وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
And when it is said to them, "Believe in what Allah has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allah before, if you are [indeed] believers?"
﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ كانَتْ غَطَفانُ تُقاتِلُهم وتَهْزِمُهم، أوْ حِينَ كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ العَرَبِ أذًى كَثِيرًا، أوْ حِينَ حارَبَهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ فَغَلَبَتْهم.
(كِتابٌ): هو القُرْآنُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلَيْهِ مَجازٌ.
﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وصْفُهُ بِـ ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ جَدِيرٌ أنْ يُقْبَلَ، ويُتَّبَعَ ما فِيهِ، ويُعْمَلَ بِمَضْمُونِهِ، إذْ هو وارِدٌ مِن عِنْدِ خالِقِهِمْ وإلَهِهِمُ الَّذِي هو ناظِرٌ فِي مَصالِحِهِمْ.
(مُصَدِّقٌ): صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وقُدِّمَتِ الأوْلى عَلَيْها؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ آكَدُ، ووَصْفَهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. لا يُقالُ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] مُتَعَلِّقًا بِجاءَهم، فَلا يَكُونَ صِفَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِما هو مَعْمُولٌ لِغَيْرِ أحَدِهِما. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مُصَدِّقًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن ”كِتابٌ“، وإنْ كانَ نَكِرَةً. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ بِلا شَرْطٍ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ.
﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَصْدِيقُهُ إمّا بِكَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ بِما اشْتَمَلا عَلَيْهِ مَن ذِكْرِ بَعْثِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ.
(وكانُوا): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جاءَهم، فَيَكُونَ جَوابُ لَمّا مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ والكَوْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ كانُوا، فَيَكُونَ الجَوابُ مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ بِقَيْدٍ في مَفْعُولِهِ، وهم كَوْنُهم يَسْتَفْتِحُونَ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِ بَعْدَ لَمّا، ولا حالًا لِأنَّهُ قَدَّرَ جَوابَ لَمّا مَحْذُوفًا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ يَسْتَفْتِحُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا.
(مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ المَجِيءِ، وبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]: أيْ يَسْتَحْكِمُونَ، أوْ يَسْتَعْلِمُونَ، أوْ يَسْتَنْصِرُونَ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. يَقُولُونَ إذا دَهَمَهُمُ العَدُوُّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ. واخْتَلَفُوا في جَوابِ ولَمّا الأُولى، فَذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدَّرَهُ نَحْوَ: كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهانُوا بِمَجِيئِهِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَفَرُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى قَرِيبٌ في ذَلِكَ. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] جَوابُ لَمّا الأُولى، وكَفَرُوا، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا جاءَهم. وهو عِنْدَهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] . قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لَيْسَتْ بِناسِقَةٍ أنَّ الواوَ لا تَصْلُحُ في مَوْضِعِها. وذَهَبَ المُبَّرِدُ إلى أنَّ جَوابَ لَمّا الأُولى هو: كَفَرُوا بِهِ، وكُرِّرَ لَمّا لِطُولِ الكَلامِ، ويُقَيِّدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ وتَأْكِيدًا لَهُ. وهَذا القَوْلُ كانَ يَكُونُ أحْسَنَ لَوْلا أنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ. وأمّا قَوْلُ …