدُ المَوْصُولِ - عِنْدَ الإضْمارِ - عَمّا عَرَّضُوا بِهِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى؛ والوَراءُ في الأصْلِ: مَصْدَرٌ جُعِلَ ظَرْفًا؛ ويُضافُ إلى الفاعِلِ؛ فَيُرادُ بِهِ ما يَتَوارى بِهِ وهو خَلْفَهُ؛ وإلى المَفْعُولِ؛ فَيُرادُ بِهِ ما يُوارِيهِ وهو أمامَهُ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا"؛ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ؛ أيْ: قالُوا ما قالُوا وهم يَكْفُرُونَ بِما عَداهُ؛ ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ بَيانِ أنَّ إفْرادَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِالذِّكْرِ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ بِما وراءَهُ؛ بَلْ بَيانُ أنَّ ما يَدَّعُونَ مِنَ الإيمانِ لَيْسَ بِإيمانٍ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ اسْمُهُ -: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾: أيْ: المَعْرُوفُ بِالحَقِّيَّةِ؛ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الحَقِّ عَلى الإطْلاقِ؛ حالٌ مِن فاعِلِ "يَكْفُرُونَ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مُصَدِّقًا﴾: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ صاحِبُها إمّا ضَمِيرُ "الحَقُّ"؛ وعامِلُها ما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ قالَهُ أبُو البَقاءِ؛ وإمّا ضَمِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ وعامِلُها فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ أيْ: أحَقَّهُ مُصَدِّقًا؛ ﴿لِما مَعَهُمْ﴾؛ مِنَ التَّوْراةِ؛ والمَعْنى: قالُوا: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا؛ وهم يَكْفُرُونَ بِالقرآن؛ والحالُ أنَّهُ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِما آمَنُوا بِهِ؛ فَيُلْزِمُهُمُ الكُفْرُ بِما آمَنُوا بِهِ؛ ومَآلُهُ أنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمان بالتَّوْراةِ؛ والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِما يُلْزِمُ مِنَ الكُفْرِ بِها.

قُلْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ مِن قائِلٍ - بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ؛ ﴿فَلِمَ﴾: أصْلُهُ "لِما"؛ حُذِفَتْ …

Al-Baqara 2:91Listen in Qur'an →
92

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾: مِن تَمامِ التَّبْكِيتِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ؛ لا تَكْرِيرٌ لِما قُصَّ في تَضاعِيفِ تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَفْوُ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ واللّامُ لِلْقَسَمِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَكم مُوسى مُلْتَبِسًا بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ؛ الَّتِي هِيَ: العَصا؛ واليَدُ؛ والسُّنُونَ؛ ونَقْصُ الثَّمَراتِ؛ والدَّمُ؛ والطُّوفانُ؛ والجَرادُ؛ والقُمَّلُ؛ والضَّفادِعُ؛ وفَلْقُ البَحْرِ؛ وقَدْ عُدَّ مِنها التَّوْراةُ؛ ولَيْسَ بِواضِحٍ؛ فَإنَّ المَجِيءَ بِها بَعْدَ قِصَّةِ العِجْلِ.

﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾؛ أيْ: إلَهًا؛ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ بِها؛ وقِيلَ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ؛ فَتَكُونُ التَّوْراةُ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ البَيِّناتِ؛ و"ثُمَّ": لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ والدَّلالَةِ عَلى نِهايَةِ قُبْحِ ما صَنَعُوا؛ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ "اتَّخَذْتُمْ"؛ بِمَعْنى: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ ظالِمِينَ بِعِبادَتِهِ؛ واضِعِينَ لَها في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ أوْ بِإخْلالٍ بِحُقُوقِ آياتِ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوِ اعْتِراضٌ؛ أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.

Al-Baqara 2:92Listen in Qur'an →
93

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: تَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَكْذِيبٌ لَهم في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ بِتَذْكِيرِ جِناياتِهِمُ النّاطِقَةِ بِكَذِبِهِمْ؛ أيْ: واذْكُرُوا حِينَ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ؛ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾؛ قائِلِينَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا﴾؛ أيْ: خُذُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَّوْراةِ؛ واسْمَعُوا ما فِيها؛ سَمْعَ طاعَةٍ؛ وقَبُولٍ؛ ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ سائِلٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَمِعْنا﴾؛ قَوْلَكَ؛ ﴿وَعَصَيْنا﴾؛ أمْرَكَ؛ فَإذا قابَلَ أسْلافُهم مِثْلَ ذَلِكَ الخِطابِ المُؤَكَّدِ؛ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ مِثْلَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ؛ بِمِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ؛ وكَفَرُوا بِما في تَضاعِيفِ التَّوْراةِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِن أخْلافِهِمُ الإيمانُ بِما فِيها؟ ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾: عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: تَداخَلَهم حُبُّهُ؛ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ صُورَتُهُ؛ لِفَرْطِ شَغَفِهِمْ بِهِ؛ وحِرْصِهِمْ عَلى عِبادَتِهِ؛ كَما يَتَداخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ؛ والشَّرابُ أعْماقَ البَدَنِ؛ و"فِي قُلُوبِهِمْ": بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا"؛ بِتَقْدِيرِ "قَدْ"؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ السّابِقِ؛ المُوجِبِ لِذَلِكَ؛ قِيلَ: كانُوا مُجَسَّمَةٌ؛ أوْ حُلُولِيَّةٌ؛ ولَمْ يَرَوْا جِسْمًا أعْجَبَ مِنهُ؛ فَتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ما سَوَّلَ لَهُمُ السّامِرِيُّ. قُلْ: تَوْبِيخًا لِحاضِرِي اليَهُودِ؛ إثْرَ ما تَبَيَّنَ مِن أحْوالِ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ بِهِمْ يَقْتَدُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾؛ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ؛ حَسْبَما تَدَّعُونَ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعْنا؛ وعَصَيْنا؛ وعِبادَتِهِمُ العِجْلَ؛ وفي إسْنادِ الأمْرِ إلى الإيمانِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ وإضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِإيمانٍ حَقِيقَةً؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ فَإنَّهُ قَدْحٌ في دَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ؛ وإبْطالٌ لَها؛ وتَقْرِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها؛ عامِلِينَ فِيما ذُكِرَ مِنَ القَوْلِ؛ والعَمَلِ بِما فِيها؛ فَبِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِها؛ وإذْ لا يُسَوِّغُ الإيمانُ بِها مِثْلَ تِلْكَ القَبائِحِ فَلَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ بِها قَطْعًا؛ وجَوابُ الشَّرْطِ - كَما تَرى - مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ.

Al-Baqara 2:93Listen in Qur'an →
94

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If the home of the Hereafter with Allah is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful.

قُلْ: كَرَّرَ الأمْرَ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالأمْرِ السّابِقِ؛ لِما أنَّهُ أمْرٌ بِتَبْكِيتِهِمْ؛ وإظْهارِ كَذِبِهِمْ؛ في فَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم قَبْلَ الأمْرِ بِإبْطالِهِ؛ بَلِ اكْتُفِيَ بِالإشارَةِ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾؛ أيْ: الجَنَّةُ؛ أوْ نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ؛ ﴿عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾؛ أيْ: سالِمَةً لَكُمْ؛ خاصَّةً بِكُمْ؛ كَما تَدَّعُونَ أنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ ونَصْبُها عَلى الحالِيَّةِ مِن "الدّارُ"؛ و"عِنْدَ": ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ في الخَبَرِ؛ أعْنِي: "لَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾: في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ بِـ "خالِصَةً"؛ يُقالُ: "خَلَصَ لِي كَذا مِن كَذا"؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: النّاسِ كافَّةً؛ أوْ لِلْعَهْدِ؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾؛ فَإنَّ مَن أيْقَنَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ اشْتاقَ إلى التَّخَلُّصِ إلَيْها مِن دارِ البَوارِ؛ وقَرارَةِ الأكْدارِ؛ لا سِيَّما إذا كانَتْ خالِصَةً لَهُ؛ كَما قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: "لا أُبالِي أسْقَطْتُ عَلى المَوْتِ؛ أوْ سَقَطَ المَوْتُ عَلَيَّ"؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِصِفِّينَ: "الآنَ أُلاقِي الأحِبَّةَ؛ مُحَمَّدًا وحِزْبَهُ"؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - حِينَ احْتُضِرَ؛ وقَدْ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ قَبْلُ -:

؎ جاءَ حَبِيبٌ عَلى فاقَةٍ ∗∗∗ فَلا أفْلَحَ اليَوْمَ مَن قَدْ نَدِمْ

؛ أيْ: عَلى التَّمَنِّي؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْكَلامِ؛ لِتَشْدِيدِ الإلْزامِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَرَتُّبَ الجَوابَ لَيْسَ عَلى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ في نَفْسِ الأمْرِ فَقَطْ؛ بَلْ في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا؛ وأنَّهم قَدِ ادَّعَوْا ذَلِكَ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدَلالَةٍ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَتَمَنَّوْهُ؛ .

Al-Baqara 2:94Listen in Qur'an →
95

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

But they will never wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ؛ سِيقَ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - لِبَيانِ ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الإحْجامِ عَمّا دَعَوْا إلَيْهِ؛ الدّالِّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْواهُمْ؛ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾: بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِدُخُولِ النّارِ؛ كالكُفْرِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والقرآن؛ وتَحْرِيفِ التَّوْراةِ؛ ولَمّا كانَتِ اليَدُ - مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ - مَناطَ عامَّةِ صَنائِعِهِ؛ ومَدارَ أكْثَرِ مَنافِعِهِ؛ عَبَّرَ بِها تارَةً عَنِ النَّفْسِ؛ وأُخْرى عَنِ القُدْرَةِ؛ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: أيْ: بِهِمْ؛ وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ؛ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ادِّعاءُ ما لَيْسَ لَهُمْ؛ ونَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ؛ أيْ: عَلِيمٌ بِهِمْ؛ وبِما صَدَرَ عَنْهُمْ؛ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ؛ والمَعاصِي؛ المُفْضِيَةِ إلى أفانِينِ العَذابِ؛ وبِما سَيَكُونُ مِنهم مِنَ الِاحْتِرازِ عَمّا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ فَوَقَعَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ؛ فَلَمْ يَتَمَنَّ مِنهم مَوْتَهُ أحَدٌ؛ إذْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ واشْتُهِرَ؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَغُصَّ كُلُّ إنْسانٍ بِرِيقِهِ؛ فَماتَ مَكانَهُ؛ وما بَقِيَ يَهُودِيٌّ عَلى وجْهِ الأرْضِ".»

Al-Baqara 2:95Listen in Qur'an →
96

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍۢ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍۢ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allah. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allah is Seeing of what they do.

﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ﴾؛ مِنَ الوِجْدانِ العَقْلِيِّ؛ وهو جارٍ مُجْرى العِلْمِ؛ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِما يَقَعُ بَعْدَ التَّجْرِبَةِ؛ ونَحْوِها؛ ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ؛ و"أحْرَصَ"؛ والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عَلى حَياةٍ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُرادَهم نَوْعٌ خاصٌّ مِنها؛ وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ؛ وقُرِئَ بِالتَّعْرِيفِ.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحْرَصَ مِنَ النّاسِ؛ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا؛ وإفْرادُهم بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ في النّاسِ لِلْإيذانِ بِامْتِيازِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ بِشِدَّةِ الحِرْصِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في تَوْبِيخِ اليَهُودِ؛ فَإنَّ حِرْصَهم وهم مُعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ - لَمّا كانَ أشَدَّ مِن حِرْصِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لَهُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَزْمِهِمْ بِمَصِيرِهِمْ إلى النّارِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ؛ ثِقَةً بِإنْباءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْهُ؛ أيْ: و"أحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا"؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾: بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ؛ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ؛ صِفَةً لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُشْرِكِينَ: اليَهُودُ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ومِنهم طائِفَةٌ يَوَدُّ أحَدُهم أيُّهم كانَ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾؛ وهو حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَنِي أُعَمَّرُ؛ وإنَّما أُجْرِيَ عَلى الغَيْبَةِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَوَدُّ﴾؛ كَما تَقُولُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "يَوَدُّ"؛ إجْراءً لَهُ مُجْرى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ؛ ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ﴾: "ما" حِجازِيَّةٌ؛ والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى "أحَدُهُمْ" اسْمُها؛ و"بِمُزَحْزِحِهِ": خَبَرُها؛ والباءُ زائِدَةٌ؛ ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾: فاعِلُ "مُزَحْزِحِهِ"؛ أيْ: وما أحَدُهم بِمَن يُزَحْزِحُهُ؛ أيْ: يُبْعِدُهُ؛ ويُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ "يُعَمَّرُ"؛ مِنَ المَصْدَرِ؛ و"أنْ يُعَمَّرَ": بَدَلٌ مِنهُ؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ و"أنْ يُعَمَّرَ": مُفَسِّرُهُ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن "أحَدُهُمْ"؛ والعامِلُ "يَوَدُّ"؛ لا "يُعَمَّرُ"؛ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِهِ لِفَسادِ المَعْنى؛ أوِ اعْتِراضٌ؛ وأصْلُ "سَنَةٌ": "سَنَوَةٌ"؛ لِقَوْلِهِمْ: "سَنَواتٌ"؛ و"سِنِيَّةٌ"؛ وقِيلَ: "سَنْهَةٌ"؛ كَـ "جَبْهَةٌ"؛ لِقَوْلِهِمْ: "سانَهْتُهُ" و"سُنَيْهَةٌ"؛ و"تَسَنَّهَتِ النَّخْلَةُ"؛ إذا أتَتْ عَلَيْها السُّنُونُ.

﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: البَصِيرُ في كَلامِ العَرَبِ: العالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ؛ الخَبِيرُ بِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِالفِقْهِ؛ أيْ: عَلِيمٌ بِخَفِيّاتِ أعْمالِهِمْ؛ فَهو مُجازِيهِمْ بِها لا مَحالَةَ؛ وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابُ التِفاتًا؛ وفِيهِ تَشْدِيدٌ لِلْوَعِيدِ.

Al-Baqara 2:96Listen in Qur'an →
97

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought the Qur'an down upon your heart, [O Muhammad], by permission of Allah, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾: نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيّا؛ مِن أحْبارِ فَدَكٍ؛ حاجَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وسَألَهُ عَمَّنْ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ؛ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ"؛ فَقالَ: هو عَدُوُّنا؛ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَآمَنّا بِكَ؛ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ورَسُولُنا مِيكائِيلُ؛ فَلَوْ كانَ هو الَّذِي يَأْتِيكَ لَآمَنّا بِكَ؛ وقَدْ عادانا مِرارًا؛ وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخْرِبُهُ بُخْتَ نَصَّرُ؛ فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ؛ فَلَقِيَهُ بِبابِلَ غُلامًا مِسْكِينًا؛ فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم آمِرَهُ بِهَلاكِكم فَإنَّهُ لا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ؛ وإلّا فَبِأيِّ حَقٍّ تَقْتُلُونَهُ؟ وقِيلَ: أمَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينا فَجَعَلَها في غَيْرِنا؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرْضٌ بِأعْلى المَدِينَةِ؛ وكانَ مَمَرُّهُ عَلى مَدارِسِ اليَهُودِ؛ فَكانَ يَجْلِسُ إلَيْهِمْ؛ ويَسْمَعُ كَلامَهُمْ؛ فَقالُوا: يا عُمَرُ؛ قَدْ أحْبَبْناكَ؛ وإنّا لَنَطْمَعُ فِيكَ؛ فَقالَ: واللَّهِ ما أجِيئُكم لِحُبِّكُمْ؛ ولا أسْألُكم لِشَكٍّ في دِينِي؛ وإنَّما أدْخُلُ عَلَيْكم لِأزْدادَ بَصِيرَةً في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وأرى آثارَهُ في كِتابِكُمْ؛ ثُمَّ سَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَقالُوا: ذاكَ هو عَدُوُّنا؛ يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا؛ وهو صاحِبُ كُلِّ خَسْفٍ؛ وعَذابٍ؛ ومِيكائِيلُ يَجِيءُ بِالخِصْبِ؛ والسَّلامِ؛ فَقالَ لَهُمْ: وما مَنزِلَتُهُما عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؟ قالُوا: جِبْرِيلُ أقْرَبُ مَنزِلَةً؛ هو عَنْ يَمِينِهِ؛ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ؛ وهُما مُتَعادِيانِ؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كانا كَما تَقُولُونَ فَما هُما بِعَدُوَّيْنِ؛ ولَأنْتُمْ أكْفَرُ مِنَ الحَمِيرِ؛ ومَن كانَ عَدُوًّا لِأحَدِهِما فَهو عَدُوٌّ لِلْآخَرِ؛ ومَن كانَ عَدُوًّا لَهُما كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ"؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَقَدْ رَأيْتُنِي في دِينِي بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ. وقُرِئَ: "جَبْرَئِيلَ"؛ كَـ "سَلْسَبِيلَ"؛ و"جَبْرَئِلَ"؛ كَـ "جَحْمَرِشَ"؛ و"جَبْرِيلَ"؛ و"جِبْرِئِلَ"؛ و"جِبْرائِيلَ"؛ كَـ "جِبْراعِيلَ"؛ و"جِبْرائِلَ"؛ كَـ "جِبْراعِلَ"؛ وَمَنعُ الصَّرْفِ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: "عَبْدُ اللَّهِ"؛ ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ﴾: تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ؛ قائِمٌ مَقامَهُ؛ والبارِزُ الأوَّلُ لِـ "جِبْرِيلَ" - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والثّانِي لِلْقُرْآنِ؛ أُضْمِرَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ إيذانًا بِفَخامَةِ شَأْنِهِ؛ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ؛ لِكَمالِ شُهْرَتِهِ؛ ونَباهَتِهِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ؛ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾: زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِلتَّنْزِيلِ؛ بِبَيانِ مَحَلِّ الوَحْيِ؛ فَإنَّهُ القائِلُ الأوَّلُ لَهُ؛ ومَدارُ الفَهْمِ؛ والحِفْظِ؛ وإيثارُ الخِطابِ عَلى التَّكَلُّمِ المَبْنِيِّ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ (تَعالى) بِعَيْنِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِما في النَّقْلِ بِالعِبارَةِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ لِمَضْمُونِ المَقالَةِ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: بِأمْرِهِ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ مُسْتَعارٌ مِن تَسْهِيلِ الحِجابِ؛ وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِكَمالِ تَوَجُّهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ …

Al-Baqara 2:97Listen in Qur'an →
98

مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَٰفِرِينَ

Whoever is an enemy to Allah and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allah is an enemy to the disbelievers.

﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾: أُرِيدَ بِعَداوَتِهِ (تَعالى) مُخالَفَةُ أمْرِهِ عِنادًا؛ والخُرُوجُ عَنْ طاعَتِهِ مُكابَرَةً؛ أوْ عَداوَةُ خَواصِّهِ ومُقَرَّبِيهِ؛ لَكِنْ صَدَّرَ الكَلامَ بِذِكْرِهِ الجَلِيلِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ؛ وإيذانًا بِأنَّ عَداوَتَهم عَداوَتُهُ - عَزَّ وعَلا -؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾؛ ثُمَّ صُرِّحَ بِالمَرامِ؛ فَقِيلَ: ﴿وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾؛ وإنَّما أُفْرِدا بِالذِّكْرِ؛ مَعَ أنَّهُما أوَّلُ مَن يَشْمَلُهُ عُنْوانُ المَلَكِيَّةِ والرِّسالَةِ لِإظْهارِ فَضْلِهِما؛ كَأنَّهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن جِنْسٍ آخَرَ أشْرَفَ مِمّا ذُكِرَ؛ تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ في الوَصْفِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في الجِنْسِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عَداوَةَ أحَدِهِما عَداوَةٌ لِلْآخَرِ؛ حَسْمًا لِمادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ في حَقِّهِما؛ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّهُما مُتَعادِيانِ؛ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ؛ واسْتِتْباعِ العَداوَةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وأنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّما عادى الجَمِيعَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾: أيْ لَهُمْ؛ جَوابُ الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: مَن عاداهم عاداهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وعاقَبَهُ أشَدَّ العِقابِ؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ؛ والثَّباتِ؛ ووَضْعُ الكافِرِينَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَداوَةَ المَذْكُورِينَ كُفْرٌ؛ وأنَّ ذَلِكَ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ؛ وأنَّ مَدارَ عَداوَتِهِ (تَعالى) لَهُمْ؛ وسُخْطِهِ المُسْتَوْجِبِ لِأشَدِ العُقُوبَةِ؛ والعَذابِ؛ هو كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ؛ وقُرِئَ: "مِيكائِلَ"؛ كَـ "مِيكاعِلَ"؛ و"مِيكائِيلَ"؛ كَـ "مِيكاعِيلَ"؛ و"مِيكَئِلَ"؛ كَـ "مِيكَعِلَ"؛ و"مِيكَئِيلَ"؛ كَـ "مِيكَعِيلَ".

Al-Baqara 2:98Listen in Qur'an →
99

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾: واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى مَعانِيها؛ وعَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾: أيْ: المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ؛ الخارِجُونَ عَنْ حُدُودِهِ؛ فَإنَّ مَن لَيْسَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكَفَرَةِ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكُفْرِ بِمِثْلِ هاتِيكَ البَيِّناتِ؛ قالَ الحَسَنُ: إذا اسْتُعْمِلَ الفِسْقُ في نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي وقَعَ عَلى أعْظَمِ أفْرادِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ صُورِيّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ؛ وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَها؛ فَنَزَلَتْ.» واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ أيْ: الفاسِقُونَ المَعْهُودُونَ؛ وهم أهْلُ الكِتابِ المُحَرِّفُونَ لِكِتابِهِمُ الخارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

Al-Baqara 2:99Listen in Qur'an →
100

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾: الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ؛ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: أكَفَرُوا بِها وهي في غايَةِ الوُضُوحِ؟ وكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا؛ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ مِن قَوْلِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الواوِ؛ عَلى أنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ: وما يَكْفُرُ بِها إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا؛ أوْ نَقَضُوا عُهُودَهم مِرارًا كَثِيرَةً؛ وقُرِئَ: "عُوهِدُوا"؛ و"عَهِدُوا"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَهْدًا﴾: إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ "عاهَدُوا"؛ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى "أعْطَوُا العَهْدَ"؛ ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: رَمَوْا بِالزِّمامِ؛ ورَفَضُوهُ؛ وقُرِئَ: "نَقَضَهُ"؛ وإسْنادُ النَّبْذِ إلى فَرِيقٍ مِنهم لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْبِذْهُ؛ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ بِالتَّوْراةِ؛ وهَذا دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ النّابِذِينَ هُمُ الأقَلُّونَ؛ وأنَّ مَن لَمْ يَنْبِذْ جِهارًا فَهم يُؤْمِنُونَ بِها سِرًّا.

Al-Baqara 2:100Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.