Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 81–90 of 286

81

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Yes, whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿بَلى...﴾؛ إلى آخِرِهِ: جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ؛ وإبْطالٌ لَهُ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ وبَيانٌ لِحَقِيقَةِ الحالِ تَفْصِيلًا؛ في ضِمْنِ تَشْرِيعٍ كُلِّيٍّ؛ شامِلٍ لَهم ولِسائِرِ الكَفَرَةِ؛ بَعْدَ إظْهارِ كَذِبِهِمْ إجْمالًا. وتَفْوِيضُ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِما أنَّ المُحاجَّةَ والإلْزامَ مِن وظائِفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ؛ يَتَوَقَّفُ عَلى التَّوْقِيفِ؛ و"بَلى" حَرْفُ إيجابٍ؛ مُخْتَصٌّ بِجَوابِ النَّفْيِ خَبَرًا واسْتِفْهامًا؛ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: فاحِشَةً مِنَ السَّيِّئاتِ؛ أيْ كَبِيرَةً مِنَ الكَبائِرِ؛ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ والكَسْبُ: اسْتِجْلابُ النَّفْعِ؛ وتَعْلِيقُهُ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .

﴿وَأحاطَتْ بِهِ﴾؛ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ جانِبٌ مِن قَلْبِهِ؛ ولِسانِهِ؛ وجَوارِحِهِ؛ إلّا وقَدِ اشْتَمَلَتْ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ؛ ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ الَّتِي كَسَبَها؛ وصارَتْ خاصَّةً مِن خَواصِّهِ؛ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الإضافَةُ إلَيْهِ؛ وهَذا إنَّما يَتَحَقَّقُ في الكافِرِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَها السَّلَفُ بِالكُفْرِ؛ حَسْبَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي وائِلٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ وعَطاءٍ؛ والرَّبِيعِ؛ وقِيلَ: السَّيِّئَةُ: الكُفْرُ؛ والخَطِيئَةُ: الكَبِيرَةُ؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ؛ وقِيلَ: الفارِقُ بَيْنَهُما أنَّ الأُولى قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما يُقْصَدُ بِالذّاتِ؛ والثّانِيَةَ تَغْلِبُ عَلى ما يُقْصَدُ بِالعَرَضِ؛ لِأنَّها مِنَ الخَطَإ؛ وقُرِئَ: "خَطِيَّتُهُ"؛ و"خَطِيّاتُهُ"؛ عَلى القَلْبِ والإدْغامِ فِيهِما؛ و"خَطِيئاتُهُ"؛ و"خَطاياهُ"؛ وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِكَثْرَةِ فُنُونِ كُفْرِهِمْ.

﴿فَأُولَئِكَ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾: خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ؛ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ؛ وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِحْضارِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الأوْصافِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِصاحِبِيَّةِ النّارِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ؛ والخَطايا؛ وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِعُنْوانِ الجَمْعِيَّةِ مُراعاةً لِجانِبِ المَعْنى في كَلِمَةِ "مَن"؛ بَعْدَ مُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ؛ فَإنَّ كَسْبَ السَّيِّئَةِ وإحاطَةَ خَطِيئَتِهِ بِهِ في حالَةِ الِانْفِرادِ؛ وصاحِبِيَّةَ النّارِ في حالَةِ الِاجْتِماعِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن كَسْبِ السَّيِّئاتِ؛ وإحاطَةِ خَطاياهم بِهِمْ؛ أصْحابُ النّارِ؛ أيْ: مُلازِمُوها في الآخِرَةِ حَسَبَ مُلازَمَتِهِمْ في الدُّنْيا لِما يَسْتَوْجِبُها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هم عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَحْرِيفِ كَلامِهِ؛ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وإنَّما لَمْ يُخَصَّ الجَوابُ بِحالِهِمْ؛ بِأنْ يُقالَ - مَثَلًا -: بَلى إنَّهم أصْحابُ النّارِ.. إلَخْ.. لِما في التَّعْمِيمِ مِنَ التَّهْوِيلِ؛ وبَيانِ حالِهِمْ بِالبُرْهانِ والدَّلِيلِ؛ مَعَ ما مَرَّ مِن قَصْدِ الإشْعارِ بِالتَّعْلِيلِ.

﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ دائِمًا أبَدًا؛ فَأنّى لَهُمُ التَّفَصِّي عَنْها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ؛ أوْ أرْبَعِينَ؛ كَما زَعَمُوا؟ فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ؛ لِما عَرَفْتَ مِنَ اخْتِصاصِها بِالكافِرِ؛ …

Al-Baqara 2:81Listen in Qur'an →
82

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ عَلى شَفْعِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ؛ مُراعاةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في إرْشادِ العِبادِ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ تارَةً؛ والتَّرْهِيبِ أُخْرى؛ والتَّبْشِيرِ مَرَّةً؛ والإنْذارِ أُخْرى.

Al-Baqara 2:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allah; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakah." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾: شُرُوعٌ

فِي تَعْدادِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِ أسْلافِ اليَهُودِ؛ مِمّا يُنادِي بِعَدَمِ إيمانِ أخْلافِهِمْ؛ وكَلِمَةُ "إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ؛ لِيُؤَدِّيَهُمُ التَّأمُّلُ في أحْوالِهِمْ إلى قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ إيمانِهِمْ؛ أوِ اليَهُودُ المَوْجُودُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ تَوْبِيخًا لَهم بِسُوءِ صَنِيعِ أسْلافِهِمْ؛ أيْ: اذْكُرُوا إذْ أخَذْنا مِيثاقَهُمْ؛ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾؛ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: "قُلْنا"؛ أوْ: "قائِلِينَ": لا تَعْبُدُونَ.. إلَخْ.. وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾؛ وكَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ؛ وتَقُولُ: كَيْتَ؛ وكَيْتَ؛ وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهْيِ؛ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّ المَنهِيَّ حَقُّهُ أنْ يُسارِعَ إلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ؛ فَكَأنَّهُ انْتَهى عَنْهُ؛ فَيُخْبِرُ بِهِ النّاهِي؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: "لا تَعْبُدُوا"؛ وعَطْفُ "قُولُوا"؛ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ألّا تَعْبُدُوا.. إلَخْ.. فَحُذِفَ النّاصِبُ؛ ورُفِعَ الفِعْلُ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي؟

وَيَعْضُدُهُ قِراءَةُ: "ألّا تَعْبُدُوا"؛ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنَ المِيثاقِ؛ أوْ مَعْمُولًا لَهُ؛ بِحَذْفِ الجارِّ؛ وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَحَلَّفْناهم لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ"؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ لِأنَّهم غُيَّبٌ.

﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ؛ أيْ: وتُحْسِنُونَ؛ أوْ: أحْسِنُوا.

﴿وَذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾: عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ؛ و"يَتامى": جَمْعُ "يَتِيمٌ"؛ كَـ "نَدامى"؛ جَمْعُ "نَدِيمٌ"؛ وهو قَلِيلٌ؛ و"مِسْكِينٌ": "مِفْعِيلٌ"؛ مِن "السُّكُونُ"؛ كَأنَّ الفَقْرَ أسْكَنَهُ مِنَ الحَراكِ؛ وأثْخَنَهُ عَنِ التَّقَلُّبِ.

﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾: أيْ: قَوْلًا حَسَنًا؛ سَمّاهُ "حُسْنًا"؛ مُبالَغَةً؛ وقُرِئَ كَذَلِكَ؛ و: "حُسُنًا"؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ؛ و"حُسْنى": كَـ "بُشْرى"؛ والمُرادُ بِهِ ما فِيهِ تَخَلُّقٌ وإرْشادٌ؛ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: هُما ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ في شَرِيعَتِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: إنْ جُعِلَ ناصِبُ الظَّرْفِ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ؛ فَهَذا التِفاتٌ إلى خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا؛ بِتَغْلِيبِ أخْلافِهِمْ عَلى أسْلافِهِمْ؛ لِجَرَيانِ ذِكْرِ كُلِّهِمْ حِينَئِذٍ عَلى نَهْجِ الغَيْبَةِ؛ فَإنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ لِأسْلافِهِمْ مَحْكِيَّةٌ؛ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ "تَعْبُدُونَ"؛ كَأنَّهُمُ اسْتُحْضِرُوا عِنْدَ ذِكْرِ جِناياتِهِمْ؛ فَنُعِيَتْ هي عَلَيْهِمْ؛ وإنْ جُعِلَ خِطابًا لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ فَهَذا تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ؛ بِتَنْزِيلِ الأسْلافِ مَنزِلَةَ الأخْلافِ؛ كَما أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلتَّوَلِّي؛ بِتَنْزِيلِ الأخْلافِ مَنزِلَةَ الأسْلافِ؛ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ؛ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ المُضِيِّ؛ عَلى مُقْتَضى المِيثاقِ؛ ورَفَضْتُمُوهُ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾؛ وهُمْ: مِنَ الأسْلافِ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ عَلى وجْهِها؛ قَبْلَ النَّسْخِ؛ ومِنَ الأخْلافِ مَن أسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ؛ أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ عَنِ الطّاعَةِ؛ ومُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ. وأصْلُ …

Al-Baqara 2:83Listen in Qur'an →
84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed each other's blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ خُوطِبَ بِهِ اليَهُودُ قاطِبَةً؛ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّغْلِيبِ؛ ونُعِيَ عَلَيْهِمْ إخْلالُهم بِمَواجِبِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنهم في حُقُوقِ العِبادِ؛ عَلى طَرِيقَةِ النَّهْيِ؛ إثْرَ بَيانِ ما فَعَلُوا بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنهم في حُقُوقِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وما يُجْرى مُجْراها؛ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ (تَعالى) هو الأمْرُ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا مِيثاقَكم

فِي التَّوْراةِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾؛ كَما قَبْلَهُ؛ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ غُيِّرَ السَّبْكُ إلَيْهِ لِما ذُكِرَ مِن نُكْتَةِ المُبالَغَةِ؛ والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَعَرُّضِ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ لِبَعْضٍ بِالقَتْلِ؛ والإجْلاءِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِسَفْكِ دِماءِ أنْفُسِهِمْ؛ وإخْراجِها مِن دِيارِهِمْ؛ بِناءً عَلى جَرَيانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُجْرى أنْفُسِهِمْ؛ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّصالِ القَوِيِّ؛ نَسَبًا ودِينًا؛ لِلْمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى مُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ؛ بِتَصْوِيرِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِصُورَةٍ تَكْرَهُها كُلُّ نَفْسٍ؛ وتَنْفِرُ عَنْها كُلُّ طَبِيعَةٍ؛ فَضَمِيرُ "أنْفُسَكُمْ"؛ لِلْمُخاطِبِينَ حَتْمًا؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ تَنْزِيلُ المُخْرِجِينَ مَنزِلَتَهُمْ؛ كَما أنَّ ضَمِيرَ "دِيارِكُمْ"؛ لِلْمُخْرَجِينَ قَطْعًا؛ إذِ المَحْذُورُ إنَّما هو إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لا مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾؛ وإنَّما الخِطابُ هَهُنا بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِ دِيارِهِمْ مَنزِلَةَ دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَتَهُمْ؛ لِتَأْكِيدِ المُبالَغَةِ؛ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ؛ وأمّا ضَمِيرُ "دِماءَكُمْ"؛ فَمُحْتَمِلٌ لِوَجْهَيْنِ؛ مُفادُ الأوَّلِ كَوْنُ المَسْفُوكِ دِماءً ادِّعائِيَّةً لِلْمُخاطَبِينَ حَقِيقَةً؛ ومُفادُ الثّانِي كَوْنُهُ دِماءً حَقِيقِيَّةً لِلْمُخاطَبِينَ ادِّعاءً؛ وهُما مُتَقارِبانِ في إفادَةِ المُبالَغَةِ؛ فَتَدَبَّرْ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا تُباشِرُوا ما يُؤَدِّي إلى قَتْلِ أنْفُسِكم قِصاصًا؛ أوْ ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكُمْ؛ وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ؛ أوْ: لا تَفْعَلُوا ما يُرْدِيكُمْ؛ ويَصْرِفُكم عَنِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ؛ ولا تَقْتَرِفُوا ما تُحَرَّمُونَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ؛ الَّتِي هي دارُكُمْ؛ فَإنَّهُ الجَلاءُ الحَقِيقِيُّ؛ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ بَلْ هو نَصٌّ فِيما قُلْناهُ؛ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾: أيْ: بِالمِيثاقِ؛ وبِوُجُوبِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: تَوْكِيدٌ لِلْإقْرارِ؛ كَقَوْلِكَ: "أقَرَّ فُلانٌ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ"؛ وأنْتُمْ أيُّها الحاضِرُونَ تَشْهَدُونَ اليَوْمَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.

Al-Baqara 2:84Listen in Qur'an →
85

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allah is not unaware of what you do.

﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾:خِطابٌ خاصٌّ في الحاضِرِينَ؛ فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ؛ واسْتِبْعادٌ قَوِيٌّ لِما ارْتَكَبُوهُ؛ بَعْدَ ما كانَ مِنَ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِ؛ فَـ "أنْتُمْ": مُبْتَدَأٌ؛ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ؛ ومَناطُ الإفادَةِ اخْتِلافُ الصِّفاتِ المُنْزَلُ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ والمَعْنى: أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشاهِدُونَ؛ النّاقِضُونَ؛ المُتَناقِضُونَ؛ حَسْبَما تُعْرِبُ عَنْهُ الجُمَلُ الآتِيَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ .. إلَخْ.. بَيانٌ لَهُ؛ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِهِمُ المُنْكَرَةِ؛ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الإشارَةِ ضِمْنًا؛ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَحْنُ؟ فَقِيلَ: تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ؛ أيْ: الجارِينَ مُجْرى أنْفُسِكُمْ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "تُقَتِّلُونَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ؛ ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾: الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُخاطَبِينَ؛ والمُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مِن أنْفُسِكُمْ؛ وإمّا لِلْمَقْتُولِينَ؛ والخِطابُ بِاعْتِبارِ أنَّهم جُعِلُوا أنْفُسَ المُخاطَبِينَ؛ وإلّا فَلا يَتَحَقَّقُ التَّكافُؤُ بَيْنَ المَقْتُولِينَ؛ والمُخْرَجِينَ؛ في ذَلِكَ العُنْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ المُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ المِيثاقِ؛ حَسْبَما نُصَّ عَلَيْهِ؛ ولا يَظْهَرُ كَمالُ قَباحَةِ جِناياتِهِمْ في نَقْضِهِ؛ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ؛ وإيثارُ الغَيْبَةِ مَعَ جَوازِ الخِطابِ أيْضًا؛ بِناءً عَلى اعْتِبارِ العُنْوانِ المَذْكُورِ؛ كَما مَرَّ في المِيثاقِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المُرادِ إخْراجَهم مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ هي دِيارُهُمْ؛ لا مِن حَيْثُ هي دِيارُ المُخْرَجِينَ؛ وقِيلَ: "هَؤُلاءِ": مَوْصُولٌ؛ والجُمْلَتانِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ لِـ "أنْتُمْ"؛ ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾: بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ وقُرِئَ بِإثْباتِهِما؛ وبِالإدْغامِ؛ و"تَظَّهَّرُونَ"؛ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ مِن "تَتَظَهَّرُونَ"؛ ومَعْنى الكُلِّ: تَتَعاوَنُونَ؛ وهي حالٌ مِن فاعِلِ "تُخْرِجُونَ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما جَمِيعًا؛ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الإخْراجِ؛ دافِعَةٌ لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الحُرْمَةِ بِالإخْراجِ؛ بِطَرِيقِ الأصالَةِ؛ والِاسْتِقْلالِ؛ دُونَ المُظاهَرَةِ؛ والمُعاوَنَةِ؛ ﴿بِالإثْمِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَظاهَرُونَ"؛ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ؛ وهو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الذَّمَّ؛ واللَّوْمَ؛ وقِيلَ: هو ما يَنْفِرُ عَنْهُ النَّفْسُ؛ ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ؛ ﴿والعُدْوانِ﴾؛ وهو التَّجاوُزُ في الظُّلْمِ؛ ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾: جَمْعُ "أسِيرٌ"؛ وهو مَن يُؤْخَذُ قَهْرًا؛ "فَعِيلٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ مِن "الأسْرُ"؛ أيْ: الشَّدُّ؛ أوْ جَمْعُ "أسْرى"؛ وهو جَمْعُ "أسِيرٌ"؛ كَـ "جَرْحى"؛ و"جَرِيحٌ"؛ وقَدْ قُرِئَ: "أسْرى"؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ؛ ﴿تُفادُوهُمْ﴾: أيْ: تُخْرِجُوهم مِنَ الأسْرِ؛ بِإعْطاءِ الفِداءِ؛ وقُرِئَ: "تَفْدُوهُمْ"؛ قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ المِيثاقَ؛ ألّا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ ولا يُخْرِجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ؛ وأيُّما عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وجَدْتُمُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاشْتَرُوهُ؛ وأعْتِقُوهُ؛ وكانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفاءَ الأوْسِ؛ والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ؛ حِينَ كانَ بَيْنَهُما ما كانَ مِنَ العَداوَةِ؛ والشَّنَآنِ؛ فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ؛ فَإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهُمْ؛ وأخْرَجُوهم مِنها؛ …

Al-Baqara 2:85Listen in Qur'an →
86

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

﴿أُولَئِكَ﴾؛ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾؛ أيْ: آثَرُوا؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ واسْتَبْدَلُوها؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ وأعْرَضُوا عَنْها؛ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن تَحْصِيلِها؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ أحْكامِ الكِتابِ إنَّما كانَ لِمُراعاةِ جانِبِ حُلَفائِهِمْ؛ لِما يَعُودُ إلَيْهِمْ مِنهم مِن بَعْضِ المَنافِعِ الدَّنِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾؛ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا؛ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾؛ بِدَفْعِهِ عَنْهُمْ؛ شَفاعَةً أوْ جَبْرًا؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ أوْ "يُنْصَرُونَ" مُفَسِّرٌ لِمَحْذُوفٍ قَبْلَ الضَّمِيرِ؛ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى مِثْلِها.

Al-Baqara 2:86Listen in Qur'an →
87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

And We did certainly give Moses the Torah and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ: التَّوْراةُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَمْلِها؛ فَلَمْ يُطِقْ بِذَلِكَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا؛ فَلَمْ يُطِيقُوا بِحَمْلِها؛ فَخَفَّفَها اللَّهُ (تَعالى) لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَحَمَلَها.

﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: يُقالُ: "قَفّاهُ بِهِ"؛ إذا

أتْبَعَهُ إيّاهُ؛ أيْ: أرْسَلْناهم عَلى أثَرِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾؛ وهُمْ: يُوشَعُ؛ وأشْمَوِيلُ؛ وشَمْعُونُ؛ وداوُدُ؛ وسُلَيْمانُ؛ وشَعْيا؛ وأرْمَيا؛ وعُزَيْرٌ؛ وحَزْقِيلُ؛ وإلْياسُ؛ واليَسَعُ؛ ويُونُسُ؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى؛ وغَيْرُهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾؛ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ؛ والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ؛ أوِ الإنْجِيلَ؛ و"عِيسى" بِالسِّرْيانِيَّةِ: "إيشُوعُ"؛ ومَعْناهُ: المُبارَكُ؛ و"مَرْيَمُ": بِمَعْنى "الخادِمُ"؛ وهو بِالعِبْرِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ؛ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ∗∗∗ ضِلِّيلِ أهْواءِ الصِّبا تَنَدُّمُهْ

وَوَزْنُهُ "مَفْعَلُ"؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ "فَعْيَلُ"؛ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾؛ أيْ: قَوَّيْناهُ؛ وقُرِئَ: "وَآيَدْناهُ"؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ بِضَمِّ الدّالِّ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ أيْ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ؛ وهي رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَقَوْلِكَ: "حاتِمُ الجُودِ"؛ و"رَجُلُ صِدْقٍ"؛ وإنَّما وُصِفَتْ بِالقُدْسِ لِكَرامَتِهِ؛ أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ؛ ولا أرْحامُ الطَّوامِثِ؛ وقِيلَ: بِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: بِالإنْجِيلِ؛ كَما قِيلَ في القرآن: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾؛ وقِيلَ: بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى بِذِكْرِهِ. وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالذِّكْرِ؛ ووَصْفُهُ بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ؛ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ؛ لِما أنَّ بِعْثَتَهم كانَتْ لِتَنْفِيذِ أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وتَقْرِيرِها؛ وأمّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ نُسِخَ بِشَرْعِهِ كَثِيرٌ مِن أحْكامِها؛ ولِحَسْمِ مادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلَ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ؛ وإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾؛ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾؛ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ أيْ: لا تُحِبُّهُ؛ مِن "هَوِيَ"؛ كَـ "فَرِحَ"؛ إذا أحَبَّ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الرَّدِّ والقَبُولِ عِنْدَهم هو المُخالَفَةُ لِأهْواءِ أنْفُسِهِمْ؛ والمُوافَقَةُ لَها؛ لا شَيْءَ آخَرَ؛ وتَوْسِيطُ الهَمْزَةِ بَيْنَ الفاءِ؛ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ؛ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذَلِكَ بِهَذا؛ ولِلتَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ؛ ويَجُوزُ كَوْنُ الفاءِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُناسِبُ المَقامَ؛ أيْ: ألَمْ تُطِيعُوهُمْ؛ فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ مِنهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ؛ ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنْ الِاتِّباعِ لَهُ؛ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؟ …

Al-Baqara 2:87Listen in Qur'an →
88

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

And they said, "Our hearts are wrapped." But, [in fact], Allah has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

﴿وَقالُوا﴾: بَيانٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إشْعارًا بِإبْعادِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ؛ لِما فُصِّلَ مِن مَخازِيهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وحِكايَةِ نَظائِرِها لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ بُطْلانَها وقَباحَتَها مِن أهْلِ الحَقِّ؛ والقائِلُونَ هُمُ المَوْجُودُونَ في عَصْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ -؛ ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: جَمْعُ "أغْلَفُ"؛ مُسْتَعارٌ مِن "الأغْلَفُ"؛ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ؛ أيْ: مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ؛ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ ولا تَفْقَهُهُ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾؛ وقِيلَ: هو تَخْفِيفُ "غُلُفٌ"؛ جَمْعُ "غِلافٌ"؛ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ القِراءَةِ بِضَمَّتَيْنِ؛ يَعْنُونَ: إنَّ قُلُوبَنا أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ؛ فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ

غَيْرِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَطاءٌ؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ: إنَّ قُلُوبَنا لا يَصِلُ إلَيْها حَدِيثٌ إلّا وعَتْهُ؛ ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ خَيْرٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا؛ ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: رَدٌّ لِما قالُوهُ؛ وتَكْذِيبٌ لَهم في ذَلِكَ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: بَلْ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ رَحْمَتِهِ؛ بِأنْ خَذَلَهُمْ؛ وخَلّاهم وشَأْنَهُمْ؛ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ العارِضِ؛ وإبْطالِهِمْ لِاسْتِعْدادِهِمْ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ بِالمَرَّةِ؛ وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الإلْطافُ أصْلًا؛ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ والتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ؛ وعَلى الثّانِي: بَلْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ العِلْمِ الَّذِي هو أجَلُّ آثارِها؟ وعَلى الثّالِثِ: بَلْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ المُؤَدِّيَ إلَيْها؛ ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾: "ما" مَزِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: فَزَمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ وهو ما قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾؛ وكِلاهُما لَيْسَ بِإيمانٍ حَقِيقَةً؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ؛ والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ اللَّعْنِ لِعَدَمِ الإيمانِ.

Al-Baqara 2:88Listen in Qur'an →
89

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And when there came to them a Book from Allah confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allah will be upon the disbelievers.

﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾: هو القرآن؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: كائِنٌ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِما أنَّ المَعِيَّةَ مِن مُوجِباتِ الوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها؛ وقُرِئَ: "مُصَدِّقًا"؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "كِتابٌ"؛ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ؛ ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ؛ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: وقَدْ كانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ؛ ويَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا؛ فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ؛ والنَّضِيرِ؛ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وقِيلَ: مَعْنى يَسْتَفْتِحُونَ: يَفْتَتِحُونَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعَرِّفُونَهم بِأنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهم قَدْ قَرُبَ أوانُهُ؛ والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في "اسْتَعْجَبَ"؛ أيْ: يَسْألُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الفَتْحَ عَلَيْهِمْ؛ أوْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِكَمال مُكابَرَتِهِمْ؛ وعِنادِهِمْ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ؛ لِطُولِ العَهْدِ بِتَوَسُّطِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما عَرَفُوا﴾: عِبارَةٌ عَمّا سَلَفَ مِنَ الكِتابِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن أُنْزِلَ هو عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ لَهُ؛ والِاسْتِفْتاحُ بِهِ اسْتِفْتاحٌ بِهِ؛ وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالإضْمارِ؛ لِبَيانِ كَمالِ مُكابَرَتِهِمْ؛ فَإنَّ مَعْرِفَةَ ما جاءَهم مِن مَبادِي الإيمانِ بِهِ ودَواعِيهِ لا مَحالَةَ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْقِيبِ مَجِيئِهِ لِلِاسْتِفْتاحِ بِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُما مُدَّةٌ مُنْسِيَةٌ لَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾: جَوابٌ لِـ "ما" الأُولى؛ كَما هو رَأْيُ المُبَرِّدِ؛ أوْ جَوابُهُما مَعًا؛ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ؛ وقِيلَ: جَوابُ الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَكانُوا﴾؛ إلَخْ.. جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى الشَّرْطِيَّةِ؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "ما عَرَفُوا": النَّبِيُّ ﷺ؛ كَما هو المُرادُ بِـ "ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ"؛ فالمَعْنى: ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِكِتابِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ وكانُوا مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ يَسْتَفْتِحُونَ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ؛ فَلَمّا جاءَهُمُ النَّبِيُّ الَّذِي عَرَفُوهُ كَفَرُوا بِهِ؛ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾: اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ أيْ: عَلَيْهِمْ؛ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ؛ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَهو مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ .

Al-Baqara 2:89Listen in Qur'an →
90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allah has revealed through [their] outrage that Allah would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: "ما" نَكِرَةٌ؛ بِمَعْنى "شَيْءٌ"؛ مَنصُوبَةٌ؛ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ "بِئْسَ"؛ و"اشْتَرَوْا": صِفَتُهُ؛ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ؛ وقِيلَ: اشْتَرَوْها بِهِ في زَعْمِهِمْ؛ حَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم بِما فَعَلُوا خَلَّصُوها مِنَ العِقابِ؛ ويَأْباهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ ما كانَ حاصِلًا لَهُمْ؛ لا ما كانَ زائِلًا عَنْهُمْ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: أيْ: بِالكِتابِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهُمْ؛ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وتَبْدِيلُ الإنْزالِ بِالمَجِيءِ لِلْإيذانِ بِهِ؛ ﴿بَغْيًا﴾: حَسَدًا؛ وطَلَبًا لِما لَيْسَ لَهُمْ؛ وهو عِلَّةٌ لِـ "أنْ يَكْفُرُوا"؛ حَتْمًا؛ دُونَ "اشْتَرَوْا"؛ لِما قِيلَ مِنَ الفَصْلِ بِما هو أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ؛ وفاعِلِهِ؛ ولِأنَّ البَغْيَ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِعُنْوانِ البَيْعِ قَطْعًا؛ لا سِيَّما وهو مُعَلَّلٌ بِما سَيَأْتِي مِن تَنْزِيلِ اللَّهِ (تَعالى) مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاؤُهُ؛ وإنَّما الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَلاقَةٌ هو كُفْرُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى)؛ والمَعْنى: بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهم كُفْرُهُمُ المُعَلَّلُ بِالبَغْيِ الكائِنِ؛ لِأجْلِ: ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: يَشاؤُهُ؛ ويَصْطَفِيهِ؛ ﴿مِن عِبادِهِ﴾؛ المُسْتَأْهِلِينَ لِتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ؛ ومَآلُهُ تَعْلِيلُ كُفْرِهِمْ بِالمُنْزَلِ؛ بِحَسَدِهِمْ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ التَّفْعِيلِ هَهُنا لِلْإيذانِ بِتَجَدُّدِ بَغْيِهِمْ؛ حَسَبَ تَجَدُّدِ الإنْزالِ؛ وتَكَثُّرِهِ؛ حَسَبَ تَكَثُّرِهِ.

﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾: أيْ رَجَعُوا مُلْتَبِسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ؛ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ حَسَبَ ما اقْتَرَفُوا مِن كُفْرٍ عَلى كُفْرٍ؛ فَإنَّهم كَفَرُوا بِنَبِيِّ الحَقِّ؛ وبَغَوْا عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَعْدَ عِيسى؛ وقِيلَ: بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ؛ ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾: أيْ: لَهُمْ؛ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ؛ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾: يُرادُ بِهِ إهانَتُهُمْ؛ وإذْلالُهُمْ؛ لِما أنَّ كُفْرَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) كانَ مَبْنِيًّا عَلى الحَسَدِ المَبْنِيِّ عَلى طَمَعِ النُّزُولِ عَلَيْهِمْ؛ وادِّعاءِ الفَضْلِ عَلى النّاسِ؛ والِاسْتِهانَةِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

Al-Baqara 2:90Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.