Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

سُورَةُ النِّساءِ

مِائَةٌ وخَمْسٌ وسَبْعُونَ آيَةً وهي مَدَنِيَّةٌ

﷽

﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم ذَلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]

الرَّقِيبُ: فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن رَقَبَ يَرْقُبُ رَقْبًا ورُقُوبًا ورِقْبانًا، أحَدَّ النَّظَرَ إلى أمْرٍ لِيَتَحَقَّقَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ. ويَقْتَرِنُ بِهِ الحِفْظُ، ومِنهُ قِيلَ لِلَّذِي يَرْقُبُ خُرُوجَ السَّهْمِ: رَقِيبٌ.

وقالَ أبُو داوُدَ:

؎كَمَقاعِدِ الرُّقَباءِ لِلضُّرَباءِ أيْدِيهِمْ نَواهِدْ

والرَّقِيبُ: السَّهْمُ الثّالِثُ مِنَ السَّبْعَةِ الَّتِي لَها أنْصِباءُ. والرَّقِيبُ: ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ، والمَرْقَبُ: المَكانُ العالِي المُشْرِفُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الرَّقِيبُ. والِارْتِقابُ: الِانْتِظارُ.

الحُوبُ: الإثْمُ. يُقالُ: حابَ يَحُوبُ حَوْبًا وحُوبًا وحابًا وحُؤُوبًا وحِيابَةً. قالَ المُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ:

؎فَلا يُدْخِلَنِّي الدَّهْرُ قَبْرَكَ حُوبُ ∗∗∗ فَإنَّكَ تَلْقاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ

وقالَ آخَرُ:

؎وإنْ تُهاجِرِينَ تَكْفُفاهُ ∗∗∗ غِرايَتَهُ لَقَدْ خَطَيا وحابا

وقِيلَ: الحَوْبُ بِفَتْحِ الحاءِ المَصْدَرُ وبِضَمِّها الِاسْمُ، وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ ألْقى الحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ كَتَحَنَّثَ وتَأثَّمَ وتَحَرَّجَ. وفُلانٌ يَتَحَوَّبُ مِن كَذا: يَتَوَقَّعُ. وأصْلُ الحُوبِ: الزَّجْرُ لِلْإبِلِ، فَسُمِّيَ الإثْمُ حُوبًا لِأنَّهُ يُزْجَرُ عَنْهُ، وبِهِ الحَوْبَةُ: الحاجَةُ، ومِنهُ في الدُّعاءِ: إلَيْكَ أرْفَعُ حَوْبَتِي. ويُقالُ: ألْحَقَ اللَّهُ بِهِ الحَوْبَةَ أيِ المَسْكَنَةَ والحاجَةَ.

﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣] مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ، …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ كانَ عِنْدَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ، فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ المالِ فَمَنَعَهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا وصَلَ الأرْحامَ أتْبَعَ بِالأيْتامِ؛ لِأنَّهم صارُوا بِحَيْثُ لا كافِلَ لَهم، فَفارَقَ حالُهم حالَ مَن لَهُ رَحِمٌ ماسَّةٌ. وظاهِرُهُ الأمْرُ بِإعْطاءِ اليَتامى أمْوالَهم.

واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ: فَقْدُ الأبِ، وهو جَمْعٌ يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ. ويَنْقَطِعُ هَذا الِاسْمُ شَرْعًا بِالبُلُوغِ، فَلا بُدَّ مِن مَجازٍ، إمّا في اليَتامى لِإطْلاقِهِ عَلى البالِغِينَ اعْتِبارًا وتَسْمِيَةً بِما كانُوا عَلَيْهِ شَرْعًا قَبْلَ البُلُوغِ مِنِ اسْمِ اليُتْمِ، فَيَكُونُ الأوْلِياءُ قَدْ أُمِرُوا بِأنْ لا تُؤَخَّرَ الأمْوالُ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ، ولا يُمْطَلُوا إنْ أُونِسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَجازُ في (أُوتُوا)، ويَكُونَ مَعْنى إيتائِهِمُ الأمْوالَ - الإنْفاقَ عَلَيْهِمْ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وأنْ لا يَطْمَعَ فِيها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ، ويَكُفُّوا عَنْها أيْدِيَهُمُ الخاطِئَةَ. وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ الخِطابُ لِمَن لَهُ وضْعُ اليَدِ عَلى مالِ اليَتِيمِ شَرْعًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِمَن كانَتْ عادَتُهُ مِنَ العَرَبِ أنْ لا يَرِثَ الصَّغِيرُ مِنَ الأوْلادِ مَعَ الكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهم: ورِّثُوهم أمْوالَهم، ولا تَتْرُكُوا أيُّها الكِبارُ حُظُوظَكم حَلالًا طَيِّبًا حَرامًا خَبِيثًا، فَيَجِيءُ فِعْلُكم ذَلِكَ تَبَدُّلًا. وقِيلَ: كانَ الوَلِيُّ يَرْبَحُ عَلى يَتِيمِهِ فَتَسْتَنْفِدُ تِلْكَ الأرْباحُ مالَ اليَتِيمِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى السَّفِيهِ لا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً. قالَ: لِأنَّ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ سَفِيهًا وغَيْرَهُ، أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ قَبْلَ السِّنِّ المَذْكُورِ بِالإنْفاقِ عَلى أنَّ إيناسَ الرُّشْدِ قَبْلَ بُلُوغِ هَذا السِّنِّ شَرْطٌ في وُجُوبِ دَفْعِ المالِ إلَيْهِ، وهَذا الإجْماعُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ هَذا السِّنِّ، فَوَجَبَ إجْراءُ الأمْرِ بَعْدَ هَذا السِّنِّ عَلى حُكْمِ ظاهِرِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ وخُصِّصَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٦] ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ﴾ [النساء: ٥]، ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: كانَ بَعْضُهم يُبَدِّلُ الشّاةَ السَّمِينَةَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِالهَزِيلَةِ مِن مالِهِ، والدِّرْهَمَ الطَّيِّبَ بِالزَّيْفِ مِن مالِهِ. وقالَمُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: المَعْنى: ولا تَتَعَجَّلُوا أكْلَ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ، وتَدَعُوا انْتِظارَ الرِّزْقِ الحَلالِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقِيلَ: المَعْنى ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم خَبِيثًا وتَدَعُوا أمْوالَكم طَيِّبًا. وقِيلَ: المَعْنى لا تَأْخُذُوا مالَ اليَتِيمِ وهو خَبِيثٌ لِيُؤْخَذَ مِنكُمُ المالُ الَّذِي لَكم وهو طَيِّبٌ. وقِيلَ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونَ هي نارًا تَأْكُلُونَها وتَتْرُكُونَ المَوْعُودَ لَكم في الآخِرَةِ بِسَبَبِ إبْقاءِ الخَبائِثِ والمُحَرَّماتِ، وقِيلَ: لا تَسْتَبْدِلُوا الأمْرَ الخَبِيثَ، وهو اخْتِزالُ أمْوالِ اليَتامى - بِالأمْرِ الطَّيِّبِ، وهو حِفْظُها والتَّوَرُّعُ مِنها. وتَفَعَّلَ هُنا بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ كَتَعَجَّلَ وتَأخَّرَ بِمَعْنى اسْتَعْجَلَ واسْتَأْخَرَ. …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] لَمّا نُهُوا عَنِ اسْتِبْدالِ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ بِالطَّيِّبِ مِن أمْوالِ اليَتامى، ارْتَقى في النَّهْيِ إلى ما هو أفْظَعُ مِنَ الِاسْتِبْدالِ، وهو أكْلُ أمْوالِ اليَتامى، فَنُهُوا عَنْهُ. ومَعْنى ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] قِيلَ: مَعَ أمْوالِكم، وقِيلَ: (إلى) في مَوْضِعِ الحالِ، التَّقْدِيرُ: مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِـ (تَأْكُلُوا) عَلى مَعْنى التَّضْمِينِ، أيْ: ولا تَضُمُّوا أمْوالَهم في الأكْلِ إلى أمْوالِكم. وحِكْمَةُ ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وإنْ كانُوا مَنهِيِّينَ عَنْ أكْلِ أمْوالِ اليَتامى بِغَيْرِ حَقٍّ، أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى غِنى الأوْلِياءِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَعَ كَوْنِكم ذَوِي مالٍ، أيْ: مَعَ غِناكم؛ لِأنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِلْوَلِيِّ إذا كانَ فَقِيرًا أنْ يَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ. وهَذا نَصٌّ عَلى النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ، وفي حُكْمِهِ التَّمَوُّلُ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ ناهِيَةٌ عَنِ الخَلْطِ في الإنْفاقِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْلِطُ نَفَقَتَها بِنَفَقَةِ أيْتامِها، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ مِنهُ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . وقالَ الحَسَنُ قَرِيبًا مِن هَذا.

قالَ: تَأوَّلَ النّاسُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ الخَلْطِ، فاجْتَنَبُوهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، فَخَفَّفَ عَنْهم في آيَةِ البَقَرَةِ. وحَسَّنَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وحَقِيقَتُهُ ولا تَضُمُّوها إلَيْها في الإنْفاقِ حَتّى لا تُفَرِّقُوا بَيْنَ أمْوالِكم وأمْوالِهِمْ؛ قِلَّةَ مُبالاةٍ بِما لا يَحِلُّ لَكم، وتَسْوِيَةً بَيْنِهِ وبَيْنَ الحَلالِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أكْلُ مالِ اليَتامى وحْدَهُ ومَعَ أمْوالِهِمْ، فَلِمَ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِهِ مَعَها ؟ قُلْتُ: لِأنَّهم إذا كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ أمْوالِ اليَتامى بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن مالٍ حَلالٍ، وهم عَلى ذَلِكَ يَطْمَعُونَ فِيها، كانَ القُبْحُ أبْلَغَ والذَّمُّ أحَقَّ. ولِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَنَعى عَلَيْهِمْ فِعْلَهم وسَمَّعَ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ أزْجَرَ لَهم. انْتَهى كَلامُهُ. ومُلَخَّصُهُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] لَيْسَ قَيْدًا لِلِاحْتِرازِ، إنَّما جِيءَ بِهِ لِتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ، ولِأنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الواقِعِ، فَيَكُونَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] وإنْ كانَ الرِّبا عَلى سائِرِ أحْوالِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ. وما قَدَّمْناهُ نَحْنُ يَكُونُ ذَلِكَ قَيْدًا لِلِاحْتِرازِ، فَإنَّهُ إذا كانَ الوَلِيُّ فَقِيرًا جازَ أنْ يَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْسَحِبًا عَلى أكْلِ مالِ اليَتِيمِ لِمَن كانَ غَنِيًّا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] .

﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الحاءِ، والحَسَنُ بِفَتْحِها وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وغَيْرِهِمْ، وبَعْضُ القُرّاءِ: (إنَّهُ كانَ حابًا كَبِيرًا)، وكُلُّها مَصادِرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وغَيْرُهُما: الحُوبُ الإثْمُ. وقِيلَ: الظُّلْمُ. وقِيلَ: الوَحْشَةُ. والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى الأكْلِ. وقِيلَ: عَلى التَّبَدُّلِ. وعَوْدُهُ عَلى الأكْلِ أقْرَبُ لِقُرْبِهِ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِما. كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كَما قالَ:

؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

أيْ كَأنَّ ذَلِكَ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الخِطابُ فِيهِ الخِلافُ: أهْوَ لِلْأزْواجِ ؟ أوْ لِلْأوْلِياءِ ؟ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في: ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ . وقالَ حَضْرَمِيٌّ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا تَحَرَّجُوا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِمّا دَفَعُوا إلى الزَّوْجاتِ، والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى الصَّداقِ، قالَهُ عِكْرِمَةٌ. إذْ لَوْ وقَعَ مَكانَ (صَدُقاتِهِنَّ) لَكانَ جائِزًا وصارَ شَبِيهًا بِقَوْلِهِمْ: هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأجْمَلُهُ لِصَلاحِيَّةِ: هو أحْسَنُ فَتًى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِيَنْصَرِفَ إلى الصَّداقِ الواحِدِ، فَيَكُونَ مُتَناوِلًا بَعْضَهُ. فَلَوْ أنَّثَ لَتَناوَلَ ظاهِرُهُ هِبَةَ الصَّداقِ كُلِّهِ، لِأنَّ بَعْضَ الصَّدَقاتِ واحِدٌ مِنها فَصاعِدًا. انْتَهى. وأقُولُ: حَسُنَ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ، لِأنَّ مَعْنى فَإنْ طِبْنَ: فَإنْ طابَتْ كُلُّ واحِدَةٍ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُ)، أيْ: مِن صَداقِها، وهو نَظِيرُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أيْ لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ (مُتَّكَأً) . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى (صَدُقاتِهِنَّ) مَسْلُوكًا بِهِ مَسْلَكَ اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. واسْمُ الإشارَةِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا قَدْ يُشارُ بِهِ إلى مَجْمُوعٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] . وقَدْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ. وقِيلَ لِرُؤْبَةَ: كَيْفَ قُلْتَ:

؎كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

وقَدْ تَقَدَّمَ:

؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ

فَقالَ: أرَدْتُ كانَ ذاكَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المالِ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ، ولَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ (صَدُقاتِهِنَّ) . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الإيتاءِ وهو المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ (وآتُوا)، قالَهُ الرّاغِبُ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورانِ بِقَوْلِهِ: طِبْنَ، و(مِنهُ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَيْءٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وظاهِرُ (مِنِ) التَّبْعِيضُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما تَهَبُهُ يَكُونُ بَعْضًا مِنَ الصَّداقِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبَرُّعُها لَهُ إلّا بِاليَسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن تَتَضَمَّنُ الجِنْسَ هاهُنا. وكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَهْرَ كُلَّهُ، ولَوْ وقَعَتْ عَلى التَّبْعِيضِ لَما جازَ ذَلِكَ.

وانْتَصَبَ (نَفَسًا) عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ. وإذا جاءَ التَّمْيِيزُ بَعْدَ جَمْعٍ وكانَ مُنْتَصِبًا عَنْ تَمامِ الجُمْلَةِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِما قَبْلَهُ في المَعْنى، أوْ مُخالِفًا، فَإنْ كانَ مُوافِقًا طابَقَهُ في الجَمْعِيَّةِ، نَحْوُ: كَرُمَ الزَّيْدُونَ رِجالًا، كَما يُطابِقُ لَوْ كانَ خَبَرًا. وإنْ كانَ مُخالِفًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدَ المَدْلُولِ أوْ مُخْتَلِفَهُ، إنْ كانَ مُفْرَدَ المَدْلُولِ لَزِمَ إفْرادُ اللَّفْظِ الدّالِّ كَقَوْلِكَ في أبْناءِ رَجُلٍ واحِدٍ: كَرُمَ بَنُو فُلانٍ أصْلًا وأبًا. وكَقَوْلِكَ: زَكا الأتْقِياءُ مُتَّقِيًا، وجادَ الأذْكِياءُ وعْيًا. وذَلِكَ إذا لَمْ تَقْصِدْ بِالمَصْدَرِ اخْتِلافَ الأنْواعِ لِاخْتِلافِ مَحالِّهِ. وإنْ كانَ مُخْتَلِفَ المَدْلُولِ، فَإمّا أنْ يَلْبَسَ أفْرادُهُ لَوْ أُفْرِدَ، أوْ لا يَلْبَسَ. فَإنْ ألْبَسَ وجَبَتِ المُطابَقَةُ، نَحْوُ: كَرُمَ الزَّيْدُونَ آباءً، أيْ: كَرُمَ آباءُ الزَّيْدِينَ. ولَوْ قُلْتَ: كَرُمَ الزَّيْدُونَ أبًا، لَأوْهَمَ أنَّ أباهم واحِدٌ مَوْصُوفٌ بِالكَرَمِ. وإنْ لَمْ يَلْبَسْ جازَ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: نَزَلَتْ في ولَدِ الرَّجُلِ الصِّغارِ وامْرَأتِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: في المَحْجُورِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في النِّساءِ خاصَّةً. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في كُلِّ مَنِ اقْتَضى الصِّفَةَ الَّتِي شَرَطَ اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ كائِنًا مَن كانَ. ويُضْعِفُ قَوْلَ مُجاهِدٍ أنَّها في النِّساءِ - كَوْنُها جَمْعَ سَفِيهَةٍ، والعَرَبُ إنَّما تَجْمَعُ فَعِيلَةً عَلى فَعائِلَ أوْ فَعِيلاتٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ونَقَلُوا أنَّ العَرَبَ جَمَعَتْ سَفِيهَةً عَلى سُفَهاءَ، فَهَذا اللَّفْظُ قَدْ قالَتْهُ العَرَبُ لِلْمُؤَنَّثِ، فَلا يَضْعُفُ قَوْلُ مُجاهِدٍ. وإنْ كانَ جَمْعُ فَعَيْلَةٍ الصِّفَةِ - لِلْمُؤَنَّثِ نادِرًا لَكِنَّهُ قَدْ نُقِلَ في هَذا اللَّفْظِ خُصُوصًا. وتَخْصِيصُ ابْنِ عَطِيَّةَ جَمْعَ فَعِيلَةٍ بِفَعائِلَ أوْ فَعَيْلاتٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ يَطَّرِدُ فِيهِ فِعالٌ كَظَرِيفَةٍ وظِرافٍ، وكَرِيمَةٍ وكِرامٍ، ويُوافِقُ في ذَلِكَ المُذَكَّرَ. وإطْلاقُهُ فَعِيلَةً دُونَ أنْ يَخُصَّها بِأنْ لا يَكُونُ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، نَحْوُ: قَتِيلَةٍ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعِيلَةً لا تُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ.

وقِيلَ: عَنى بِالسُّفَهاءِ الوارِثِينَ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم يَتَسَفَّهُونَ في اسْتِعْمالِ ما تَنالُهُ أيْدِيهِمْ، فَنَهى عَنْ جَمْعِ المالِ الَّذِي تَرِثُهُ السُّفَهاءُ. والسُّفَهاءُ: هُمُ المُبَذِّرُونَ الأمْوالَ بِالإنْفاقِ فِيما لا يَنْبَغِي، ولا يَدَ لَهم بِإصْلاحِها وتَثْمِيرِها والتَّصَرُّفِ فِيها. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: أمْوالَكم أنَّ المالَ مُضافٌ إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ولا تُؤْتُوا. قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ: نَهى أنْ يُدْفَعَ إلى السَّفِيهِ شَيْءٌ مِن مالِ غَيْرِهِ، وإذا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ هَذا فَأنْ لا يُؤْتى شَيْئًا مِن مالِ نَفْسِهِ أوْلى وأحْرى بِالنَّهْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: وهو أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأرْبابِ الأمْوالِ؛ قِيلَ: يَكُونُ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْمَرْأةِ جائِزَةٌ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وأوْصى عُمَرُ إلى حَفْصَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: أنَّها لا تَكُونُ وصِيًّا. قالَ: ولَوْ فَعَلَ حُوِّلَتْ إلى رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ.

قِيلَ: ويَنْدَرِجُ تَحْتَها الجاهِلُ بِأحْكامِ البَيْعِ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: (مَن لَمْ يَتَفَقَّهْ في الدِّينِ فَلا يَتَّجِرْ في أسْواقِنا) - والكُفّارُ. وكَرِهَ العُلَماءُ أنْ يُوَكِّلَ المُسْلِمُ ذِمِّيًّا بِالبَيْعِ والشِّراءِ، أوْ يَدْفَعَ إلَيْهِ يُضارِبَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يُرِيدُ أمْوالَ السُّفَهاءِ، وأضافَها إلى المُخاطِبِينَ تَغْبِيطًا بِالأمْوالِ، أيْ: هي لَهم إذا احْتاجُوها كَأمْوالِكُمُ الَّتِي تَقِي أعْراضَكم وتَصُونُكم وتُعَظِّمُ أقْدارَكم. ومِن مِثْلِ هَذا: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وما جَرى مَجْراهُ. وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوَّلًا قالَ: والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، وأضافَ الأمْوالَ إلَيْهِمْ لِأنَّها مِن جِنْسِ ما يُقِيمُ بِهِ النّاسُ مَعائِشَهم. كَما قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ في أمْوالِ اليَتامى قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: (اللّاتِي) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّتِي. قالَ …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ قِيلَ: تُوُفِّيَ رِفاعَةُ وتَرَكَ ابْنَهُ ثابِتًا صَغِيرًا، فَسَألَ: إنَّ ابْنَ أخِي في حِجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ ؟ ومَتى أدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ ؟ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: تُوُفِّيَ أوْسُ بْنُ ثابِتٍ، ويُقالُ: أوْسُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ زَوْجَتِهِ أُمِّ كَجَّةَ وثَلاثِ بَناتٍ وابْنَيْ عَمِّ سُوَيْدٍ. وقِيلَ: السُّدِّيُّ وعَرْفَجَةُ، فَأخَذا مالَهُ ولَمْ يُعْطِيا المَرْأةَ ولا البَناتِ شَيْئًا. وقِيلَ: المانِعُ إرْثَهُنَّ هو عَمُّ بَنِيها، واسْمُهُ ثَعْلَبَةُ. وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا البَناتِ ولا الِابْنَ الصَّغِيرَ الذَّكَرَ، فَشَكَتْهُما أُمُّ كَجَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعاهُما، فَقالَ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَدُها لا يَرْكَبُ فَرَسًا، ولا يَحْمِلُ كَلًّا، ولا يُنْكِي عَدُوًّا، فَقالَ: (انْصَرِفُوا حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ) فَنَزَلَتْ.

وابْتِلاءُ اليَتامى اخْتِبارُهم في عُقُولِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وسُفْيانُ. أوْ في عُقُولِهِمْ ودِينِهِمْ وحِفْظِهِمْ لِأمْوالِهِمْ وحُسْنِ تَصَرُّفِهِمْ فِيها. ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وكَيْفِيَّةُ اخْتِبارِ الصَّغِيرِ أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ نَزْرٌ يَسِيرٌ مِنَ المالِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، والوَصِيُّ يُراعِي حالَهُ فِيهِ لِئَلّا يُتْلِفَهُ. واخْتِبارُ الصَّغِيرَةِ أنْ يُرَدَّ إلَيْها أمْرُ البَيْتِ والنَّظَرُ في الِاسْتِغْزالِ دَفْعًا وأُجْرَةً واسْتِيفاءً. واخْتِلافُ كُلٍّ مِنهُما بِحالِ ما يَلِيقُ بِهِ وبِما يُعانِيهِ مِنَ الأشْغالِ والصَّنائِعِ، فَإذا أنِسَ مِنهُ الرُّشْدَ بَعْدَ البُلُوغِ والِاخْتِبارِ دَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ، وأشْهَدَ عَلَيْهِ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وهو يَعْقُبُ الدَّفْعَ. والإشْهادُ الإيناسُ المَشْرُوطُ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: لا يُدْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ الإيناسِ والِاخْتِبارِ المَذْكُورَيْنِ حَتّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ، وتُداوِلُهُ الفُصُولُ الأرْبَعُ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِسِنِّ البُلُوغِ، ولا بِماذا يَكُونُ. وتَكَلَّمَ فِيها هُنا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والكَلامُ في البُلُوغِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ بَقِيَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ دائِمًا، ولا يُدْفَعُ إلَيْهِ المالُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ النَّخَعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: يُنْتَظَرُ بِهِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، ويُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى اسْتِبْدادِ الوَصِيِّ بِالدَّفْعِ والِاسْتِقْلالِ بِهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: يَفْتَقِرُ إلى أنْ يَدْفَعَهُ إلى السُّلْطانِ ويُثْبِتَ عِنْدَهُ رُشْدَهُ، أوْ يَكُونَ مِمَّنْ يَأْمَنُهُ الحاكِمُ. وظاهِرُ عُمُومِ اليَتامى انْدِراجُ البَناتِ في هَذا الحُكْمِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ البَنِينَ في ذَلِكَ. فَقِيلَ: يُعْتَبَرُ رُشْدُها، وإنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِالبُلُوغِ. وقِيلَ: المُدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ خَمْسَةُ أعْوامٍ. وقِيلَ: سَنَةٌ. وقِيلَ: سَبْعَةٌ في ذاتِ الأبِ، وعامٌ واحِدٌ في اليَتِيمَةِ الَّتِي لا وصِيَّ لَها.

و(حَتّى) هُنا غايَةٌ لِلِابْتِلاءِ، ودَخَلَتْ عَلى الشَّرْطِ وهو (إذا)، وجَوابُهُ: فَإنْ آنَسْتُمْ، وجَوابُهُ وجَوابُ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ [النساء: ١]: (فادْفَعُوا) . وإيناسُ الرُّشْدِ مُتَرَتِّبٌ عَلى بُلُوغِ النِّكاحِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ. و(حَتّى) إذا دَخَلَتْ عَلى الشَّرْطِ لا تَكُونُ عامِلَةً، بَلْ هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كَقَوْلِهِ:

؎وحَتّى …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها هو خَبَرُ أُمِّ كَجَّةَ وقَدْ تَقَدَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. قالَ المَرْوَزِيُّ: كانَ اليُونانُ يُعْطُونَ جَمِيعَ المالِ لِلْبَناتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَعْجَزُ عَنِ الكَسْبِ، والمَرْأةُ تَعْجَزُ. وكانَتِ العَرَبُ لا يُعْطُونَ البَناتِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ. والمَعْنِيُّ بِالرِّجالِ الذُّكُورُ، وبِالنِّساءِ الإناثُ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] .

وأبْهَمَ في قَوْلِهِ: (نَصِيبٌ)، و(مِمّا تَرَكَ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(نَصِيبٌ) . وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ (نَصِيبٌ) فَهو مِن تَمامِهِ. والوالِدانِ: يَعْنِي والِدَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهُما أبَواهم، وسُمِّيَ الأبُ والِدًا؛ لِأنَّ الوَلَدَ مِنهُ، ومِنَ الوالِدَةِ. ولِلِاشْتِراكِ جاءَ الفَرْقُ بَيْنَهُما بِالتّاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجُمِعَ بِالألِفِ والتّاءِ قِياسًا كَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎بِحَيْثُ يَعْتَشُّ الغُرابُ البائِضُ

لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الأُنْثى والذَّكَرِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالغُرابِ هُنا الذَّكَرُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الغُرابِ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، ولَيْسَ مِمّا فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَنَّثِهِ بِالتّاءِ. فَهو كالرُّعُوبِ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، ولا يُرَجِّحُ كَوْنَهُ ذَكَرًا وصْفُهُ بِالبائِضِ، وهو وصْفُ مُذَكَّرٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ، إذْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ كَما أُنِّثَ المُذَكَّرُ حَمْلًا عَلى لَفْظِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: وعَنْتَرَةُ الفَلْحاءُ. وفي قَوْلِهِ:

؎أبُوكَ حَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى

والأقْرَبُونَ: هُمُ المُتَوارِثُونَ مِن ذَوِي القَراباتِ. وقَدْ أبْهَمَ في لَفْظِ الأقْرَبُونَ كَما أبْهَمَ في النَّصِيبِ، وعَيَّنَ الوارِثَ والمِقْدارَ في الآياتِ بَعْدَها. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ﴾، هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ الأخِيرِ، أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ الأخِيرِ. واكْتَفى بِذِكْرِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مُرادٌ في الجُمْلَةِ الأُولى، ولَمْ يُضْطَرَّ إلى ذِكْرِهِ لِأنَّ البَدَلَ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَوْضِيحُ أنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ العُمُومُ في المَتْرُوكِ. وهَذا البَدَلُ فِيهِ ذِكْرُ نَوْعَيِ المَتْرُوكِ مِنَ القِلَّةِ أوِ الكَثْرَةِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِمّا قَلَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في (تَرَكَ)، أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مُسْتَقِرًّا مِمّا قَلَّ.

ومَعْنى ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: أيْ حَظًّا مَقْطُوعًا بِهِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَحُوزُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: (نَصِيبًا) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِهَؤُلاءِ أنْصِباءُ عَلى ما ذَكَرْنا هُنا في حالِ الفَرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نُصِبَ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المَصْدَرِ، ولِذَلِكَ وحَّدَهُ كَقَوْلِكَ لَهُ: عَلَيَّ كَذا حَقًّا لازِمًا، ونَحْوُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] ولَوْ كانَ اسْمًا صَحِيحًا لَمْ يُنْصَبْ، لا تَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ دِرْهَمًا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا القَوْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ المَصْدَرِ …

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها هو خَبَرُ أُمِّ كَجَّةَ وقَدْ تَقَدَّمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ. قالَ المَرْوَزِيُّ: كانَ اليُونانُ يُعْطُونَ جَمِيعَ المالِ لِلْبَناتِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَعْجَزُ عَنِ الكَسْبِ، والمَرْأةُ تَعْجَزُ. وكانَتِ العَرَبُ لا يُعْطُونَ البَناتِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ. والمَعْنِيُّ بِالرِّجالِ الذُّكُورُ، وبِالنِّساءِ الإناثُ كَقَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] .

وأبْهَمَ في قَوْلِهِ: (نَصِيبٌ)، و(مِمّا تَرَكَ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(نَصِيبٌ) . وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ (نَصِيبٌ) فَهو مِن تَمامِهِ. والوالِدانِ: يَعْنِي والِدَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهُما أبَواهم، وسُمِّيَ الأبُ والِدًا؛ لِأنَّ الوَلَدَ مِنهُ، ومِنَ الوالِدَةِ. ولِلِاشْتِراكِ جاءَ الفَرْقُ بَيْنَهُما بِالتّاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجُمِعَ بِالألِفِ والتّاءِ قِياسًا كَقَوْلِهِ: ﴿والوالِداتُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎بِحَيْثُ يَعْتَشُّ الغُرابُ البائِضُ

لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الأُنْثى والذَّكَرِ. انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ بِالغُرابِ هُنا الذَّكَرُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الغُرابِ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، ولَيْسَ مِمّا فُرِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُؤَنَّثِهِ بِالتّاءِ. فَهو كالرُّعُوبِ يَنْطَلِقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، ولا يُرَجِّحُ كَوْنَهُ ذَكَرًا وصْفُهُ بِالبائِضِ، وهو وصْفُ مُذَكَّرٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ، إذْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ كَما أُنِّثَ المُذَكَّرُ حَمْلًا عَلى لَفْظِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ: وعَنْتَرَةُ الفَلْحاءُ. وفي قَوْلِهِ:

؎أبُوكَ حَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى

والأقْرَبُونَ: هُمُ المُتَوارِثُونَ مِن ذَوِي القَراباتِ. وقَدْ أبْهَمَ في لَفْظِ الأقْرَبُونَ كَما أبْهَمَ في النَّصِيبِ، وعَيَّنَ الوارِثَ والمِقْدارَ في الآياتِ بَعْدَها. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ﴾، هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ الأخِيرِ، أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ الأخِيرِ. واكْتَفى بِذِكْرِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مُرادٌ في الجُمْلَةِ الأُولى، ولَمْ يُضْطَرَّ إلى ذِكْرِهِ لِأنَّ البَدَلَ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَوْضِيحُ أنَّهُ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: مِمّا تَرَكَ العُمُومُ في المَتْرُوكِ. وهَذا البَدَلُ فِيهِ ذِكْرُ نَوْعَيِ المَتْرُوكِ مِنَ القِلَّةِ أوِ الكَثْرَةِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِمّا قَلَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في (تَرَكَ)، أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مُسْتَقِرًّا مِمّا قَلَّ.

ومَعْنى ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: أيْ حَظًّا مَقْطُوعًا بِهِ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَحُوزُوهُ. وقالَ الزَّجّاجُ ومَكِّيٌّ: (نَصِيبًا) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِهَؤُلاءِ أنْصِباءُ عَلى ما ذَكَرْنا هُنا في حالِ الفَرْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: نُصِبَ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ المَصْدَرِ، ولِذَلِكَ وحَّدَهُ كَقَوْلِكَ لَهُ: عَلَيَّ كَذا حَقًّا لازِمًا، ونَحْوُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] ولَوْ كانَ اسْمًا صَحِيحًا لَمْ يُنْصَبْ، لا تَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ دِرْهَمًا. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا القَوْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ المَصْدَرِ …

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ أمَرَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ واتِّقائِهِ. والقَوْلُ السَّدِيدُ مَن يَنْظُرُ في حالِ ذَرِّيَّةٍ ضِعافٍ لِتَنْبِيهِهِ عَلى وذَلِكَ بِكَوْنِهِ هو يَتْرُكُ ذُرِّيَّةً ضِعافًا، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ وُلاةُ الأيْتامِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ. والَّذِي يَنْهى المُحْتَضِرَ عَنِ الوَصِيَّةِ لِذَوِي القُرْبى، ومَن يَسْتَحِقُّ ويَحْسُنُ لَهُ الإمْساكُ عَلى قَرابَتِهِ وأوْلادِهِ. وبِهِ فَسَّرَ مِقْسَمٌ وحَضْرَمِيٌّ، والَّذِي يَأْمُرُ المُحْتَضِرَ بِالوَصِيَّةِ لِفُلانٍ وفُلانٍ ويُذَكِّرُهُ بِأنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ، وقَصْدُهُ إيذاءُ ورَثَتِهِ بِذَلِكَ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ جَمِيعُ النّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقاءِ اللَّهِ في الأيْتامِ وأوْلادِ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حِجْرِهِمْ. وأنَّ يُسَدِّدُوا لَهُمُ القَوْلَ كَما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَّصِلَ بِما قَبْلَهُ، وأنْ يَكُونَ آمِرًا لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى الَّذِينَ يَحْضُرُونَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ أقارِبِهِمْ واليَتامى والمَساكِينِ، وأنْ يَتَصَوَّرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضائِعِينَ مُحْتاجِينَ، هَلْ كانُوا يَخافُونَ عَلَيْهِمُ الحِرْمانَ والخَشْيَةَ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ مُرادًا. قالَ القاضِي: الألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ أنْ يَكُونَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في الأيْتامِ، فَجَعَلَ تَعالى آخِرَ ما دَعاهم بِهِ إلى حِفْظِ مالِ اليَتِيمِ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى حالِ أنْفُسِهِمْ وذُرِّيَّتِهِمْ إذا تَصَوَّرُوها، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أقْوى البَواعِثِ في هَذا المَقْصُودِ عَلى الِاحْتِياطِ فِيهِ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في: (ولِيَخْشَ)، وفي: (فَلِيَتَّقُوا)، (ولِيَقُولُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإسْكانِ. ومَفْعُولُ (ولْيَخْشَ) مَحْذُوفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ الجَلالَةِ، أيِ اللَّهَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الحَذْفُ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، أعْمَلَ (فَلْيَتَّقُوا) . وحَذَفَ مَعْمُولَ الأوَّلِ، إذْ هو مَنصُوبٌ يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ اقْتِصارًا، فَكانَ حَذْفُهُ اخْتِصارًا أجْوَزَ، ويَصِيرُ نَحْوَ قَوْلِكَ: أكْرَمْتُ فَبَرَرْتُ زَيْدًا. وصِلَةُ (الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن (لَوْ) وجَوابِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَرَكُوا لَخانُوا. ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ في جَوابِ (لَوْ)، تَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَقامَ عَمْرٌو، ولَوْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولْيَخْشَ الَّذِينَ صِفَتُهم وحالُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا خَلْفَهم ذُرِّيَّةً ضِعافًا وذَلِكَ عِنْدَ احْتِضارِهِمْ، خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ بَعْدَهم لِذَهابِ كافِلِهِمْ وكاسِبِهِمْ كَما قالَ القائِلُ:

؎لَقَدْ زادَ الحَياةَ إلَيَّ حُبًّا بَناتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ

؎أُحاذِرُ أنْ يَرِثْنَ البُؤْسَ بَعْدِي ∗∗∗ وأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صافِ

انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُما: لَوْ تَرَكُوا، (لَوْ) يَمْتَنِعُ بِها الشَّيْءُ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، و(خافُوا) جَوابُ (لَوِ) . انْتَهى.

فَظاهِرُ هَذِهِ النُّصُوصِ أنَّ (لَوْ) هُنا الَّتِي تَكُونُ تَعْلِيقًا في الماضِي، وهي الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْها سِيبَوَيْهِ بِأنَّها حَرْفٌ …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ولا يُوَرِّثُونَهم ولا النِّساءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: في حَنْظَلَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ، ولِيَ يَتِيمًا فَأكَلَ مالَهُ. وقِيلَ: في زَيْدِ بْنِ زَيْدٍ الغَطَفانِيِّ ولِيَ مالَ ابْنِ أخِيهِ فَأكَلَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في الأوْصِياءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِن أمْوالِ اليَتامى ما لَمْ يُبَحْ لَهم، وهي تَتَناوَلُ كُلَّ أكْلٍ بِظُلْمٍ لَمْ يَكُنْ وصِيًّا، وانْتِصابُ (ظُلْمًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وخَبَرُ (إنَّ) هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: إنَّما يَأْكُلُونَ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِـ (إنَّ) خَبَرًا لِـ (إنَّ)، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وحَسَّنَ ذَلِكَ هُنا تَباعُدُهُما بِكَوْنِ اسْمِ إنَّ مَوْصُولًا، فَطالَ الكَلامُ بِذِكْرِ صِلَتِهِ. وفي بُطُونِهِمْ: مَعْناهُ مِلْءُ بُطُونِهِمْ، يُقالُ: أكَلَ في بَطْنِهِ، وفي بَعْضِ بَطْنِهِ. كَما قالَ:

؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ

والظّاهِرُ: تَعَلُّقُ ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ بِـ (يَأْكُلُونَ)، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ نارًا. ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ عَلى نَقْصِهِمْ، ووَصْفِهِمْ بِالشَّرَهِ في الأكْلِ، والتَّهافُتِ في نَيْلِ الحَرامِ بِسَبَبِ البَطْنِ. وأيْنَ يَكُونُ هَؤُلاءِ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَراهُ خَمِيصَ البَطْنِ والزّادُ حاضِرُ

وقَوْلِ الشَّنْفَرى:

؎وإنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزّادِ لَمْ أكُنْ ∗∗∗ بِأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أعْجَلُ

وظاهِرُ قَوْلِهِ: نارًا أنَّهم يَأْكُلُونَ نارًا حَقِيقَةً. وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ لَيْلَةِ الإسْراءِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (رَأيْتُ قَوْمًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ، وقَدْ وُكِلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يُجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا) وبِأكْلِهِمُ النّارَ حَقِيقَةً قالَتْ طائِفَةٌ. وقِيلَ: هو مُجازٌ، لَمّا كانَ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ يَجُرُّ إلى النّارِ والتَّعْذِيبِ بِها، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأكْلِ في البَطْنِ، ونَبَّهَ عَلى الحامِلِ عَلى أخْذِ المالِ، وهو البَطْنُ الَّذِي هو أخَسُّ الأشْياءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِالمالِ لِأجْلِها، إذْ مَآلُ ما يُوضَعُ فِيهِ إلى الِاضْمِحْلالِ والذَّهابِ في أقْرَبِ زَمانٍ. ولِذَلِكَ قالَ: (ما مَلَأ الإنْسانُ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وسَيَصْلَوْنَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الثُّلاثِيِّ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والصَّلى مِنَ: التَّسَخُّنِ بِقُرْبِ النّارِ، والإحْراقُ: إتْلافُ الشَّيْءِ بِالنّارِ. وعَبَّرَ بِالصَّلى بِالنّارِ عَنِ العَذابِ الدّائِمِ بِها، إذِ النّارُ لا تُذْهِبُ ذَواتِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] وهَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ. وجاءَ (يَأْكُلُونَ) بِالمُضارِعِ دُونَ سِينِ الِاسْتِقْبالِ، و(سَيَصْلَوْنَ) بِالسِّينِ، فَإنْ كانَ الأكْلُ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.