Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 91–100 of 286

91

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And when it is said to them, "Believe in what Allah has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allah before, if you are [indeed] believers?"

﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ كانَتْ غَطَفانُ تُقاتِلُهم وتَهْزِمُهم، أوْ حِينَ كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ العَرَبِ أذًى كَثِيرًا، أوْ حِينَ حارَبَهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ فَغَلَبَتْهم.

(كِتابٌ): هو القُرْآنُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلَيْهِ مَجازٌ.

﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وصْفُهُ بِـ ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ جَدِيرٌ أنْ يُقْبَلَ، ويُتَّبَعَ ما فِيهِ، ويُعْمَلَ بِمَضْمُونِهِ، إذْ هو وارِدٌ مِن عِنْدِ خالِقِهِمْ وإلَهِهِمُ الَّذِي هو ناظِرٌ فِي مَصالِحِهِمْ.

(مُصَدِّقٌ): صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وقُدِّمَتِ الأوْلى عَلَيْها؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ آكَدُ، ووَصْفَهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. لا يُقالُ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] مُتَعَلِّقًا بِجاءَهم، فَلا يَكُونَ صِفَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِما هو مَعْمُولٌ لِغَيْرِ أحَدِهِما. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مُصَدِّقًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن ”كِتابٌ“، وإنْ كانَ نَكِرَةً. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ بِلا شَرْطٍ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ.

﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَصْدِيقُهُ إمّا بِكَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ بِما اشْتَمَلا عَلَيْهِ مَن ذِكْرِ بَعْثِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ.

(وكانُوا): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جاءَهم، فَيَكُونَ جَوابُ لَمّا مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ والكَوْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ كانُوا، فَيَكُونَ الجَوابُ مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ بِقَيْدٍ في مَفْعُولِهِ، وهم كَوْنُهم يَسْتَفْتِحُونَ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِ بَعْدَ لَمّا، ولا حالًا لِأنَّهُ قَدَّرَ جَوابَ لَمّا مَحْذُوفًا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ يَسْتَفْتِحُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا.

(مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ المَجِيءِ، وبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ.

﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]: أيْ يَسْتَحْكِمُونَ، أوْ يَسْتَعْلِمُونَ، أوْ يَسْتَنْصِرُونَ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. يَقُولُونَ إذا دَهَمَهُمُ العَدُوُّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ. واخْتَلَفُوا في جَوابِ ولَمّا الأُولى، فَذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدَّرَهُ نَحْوَ: كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهانُوا بِمَجِيئِهِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَفَرُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى قَرِيبٌ في ذَلِكَ. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] جَوابُ لَمّا الأُولى، وكَفَرُوا، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا جاءَهم. وهو عِنْدَهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] . قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لَيْسَتْ بِناسِقَةٍ أنَّ الواوَ لا تَصْلُحُ في مَوْضِعِها. وذَهَبَ المُبَّرِدُ إلى أنَّ جَوابَ لَمّا الأُولى هو: كَفَرُوا بِهِ، وكُرِّرَ لَمّا لِطُولِ الكَلامِ، ويُقَيِّدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ وتَأْكِيدًا لَهُ. وهَذا القَوْلُ كانَ يَكُونُ أحْسَنَ لَوْلا أنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ. وأمّا قَوْلُ …

Al-Baqara 2:91Listen in Qur'an →
92

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: الإخْبارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وسِياقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ آباؤُهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفاعِلِهِ، وأنَّهم جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهم ومُعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَهم، فَهم مِنهم.

﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، الجُمْهُورُ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ، فَبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كُلِّ كِتابٍ.

﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]: يُرِيدُونَ التَّوْراةَ، وما جاءَهم مِنَ الرِّسالاتِ عَلى لِسانِ مُوسى، ومَن بَعْدَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ إلّا اللَّهُ أوْ لِجَرَيانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَحُذِفَ إيجازًا إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأجابُوا بِأنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، والمَأْمُورُ بِهِ عامٌّ، فَلَمْ يُطابِقْ إيمانُهُمُ الأمْرَ.

﴿ويَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٩١]: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِها الإخْبارُ عَنْهم، أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها قالُوا. أيْ وهم يَكْفُرُونَ.

﴿بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، أيْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧]، أيْ بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَ التَّوْراةِ، وهو القُرْآنُ، أوْ بِما وراءَهُ، أيْ بِباطِنِ مَعانِيها الَّتِي وراءَ ألْفاظِها، ويَكُونُ إيمانُهم بِظاهِرِ لَفْظِها.

﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١]، هو: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى القُرْآنِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.

(مُصَدِّقًا): حالٌ مُؤَكِّدٌ، إذْ تَصْدِيقُ القُرْآنِ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ.

﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: هو التَّوْراةُ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ ما وافَقَ التَّوْراةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِها. وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فالإيمانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ.

(قُلْ): أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ، وقُلْ يا مَن يُرِيدُ جِدالَهم.

(فَلِمَ) الفاءُ: جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم فَلِمَ.

﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ؟ لِأنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ واسْتِحْلالَ قَتْلِ الأنْبِياءِ لا يَجْتَمِعانِ، فَقَوْلُكم: إنَّكم آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ كَذِبٌ وبُهْتٌ، لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ. ويَقِفُ البَزِّيُّ بِالهاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هاءٍ، ولا يَجُوزُ هَذا الوَقْفُ إلّا لِلِاخْتِبارِ، أوْ لِانْقِطاعِ النَّفَسِ. وجاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ المُضارِعِ، والمُرادُ الماضِي، إذِ المَعْنى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَدَلَّ عَلى تَقَدُّمِ القَتْلِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي …

Al-Baqara 2:92Listen in Qur'an →
93

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: الإخْبارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وسِياقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ آباؤُهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفاعِلِهِ، وأنَّهم جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهم ومُعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَهم، فَهم مِنهم.

﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، الجُمْهُورُ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ، فَبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كُلِّ كِتابٍ.

﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]: يُرِيدُونَ التَّوْراةَ، وما جاءَهم مِنَ الرِّسالاتِ عَلى لِسانِ مُوسى، ومَن بَعْدَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ إلّا اللَّهُ أوْ لِجَرَيانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَحُذِفَ إيجازًا إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأجابُوا بِأنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، والمَأْمُورُ بِهِ عامٌّ، فَلَمْ يُطابِقْ إيمانُهُمُ الأمْرَ.

﴿ويَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٩١]: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِها الإخْبارُ عَنْهم، أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها قالُوا. أيْ وهم يَكْفُرُونَ.

﴿بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، أيْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧]، أيْ بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَ التَّوْراةِ، وهو القُرْآنُ، أوْ بِما وراءَهُ، أيْ بِباطِنِ مَعانِيها الَّتِي وراءَ ألْفاظِها، ويَكُونُ إيمانُهم بِظاهِرِ لَفْظِها.

﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١]، هو: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى القُرْآنِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.

(مُصَدِّقًا): حالٌ مُؤَكِّدٌ، إذْ تَصْدِيقُ القُرْآنِ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ.

﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: هو التَّوْراةُ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ ما وافَقَ التَّوْراةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِها. وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فالإيمانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ.

(قُلْ): أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ، وقُلْ يا مَن يُرِيدُ جِدالَهم.

(فَلِمَ) الفاءُ: جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم فَلِمَ.

﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ؟ لِأنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ واسْتِحْلالَ قَتْلِ الأنْبِياءِ لا يَجْتَمِعانِ، فَقَوْلُكم: إنَّكم آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ كَذِبٌ وبُهْتٌ، لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ. ويَقِفُ البَزِّيُّ بِالهاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هاءٍ، ولا يَجُوزُ هَذا الوَقْفُ إلّا لِلِاخْتِبارِ، أوْ لِانْقِطاعِ النَّفَسِ. وجاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ المُضارِعِ، والمُرادُ الماضِي، إذِ المَعْنى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَدَلَّ عَلى تَقَدُّمِ القَتْلِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي …

Al-Baqara 2:93Listen in Qur'an →
94

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If the home of the Hereafter with Allah is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: الإخْبارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وسِياقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ آباؤُهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفاعِلِهِ، وأنَّهم جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهم ومُعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَهم، فَهم مِنهم.

﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، الجُمْهُورُ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ، فَبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كُلِّ كِتابٍ.

﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]: يُرِيدُونَ التَّوْراةَ، وما جاءَهم مِنَ الرِّسالاتِ عَلى لِسانِ مُوسى، ومَن بَعْدَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ إلّا اللَّهُ أوْ لِجَرَيانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَحُذِفَ إيجازًا إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأجابُوا بِأنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، والمَأْمُورُ بِهِ عامٌّ، فَلَمْ يُطابِقْ إيمانُهُمُ الأمْرَ.

﴿ويَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٩١]: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِها الإخْبارُ عَنْهم، أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها قالُوا. أيْ وهم يَكْفُرُونَ.

﴿بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، أيْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧]، أيْ بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَ التَّوْراةِ، وهو القُرْآنُ، أوْ بِما وراءَهُ، أيْ بِباطِنِ مَعانِيها الَّتِي وراءَ ألْفاظِها، ويَكُونُ إيمانُهم بِظاهِرِ لَفْظِها.

﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١]، هو: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى القُرْآنِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.

(مُصَدِّقًا): حالٌ مُؤَكِّدٌ، إذْ تَصْدِيقُ القُرْآنِ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ.

﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: هو التَّوْراةُ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ ما وافَقَ التَّوْراةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِها. وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فالإيمانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ.

(قُلْ): أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ، وقُلْ يا مَن يُرِيدُ جِدالَهم.

(فَلِمَ) الفاءُ: جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم فَلِمَ.

﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ؟ لِأنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ واسْتِحْلالَ قَتْلِ الأنْبِياءِ لا يَجْتَمِعانِ، فَقَوْلُكم: إنَّكم آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ كَذِبٌ وبُهْتٌ، لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ. ويَقِفُ البَزِّيُّ بِالهاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هاءٍ، ولا يَجُوزُ هَذا الوَقْفُ إلّا لِلِاخْتِبارِ، أوْ لِانْقِطاعِ النَّفَسِ. وجاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ المُضارِعِ، والمُرادُ الماضِي، إذِ المَعْنى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَدَلَّ عَلى تَقَدُّمِ القَتْلِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي …

Al-Baqara 2:94Listen in Qur'an →
95

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

But they will never wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾: هَذا مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وظاهِرُهُ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهُ دُونَ النّاسِ مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، لا يُمْكِنُ أنْ يُتَمَنّى المَوْتَ أبَدًا، ولِذَلِكَ كانَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا ”لَنْ“ الَّذِي قَدِ ادُّعِيَ فِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي النَّفْيَ عَلى التَّأْبِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أبَدًا، عَلى زَعْمِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ. وأمّا مَنِ ادَّعى أنَّهُ بِمَعْنى لا، فَيَكُونُ ”أبَدًا“ إذْ ذاكَ مُفِيدًا لِاسْتِغْراقِ الأزْمانِ. ويَعْنِي بِالأبَدِ هُنا: ما يُسْتَقْبَلُ مِن زَمانِ أعْمارِهِمْ.

وفِي المُنْتَخَبِ ما نَصُّهُ: وإنَّما قالَ هُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾، وفي الجُمُعَةِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [الجمعة: ٧]؛ لِأنَّ دَعْواهم هُنا أعْظَمُ مِن دَعْواهم هُناكَ؛ لِأنَّ السَّعادَةَ القُصْوى فَوْقَ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ تُرادُ لِحُصُولِ الأُولى، ولَنْ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن لا، فَجَعَلَها النَّفْيَ الأعْظَمَ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ في كِتابِ: التَّحْصِيلِ مِن تَأْلِيفِهِ: وهَذِهِ المُعْجِزَةُ إنَّما كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ بِوَفاتِهِ ﷺ ونَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ يَقُولُ لِقَوْمٍ حَدَّثَهم بِحَدِيثٍ: دَلالَةُ صِدْقِي أنْ أُحَرِّكَ يَدِي ولا يَقْدِرَ أحَدٌ مِنكم أنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ، فَيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ، ولا يُبْطِلَ دَلالَتَهُ إنْ حَرَّكُوا أيْدِيَهم بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وقَدْ قالَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ النّازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ، إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. وكِلا القَوْلَيْنِ، أعْنِي قَوْلَ الَمَهْدَوِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ أبَدًا ظاهِرُهُ أنْ يَسْتَغْرِقَ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، كَما بَيَّنّا. وهَلِ امْتِناعُهم مِن تَمَنِّي المَوْتِ كانَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ عَرَضَ عَلى قَوْمِهِ أمْرًا وتَوَعَّدَهم عَلَيْهِ بِالهَلاكِ فَرَدُّوهُ تَكْذِيبًا لَهُ، فَإنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ؟ أوْ لِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ ذَلِكَ، كَما قِيلَ في عَدَمِ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ ؟ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ . والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيِهِمْ: تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقَتْلُهم إيّاهم، وقَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقَوْلُهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقَوْلُهم: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤]، واعْتِداؤُهم في السَّبْتِ، وسائِرُ الكَبائِرِ الَّتِي لَمْ تَصْدُرْ مِن أُمَّةٍ قَبْلَهم ولا بَعْدَهم. وهَذا التَّمَنِّي الَّذِي طُلِبَ مِنهم، ونُفِيَ عَنْهم، لَمْ يَقَعْ أصْلًا مِنهم، إذْ لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ، ولَتَوَفَّرَتْ دَواعِي المُخالِفِينَ لِلْإسْلامِ عَلى نَقْلِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَعْنِي بِهِ هُنا العَمَلَ القَلْبِيَّ؛ لِأنَّهُ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَلا …

Al-Baqara 2:95Listen in Qur'an →
96

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍۢ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍۢ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allah. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allah is Seeing of what they do.

﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾: هَذا مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وظاهِرُهُ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهُ دُونَ النّاسِ مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، لا يُمْكِنُ أنْ يُتَمَنّى المَوْتَ أبَدًا، ولِذَلِكَ كانَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا ”لَنْ“ الَّذِي قَدِ ادُّعِيَ فِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي النَّفْيَ عَلى التَّأْبِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أبَدًا، عَلى زَعْمِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ. وأمّا مَنِ ادَّعى أنَّهُ بِمَعْنى لا، فَيَكُونُ ”أبَدًا“ إذْ ذاكَ مُفِيدًا لِاسْتِغْراقِ الأزْمانِ. ويَعْنِي بِالأبَدِ هُنا: ما يُسْتَقْبَلُ مِن زَمانِ أعْمارِهِمْ.

وفِي المُنْتَخَبِ ما نَصُّهُ: وإنَّما قالَ هُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾، وفي الجُمُعَةِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [الجمعة: ٧]؛ لِأنَّ دَعْواهم هُنا أعْظَمُ مِن دَعْواهم هُناكَ؛ لِأنَّ السَّعادَةَ القُصْوى فَوْقَ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ تُرادُ لِحُصُولِ الأُولى، ولَنْ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن لا، فَجَعَلَها النَّفْيَ الأعْظَمَ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ في كِتابِ: التَّحْصِيلِ مِن تَأْلِيفِهِ: وهَذِهِ المُعْجِزَةُ إنَّما كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ بِوَفاتِهِ ﷺ ونَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ يَقُولُ لِقَوْمٍ حَدَّثَهم بِحَدِيثٍ: دَلالَةُ صِدْقِي أنْ أُحَرِّكَ يَدِي ولا يَقْدِرَ أحَدٌ مِنكم أنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ، فَيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ، ولا يُبْطِلَ دَلالَتَهُ إنْ حَرَّكُوا أيْدِيَهم بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وقَدْ قالَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ النّازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ، إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. وكِلا القَوْلَيْنِ، أعْنِي قَوْلَ الَمَهْدَوِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ أبَدًا ظاهِرُهُ أنْ يَسْتَغْرِقَ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، كَما بَيَّنّا. وهَلِ امْتِناعُهم مِن تَمَنِّي المَوْتِ كانَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ عَرَضَ عَلى قَوْمِهِ أمْرًا وتَوَعَّدَهم عَلَيْهِ بِالهَلاكِ فَرَدُّوهُ تَكْذِيبًا لَهُ، فَإنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ؟ أوْ لِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ ذَلِكَ، كَما قِيلَ في عَدَمِ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ ؟ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ . والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيِهِمْ: تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقَتْلُهم إيّاهم، وقَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقَوْلُهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقَوْلُهم: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤]، واعْتِداؤُهم في السَّبْتِ، وسائِرُ الكَبائِرِ الَّتِي لَمْ تَصْدُرْ مِن أُمَّةٍ قَبْلَهم ولا بَعْدَهم. وهَذا التَّمَنِّي الَّذِي طُلِبَ مِنهم، ونُفِيَ عَنْهم، لَمْ يَقَعْ أصْلًا مِنهم، إذْ لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ، ولَتَوَفَّرَتْ دَواعِي المُخالِفِينَ لِلْإسْلامِ عَلى نَقْلِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَعْنِي بِهِ هُنا العَمَلَ القَلْبِيَّ؛ لِأنَّهُ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَلا …

Al-Baqara 2:96Listen in Qur'an →
97

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought the Qur'an down upon your heart, [O Muhammad], by permission of Allah, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] .

جِبْرِيلُ: اسْمُ مَلَكٍ عَلَمٌ لَهُ، وهو الَّذِي نَزَلَ بِالقُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ، لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرُوتِ اللَّهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبَ الإضافَةِ. ومَعْنى جِبْرِ: عَبْدٌ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأعْجَمِيَّ لا يَدْخُلُهُ الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ الإضافَةِ لَكانَ مَصْرُوفًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: ومَن قالَ: جِبْرٌ، مِثْلَ: عَبْدٍ، وإيلٌ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ حَضْرَمَوْتَ. انْتَهى كَلامُهُ. يَعْنِي أنَّهُ يَجْعَلُهُ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ المَزْجِ، فَيَمْنَعُهُ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ. ولَيْسَ ما ذَكَرَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُلْحَظَ فِيهِ مَعْنى الإضافَةِ، فَيَلْزَمَ الصَّرْفُ في الثّانِي، وإجْراءُ الأوَّلِ بِوُجُوهِ الإعْرابِ، أوْ لا يُلْحَظَ، فَيُرَكِّبَهُ تَرْكِيبَ المَزْجِ. فَما يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ المَزْجِ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإضافَةُ ومَنعُ الصَّرْفِ، فَكَوْنُهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الإضافَةُ، ولا البِناءُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَرْكِيبِ المَزْجِ. وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ عَلى عادَتِها في تَغْيِيرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، حَتّى بَلَغَتْ فِيهِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ لُغَةً. قالُوا: جِبْرِيلُ: كَقِنْدِيلٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وحَفْصٍ. وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:

؎وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعْهُما مِنَ اللَّهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ

وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ:

؎والرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنهم لا كِفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونا

وقالَ حَسّانُ:

؎وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ

وكَذَلِكَ إلّا أنَّ الجِيمَ مَفْتُوحَةٌ، وبِها قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ الفَرّاءُ: لا أُحِبُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعْلِيلٌ، وما …

Al-Baqara 2:97Listen in Qur'an →
98

مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَٰفِرِينَ

Whoever is an enemy to Allah and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allah is an enemy to the disbelievers.

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] .

جِبْرِيلُ: اسْمُ مَلَكٍ عَلَمٌ لَهُ، وهو الَّذِي نَزَلَ بِالقُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ، لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرُوتِ اللَّهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبَ الإضافَةِ. ومَعْنى جِبْرِ: عَبْدٌ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأعْجَمِيَّ لا يَدْخُلُهُ الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ الإضافَةِ لَكانَ مَصْرُوفًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: ومَن قالَ: جِبْرٌ، مِثْلَ: عَبْدٍ، وإيلٌ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ حَضْرَمَوْتَ. انْتَهى كَلامُهُ. يَعْنِي أنَّهُ يَجْعَلُهُ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ المَزْجِ، فَيَمْنَعُهُ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ. ولَيْسَ ما ذَكَرَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُلْحَظَ فِيهِ مَعْنى الإضافَةِ، فَيَلْزَمَ الصَّرْفُ في الثّانِي، وإجْراءُ الأوَّلِ بِوُجُوهِ الإعْرابِ، أوْ لا يُلْحَظَ، فَيُرَكِّبَهُ تَرْكِيبَ المَزْجِ. فَما يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ المَزْجِ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإضافَةُ ومَنعُ الصَّرْفِ، فَكَوْنُهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الإضافَةُ، ولا البِناءُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَرْكِيبِ المَزْجِ. وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ عَلى عادَتِها في تَغْيِيرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، حَتّى بَلَغَتْ فِيهِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ لُغَةً. قالُوا: جِبْرِيلُ: كَقِنْدِيلٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وحَفْصٍ. وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:

؎وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعْهُما مِنَ اللَّهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ

وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ:

؎والرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنهم لا كِفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونا

وقالَ حَسّانُ:

؎وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ

وكَذَلِكَ إلّا أنَّ الجِيمَ مَفْتُوحَةٌ، وبِها قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ الفَرّاءُ: لا أُحِبُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعْلِيلٌ، وما …

Al-Baqara 2:98Listen in Qur'an →
99

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾: سَبَبُ نُزُولِها - فِيما ذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ - أنَّ ابْنَ صُورِيا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَها، فَنَزَلَتِ انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى جُمَلًا مِن قَبائِحِ اليَهُودِ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ، وكانَ فِيما ذَكَرَ مِن ذَلِكَ مُعاداتِهم لِجِبْرِيلَ، فَناسَبَ ذَلِكَ إنْكارَهم لِما نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ بَيِّناتٌ، وأنَّهُ لا يَجْحَدُ نُزُولَها إلّا كُلُّ فاسِقٍ، وذَلِكَ لِوُضُوحِها. والآياتُ البَيِّناتُ، أيِ القُرْآنُ، أوِ المُعْجِزاتُ المَقْرُونَةُ بِالتَّحَدِّي، أوِ الإخْبارُ عَمّا خَفِيَ وأُخْفِيَ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، أوِ الشَّرائِعُ، أوِ الفَرائِضُ، أوْ مَجْمُوعُ كُلِّ ما تَقَدَّمَ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ. والظّاهِرُ مُطْلَقُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ بَيِّناتٌ غَيْرَ مُعَيَّنٍ شَيْءٌ مِنها، وعُبِّرَ عَنْ وُصُولِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عُلُوٍّ إلى ما دُونَهُ.

﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾: المُرادُ بِالفاسِقِينَ هُنا: الكافِرُونَ؛ لِأنَّ كُفْرَ آياتِ اللَّهِ تَعالى هو مِن بابِ فِسْقِ العَقائِدِ، فَلَيْسَ مِن بابِ فِسْقِ الأفْعالِ. وقالَ الحَسَنُ: إذا اسْتُعْمِلَ الفِسْقُ في شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي، وقَعَ عَلى أعْظَمِهِ مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. انْتَهى. وناسَبَ قَوْلُهُ بَيِّناتٍ لَفْظَ الكُفْرِ، وهو التَّغْطِيَةُ؛ لِأنَّ البَيِّنَ لا يَقَعُ فِيهِ إلْباسٌ، فَعَدَمُ الإيمانِ بِهِ لَيْسَ لِشُبْهَةٍ لِأنَّهُ بَيِّنٌ، وإنَّما هو تَغْطِيَةٌ وسَتْرٌ لِما هو واضِحٌ بَيِّنٌ. وسَتْرُ الواضِحِ لا يَقَعُ إلّا مِن مُتَمَرِّدٍ في فِسْقِهِ، والألِفُ واللّامُ في الفاسِقُونَ، إمّا لِلْجِنْسِ، وإمّا لِلْعَهْدِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ. وكَنّى بِالفِسْقِ هُنا عَنِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الفِسْقَ: خُرُوجُ الإنْسانِ عَمّا حُدَّ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الحَسَنِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أعْظَمِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما يَكْفُرُ بِها إلّا المَبالِغُ في كُفْرِهِ، المُنْتَهِي فِيهِ إلى أقْصى غايَةٍ. وإلّا الفاسِقُونَ: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، إذْ تَقْدِيرُهُ: وما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ، فَنَفى أنْ يَكْفُرَ بِالآياتِ الواضِحاتِ أحَدٌ. ثُمَّ اسْتَثْنى الفُسّاقَ مِن أحَدٍ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِها. ويَجُوزُ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ أنْ يُنْصَبَ في نَحْوٍ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ، فَأجازَ: ما قامَ إلّا زَيْدًا، عَلى مُراعاةِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، إذْ لَوْ كانَ لَمْ يُحْذَفْ لَجازَ النَّصْبُ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.

Al-Baqara 2:99Listen in Qur'an →
100

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، قالَ: واللَّهِ ما أُخِذَ عَلَيْنا عَهْدٌ في كِتابِنا أنْ نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا مِيثاقٌ. وقِيلَ في اليَهُودِ: عاهَدُوا عَلى أنَّهُ إنْ خَرَجَ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنَكُونَنَّ مَعَهُ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ. وقالَ عَطاءٌ: هي العُهُودُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَهُودِ نَقَضُوها، كَفِعْلِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: أوَكُلَّما، بِفَتْحِ الواوِ. واخْتُلِفَ في هَذِهِ الواوِ فَقِيلَ: هي زائِدَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: هي ”أوْ“ السّاكِنَةُ الواوِ، وحُرِّكَتْ بِالفَتْحِ، وهي بِمَعْنى بَلْ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ. وقِيلَ: واوُ العَطْفِ، وهو الصَّحِيحُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ: أنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الواوِ والفاءِ وثُمَّ عَلى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ. وإنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يَذْهَبُ إلى أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مُقَدَّرًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ هُنا أكَفَرُوا بِالآياتِ البَيِّناتِ ؟ وكُلَّما عاهَدُوا. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ اخْتِيارِهِ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ. والمُرادُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ: الإنْكارُ، وإعْظامُ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكَرُّرِ عُهُودِهِمْ ونَقْضِها، فَصارَ ذَلِكَ عادَةً لَهم وسَجِيَّةً. فَيَنْبَغِي أنْ لا يُكْتَرَثَ بِأمْرِهِمْ، وأنْ لا يَصْعُبَ ذَلِكَ، فَهي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ إذْ كَفَرُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما كانَ دَيْدَنًا لِلشَّخْصِ وخُلُقًا، لا يَنْبَغِي أنْ يُحْتَفَلَ بِأمْرِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ العَدَوِيُّ وغَيْرُهُ: أوْ كُلَّما بِسُكُونِ الواوِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الفاسِقِينَ، وقَدَّرَهُ: وما يَكْفُرُ بِها إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا، أوْ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ مِرارًا كَثِيرَةً. وخَرَّجَهُ الَمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ أوْ لِلْخُرُوجِ مِن كَلامٍ إلى غَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ ”أمْ“ المُنْقَطِعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بَلْ كُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، لِأُعاقِبَنَّكَ، فَيَقُولُ لَهُ: أوْ يُحْسِنُ اللَّهُ رَأْيَكَ، أيْ بَلْ يُحْسِنُ رَأْيَكَ، وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، إذْ يَكُونُ أوْ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ بَلْ. وأنْشَدُوا شاهِدًا عَلى هَذِهِ الدَّعْوى قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورَتُها أوْ أنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ

وقَدْ جاءَ أوْ بِمَعْنى الواوِ في قَوْلِهِ:

؎مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ

وقَوْلِهِ:

؎صُدُورُ رِماحٍ أُشْرِعَتْ أوْ سَلاسِلُ

يُرِيدُ: وشافِعٌ، وسَلاسِلُ.

وقَدْ قِيلَ في ذَلِكَ: في قَوْلِهِ: ”﴿خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ [النساء: ١١٢]“، أنَّ المَعْنى: وإنَّما، فَيُحْتَمَلُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ عَلى أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى الواوِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ: أوَكُلَّما عُوهِدُوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةٌ تُخالِفُ رَسْمَ المُصْحَفِ. وانْتِصابُ عَهْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، أيْ مُعاهَدَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى تَضْمِينِ عاهَدَ مَعْنى: أعْطى، أيْ أعْطَوْا عَهْدًا. وقُرِئَ: …

Al-Baqara 2:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.