Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 81–90 of 286

81

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Yes, whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿بَلى﴾: حَرْفُ جَوابٍ يُثْبَتُ بِهِ ما بَعْدَ النَّفْيِ، فَإذا قُلْتُ: ما قامَ زَيْدٌ، فَقُلْتَ: نَعَمْ، كانَ تَصْدِيقًا في نَفْيِ قِيامِ زَيْدٍ. وإذا قُلْتَ: بَلى، كانَ نَقْضًا لِذَلِكَ النَّفْيِ. فَلَمّا قالُوا: (لَنْ تَمَسَّنا النّارُ)، أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: بَلى، ومَعْناها: تَمَسُّكُمُ النّارُ. والمَعْنى عَلى التَّأْبِيدِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِالخُلُودِ.

﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ مَن: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والمُسَوِّغاتُ لِجَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا مَوْجُودَةٌ هُنا، ويُحَسِّنُهُ المَجِيءُ في قِسْمَيْهِ بِالَّذِينَ، وهو مَوْصُولٌ. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والشِّرْكُ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. وقِيلَ: المُوجِبَةُ لِلنّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَ السَّيِّئَةَ بِالكَبائِرِ، لِأنَّها هي الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، أيْ يَسْتَحِقُّ فاعِلُها النّارَ إنْ لَمْ تُغْفَرْ لَهُ.

﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ، ونافِعٌ: خَطِيئاتُهُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وبَعْضُ القُرّاءِ: خَطاياهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، والمَعْنى أنَّها أخَذَتْهُ مِن جَمِيعِ نَواحِيهِ. ومَعْنى الإحاطَةِ بِهِ أنَّهُ يُوافى عَلى الكُفْرِ والإشْراكِ، هَذا إذا فُسِّرَتِ الخَطِيئَةُ بِالشِّرْكِ. ومَن فَسَّرَها بِالكَبِيرَةِ، فَمَعْنى الإحاطَةِ بِهِ أنْ يَمُوتَ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، فَيَكُونُ الخُلُودُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِهِ الإقامَةُ، لا إلى انْتِهاءٍ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي المُرادُ بِهِ الإقامَةُ دَهْرًا طَوِيلًا، إذْ مَآلُهُ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ. قالَ الكَلْبِيُّ: أوْثَقَتْهُ ذُنُوبُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحْبَطَتْ حَسَناتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَشِيَتْ قَلْبَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أصَرَّ عَلَيْها. وقالَ الرَّبِيعُ: ماتَ عَلى الشِّرْكِ. قالَ الحَسَنُ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَهو الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. ومَن - كَما تَقَدَّمَ - لَها لَفْظٌ ومَعْنًى، فَحَمَلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ، فَقالَ: مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وحَمَلَ ثانِيًا عَلى المَعْنى، وهو قَوْلُهُ: (فَأُولَئِكَ)، إلى آخِرِهِ. وأفْرَدَ سَيِّئَةً لِأنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْ مُفْرَدٍ، وهو الشِّرْكُ. ومَن أفْرَدَ الخَطِيئَةَ أرادَ بِها الجِنْسَ ومُقابَلَةَ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مُفْرَدَةٌ، ومَن جَمَعَها فَلِأنَّ الكَبائِرَ كَثِيرَةٌ، فَراعى المَعْنى وطابَقَ بِهِ اللَّفْظَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ السَّيِّئَةَ والخَطِيئَةَ واحِدَةٌ، وأنَّ الخَطِيئَةَ وصْفٌ لِلسَّيِّئَةِ. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما فَقالَ: السَّيِّئَةُ الكُفْرُ، والخَطِيئَةُ ما دُونَ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو وائِلٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: إنَّ الخَطِيئَةَ الشِّرْكُ، والسَّيِّئَةُ هُنا ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ المَعاصِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ تِلْكَ، واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، كَما يُحِيطُ العَدُوُّ، ولَمْ يَتَفَصَّ عَنْها بِالتَّوْبَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا مِن دَسائِسِهِ الَّتِي ضَمَّنَها كِتابَهُ، إذِ اعْتِقادُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ مَن أتى كَبِيرَةً ولَمْ يَتُبْ مِنها، وماتَ، كانَ خالِدًا في النّارِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ الكُفّارُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَلا يَمُوتُونَ ولا يَحْيَوْنَ» . وقَدْ رُتِّبَ كَوْنُهم أصْحابَ النّارِ عَلى وُجُودِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما، كَسْبُ السَّيِّئَةِ، والآخَرُ: إحاطَةُ …

Al-Baqara 2:81Listen in Qur'an →
82

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أهْلَ النّارِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الهَلاكِ: أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أهْلِ الإيمانِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الخُلُودِ في الجِنانِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤْمِنُو الأُمَمِ قَبْلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وهو ظاهِرُ اللَّفْظِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ، وقَلَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ آيَةٌ في الوَعِيدِ، إلّا وذُكِرَتْ آيَةٌ في الوَعْدِ. وفائِدَةُ ذَلِكَ ظُهُورُ عَدْلِهِ تَعالى، واعْتِدالُ رَجاءِ المُؤْمِنِ وخَوْفِهِ، كَمالُ رَحْمَتِهِ بِوَعْدِهِ وحِكْمَتِهِ بِوَعِيدِهِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ اسْتِبْعادَ طَمَعِ المُؤْمِنِينَ في إيمانِ مَن سَبَقَ مِن آبائِهِ التَّشْرِيفُ بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ، ثُمَّ مُقابَلَةَ ذَلِكَ بِعَظِيمِ التَّحْرِيفِ، هَذا عَلى عِلْمٍ مِنهم بِقَبِيحِ ما ارْتَكَبُوهُ. وهَؤُلاءِ المَطْمُوعُ في إيمانِهِمْ هم أبْناءُ أُولَئِكَ المُحَرِّفِينَ، فَهم عَلى طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في الكُفْرِ، ثُمَّ قَدِ انْطَوَوْا مِن حَيْثُ السَّرِيرَةُ عَلى مُداجاةِ المُؤْمِنِينَ، بِحَيْثُ إذا لَقُوهم أفْهَمُوهم أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِن إخْبارٍ بِشَيْءٍ مِمّا في كُتُبِهِمْ، وذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَحْتَجَّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ بِما في كِتابِهِمْ، ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ إلّا الِانْقِيادُ إلى كِتابِ اللَّهِ، والإخْبارُ بِما فِيهِ، واتِّباعُ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأمْرِ، بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والإيمانُ بِما يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .

ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِعَلَمِهِمْ، ذَكَرَ أيْضًا مُقَلِّدَتَهم وعَوامَّهم، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِنَ الكِتابِ إلّا ألْفاظًا مَسْمُوعَةً، وأنَّ طَرِيقَهم في أُصُولِ دِياناتِهِمْ إنَّما هو حُسْنُ ظَنِّهِمْ بِعُلَمائِهِمُ المُحَرِّفِينَ المُبَدِّلِينَ. ثُمَّ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعالى بِالهَلاكِ والحَسْرَةِ مَن حَرَّفَ كَلامَ اللَّهِ وادَّعى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا تافِهٍ نَزْرٍ لا يَبْقى، فَباعَ باقِيًا بِفانٍ.

ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ عَلى ما فَعَلُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الكَذِبِ البَحْتِ، بِأنَّ لُبْثَهم في النّارِ ”أيّامًا مَعْدُودَةً“، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ لَيْسَ صادِرًا عَنْ عَهْدٍ اتَّخَذُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، بَلْ قَوْلٌ عَلى اللَّهِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ دَعْواهم تِلْكَ بِقَوْلِهِ: (بَلى)، ثُمَّ قَسَّمَ النّاسَ إلى قِسْمَيْنِ كافِرٍ، وهو صاحِبُ النّارِ، ومُؤْمِنٍ وهو صاحِبُ الجَنَّةِ، وأنَّهُمُ انْدَرَجُوا تَحْتَ قِسْمِ الكافِرِ، لِأنَّهم كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، وأحاطَتْ بِهِمُ الخَطِيئاتُ، وناهِيكَ ما اقْتَصَّ اللَّهُ فِيهِمْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، وما يَقُصُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمُخالَفاتِ.

Al-Baqara 2:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allah; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakah." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] .

الوالِدانِ: الأبُ والأُمُّ، وكُلٌّ مِنهُما يُطْلَقُ عَلَيْهِ والِدٌ، وظاهِرُ الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، قالَ:

؎وذِي ولَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبَوانِ

ويُقالُ لِلْأُمِّ: والِدٌ ووالِدَةٌ، وقِيلَ: الوالِدُ لِلْأبِ وحْدَهُ، وثُنِّيا تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ. الإحْسانُ: النَّفْعُ بِكُلِّ حَسَنٍ. ذُو: بِمَعْنى صاحِبٍ، وهو مِنَ الأسْماءِ السِّتَّةِ الَّتِي تُرْفَعُ وفِيها الواوُ، وتُنْصَبُ وفِيها الألِفُ، وتُجَرُّ وفِيها الياءُ. وأصْلُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ذَوْيٌ، ووَزْنُها عِنْدَهُ: فَعْلٌ، وعِنْدَ الخَلِيلِ: ذُوَّةٌ، مِن بابِ خُوَّةٍ، وقُوَّةٍ، ووَزْنُها عِنْدَهُ فُعْلٌ، وهو لازِمُ الإضافَةِ، وتَنْقاسُ إضافَتُهُ إلى اسْمِ جِنْسٍ، وفي إضافَتِهِ إلى مُضْمَرٍ خِلافٌ، وقَدْ يُضافُ إلى العَلَمِ وُجُوبًا إذا اقْتَرَنا وضْعًا، كَقَوْلِهِمْ: ذُو جَدَنٍ، وذُو يَزَنَ، وذُو رُعَيْنٍ، وذُو الكُلاعِ، وإنْ لَمْ يَقْتَرِنا وضْعًا، فَقَدْ يَجُوزُ، كَقَوْلِهِمْ في عَمْرٍو، وقَطَرِيٍّ: ذُو عَمْرٍو، وذُو قَطَرِيٍّ، ويَعْنُونَ بِهِ صاحِبَ هَذا الِاسْمِ. وإضافَتُهُ إلى العَلَمِ في وُجْهَتِهِ مَسْمُوعٌ، وكَذَلِكَ: أنا ذُو بَكَّةَ، واللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى ذَوِيهِ. ومِمّا أُضِيفَ إلى العَلَمِ، وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى ذِي مالٍ، ومِمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ العَلَمِ، وأُضِيفَ أيْضًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وإنّا لَنَرْجُوَ عاجِلًا مِنكَ مِثْلَ ما ∗∗∗ رَجَوْناهُ قِدْمًا مِن ذَوِيكَ الأفاضِلِ

وقَدْ أتَتْ ذُو في لُغَةِ طَيِّءٍ مَوْصُولَةً، ولَها أحْكامٌ في النَّحْوِ. القُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى، والألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وهي قَرابَةُ الرَّحِمِ والصُّلْبِ، قالَ طَرَفَةُ:

؎وقَرَّبْتُ بِالقُرْبى وجَدِّكَ أنَّهُ ∗∗∗ مَتّى يَكُ أمْرٌ لِلنَّكِيثَةِ أشْهَدِ

وقالَ أيْضًا:

؎وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضاضَةً ∗∗∗ عَلى الحُرِّ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ

اليَتامى: فَعالى، وهو جَمْعٌ لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الألِفَ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، ومُفْرَدُهُ: يَتِيمٌ، كَنَدِيمٍ، وهو جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وكَذا جَمْعُهُ عَلى أيْتامٍ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: اليُتْمُ في بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي غَيْرِهِمْ مِن قِبَلِ الأُمِّ. وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ اليُتْمَ في بَنِي آدَمَ يُقالُ: مَن فَقَدَ الأُمَّ، والأوَّلُ هو المَعْرُوفُ، وأصْلُهُ الِانْفِرادُ. فَمَعْنى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: أيْ مُنْفَرِدٍ عَنْ أبِيهِ، وسُمِّيَتِ الدُّرَّةُ الَّتِي لا مَثِيلَ لَها يَتِيمَةً لِانْفِرادِها، قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقِيلَ: أصْلُ اليُتْمِ: …

Al-Baqara 2:83Listen in Qur'an →
84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed each other's blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾: الكَلامُ عَلى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾، كالكَلامِ عَلى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] مِن حَيْثُ الإعْرابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الفاءَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ وخَفَّفَ الفاءَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم وحَنَقٍ يَلْحَقُكم. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أمْرُ الَّذِي وضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وإخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. وصَحَّ: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» . وتَظافَرَتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ المِلَلُ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَسْفِكُوا دِماءَ النّاسِ، فَإنَّ مَن سَفَكَ دِماءَهم سَفَكُوا دَمَهُ، وقالَ:

؎سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِكم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، كالِارْتِدادِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، والمُحارَبَةِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ عِصْمَةَ الدِّماءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ»، وكانَ أهْلُ دِينٍ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِيثاقًا أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ. والخِطابُ في ”أخَذْنا مِيثاقَكم“ لِعُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَعَ أسْلافِهِمْ.

﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يُخْرِجْ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَتُلْجِئُوهم إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُخْرِجُونَ بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكم، أوْ لا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم، أيْ إخْوانَكم، لِأنَّكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تُفْسِدُوا فَيَكُونَ سَبَبًا لِإخْراجِكم مِن دِيارِكم، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى تَغْرِيبِ الجانِي، أوْ لا تُفْسِدُوا وتُشاقُّوا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ فَيُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الجَلاءُ. أقْوالٌ سِتَّةٌ. ثُمَّ أقْرَرْتُمْ: أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ، أوِ اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ، أوْ رَضِيتُمْ بِهِ، كَما قالَ البُعَيْثُ:

؎ولَسْتُ كُلَيْبِيًّا إذا سِيمَ خُطَّةً ∗∗∗ أقَرَّ كَإقْرارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ

﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أخَذَهُ عَلَيْكم، وأرادَ عَلى قُدَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ كانَ الخِطابُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ عَلى مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، فَمَعْناهُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ، إمّا بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، وإمّا بِما تَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ. وإنْ كانَ مَعْنى الشَّهادَةِ …

Al-Baqara 2:84Listen in Qur'an →
85

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allah is not unaware of what you do.

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾: الكَلامُ عَلى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾، كالكَلامِ عَلى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] مِن حَيْثُ الإعْرابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الفاءَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ وخَفَّفَ الفاءَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم وحَنَقٍ يَلْحَقُكم. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أمْرُ الَّذِي وضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وإخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. وصَحَّ: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» . وتَظافَرَتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ المِلَلُ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَسْفِكُوا دِماءَ النّاسِ، فَإنَّ مَن سَفَكَ دِماءَهم سَفَكُوا دَمَهُ، وقالَ:

؎سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِكم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، كالِارْتِدادِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، والمُحارَبَةِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ عِصْمَةَ الدِّماءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ»، وكانَ أهْلُ دِينٍ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِيثاقًا أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ. والخِطابُ في ”أخَذْنا مِيثاقَكم“ لِعُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَعَ أسْلافِهِمْ.

﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يُخْرِجْ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَتُلْجِئُوهم إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُخْرِجُونَ بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكم، أوْ لا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم، أيْ إخْوانَكم، لِأنَّكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تُفْسِدُوا فَيَكُونَ سَبَبًا لِإخْراجِكم مِن دِيارِكم، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى تَغْرِيبِ الجانِي، أوْ لا تُفْسِدُوا وتُشاقُّوا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ فَيُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الجَلاءُ. أقْوالٌ سِتَّةٌ. ثُمَّ أقْرَرْتُمْ: أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ، أوِ اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ، أوْ رَضِيتُمْ بِهِ، كَما قالَ البُعَيْثُ:

؎ولَسْتُ كُلَيْبِيًّا إذا سِيمَ خُطَّةً ∗∗∗ أقَرَّ كَإقْرارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ

﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أخَذَهُ عَلَيْكم، وأرادَ عَلى قُدَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ كانَ الخِطابُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ عَلى مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، فَمَعْناهُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ، إمّا بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، وإمّا بِما تَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ. وإنْ كانَ مَعْنى الشَّهادَةِ …

Al-Baqara 2:85Listen in Qur'an →
86

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾: الكَلامُ عَلى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾، كالكَلامِ عَلى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] مِن حَيْثُ الإعْرابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الفاءَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ وخَفَّفَ الفاءَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم وحَنَقٍ يَلْحَقُكم. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أمْرُ الَّذِي وضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وإخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. وصَحَّ: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» . وتَظافَرَتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ المِلَلُ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَسْفِكُوا دِماءَ النّاسِ، فَإنَّ مَن سَفَكَ دِماءَهم سَفَكُوا دَمَهُ، وقالَ:

؎سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِكم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، كالِارْتِدادِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، والمُحارَبَةِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ عِصْمَةَ الدِّماءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ»، وكانَ أهْلُ دِينٍ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِيثاقًا أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ. والخِطابُ في ”أخَذْنا مِيثاقَكم“ لِعُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَعَ أسْلافِهِمْ.

﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يُخْرِجْ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَتُلْجِئُوهم إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُخْرِجُونَ بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكم، أوْ لا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم، أيْ إخْوانَكم، لِأنَّكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تُفْسِدُوا فَيَكُونَ سَبَبًا لِإخْراجِكم مِن دِيارِكم، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى تَغْرِيبِ الجانِي، أوْ لا تُفْسِدُوا وتُشاقُّوا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ فَيُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الجَلاءُ. أقْوالٌ سِتَّةٌ. ثُمَّ أقْرَرْتُمْ: أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ، أوِ اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ، أوْ رَضِيتُمْ بِهِ، كَما قالَ البُعَيْثُ:

؎ولَسْتُ كُلَيْبِيًّا إذا سِيمَ خُطَّةً ∗∗∗ أقَرَّ كَإقْرارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ

﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أخَذَهُ عَلَيْكم، وأرادَ عَلى قُدَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ كانَ الخِطابُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ عَلى مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، فَمَعْناهُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ، إمّا بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، وإمّا بِما تَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ. وإنْ كانَ مَعْنى الشَّهادَةِ …

Al-Baqara 2:86Listen in Qur'an →
87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

And We did certainly give Moses the Torah and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]

قَفَوْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ الإنْسانُ تابِعًا لِقَفا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّباعِ، وإنْ بَعُدَ زَمانُ المَتْبُوعِ، مِن زَمانِ التّابِعِ. وقالَ أُمَيَّةُ:

؎قالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وكَيْفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَدَدُ الرُّسُلُ

: جَمْعُ رَسُولٍ، ولا يَنْقاسُ فُعُلٌ في فَعَوْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلى، والياءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَناتِ الأرْبَعَةِ، بِمَنزِلَةِ ياءِ مِعْزى، يَعْنِي بِالياءِ الألِفَ، سَمّاها ياءً لِكِتابَتِهِمْ إيّاها ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كالَّتِي في ذِكْرى، بِدَلالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ في النَّكِرَةِ. وذَهَبَ الحافِظُ أبُو عُمْرٍو عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ، صاحِبُ التَّصانِيفِ في القِراءاتِ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وغَيْرُهُ، إلى أنَّ وزْنَهُ فِعْلَلٌ، ورَدَّ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذَشِ بِأنَّ الياءَ والواوَ لا يَكُونانِ أصْلًا في بَناتِ الأرْبَعِ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهَذِهِ الأسْماءُ أعْجَمِيَّةٌ، وكُلُّ أعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ، فالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى أحْكامِهِ في التَّصْرِيفِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ في العَرَبِيِّ، فَعِيسى مِن هَذا البابِ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَن زَعَمَ …

Al-Baqara 2:87Listen in Qur'an →
88

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

And they said, "Our hearts are wrapped." But, [in fact], Allah has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]

قَفَوْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ الإنْسانُ تابِعًا لِقَفا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّباعِ، وإنْ بَعُدَ زَمانُ المَتْبُوعِ، مِن زَمانِ التّابِعِ. وقالَ أُمَيَّةُ:

؎قالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وكَيْفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَدَدُ الرُّسُلُ

: جَمْعُ رَسُولٍ، ولا يَنْقاسُ فُعُلٌ في فَعَوْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلى، والياءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَناتِ الأرْبَعَةِ، بِمَنزِلَةِ ياءِ مِعْزى، يَعْنِي بِالياءِ الألِفَ، سَمّاها ياءً لِكِتابَتِهِمْ إيّاها ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كالَّتِي في ذِكْرى، بِدَلالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ في النَّكِرَةِ. وذَهَبَ الحافِظُ أبُو عُمْرٍو عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ، صاحِبُ التَّصانِيفِ في القِراءاتِ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وغَيْرُهُ، إلى أنَّ وزْنَهُ فِعْلَلٌ، ورَدَّ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذَشِ بِأنَّ الياءَ والواوَ لا يَكُونانِ أصْلًا في بَناتِ الأرْبَعِ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهَذِهِ الأسْماءُ أعْجَمِيَّةٌ، وكُلُّ أعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ، فالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى أحْكامِهِ في التَّصْرِيفِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ في العَرَبِيِّ، فَعِيسى مِن هَذا البابِ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَن زَعَمَ …

Al-Baqara 2:88Listen in Qur'an →
89

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And when there came to them a Book from Allah confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allah will be upon the disbelievers.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]

قَفَوْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ الإنْسانُ تابِعًا لِقَفا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّباعِ، وإنْ بَعُدَ زَمانُ المَتْبُوعِ، مِن زَمانِ التّابِعِ. وقالَ أُمَيَّةُ:

؎قالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وكَيْفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَدَدُ الرُّسُلُ

: جَمْعُ رَسُولٍ، ولا يَنْقاسُ فُعُلٌ في فَعَوْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلى، والياءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَناتِ الأرْبَعَةِ، بِمَنزِلَةِ ياءِ مِعْزى، يَعْنِي بِالياءِ الألِفَ، سَمّاها ياءً لِكِتابَتِهِمْ إيّاها ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كالَّتِي في ذِكْرى، بِدَلالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ في النَّكِرَةِ. وذَهَبَ الحافِظُ أبُو عُمْرٍو عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ، صاحِبُ التَّصانِيفِ في القِراءاتِ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وغَيْرُهُ، إلى أنَّ وزْنَهُ فِعْلَلٌ، ورَدَّ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذَشِ بِأنَّ الياءَ والواوَ لا يَكُونانِ أصْلًا في بَناتِ الأرْبَعِ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهَذِهِ الأسْماءُ أعْجَمِيَّةٌ، وكُلُّ أعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ، فالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى أحْكامِهِ في التَّصْرِيفِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ في العَرَبِيِّ، فَعِيسى مِن هَذا البابِ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَن زَعَمَ …

Al-Baqara 2:89Listen in Qur'an →
90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allah has revealed through [their] outrage that Allah would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ كانَتْ غَطَفانُ تُقاتِلُهم وتَهْزِمُهم، أوْ حِينَ كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ العَرَبِ أذًى كَثِيرًا، أوْ حِينَ حارَبَهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ فَغَلَبَتْهم.

(كِتابٌ): هو القُرْآنُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلَيْهِ مَجازٌ.

﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وصْفُهُ بِـ ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ جَدِيرٌ أنْ يُقْبَلَ، ويُتَّبَعَ ما فِيهِ، ويُعْمَلَ بِمَضْمُونِهِ، إذْ هو وارِدٌ مِن عِنْدِ خالِقِهِمْ وإلَهِهِمُ الَّذِي هو ناظِرٌ فِي مَصالِحِهِمْ.

(مُصَدِّقٌ): صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وقُدِّمَتِ الأوْلى عَلَيْها؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ آكَدُ، ووَصْفَهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. لا يُقالُ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] مُتَعَلِّقًا بِجاءَهم، فَلا يَكُونَ صِفَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِما هو مَعْمُولٌ لِغَيْرِ أحَدِهِما. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مُصَدِّقًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن ”كِتابٌ“، وإنْ كانَ نَكِرَةً. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ بِلا شَرْطٍ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ.

﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَصْدِيقُهُ إمّا بِكَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ بِما اشْتَمَلا عَلَيْهِ مَن ذِكْرِ بَعْثِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ.

(وكانُوا): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جاءَهم، فَيَكُونَ جَوابُ لَمّا مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ والكَوْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ كانُوا، فَيَكُونَ الجَوابُ مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ بِقَيْدٍ في مَفْعُولِهِ، وهم كَوْنُهم يَسْتَفْتِحُونَ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِ بَعْدَ لَمّا، ولا حالًا لِأنَّهُ قَدَّرَ جَوابَ لَمّا مَحْذُوفًا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ يَسْتَفْتِحُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا.

(مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ المَجِيءِ، وبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ.

﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]: أيْ يَسْتَحْكِمُونَ، أوْ يَسْتَعْلِمُونَ، أوْ يَسْتَنْصِرُونَ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. يَقُولُونَ إذا دَهَمَهُمُ العَدُوُّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ. واخْتَلَفُوا في جَوابِ ولَمّا الأُولى، فَذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدَّرَهُ نَحْوَ: كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهانُوا بِمَجِيئِهِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَفَرُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى قَرِيبٌ في ذَلِكَ. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] جَوابُ لَمّا الأُولى، وكَفَرُوا، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا جاءَهم. وهو عِنْدَهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] . قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لَيْسَتْ بِناسِقَةٍ أنَّ الواوَ لا تَصْلُحُ في مَوْضِعِها. وذَهَبَ المُبَّرِدُ إلى أنَّ جَوابَ لَمّا الأُولى هو: كَفَرُوا بِهِ، وكُرِّرَ لَمّا لِطُولِ الكَلامِ، ويُقَيِّدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ وتَأْكِيدًا لَهُ. وهَذا القَوْلُ كانَ يَكُونُ أحْسَنَ لَوْلا أنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ. وأمّا قَوْلُ …

Al-Baqara 2:90Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.