Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

* *

(سُورَةُ أُمِّ القُرْآنِ)

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ باءُ الجَرِّ تَأْتِي لِمَعانٍ: لِلْإلْصاقِ، والِاسْتِعانَةِ، والقَسَمِ، والسَّبَبِ، والحالِ، والظَّرْفِيَّةِ، والنَّقْلِ. فالإلْصاقُ حَقِيقَةً: مَسَحْتُ بِرَأْسِي، ومَجازًا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ. والِاسْتِعانَةُ: ذَبَحْتُ بِالسِّكِّينِ. والسَّبَبُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ [النساء: ١٦٠] . والقَسَمُ: بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ. والحالُ: جاءَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ. والظَّرْفِيَّةُ: زَيْدٌ بِالبَصْرَةِ. والنَّقْلُ: قُمْتُ بِزَيْدٍ. وتَأْتِي زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ، والبَدَلُ: فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا أيْ بَدَلَهم، والمُقابَلَةُ: اشْتَرَيْتُ الفَرَسَ بِألْفٍ، والمُجاوَزَةُ: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أيْ عَنِ الغَمامِ، والِاسْتِعْلاءُ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] . وكَنّى بَعْضُهم عَنِ الحالِ بِالمُصاحَبَةِ، وزادَ فِيها كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ، وكَنّى عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالسَّبَبِ، وعَنِ الحالِ بِمَعْنى مَعَ بِمُوافَقَةِ مَعْنى اللّامِ. ويُقالُ اسْمٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ الوَصْلِ وضَمِّها، وسِمٌ بِكَسْرِ السِّينِ وضَمِّها، وسُمًى كَهُدًى، والبَصْرِيُّ يَقُولُ: مادَّتُهُ سِينٌ ومِيمٌ وواوٌ، والكُوفِيُّ يَقُولُ: واوٌ وسِينٌ ومِيمٌ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، والِاسْتِدْلالُ في كُتُبِ النَّحْوِ.

ألْ لِلْعَهْدِ في شَخْصٍ أوْ جِنْسٍ، ولِلْحُضُورِ ولِلَمْحِ الصِّفَةِ ولِلْغَلَبَةِ ومَوْصُولَةٌ. فَلِلْعَهْدِ في شَخْصٍ: جاءَ الغُلامُ، وفي جِنْسٍ: اسْقِنِي الماءَ، ولِلْحُضُورِ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ، ولِلَمْحٍ: الحارِثُ، ولِلْغَلَبَةِ: الدَّبَرانِ. وزائِدَةٌ لازِمَةٌ، وغَيْرُ لازِمَةٍ، فاللّازِمَةُ: كالآنَ، وغَيْرُ اللّازِمَةِ:

؎باعَدَ أُمَّ العَمْرِ مِن أسِيرِها، وهَلْ هي مُرَكَّبَةٌ مِن حَرْفَيْنِ أمْ هي حَرْفٌ واحِدٌ ؟ وإذا كانَتْ مِن حَرْفَيْنِ فَهَلِ الهَمْزَةُ زائِدَةٌ أمْ لا ؟ مَذاهِبُ، واللَّهُ أعْلَمُ، لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ مُرْتَجَلٍ غَيْرِ مُشْتَقٍّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ، ومادَّتُهُ قِيلَ: لامٌ وياءٌ وهاءٌ، مِن لاهَ يَلِيهُ، ارْتَفَعَ. قِيلَ: ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الشَّمْسُ إلاهَةً بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وقِيلَ: لامٌ وواوٌ وهاءٌ مِن لاهَ يَلُوهُ لَوْهًا، احْتَجَبَ أوِ اسْتَنارَ، ووَزْنُهُ إذْ ذاكَ فَعَلَ أوْ فَعِلَ، وقِيلَ: الألِفُ زائِدَةٌ، ومادَّتُهُ هَمْزَةٌ ولامٌ مِن ألِهَ أيْ فَزِعَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أوْ ألَّهَ تَحَيَّرَ، قالَهُ أبُو عُمَرَ، وألَّهَ عَبَدَ، قالَهُ النَّضْرُ، أوْ ألَهَ سَكَنَ، قالَهُ المُبَرِّدُ. وعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ اعْتِباطًا، كَما قِيلَ في ناسٍ أصْلُهُ أُناسٌ، أوْ حُذِفَتْ لِلنَّقْلِ ولَزِمَ مَعَ الإدْغامِ، وكِلا القَوْلَيْنِ شاذٌّ. وقِيلَ: مادَّتُهُ واوٌ ولامٌ وهاءٌ، مِن ولِهَ أيْ طَرِبَ، وأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ مِنَ الواوِ نَحْوَ أشاحَ، قالَهُ الخَلِيلُ والقَنّادُ، وهو ضَعِيفٌ لِلُزُومِ البَدَلِ. وقَوْلُهم في الجَمْعِ آلِهَةٌ، وتَكُونُ فِعالًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالكِتابِ يُرادُ بِهِ المَكْتُوبُ. وألْ في اللَّهِ إذا قُلْنا أصْلُهُ الإلاهُ، قالُوا لِلْغَلَبَةِ، إذِ الإلَهُ يَنْطَلِقُ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ وباطِلٍ، واللَّهُ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ، فَصارَ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. وأُورِدَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ كالنَّجْمِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الحَذْفِ والنَّقْلِ أوِ الإدْغامِ لَمْ يُطْلَقْ عَلى كُلِّ إلَهٍ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ، ووَزْنُهُ عَلى أنَّ أصْلَهُ فِعالٌ، …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

﴿الحَمْدُ﴾ الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ مِن نِعْمَةٍ أوْ غَيْرِها بِاللِّسانِ وحْدَهُ، ونَقِيضُهُ الذَّمُّ، ولَيْسَ مَقْلُوبَ مَدَحَ، خِلافًا لِابْنِ الأنْبارِيِّ، إذْ هُما في التَّصْرِيفاتِ مُتَساوِيانِ، وإذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ المَدْحُ بِالجَمادِ، فَتَمْدَحُ جَوْهَرَةً ولا يُقالُ تَحْمَدُ، والحَمْدُ والشُّكْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أوِ الحَمْدُ أعَمُّ، والشُّكْرُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى - بِأفْعالِهِ، والحَمْدُ ثَناءٌ بِأوْصافِهِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أصَحُّها أنَّهُ أعَمُّ، فالحامِدُ قِسْمانِ: شاكِرٌ ومُثْنٍ بِالصِّفاتِ.

﴿لِلَّهِ﴾ اللّامُ: لِلْمِلْكِ وشِبْهِهِ، ولِلتَّمْلِيكِ وشِبْهِهِ، ولِلِاسْتِحْقاقِ، ولِلنَّسَبِ، ولِلتَّعْلِيلِ، ولِلتَّبْلِيغِ، ولِلتَّعَجُّبِ، ولِلتَّبْيِينِ، ولِلصَّيْرُورَةِ، ولِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى في أوْ عِنْدَ أوْ بَعْدُ، ولِلِانْتِهاءِ، ولِلِاسْتِعْلاءِ مِثْلُ: ذَلِكَ المالُ لِزَيْدٍ، أدُومُ لَكَ ما تَدُومُ لِي، ووَهَبْتُ لَكَ دِينارًا، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، الجِلْبابُ لِلْجارِيَةِ، لِزَيْدٍ عَمٌّ، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]، قُلْتُ لَكَ، ولِلَّهِ عَيْنًا، مَن رَأى، مَن تَفَوَّقَ، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ﴿القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، كُتِبَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ، ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] .

﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَّبُّ: السَّيِّدُ والمالِكُ والثّابِتُ والمَعْبُودُ والمُصْلِحُ، وزادَ بَعْضُهم بِمَعْنى الصّاحِبِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ:

؎فَدَنا لَهُ رَبُّ الكِلابِ بِكَفِّهِ بِيضٌ رِهافٌ رِيشُهُنَّ مُقَزَّعُ.

وبَعْضُهم بِمَعْنى الخالِقِ العالِمِ لا مُفْرِدَ لَهُ كالأنامِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ العِلْمِ أوِ العَلامَةِ، ومَدْلُولُهُ كُلُّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ النّاسُ، قالَهُ البَجَلِيُّ، أوِ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ والشَّياطِينُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ، أوِ الثَّقَلانِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أبُو مُعاذٍ، أوْ أهْلُ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ الصّادِقُ، أوِ المُرْتَزِقُونَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، أوْ كُلُّ مَصْنُوعٍ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، أوِ الرَّوحانِيُّونَ، قالَهُ بَعْضُهم، ونُقِلَ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ أعْدادٌ مُخْتَلِفَةٌ في العالَمِينَ وفي مَقارِّها، اللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ. والجُمْهُورُ قَرَءُوا بِضَمِّ دالِّ الحَمْدِ، وأتْبَعَ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ مِيمَهُ لامَ الجَرِّ لِضَمَّةِ الدّالِ، كَما أتْبَعَ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَسْرَةَ الدّالِ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وهي أغْرَبُ؛ لِأنَّ فِيهِ إتْباعُ حَرَكَةِ مُعْرَبٍ لِحَرَكَةِ غَيْرِ إعْرابٍ، والأوَّلُ بِالعَكْسِ. وفي قِراءَةِ الحَسَنِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الإتْباعُ في مَرْفُوعٍ أوْ مَنصُوبٍ، ويَكُونُ الإعْرابُ إذْ ذاكَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُقَدَّرًا مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ شَغْلَ الكَلِمَةِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما في المَحْكِيِّ والمُدْغَمِ. وقَرَأ هارُونُ العَتَكِيُّ ورُؤْبَةُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الحَمْدَ بِالنَّصْبِ. والحَمْدُ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِألْ، إمّا لِلْعَهْدِ، أيِ الحَمْدُ المَعْرُوفُ بَيْنَكم لِلَّهِ، أوْ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، كَـ (الدِّينارُ خَيْرٌ مِنَ الدِّرْهَمِ)، أيْ: أيُّ دِينارٍ كانَ فَهو خَيْرٌ مِن أيِّ دِرْهَمٍ كانَ، فَيَسْتَلْزِمُ إذْ ذاكَ الأحْمِدَةَ كُلَّها، أوْ لِتَعْرِيفِ …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في البَسْمَلَةِ، وهُما مَعَ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] صِفاتُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُما عَلَمٌ لَمْ يَعْرِضْ في التَّسْمِيَةِ بِهِ اشْتَراكٌ فَيُخَصَّصُ، وبَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَإنْ كانَ الرَّبُّ بِمَعْنى السَّيِّدِ أوْ بِمَعْنى المالِكِ أوْ بِمَعْنى المَعْبُودِ كانَ صِفَةَ فِعْلٍ لِلْمَوْصُوفِ بِها التَّصْرِيفُ في المَسُودِ والمَمْلُوكِ والعابِدِ بِما أرادَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَناسَبَ ذَلِكَ الوَصْفُ بِالرَّحْمانِيَّةِ والرَّحِيمِيَّةِ، لِيَنْبَسِطَ أمَلُ العَبْدِ في العَفْوِ إنْ زَلَّ، ويَقْوى رَجاؤُهُ إنْ هَفا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمِعْنى الثّابِتِ ولا بِمَعْنى الصّاحِبِ؛ لِامْتِناعِ إضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى المُصْلِحِ كانَ الوَصْفُ بِالرَّحْمَةِ مُشْعِرًا بِقِلَّةِ الإصْلاحِ؛ لِأنَّ الحامِلَ لِلشَّخْصِ عَلى إصْلاحِ حالِ الشَّخْصِ رَحْمَتُهُ لَهُ. ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ والوَصْفِ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِالرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ لِلْمَرْبُوبِينَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ. وخَفَضَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الجُمْهُورُ، ونَصَبَهُما أبُو العالِيَةِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عَمْرٍو، ورَفَعَهُما أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وأبُو عِمْرانَ الجُونِيُّ، فالخَفْضُ عَلى النَّعْتِ، وقِيلَ في الخَفْضِ: إنَّهُ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا، والنَّصْبُ والرَّفْعُ لِلْقَطْعِ. وفي تَكْرارِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وتَأْكِيدُ أمْرِهِما، وجَعَلَ مَكِّيٌّ تَكْرارَها دَلِيلًا عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الفاتِحَةِ، قالَ: إذْ لَوْ كانَتْ آيَةً لَكُنّا قَدْ أتَيْنا بِآيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا بِفَواصِلَ تَفْصِلُ بَيْنَ الأُولى والثّانِيَةِ. قالَ: والفَصْلُ بَيْنَهُما بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] كَلا فَصْلٍ، قالَ: لِأنَّهُ مُؤَخَّرٌ يُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ تَقْدِيرُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما قُلْنا بِالتَّقْدِيمِ لِأنَّ مُجاوَرَةَ الرَّحْمَةِ بِالحَمْدِ أوْلى، ومُجاوَرَةَ المَلِكِ بِالمُلْكِ أولى. قالَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وكَلامُ مَكِّيٍّ مَدْخُولٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ نَزَّهْتُ كِتابِي هَذا عَنْ ذِكْرِهِ. والتَّرْتِيبُ القُرْآنِيُّ جاءَ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِأنَّهُ - تَعالى - وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِفَةِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما مِلْكُهُ يَوْمَ الجَزاءِ، والثّانِي العِبادَةُ. فَناسَبَ الرُّبُوبِيَّةَ المُلْكُ، والرَّحْمَةَ العِبادَةُ. فَكانَ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ والثّانِي لِلثّانِي.

وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ الوَقْفَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أقْسامِهِ، فَقِيلَ: تامٌّ وكافٌّ وقَبِيحٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ صَنَّفَ النّاسُ في ذَلِكَ كُتُبًا مُرَتَّبَةً عَلى السُّوَرِ، كَكِتابِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ وكِتابِ الكِرْمانِيِّ وغَيْرِهِما، ومَن كانَ عِنْدَهُ حَظٌّ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ.

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

﴿مالِكِ﴾ قَرَأ مالِكِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ بِالخَفْضِ عاصِمٌ والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ، ويَعْقُوبُ، وهي قِراءَةُ العَشَرَةِ إلّا طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ، وقِراءَةُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُعاذٌ وابْنُ عَبّاسٍ، والتّابِعِينَ مِنهم قَتادَةُ والأعْمَشُ. وقَرَأ مَلِكِ عَلى وزْنِ فَعِلٍ بِالخَفْضِ باقِي السَّبْعَةِ وزَيْدٌ وأبُو الدَّرْداءِ وابْنُ عُمَرَ والمِسْوَرُ وكَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وقَرَأ مَلْكِ عَلى وزْنِ سَهْلٍ أبُو هُرَيْرَةَ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، ورَواها الجُعْفِيُّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ. وقَرَأ مَلِكِي بِإشْباعِ كَسْرَةِ الكافِ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ. وقَرَأ مِلْكِ عَلى وزْنِ عِجْلٍ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ والشَّعْبِيُّ وعَطِيَّةُ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أبِي حَياةَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وأبُو نَوْفَلٍ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أبِي عَدِيٍّ مَلِكَ يَوْمَ الدِّينِ، بِنَصْبِ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي حَياةَ، انْتَهى. وقَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ رَفَعَ الكافَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعائِشَةُ ومُورِقٌ العِجْلِيِّ. وقَرَأ مَلَكَ فِعْلًا ماضِيًا أبُو حَياةَ وأبُو حَنِيفَةَ وجُبَيْرُ بْنُ مَطْعِمٍ وأبُو عاصِمٍ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ وأبُو المَحْشَرِ عاصِمُ بْنُ مَيْمُونٍ الجَحْدَرِيُّ، فَيَنْصِبُونَ اليَوْمَ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ هَذِهِ قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ والحَسَنِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وقَرَأ مالِكَ بِنَصْبِ الكافِ الأعْمَشُ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وعُثْمانُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وعَبْدُ المَلِكِ قاضِي الهِنْدِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّها قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي صالِحٍ السَّمّانِ وأبِي عَبْدِ المَلِكِ الشّامِيِّ. ورَوى ابْنُ أبِي عاصِمٍ عَنِ اليَمانِ مَلِكًا بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ. وقَرَأ مالِكٌ بِرَفْعِ الكافِ والتَّنْوِينِ عَوْنٌ العُقَيلِيِّ، ورُوِيَتْ عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشامٍ وأبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ، وبِنَصْبِ اليَوْمِ. وقَرَأ مالِكُ يَوْمِ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو حَياةَ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِخِلافٍ عَنْهُ، ونَسَبَها صاحِبُ اللَّوامِحِ إلى أبِي رَوْحٍ عَوْنِ بْنِ أبِي شَدّادٍ العُقَيلِيِّ ساكِنِ البَصْرَةِ. وقَرَأ مَلِيكِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ أُبَيٌّ وأبُو هُرَيْرَةَ وأبُو رَجاءَ العُطارِدِيُّ. وقَرَأ مالِكِ بِالإمالَةِ البَلِيغَةِ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وبَيْنَ بَيْنَ قُتَيْبَةُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ الكِسائِيِّ. وجَهِلَ النَّقْلَ، أعْنِي في قِراءَةِ الإمالَةِ، أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: لَمْ يُمِلْ أحَدٌ مِنَ القِراءَةِ ألِفَ مالِكٍ، وذَلِكَ جائِزٌ، إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِما يَجُوزُ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ أثَرٌ مُسْتَفِيضٌ. وذَكَرَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ في الشّاذِّ مَلّاكِ بِالألِفِ والتَّشْدِيدِ لِلّامِ وكَسْرِ الكافِ. فَهَذِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ قِراءَةً، بَعْضُها راجِعٌ إلى المَلْكِ، وبَعْضُها إلى المِلْكِ، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: وهُما راجِعانِ إلى المَلْكِ، وهو الرَّبْطُ، ومِنهُ مَلْكُ العَجِينِ. وقالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:

؎مَلَكْتُ بِها كَفِّي فأنْهَرْتُ فَتْقَها يَرى قائِمٌ مِن دُونِها ما وراءَها.

والإمْلاكُ رَبْطُ عَقْدِ النِّكاحِ، ومِن مُلَحِ هَذِهِ المادَّةِ أنَّ جَمِيعَ تَقالِيبِها السِّتَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في اللِّسانِ، وكُلُّها راجِعٌ إلى مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَبَيْنَها كُلِّها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وهَذا …

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

﴿إيّاكَ﴾ إيّا تَلْحَقُهُ ياءُ المُتَكَلِّمِ وكافُ المُخاطَبِ وهاءُ الغائِبِ وفُرُوعُها، فَيَكُونُ ضَمِيرَ نَصْبٍ مُنْفَصِلًا لا اسْمًا ظاهِرًا أُضِيفَ، خِلافًا لِزاعِمِهِ، وهَلِ الضَّمِيرُ هو مَعَ لَواحِقِهِ أوْ هو وحْدَهُ ؟ واللَّواحِقُ حُرُوفٌ، أوْ هو واللَّواحِقٌ أسْماءٌ أُضِيفَ هو إلَيْها، أوِ اللَّواحِقُ وحْدَها وإيّا زائِدَةٌ لِتَتَّصِلَ بِها الضَّمائِرُ، أقْوالٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. وأمّا لُغاتُهُ فَبِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وبِها قَرَأ الفَضْلُ الرَّقاشِيُّ، وبِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وبِها قَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ عَنْ أُبَيٍّ، وبِإبْدالِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ هاءً، وبِإبْدالِ الهَمْزَةِ المَفْتُوحَةِ هاءً، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ السَّوّارِ الغَنَوِيُّ، وذَهابُ أبِي عُبَيْدَةَ إلى أنَّ إيّا مُشْتَقٌّ ضَعِيفٌ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ لا يُحْسِنُ النَّحْوَ، وإنْ كانَ إمامًا في اللُّغاتِ وأيّامِ العَرَبِ. وإذا قِيلَ بِالِاشْتِقاقِ فاشْتِقاقُهُ مِن لَفْظِ ”آوِ“ مِن قَوْلِهِ:

؎فَآوِ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتَها

فَتَكُونُ مِن بابِ قُوَّةٍ أوْ مِنَ الآيَةِ فَتَكُونُ عَيْنُها ياءً كَقَوْلِهِ:

؎لَمْ يُبْقِ هَذا الدَّهْرُ مِن إيّائِهِ

قَوْلانِ، وهَلْ وزْنُهُ افْعَلْ وأصْلُهُ إأْوَوْ أوْ إأْوى، أوْ فَعِيلٌ فَأصْلُهُ إوْيَوْ أوْ إوْيَي، أوْ فَعُولٌ وأصْلُهُ إوْوَوْ أوْ إوْيى، أوْ فَعْلى فَأصْلُهُ أوْوى أوِ أوْيا، أقاوِيلُ كُلَّها ضَعِيفَةٌ، والكَلامُ عَلى تَصارِيفِها حَتّى صارَتْ إيّا تُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإضافَةُ إيّا لِظاهِرٍ نادِرٌ نَحْوُ: وإيّا الشَّوابِّ، أوْ ضَرُورَةٌ نَحْوُ: دَعْنِي وإيّا خالِدٍ، واسْتِعْمالُهُ تَحْذِيرًا مَعْرُوفٌ فَيَتَحَمَّلُ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا يَجُوزُ أنْ يُتْبَعَ بِالرَّفْعِ نَحْوَ: إيّاكَ أنْتَ نَفْسَكَ.

﴿نَعْبُدُ﴾ العِبادَةُ: التَّذَلُّلُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أوِ التَّجْرِيدُ، قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وتَعَدِّيهِ بِالتَّشْدِيدِ مُغايِرٌ لِتَعَدِّيهِ بِالتَّخْفِيفِ، نَحْوَ: عَبَّدْتُ الرَّجُلَ ذَلَّلْتُهُ، وعَبَدْتُ اللَّهَ ذَلَلْتُ لَهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو مِجْلِزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: إيّاكَ يُعْبَدُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ نَعْبُدْ بِإسْكانِ الدّالِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ: نَعْبُدُ بِكَسْرِ النُّونِ.

﴿نَسْتَعِينُ﴾ الِاسْتِعانَةُ طَلَبُ العَوْنِ، والطَّلَبُ أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ، وهي اثْنا عَشَرَ مَعْنًى، وهي: الطَّلَبُ، والِاتِّحادُ، والتَّحَوُّلُ، وإلْقاءُ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ وعَدُّهُ كَذَلِكَ، ومُطاوَعَةُ أفْعَلَ ومُوافَقَتُهُ، ومُوافَقَةُ تَفَعَّلَ وافْتَعَلَ والفِعْلِ المُجَرَّدِ، والإغْناءُ عَنْهُ وعَنْ فَعَلَ، مِثْلُ ذَلِكَ اسْتَطْعَمَ، واسْتَعْبَدَهُ واسْتَنْسَرَ واسْتَعْظَمَهُ واسْتَحْسَنَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، واسْتَشْلى مُطاوِعُ أشْلى، واسْتَبَلَّ مُوافِقٌ مُطاوِعٌ أبَلَّ، واسْتَكْبَرَ مُوافِقُ تَكَبَّرَ، واسْتَعْصَمَ مُوافِقُ اعْتَصَمَ، واسْتَغْنى مُوافِقُ غِنًى، واسْتَنْكَفَ واسْتَحْيا مُغْنِيانِ عَنِ المُجَرَّدِ، واسْتَرْجَعَ واسْتَعانَ حَلَقَ عانَتَهُ، مُغْنِيانِ عَنْ فَعَلَ، فاسْتَعانَ طَلَبَ العَوْنَ كاسْتَغْفَرَ واسْتَعْظَمَ. وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وقَدْ جاءَ فِيهِ وِيّاكَ أبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا، فَلا أدْرِي أذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ أمْ عَنِ العَرَبِ ؟ وهَذا عَلى العَكْسِ مِمّا فَرُّوا إلَيْهِ في نَحْوِ أشاحَ فِيمَن هَمَزَ لِأنَّهم فَرُّوا مِنَ الواوِ …

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

﴿اهْدِنا﴾ الهِدايَةُ: الإرْشادُ والدَّلالَةُ والتَّقَدُّمُ، ومِنهُ الهَوادِي أوِ التَّبْيِينُ، ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أوِ الإلْهامُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ألْهَمَ الحَيَواناتِ كُلَّها إلى مَنافِعِها، أوِ الدُّعاءُ، ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] أيْ داعٍ، والأصْلُ في هَدى أنْ يَصِلَ إلى ثانِي مَعْمُولِهِ بِاللّامِ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أوْ إلى ﴿لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ثُمَّ يَتَّسِعُ فِيهِ فَيُعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾، ونا ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أوْ مُعْظَمُ نَفْسِهِ. ويَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ.

﴿الصِّراطَ﴾ الطَّرِيقَ، وأصْلُهُ بِالسِّينِ مِنَ السَّرْطِ، وهو اللَّقْمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ لَقْمًا، وبِالسِّينِ عَلى الأصْلِ قَرَأ قُنْبُلٌ ورُوَيْسٌ، وإبْدالُ سِينِهِ صادًا هي الفُصْحى، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِها كُتِبَتْ في الإمامِ، وزايًا لُغَةٌ رَواها الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإشْمامُها زايًا لُغَةُ قَيْسٍ، وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ بِخِلافٍ وتَفْصِيلٍ عَنْ رُواتِهِ. وقالَ أبُو يَعْلى: ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والسِّينُ والصّادُ والمُضارَعَةُ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ، ورَواهُ عَنْهُ العُرْيانُ عَنْ أبِي سُفْيانَ، ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأها بِزايٍ خالِصَةٍ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ خَطَأٌ مِنهُ إنَّما سَمِعَ أبا عَمْرٍو يَقْرَؤُها بِالمُضارَعَةِ فَتَوَهَّمَها زايًا، ولَمْ يَكُنِ الأصْمَعِيُّ نَحْوِيًّا فَيُؤْمَنَ عَلى هَذا. وحَكى هَذا الكَلامَ أبُو عَلِيٍّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وهو إمامٌ مِن أئِمَّةِ الإمامِيَّةِ: الصِّراطُ بِالصّادِ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ، وعامَّةُ العَرَبِ يَجْعَلُونَها سِينًا، والزّايُ لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَعْبٍ وبَنِي القَيْنِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ تَكَلُّفُ حَرْفٍ بَيْنَ حَرْفَيْنِ، وذَلِكَ صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، ولَيْسَ بِحَرْفٍ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الكَلامُ، ولا هو مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ. ولَسْتُ أدْفَعُ أنَّهُ مِن كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ، إلّا أنَّ الصّادَ أفْصَحُ وأوْسَعُ، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَذْكِيرُهُ أكْثَرُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: أهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الصِّراطَ كالطَّرِيقِ والسَّبِيلِ والزُّقاقِ والسُّوقِ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَ هَذا كُلَّهُ ويُجْمَعُ في الكَثْرَةِ عَلى سُرُطٍ، نَحْوِ كِتابٍ وكُتُبٍ، وفي القِلَّةِ قِياسُهُ أسْرِطَةٌ، نَحْوُ حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، هَذا إذا كانَ الصِّراطُ مُذَكَّرًا، وأمّا إذا أُنِّثَ فَقِياسُهُ أفْعُلٌ نَحْوُ ذِراعٍ وأذْرُعٍ وشِمالٍ وأشْمُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الحَسَنِ: اهْدِنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣] .

﴿المُسْتَقِيمَ﴾ اسْتَقامَ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ مِنَ الزَّوائِدِ، وهَذا أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ، وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو قامَ، والقِيامُ هو الِانْتِصابُ والِاسْتِواءُ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ.

* *

﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والأفْصَحُ كَوْنُهُ بِالياءِ في أحْوالِهِ …

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

﴿اهْدِنا﴾ الهِدايَةُ: الإرْشادُ والدَّلالَةُ والتَّقَدُّمُ، ومِنهُ الهَوادِي أوِ التَّبْيِينُ، ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أوِ الإلْهامُ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ألْهَمَ الحَيَواناتِ كُلَّها إلى مَنافِعِها، أوِ الدُّعاءُ، ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] أيْ داعٍ، والأصْلُ في هَدى أنْ يَصِلَ إلى ثانِي مَعْمُولِهِ بِاللّامِ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أوْ إلى ﴿لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ثُمَّ يَتَّسِعُ فِيهِ فَيُعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾، ونا ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أوْ مُعْظَمُ نَفْسِهِ. ويَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ ونَصْبٍ وجَرٍّ.

﴿الصِّراطَ﴾ الطَّرِيقَ، وأصْلُهُ بِالسِّينِ مِنَ السَّرْطِ، وهو اللَّقْمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ لَقْمًا، وبِالسِّينِ عَلى الأصْلِ قَرَأ قُنْبُلٌ ورُوَيْسٌ، وإبْدالُ سِينِهِ صادًا هي الفُصْحى، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وبِها كُتِبَتْ في الإمامِ، وزايًا لُغَةٌ رَواها الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وإشْمامُها زايًا لُغَةُ قَيْسٍ، وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ بِخِلافٍ وتَفْصِيلٍ عَنْ رُواتِهِ. وقالَ أبُو يَعْلى: ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والسِّينُ والصّادُ والمُضارَعَةُ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ، ورَواهُ عَنْهُ العُرْيانُ عَنْ أبِي سُفْيانَ، ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأها بِزايٍ خالِصَةٍ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ خَطَأٌ مِنهُ إنَّما سَمِعَ أبا عَمْرٍو يَقْرَؤُها بِالمُضارَعَةِ فَتَوَهَّمَها زايًا، ولَمْ يَكُنِ الأصْمَعِيُّ نَحْوِيًّا فَيُؤْمَنَ عَلى هَذا. وحَكى هَذا الكَلامَ أبُو عَلِيٍّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وهو إمامٌ مِن أئِمَّةِ الإمامِيَّةِ: الصِّراطُ بِالصّادِ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وهي اللُّغَةُ الجَيِّدَةُ، وعامَّةُ العَرَبِ يَجْعَلُونَها سِينًا، والزّايُ لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَعْبٍ وبَنِي القَيْنِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنِ مُجاهِدٍ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُشِيرُ إلى أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ بَيْنَ الزّايِ والصّادِ تَكَلُّفُ حَرْفٍ بَيْنَ حَرْفَيْنِ، وذَلِكَ صَعْبٌ عَلى اللِّسانِ، ولَيْسَ بِحَرْفٍ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الكَلامُ، ولا هو مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ. ولَسْتُ أدْفَعُ أنَّهُ مِن كَلامِ فُصَحاءِ العَرَبِ، إلّا أنَّ الصّادَ أفْصَحُ وأوْسَعُ، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَذْكِيرُهُ أكْثَرُ. وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: أهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الصِّراطَ كالطَّرِيقِ والسَّبِيلِ والزُّقاقِ والسُّوقِ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَ هَذا كُلَّهُ ويُجْمَعُ في الكَثْرَةِ عَلى سُرُطٍ، نَحْوِ كِتابٍ وكُتُبٍ، وفي القِلَّةِ قِياسُهُ أسْرِطَةٌ، نَحْوُ حِمارٍ وأحْمِرَةٍ، هَذا إذا كانَ الصِّراطُ مُذَكَّرًا، وأمّا إذا أُنِّثَ فَقِياسُهُ أفْعُلٌ نَحْوُ ذِراعٍ وأذْرُعٍ وشِمالٍ وأشْمُلٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الحَسَنِ: اهْدِنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ لامِ التَّعْرِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣] .

﴿المُسْتَقِيمَ﴾ اسْتَقامَ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ مِنَ الزَّوائِدِ، وهَذا أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ، وهو أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وهو قامَ، والقِيامُ هو الِانْتِصابُ والِاسْتِواءُ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ.

* *

﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والأفْصَحُ كَوْنُهُ بِالياءِ في أحْوالِهِ …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.