Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 200

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [آل عمران: ١١]

(التَّوْراةُ): اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ في اشْتِقاقِها وفي وزْنِها، وذَلِكَ بَعْدَ تَقْرِيرِ النُّحاةِ أنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا يَدْخُلُها اشْتِقاقٌ، وأنَّها لا تُوزَنُ، يَعْنُونَ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا. فَأمّا اشْتِقاقُ (التَّوْراةَ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّها مِن: ورى الزَّنْدُ يَرى، إذا قَدَحَ وظَهَرَ مِنهُ النّارُ، فَكَأنَّ التَّوْراةَ ضِياءٌ مِنَ الضَّلالِ، وهَذا الِاشْتِقاقُ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ أبُو فَيْدٍ مُوَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ إلى أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن: ورّى، كَما رُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا ورّى بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ التَّوْراةِ تَلْوِيحٌ. وأمّا وزْنُها فَذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وسائِرُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: فَوْعَلَةٌ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في: تُولِجُ، فالأصْلُ فِيها ووَزْنُهُ ووَلَجَ؛ لِأنَّهُما مِن ورّى، ومِن ولَجَ، فَهي: كَحَوْقَلَةَ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعِلَةٌ، كَتَوْصِيَةٍ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ كَسْرَةُ العَيْنِ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا، كَما قالُوا في: ناصِيَةٍ، وجارِيَةٍ: ناصاهُ وجاراهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ تَوْصاهَ، وهَذا غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعَلَةٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ مِن: ورَّيْتُ بِكَ زَنادِيَّ، وتَجُوزُ إمالَةُ التَّوْراةِ وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

(الإنْجِيلَ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أيْضًا، ويَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلَهُ اشْتِقاقٌ، وأنَّهُ لا يُوزَنُ، وقَدْ قالُوا: وزْنُهُ: إفْعِيلُ كَإجْفِيلَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ. قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ نِجالًا، وبِها نِجالٌ، إذا خَرَجَ مِنها الماءُ، والنَّجْلُ أيْضًا: الوَلَدُ والنَّسْلُ، قالَهُ الخَلِيلُ، وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ: ولَدَهُ، وحَكى أبُو …

Aal-i-Imraan 3:1Listen in Qur'an →
2

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of existence.

سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [آل عمران: ١١]

(التَّوْراةُ): اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ في اشْتِقاقِها وفي وزْنِها، وذَلِكَ بَعْدَ تَقْرِيرِ النُّحاةِ أنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا يَدْخُلُها اشْتِقاقٌ، وأنَّها لا تُوزَنُ، يَعْنُونَ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا. فَأمّا اشْتِقاقُ (التَّوْراةَ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّها مِن: ورى الزَّنْدُ يَرى، إذا قَدَحَ وظَهَرَ مِنهُ النّارُ، فَكَأنَّ التَّوْراةَ ضِياءٌ مِنَ الضَّلالِ، وهَذا الِاشْتِقاقُ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ أبُو فَيْدٍ مُوَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ إلى أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن: ورّى، كَما رُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا ورّى بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ التَّوْراةِ تَلْوِيحٌ. وأمّا وزْنُها فَذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وسائِرُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: فَوْعَلَةٌ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في: تُولِجُ، فالأصْلُ فِيها ووَزْنُهُ ووَلَجَ؛ لِأنَّهُما مِن ورّى، ومِن ولَجَ، فَهي: كَحَوْقَلَةَ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعِلَةٌ، كَتَوْصِيَةٍ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ كَسْرَةُ العَيْنِ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا، كَما قالُوا في: ناصِيَةٍ، وجارِيَةٍ: ناصاهُ وجاراهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ تَوْصاهَ، وهَذا غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعَلَةٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ مِن: ورَّيْتُ بِكَ زَنادِيَّ، وتَجُوزُ إمالَةُ التَّوْراةِ وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

(الإنْجِيلَ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أيْضًا، ويَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلَهُ اشْتِقاقٌ، وأنَّهُ لا يُوزَنُ، وقَدْ قالُوا: وزْنُهُ: إفْعِيلُ كَإجْفِيلَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ. قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ نِجالًا، وبِها نِجالٌ، إذا خَرَجَ مِنها الماءُ، والنَّجْلُ أيْضًا: الوَلَدُ والنَّسْلُ، قالَهُ الخَلِيلُ، وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ: ولَدَهُ، وحَكى أبُو …

Aal-i-Imraan 3:2Listen in Qur'an →
3

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ

He has sent down upon you, [O Muhammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel.

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ (الكِتابَ) هُنا: القُرْآنُ، بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ، وتَكَرَّرَ كَثِيرًا، والمُرادُ القُرْآنُ، فَصارَ عِلْمًا، بِالغَلَبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزَّلَ) مُشَدَّدًا و(الكِتابَ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و(الكِتابُ) بِالرَّفْعِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها، أيْ: نَزَلَ الكِتابُ عَلَيْكَ مِن عِنْدِهِ، وأتى هُنا بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ) ولَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، ولا المُنَزَّلُ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وجاءَ بِذِكْرِ الخِطابِ لِما في الخِطابِ مِنَ المُؤانَسَةِ، وأتى بِلَفْظَةِ: عَلى، لِما فِيها مِنِ الِاسْتِعْلاءِ، كَأنَّ الكِتابَ تَجَلَّلَهُ وتَغَشّاهُ ﷺ، ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالعَدْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَدْلُ فِيما اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَن حَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ، الثّانِي: بِالعَدْلِ فِيما اخْتَصَّكَ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ.

وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ومِنَ الوَعِيدِ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: مَعْنى (بِالحَقِّ) بِالحُجَجِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ.

والباءُ تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أيْ: بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ، وتَحْتَمِلُ الحالَ، أيْ: مُحِقًّا نَحْوُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أيْ مُتَسَلِّحًا.

﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، وتَصْدِيقُهُ إيّاها أنَّها أخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، ووُقُوعُ المُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ المُخْبِرَ صادِقًا، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوافِقْها، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، والشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ، والقُرْآنُ، وإنْ كانَ ناسِخًا لِشَرائِعِ أكْثَرِ الكُتُبِ، فَهي مُبَشِّرَةٌ بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ وأنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَقَدْ وافَقَتِ القُرْآنَ، وكانَ مُصَدِّقًا لَها؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ لا تَخْتَلِفُ. وانْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي لازِمَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهو كَما قالَ:

؎أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِهِ نَسَبِي وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ

وقِيلَ: انْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (بِالحَقِّ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، و(لِما) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ؛ إذْ: مُصَدِّقًا، يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، والمَعْنى هُنا بِقَوْلِهِ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ المُتَقَدِّمُ في الزَّمانِ، وأصْلُ هَذا أنْ يُقالَ لِما يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، كالشَّيْءِ …

Aal-i-Imraan 3:3Listen in Qur'an →
4

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

Before, as guidance for the people. And He revealed the Qur'an. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allah will have a severe punishment, and Allah is exalted in Might, the Owner of Retribution.

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ (الكِتابَ) هُنا: القُرْآنُ، بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ، وتَكَرَّرَ كَثِيرًا، والمُرادُ القُرْآنُ، فَصارَ عِلْمًا، بِالغَلَبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزَّلَ) مُشَدَّدًا و(الكِتابَ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و(الكِتابُ) بِالرَّفْعِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها، أيْ: نَزَلَ الكِتابُ عَلَيْكَ مِن عِنْدِهِ، وأتى هُنا بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ) ولَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، ولا المُنَزَّلُ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وجاءَ بِذِكْرِ الخِطابِ لِما في الخِطابِ مِنَ المُؤانَسَةِ، وأتى بِلَفْظَةِ: عَلى، لِما فِيها مِنِ الِاسْتِعْلاءِ، كَأنَّ الكِتابَ تَجَلَّلَهُ وتَغَشّاهُ ﷺ، ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالعَدْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَدْلُ فِيما اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَن حَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ، الثّانِي: بِالعَدْلِ فِيما اخْتَصَّكَ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ.

وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ومِنَ الوَعِيدِ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: مَعْنى (بِالحَقِّ) بِالحُجَجِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ.

والباءُ تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أيْ: بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ، وتَحْتَمِلُ الحالَ، أيْ: مُحِقًّا نَحْوُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أيْ مُتَسَلِّحًا.

﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، وتَصْدِيقُهُ إيّاها أنَّها أخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، ووُقُوعُ المُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ المُخْبِرَ صادِقًا، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوافِقْها، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، والشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ، والقُرْآنُ، وإنْ كانَ ناسِخًا لِشَرائِعِ أكْثَرِ الكُتُبِ، فَهي مُبَشِّرَةٌ بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ وأنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَقَدْ وافَقَتِ القُرْآنَ، وكانَ مُصَدِّقًا لَها؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ لا تَخْتَلِفُ. وانْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي لازِمَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهو كَما قالَ:

؎أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِهِ نَسَبِي وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ

وقِيلَ: انْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (بِالحَقِّ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، و(لِما) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ؛ إذْ: مُصَدِّقًا، يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، والمَعْنى هُنا بِقَوْلِهِ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ المُتَقَدِّمُ في الزَّمانِ، وأصْلُ هَذا أنْ يُقالَ لِما يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، كالشَّيْءِ …

Aal-i-Imraan 3:4Listen in Qur'an →
5

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Indeed, from Allah nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ (شَيْءٌ) نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ العِلْمِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ بِالأرْضِ والسَّماءِ؛ إذْ هُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ، والتَّصْوِيرُ عَلى ما شاءَ مِنَ الهَيْئاتِ دالٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وبِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَتِمُّ مَعْنى القَيُّومِيَّةِ؛ إذْ هو القائِمُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى النَّصارى، إذْ شُبْهَتُهم في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ عِيسى كَوْنُهُ يُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، وهَذا راجِعٌ إلى العِلْمِ، وكَوْنُهُ: يُحْيِي المَوْتى، وهو راجِعٌ إلى القُدْرَةِ، فَنَبَّهَتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإلَهَ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى عالِمًا بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ونَبَّهَتْ عَلى أنَّ الإلَهَ هو ذُو القُدْرَةِ التّامَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في بَعْضِ الصُّوَرِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِ الصُّوَرِ وإحْيائِها، بَلْ إنْباؤُهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وخَلْقُهُ وإحْياؤُهُ بَعْضَ الصُّوَرِ، إنَّما كانَ ذَلِكَ بِإنْباءِ اللَّهِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، وإقْدارِهِ تَعالى لَهُ عَلى ذَلِكَ، وكُلُّها عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ الَّتِي أجْراها وأمْثالَها عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وفي ذِكْرِ التَّصْوِيرِ في الرَّحِمِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى إلَهٌ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صُوِّرَ في الرَّحِمِ.

وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ سِرًّا وجَهْرًا، ووَعِيدٌ بِالمُجازاةِ، وقِيلَ: المَعْنى شَيْءٌ مِمّا يَقُولُونَهُ في أمْرِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ، وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ عَنِ الخَلْقِ، فَكَيْفَ تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمُ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ عِنْدَكم ؟ وكُلُّ هَذِهِ تَخْصِيصاتٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَذا كُلُّهُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أبْلَغُ مِن (يَعْلَمُ) في الأصْلِ، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ يُفِيدانِ مَعْنًى واحِدًا.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والرَّبِيعُ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَّبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً (كَيْفَ يَشاءُ) قالَ الماتُرِيدِيُّ: فِيهِ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَجْعَلُ قَوْلَ القائِفِ حُجَّةً في دَعْوى النَّسَبِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلْمَ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ القائِفُ أنَّهُ صَوَّرَهُ مِن مائِهِ عِنْدَ قِيامِ التَّشابُهِ في الصُّوَرِ ؟ انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمَلُ مُسْتَقِلَّةً، فَتَكُونُ الأُولى إخْبارًا عَنْهُ تَعالى بِالعِلْمِ التّامِّ، والثّانِيَةُ إخْبارًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ وبِالإرادَةِ، والثّالِثَةُ بِالِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ: إنَّ.

وقالَ الرّاغِبُ، هُنا (يُصَوِّرُكم) بِلَفْظِ الحالِ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ (فَصَوَّرَكم) لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالأزْمِنَةِ في أفْعالِهِ، …

Aal-i-Imraan 3:5Listen in Qur'an →
6

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ (شَيْءٌ) نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ العِلْمِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ بِالأرْضِ والسَّماءِ؛ إذْ هُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ، والتَّصْوِيرُ عَلى ما شاءَ مِنَ الهَيْئاتِ دالٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وبِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَتِمُّ مَعْنى القَيُّومِيَّةِ؛ إذْ هو القائِمُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى النَّصارى، إذْ شُبْهَتُهم في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ عِيسى كَوْنُهُ يُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، وهَذا راجِعٌ إلى العِلْمِ، وكَوْنُهُ: يُحْيِي المَوْتى، وهو راجِعٌ إلى القُدْرَةِ، فَنَبَّهَتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الإلَهَ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى عالِمًا بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ونَبَّهَتْ عَلى أنَّ الإلَهَ هو ذُو القُدْرَةِ التّامَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في بَعْضِ الصُّوَرِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِ الصُّوَرِ وإحْيائِها، بَلْ إنْباؤُهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وخَلْقُهُ وإحْياؤُهُ بَعْضَ الصُّوَرِ، إنَّما كانَ ذَلِكَ بِإنْباءِ اللَّهِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، وإقْدارِهِ تَعالى لَهُ عَلى ذَلِكَ، وكُلُّها عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ الَّتِي أجْراها وأمْثالَها عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وفي ذِكْرِ التَّصْوِيرِ في الرَّحِمِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى إلَهٌ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صُوِّرَ في الرَّحِمِ.

وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ سِرًّا وجَهْرًا، ووَعِيدٌ بِالمُجازاةِ، وقِيلَ: المَعْنى شَيْءٌ مِمّا يَقُولُونَهُ في أمْرِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ، وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ عَنِ الخَلْقِ، فَكَيْفَ تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمُ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ عِنْدَكم ؟ وكُلُّ هَذِهِ تَخْصِيصاتٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَذا كُلُّهُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أبْلَغُ مِن (يَعْلَمُ) في الأصْلِ، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ يُفِيدانِ مَعْنًى واحِدًا.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والرَّبِيعُ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَّبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً (كَيْفَ يَشاءُ) قالَ الماتُرِيدِيُّ: فِيهِ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَجْعَلُ قَوْلَ القائِفِ حُجَّةً في دَعْوى النَّسَبِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلْمَ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ القائِفُ أنَّهُ صَوَّرَهُ مِن مائِهِ عِنْدَ قِيامِ التَّشابُهِ في الصُّوَرِ ؟ انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمَلُ مُسْتَقِلَّةً، فَتَكُونُ الأُولى إخْبارًا عَنْهُ تَعالى بِالعِلْمِ التّامِّ، والثّانِيَةُ إخْبارًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ وبِالإرادَةِ، والثّالِثَةُ بِالِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ: إنَّ.

وقالَ الرّاغِبُ، هُنا (يُصَوِّرُكم) بِلَفْظِ الحالِ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ (فَصَوَّرَكم) لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالأزْمِنَةِ في أفْعالِهِ، …

Aal-i-Imraan 3:6Listen in Qur'an →
7

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

It is He who has sent down to you, [O Muhammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific. As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allah. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.

﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: إلّا اللَّهُ، ومَعْناهُ أنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، والحَسَنِ، وعُرْوَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبِي نَهِيكٍ الأسَدِيِّ، ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، والكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والجُبّائِيِّ، والأخْفَشِ، وأبِي عُبَيْدٍ، واخْتارَهُ: الخَطّابِيُّ والفَخْرُ الرّازِيُّ.

ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿والرّاسِخُونَ﴾ مُبْتَدَأً، و(يَقُولُونَ) خَبَرٌ عَنْهُ، وقِيلَ: (والرّاسِخُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى اللَّهِ (وهم يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ) و(يَقُولُونَ) حالٌ مِنهم أيْ: قائِلِينَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ الدَّلِيلَ إذا دَلَّ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بَعْضُ المَجازاتِ، ولَيْسَ التَّرْجِيحُ لِبَعْضٍ إلّا بِالأدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ، وهي ظَنِّيَّةٌ، والظَّنُّ لا يَكْفِي في القَطْعِيّاتِ، ولِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَمِّ طالِبِ المُتَشابِهِ، ولَوْ كانَ جائِزًا لَما ذُمَّ بِأنَّ طَلَبَ وقْتِ السّاعَةِ تَخْصِيصُ بَعْضِ المُتَشابِهاتِ، وهو تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ، ولِأنَّهُ مَدَحَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِأنَّهم قالُوا ﴿آمَنّا بِهِ﴾ ولَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِ المُتَشابِهِ عَلى التَّفْصِيلِ لَما كانَ في الإيمانِ بِهِ مَدْحٌ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا عَلى التَّفْصِيلِ لا بُدَّ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، وإنَّما الرّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ المُرادَ غَيْرُ الظّاهِرِ، ويُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ المُرادِ إلى عِلْمِهِ تَعالى، وقَطَعُوا أنَّهُ الحَقُّ، ولَمْ يَحْمِلْهم عَدَمُ التَّعْيِينِ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ (الرّاسِخُونَ)، مَعْطُوفًا عَلى (اللَّهُ) لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ (يَقُولُونَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وتَقْدِيرُهُ: هَؤُلاءِ أوْ هم، فَيَلْزَمُ الإضْمارُ، أوْ حالًا، والمُتَقَدِّمُ (اللَّهُ والرّاسِخُونَ) فَيَكُونُ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ فَقَطْ، وفِيهِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ يَقْتَضِي فائِدَةً، وهو أنَّهم آمَنُوا بِما عَرَفُوا بِتَفْصِيلِهِ وما لَمْ يَعْرِفُوهُ، ولَوْ كانُوا عالِمِينَ بِالتَّفْصِيلِ في الكُلِّ عُرِّيَ عَنِ الفائِدَةِ، ولَمّا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ تَفْسِيرَ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

تَفْسِيرٌ لا يَقَعُ جَهْلُهُ.

وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.

وتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ.

وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وسُئِلَ مالِكٌ، فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ، انْتَهى ما رُجِّحَ بِهِ القَوْلُ الأوَّلُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ أُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، فِيما رَواهُ طاوُسٌ عَنْهُ ﴿إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنَّ تَأْوِيلَهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ) . ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكَ القَوْلَ الثّانِيَ وأطْنَبَ في ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ ﷺ - لِابْنِ عَبّاسٍ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ما يُبَيِّنُ ذَلِكَ، أيْ: عَلِّمْهُ مَعانِيَ كِتابِكَ، وكانَ عُمَرُ إذا وقَعَ مُشْكِلٌ في كِتابِ اللَّهِ يَسْتَدْعِيهِ …

Aal-i-Imraan 3:7Listen in Qur'an →
8

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.

وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.

وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و

؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ

أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟

﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.

﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.

وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:8Listen in Qur'an →
9

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allah does not fail in His promise."

وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.

وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و

؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ

أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟

﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.

﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.

وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:9Listen in Qur'an →
10

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all. And it is they who are fuel for the Fire.

وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.

وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و

؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ

أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟

﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.

﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.

﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.

وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.