Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ الكَلامُ عَلى هَذا كالكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ.

﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾، لا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ. وتُثِيرُ الأرْضَ: صِفَةٌ لِذَلُولٍ، وهي صِلَةٌ داخِلَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ فَتَذِلَّ، فَهو مِن بابِ:

؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

اللَّفْظُ نَفْيُ الذِّلِّ، والمَقْصُودُ نَفْيُ الإثارَةِ، فَيَنْتَفِي كَوْنُها ذَلُولًا ولا تَسْقِي الحَرْثَ نَفْيَ مُعادِلٍ لِقَوْلِهِ: لا ذَلُولٌ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ، والصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَما أنَّ ”لا تَسْقِي“ مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْضًا. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِالعَمَلِ، لا في حَرْثٍ، ولا في سَقْيٍ، ولِهَذا نُفِيَ عَنْها إثارَةُ الأرْضِ وسَقْيُها. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ بِالحَرْثِ، ولا يُسْنى عَلَيْها فَتُسْقِيَ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾، فِعْلٌ مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيُ الحَرْثِ. ورُدَّ هَذا القَوْلُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي كَوْنُهُ ذَلُولًا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقَرْنِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، ويَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا ذَلُولٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا ذَلُولٌ، صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ، يَعْنِي: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْحَرْثِ وإثارَةِ الأرْضِ، ولا هي مِنَ النَّواضِحِ الَّتِي يُسْنى عَلَيْها بِسَقْيِ الحُرُوثِ. ولا الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِـ ”ذَلُولٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ووافَقَهُ عَلى جَعْلِ لا الثّانِيَةِ مَزِيدَةً صاحِبُ المُنْتَخَبِ، وما ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا ذَلُولٌ صِفَةٌ مَنفِيَّةٌ بِلا، وإذا كانَ الوَصْفُ قَدْ نُفِيَ بِلا، لَزِمَ تَكْرارُ لا النّافِيَةِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا شُجاعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، ولا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِ تَكْرارٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنها النَّفْيُ، إلّا إنْ ورَدَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وإذا آلَ تَقْدِيرُهُما إلى لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً، كانَ غَيْرَ جائِزٍ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُوبِ تَكْرارِ لا النّافِيَةِ، وعَلى ما قَدَّراهُ كانَ نَظِيرَ: جاءَنِي رَجُلٌ لا كِرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. انْتَهى كَلامُهُ.

والجُمْلَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، …

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ الكَلامُ عَلى هَذا كالكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ.

﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾، لا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ. وتُثِيرُ الأرْضَ: صِفَةٌ لِذَلُولٍ، وهي صِلَةٌ داخِلَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ فَتَذِلَّ، فَهو مِن بابِ:

؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

اللَّفْظُ نَفْيُ الذِّلِّ، والمَقْصُودُ نَفْيُ الإثارَةِ، فَيَنْتَفِي كَوْنُها ذَلُولًا ولا تَسْقِي الحَرْثَ نَفْيَ مُعادِلٍ لِقَوْلِهِ: لا ذَلُولٌ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ، والصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَما أنَّ ”لا تَسْقِي“ مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْضًا. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِالعَمَلِ، لا في حَرْثٍ، ولا في سَقْيٍ، ولِهَذا نُفِيَ عَنْها إثارَةُ الأرْضِ وسَقْيُها. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ بِالحَرْثِ، ولا يُسْنى عَلَيْها فَتُسْقِيَ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾، فِعْلٌ مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيُ الحَرْثِ. ورُدَّ هَذا القَوْلُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي كَوْنُهُ ذَلُولًا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقَرْنِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، ويَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا ذَلُولٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا ذَلُولٌ، صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ، يَعْنِي: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْحَرْثِ وإثارَةِ الأرْضِ، ولا هي مِنَ النَّواضِحِ الَّتِي يُسْنى عَلَيْها بِسَقْيِ الحُرُوثِ. ولا الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِـ ”ذَلُولٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ووافَقَهُ عَلى جَعْلِ لا الثّانِيَةِ مَزِيدَةً صاحِبُ المُنْتَخَبِ، وما ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا ذَلُولٌ صِفَةٌ مَنفِيَّةٌ بِلا، وإذا كانَ الوَصْفُ قَدْ نُفِيَ بِلا، لَزِمَ تَكْرارُ لا النّافِيَةِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا شُجاعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، ولا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِ تَكْرارٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنها النَّفْيُ، إلّا إنْ ورَدَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وإذا آلَ تَقْدِيرُهُما إلى لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً، كانَ غَيْرَ جائِزٍ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُوبِ تَكْرارِ لا النّافِيَةِ، وعَلى ما قَدَّراهُ كانَ نَظِيرَ: جاءَنِي رَجُلٌ لا كِرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. انْتَهى كَلامُهُ.

والجُمْلَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، …

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾: جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّدارُؤَ لا يُجْدِي شَيْئًا، إذِ اللَّهُ تَعالى مُظْهِرٌ ما كُتِمَ مِن أمْرِ القَتِيلِ. والهاءُ في ”اضْرِبُوهُ“ عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، عَلى تَذْكِيرِ النَّفْسِ، إذْ فِيها التَّأْنِيثُ، وهو الأشْهَرُ، والتَّذْكِيرُ، أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وإذْ قَتَلْتُمْ ذا نَفْسٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، فَرُوعِيَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢]، ورُوعِيَ المَحْذُوفُ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾، أوْ عائِدٌ عَلى القَتِيلِ، أيْ، فَقُلْنا: اضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِها. الظّاهِرُ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ بِلِسانِها، أوْ بِفَخِذِها اليُمْنى، أوْ بِذَنَبِها، أوْ بِالغُضْرُوفِ، أوْ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ، وهو أصْلُ الأُذُنِ، أوْ بِالبِضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، أوْ بِالعَجْبِ، وهو أصْلُ الذَّنَبِ، أوْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، أوْ بِعَظْمٍ مِن عِظامِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والباءُ في بِبَعْضِها لِلْآلَةِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ بِالقَدُومِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، أيْ بِبَعْضِ البَقَرَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، دَلَّ عَلى ضَرَبُوهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، ودَلَّ عَلى فَحَيِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ . ونُقِلَ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عَلى جِيدِ القَتِيلِ، وذَلِكَ قَبْلَ دَفْنِهِ، ومَن قالَ: إنَّهم مَكَثُوا في طَلَبِها أرْبَعِينَ سَنَةً، أوْ مَن يَقُولُ: إنَّهم أُمِرُوا بِطَلَبِها، ولَمْ تَكُنْ في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ، فَلا يَكُونُ الضَّرْبُ إلّا بَعْدَ دَفْنِهِ. قِيلَ: عَلى قَبْرِهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ المُباشَرُ بِالضَّرْبِ لا القَبْرَ. ورُوِيَ أنَّهُ قامَ وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ فَقالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي، فَقالَ بَنُو أخِيهِ واللَّهِ ما قَتَلْناهُ، فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ، ثُمَّ ماتَ مَكانَهُ. وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهُ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ، لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا وقُتِلا، ولَمْ يُوَرِّثُوا قاتِلًا بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَ الضَّرْبُ بِمَيِّتٍ لا حَياةَ فِيهِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلى ذِي شُبْهَةٍ أنَّ الحَياةَ إنَّما انْقَلَبَتْ إلَيْهِ مِمّا ضُرِبَ بِهِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ وتَتَأكَّدَ الحُجَّةُ.

﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾: إنَّ كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينِ حَضَرُوا إحْياءَ القَتِيلِ، كانَ ثَمَّ إضْمارُ قَوْلٍ، أيْ وقُلْنا لَهم: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدَّرَهُ الماوَرْدِيُّ خِطابًا مِن مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ كانَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ. والمَعْنى: كَما أُحْيِيَ قَتِيلُ بَنِي إسْرائِيلَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، لِانْتِظامِ الآيِ في نَسَقٍ واحِدٍ، ولِئَلّا يَخْتَلِفَ خِطابُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، …

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾: جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] . والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مُشْعِرَةٌ بِأنَّ التَّدارُؤَ لا يُجْدِي شَيْئًا، إذِ اللَّهُ تَعالى مُظْهِرٌ ما كُتِمَ مِن أمْرِ القَتِيلِ. والهاءُ في ”اضْرِبُوهُ“ عائِدٌ عَلى النَّفْسِ، عَلى تَذْكِيرِ النَّفْسِ، إذْ فِيها التَّأْنِيثُ، وهو الأشْهَرُ، والتَّذْكِيرُ، أوْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وإذْ قَتَلْتُمْ ذا نَفْسٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، فَرُوعِيَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢]، ورُوعِيَ المَحْذُوفُ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾، أوْ عائِدٌ عَلى القَتِيلِ، أيْ، فَقُلْنا: اضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِها. الظّاهِرُ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ بِلِسانِها، أوْ بِفَخِذِها اليُمْنى، أوْ بِذَنَبِها، أوْ بِالغُضْرُوفِ، أوْ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ، وهو أصْلُ الأُذُنِ، أوْ بِالبِضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، أوْ بِالعَجْبِ، وهو أصْلُ الذَّنَبِ، أوْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ مَعًا، أوْ بِعَظْمٍ مِن عِظامِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والباءُ في بِبَعْضِها لِلْآلَةِ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ بِالقَدُومِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ، أيْ بِبَعْضِ البَقَرَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، دَلَّ عَلى ضَرَبُوهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، ودَلَّ عَلى فَحَيِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ . ونُقِلَ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عَلى جِيدِ القَتِيلِ، وذَلِكَ قَبْلَ دَفْنِهِ، ومَن قالَ: إنَّهم مَكَثُوا في طَلَبِها أرْبَعِينَ سَنَةً، أوْ مَن يَقُولُ: إنَّهم أُمِرُوا بِطَلَبِها، ولَمْ تَكُنْ في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ، فَلا يَكُونُ الضَّرْبُ إلّا بَعْدَ دَفْنِهِ. قِيلَ: عَلى قَبْرِهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ المُباشَرُ بِالضَّرْبِ لا القَبْرَ. ورُوِيَ أنَّهُ قامَ وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ فَقالَ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي، فَقالَ بَنُو أخِيهِ واللَّهِ ما قَتَلْناهُ، فَكَذَّبُوا بِالحَقِّ بَعْدَ مُعايَنَتِهِ، ثُمَّ ماتَ مَكانَهُ. وفي بَعْضِ القَصَصِ أنَّهُ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ، لِابْنَيْ عَمِّهِ، ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا، فَأُخِذا وقُتِلا، ولَمْ يُوَرِّثُوا قاتِلًا بَعْدَ ذَلِكَ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كانَ الضَّرْبُ بِمَيِّتٍ لا حَياةَ فِيهِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ عَلى ذِي شُبْهَةٍ أنَّ الحَياةَ إنَّما انْقَلَبَتْ إلَيْهِ مِمّا ضُرِبَ بِهِ لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ وتَتَأكَّدَ الحُجَّةُ.

﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾: إنَّ كانَ هَذا خِطابًا لِلَّذِينِ حَضَرُوا إحْياءَ القَتِيلِ، كانَ ثَمَّ إضْمارُ قَوْلٍ، أيْ وقُلْنا لَهم: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدَّرَهُ الماوَرْدِيُّ خِطابًا مِن مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ كانَ لِمُنْكِرِي البَعْثِ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ. والمَعْنى: كَما أُحْيِيَ قَتِيلُ بَنِي إسْرائِيلَ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، لِانْتِظامِ الآيِ في نَسَقٍ واحِدٍ، ولِئَلّا يَخْتَلِفَ خِطابُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، …

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]

الطَّمَعُ: تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإدْراكِ مَطْلُوبٍ، تَعَلُّقًا قَوِيًّا، وهو أشَدُّ مِنَ الرَّجاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ قُوَّةِ رَغْبَةٍ وشِدَّةِ إرادَةٍ، وإذا اشْتَدَّ صارَ طَمَعًا، وإذا ضَعُفَ كانَ رَغْبَةً ورَجاءً. يُقالُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً مُخَفَّفًا، كَطَواعِيَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎طَماعِيَةٌ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرُهْ

واسْمُ الفاعِلِ: طَمِعٌ وطامِعٌ، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ، ويُقالُ: طامَعَهُ مُطامَعَةً، ويُقالُ: طَمُعَ بِضَمِّ المِيمِ، كَثُرَ طَمَعُهُ، وضِدُّ الطَّمَعِ: اليَأْسُ، قالَ كُثَيِّرٌ:

؎لا خَيْرَ في الحُبِّ وقْفًا لا يُحَرِّكُهُ ∗∗∗ عَوارِضُ اليَأْسِ أوْ يَرْتاجُهُ الطَّمَعُ

ويُقالُ: امْرَأةٌ مِطْماعٌ، أيْ تَطْمَعُ ولا تُمَكَّنُ، وقَدْ تَوَسَّعَ في الطَّمَعِ فَسُمِّيَ بِهِ رِزْقُ الجُنْدِ، يُقالُ: أمَرَ لَهُمُ الأمِيرُ بِأطْماعِهِمْ، أيْ أرْزاقِهِمْ، وهو مِن وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ المَفْعُولِ. الكَلامُ: هو القَوْلُ الدّالُّ عَلى نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ لِذاتِها، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الكَلِمَةِ، ويُعَبَّرُ بِهِ أيْضًا عَنِ الخَطِّ والإشارَةِ، وما يُفْهَمُ مِن حالِ الشَّيْءِ. وهَلْ يُطْلَقُ عَلى المَعانِي القائِمَةِ بِالذِّهْنِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالكَلامِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ، وتَقالِيبُهُ السِّتُّ مَوْضُوعَةٌ، وتَرْجِعُ إلى مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وهي: كَلَمَ، كَمَلَ، لَكَمَ، لَمَكَ، مَلَكَ، مَكَلَ. التَّحْرِيفُ: إمالَةُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، والحَرْفُ: الحَدُّ المائِلُ. التَّحْدِيثُ: الإخْبارُ عَنْ حادِثٍ، ويُقالُ مِنهُ يَحْدُثُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُدُوثِ، وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى آخَرَ بِعَنْ، وإلى ثالِثٍ بِالباءِ، فَيُقالُ: حَدَّثْتُ زَيْدًا عَنْ بَكْرٍ بِكَذا، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلَّمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ، فَيَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، وهي مِن إلْحاقِ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ بِأعْلَمَ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مِمّا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ غَيْرِ أعْلَمَ، وأرى ونَبَّأ، وأمّا حَدَّثَ فَقَدْ أنْشَدُوا بَيْتَ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

؎أوْ مَنَعْتُمْ ما تُسْألُونَ فَمَن ∗∗∗ حَدَّثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنا العَلاءُ

وجَعَلُوا حَدَّثَ فِيهِ مُتَعَدِّيَةً إلى ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حَدَّثْتُمُوا عَنْهُ. والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ. كَما خَرَّجَ …

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]

الطَّمَعُ: تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإدْراكِ مَطْلُوبٍ، تَعَلُّقًا قَوِيًّا، وهو أشَدُّ مِنَ الرَّجاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ قُوَّةِ رَغْبَةٍ وشِدَّةِ إرادَةٍ، وإذا اشْتَدَّ صارَ طَمَعًا، وإذا ضَعُفَ كانَ رَغْبَةً ورَجاءً. يُقالُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً مُخَفَّفًا، كَطَواعِيَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎طَماعِيَةٌ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرُهْ

واسْمُ الفاعِلِ: طَمِعٌ وطامِعٌ، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ، ويُقالُ: طامَعَهُ مُطامَعَةً، ويُقالُ: طَمُعَ بِضَمِّ المِيمِ، كَثُرَ طَمَعُهُ، وضِدُّ الطَّمَعِ: اليَأْسُ، قالَ كُثَيِّرٌ:

؎لا خَيْرَ في الحُبِّ وقْفًا لا يُحَرِّكُهُ ∗∗∗ عَوارِضُ اليَأْسِ أوْ يَرْتاجُهُ الطَّمَعُ

ويُقالُ: امْرَأةٌ مِطْماعٌ، أيْ تَطْمَعُ ولا تُمَكَّنُ، وقَدْ تَوَسَّعَ في الطَّمَعِ فَسُمِّيَ بِهِ رِزْقُ الجُنْدِ، يُقالُ: أمَرَ لَهُمُ الأمِيرُ بِأطْماعِهِمْ، أيْ أرْزاقِهِمْ، وهو مِن وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ المَفْعُولِ. الكَلامُ: هو القَوْلُ الدّالُّ عَلى نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ لِذاتِها، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الكَلِمَةِ، ويُعَبَّرُ بِهِ أيْضًا عَنِ الخَطِّ والإشارَةِ، وما يُفْهَمُ مِن حالِ الشَّيْءِ. وهَلْ يُطْلَقُ عَلى المَعانِي القائِمَةِ بِالذِّهْنِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالكَلامِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ، وتَقالِيبُهُ السِّتُّ مَوْضُوعَةٌ، وتَرْجِعُ إلى مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وهي: كَلَمَ، كَمَلَ، لَكَمَ، لَمَكَ، مَلَكَ، مَكَلَ. التَّحْرِيفُ: إمالَةُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، والحَرْفُ: الحَدُّ المائِلُ. التَّحْدِيثُ: الإخْبارُ عَنْ حادِثٍ، ويُقالُ مِنهُ يَحْدُثُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُدُوثِ، وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى آخَرَ بِعَنْ، وإلى ثالِثٍ بِالباءِ، فَيُقالُ: حَدَّثْتُ زَيْدًا عَنْ بَكْرٍ بِكَذا، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلَّمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ، فَيَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، وهي مِن إلْحاقِ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ بِأعْلَمَ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مِمّا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ غَيْرِ أعْلَمَ، وأرى ونَبَّأ، وأمّا حَدَّثَ فَقَدْ أنْشَدُوا بَيْتَ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

؎أوْ مَنَعْتُمْ ما تُسْألُونَ فَمَن ∗∗∗ حَدَّثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنا العَلاءُ

وجَعَلُوا حَدَّثَ فِيهِ مُتَعَدِّيَةً إلى ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حَدَّثْتُمُوا عَنْهُ. والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ. كَما خَرَّجَ …

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾: هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لَهم، أيْ إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم أنْ يُنافِقُوا ويَتَظاهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم خِلافَهُ، فَلا يُجامِعُ حالَةَ نِفاقِهِمْ بِحالَةِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِذَلِكَ، والأوْلى حَمْلُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ عَلى العُمُومِ، إذْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِيلَ: الَّذِي أسَرُّوهُ الكُفْرُ، والَّذِي أعْلَنُوهُ الإيمانُ. وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ. وقِيلَ: قَوْلُهم لِشَياطِينِهِمْ إنّا مَعَكم، وقَوْلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا. وقِيلَ: صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وتَغْيِيرُ صِفَتِهِ إلى صِفَةٍ أُخْرى، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أوَلا تَعْلَمُونَ بِالتّاءِ، قالُوا: فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى جَهْلِهِمْ بِعالِمِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهم، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى سَماعِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ، إهْمالًا لَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، ويَكُونُ حِكْمَتُهُ في الحالَتَيْنِ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّ الفاءَ والواوَ فِيهِما لِلْعَطْفِ، وأنَّ أصْلَهُما أنْ يَكُونا أوَّلَ الكَلامِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ. وذَكَرْنا طَرِيقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المُفْرَدِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَعَرَفَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، كَظَنَنْتُ، وهَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وأمّا الأخْفَشُ، فَإنَّها تَسُدُّ عِنْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَجْعَلُ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ هَذا الخِلافِ، والعائِدُ عَلى ”ما“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُسِرُّونَهُ ويُعْلِنُونَهُ. وظاهِرُ هَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهم أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ والعَلانِيَةَ، أيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلا يُناسِبُهُمُ النِّفاقُ والتَّكْذِيبُ بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وقِيلَ: ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لَهم وحَثٌّ عَلى التَّفَكُّرِ، فَيَعْلَمُونَ بِالتَّفَكُّرِ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْراةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِها، أقْبَحُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ وما أشْبَهَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُغْضِي عَنِ المُنافِقِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَأغْضى عَنْهم، حَتّى قَبِلَ اللَّهُ مِنهم مَن قَبِلَ، وأهْلَكَ مَن أهْلَكَ. واخْتُلِفَ، هَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، أوْ نُسِخَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﷺ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ. وقَدْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأغْنى عَنْهم، فَلا حاجَةَ إلى التَّأْلِيفِ. وقالَ قَوْمٌ: هو باقٍ إلى الآنَ؛ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الإيمانِ، فَيَحْتاجُونَ إلى زِيادَةِ الأنْصارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ. …

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾: هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لَهم، أيْ إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم أنْ يُنافِقُوا ويَتَظاهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم خِلافَهُ، فَلا يُجامِعُ حالَةَ نِفاقِهِمْ بِحالَةِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِذَلِكَ، والأوْلى حَمْلُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ عَلى العُمُومِ، إذْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِيلَ: الَّذِي أسَرُّوهُ الكُفْرُ، والَّذِي أعْلَنُوهُ الإيمانُ. وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ. وقِيلَ: قَوْلُهم لِشَياطِينِهِمْ إنّا مَعَكم، وقَوْلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا. وقِيلَ: صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وتَغْيِيرُ صِفَتِهِ إلى صِفَةٍ أُخْرى، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أوَلا تَعْلَمُونَ بِالتّاءِ، قالُوا: فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى جَهْلِهِمْ بِعالِمِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهم، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى سَماعِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ، إهْمالًا لَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، ويَكُونُ حِكْمَتُهُ في الحالَتَيْنِ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّ الفاءَ والواوَ فِيهِما لِلْعَطْفِ، وأنَّ أصْلَهُما أنْ يَكُونا أوَّلَ الكَلامِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ. وذَكَرْنا طَرِيقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المُفْرَدِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَعَرَفَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، كَظَنَنْتُ، وهَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وأمّا الأخْفَشُ، فَإنَّها تَسُدُّ عِنْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَجْعَلُ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ هَذا الخِلافِ، والعائِدُ عَلى ”ما“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُسِرُّونَهُ ويُعْلِنُونَهُ. وظاهِرُ هَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهم أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ والعَلانِيَةَ، أيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلا يُناسِبُهُمُ النِّفاقُ والتَّكْذِيبُ بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وقِيلَ: ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لَهم وحَثٌّ عَلى التَّفَكُّرِ، فَيَعْلَمُونَ بِالتَّفَكُّرِ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْراةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِها، أقْبَحُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ وما أشْبَهَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُغْضِي عَنِ المُنافِقِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَأغْضى عَنْهم، حَتّى قَبِلَ اللَّهُ مِنهم مَن قَبِلَ، وأهْلَكَ مَن أهْلَكَ. واخْتُلِفَ، هَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، أوْ نُسِخَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﷺ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ. وقَدْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأغْنى عَنْهم، فَلا حاجَةَ إلى التَّأْلِيفِ. وقالَ قَوْمٌ: هو باقٍ إلى الآنَ؛ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الإيمانِ، فَيَحْتاجُونَ إلى زِيادَةِ الأنْصارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ. …

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَدَّلُوا نَعْتَهُ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبْطًا طَوِيلًا، وكانَ في كِتابِهِمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها، فَقالُوا لِأصْحابِهِمْ وأتْباعِهِمُ: انْظُرُوا إلى صِفَةِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا، وكانَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ يَخافُونَ أنْ يَذْهَبَ مَأْكَلَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِها، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوها. وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مُلْكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ كُلُّهم، فَجاءُوا إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَجَعَلُوا لَهم عَلَيْهِمْ وضائِعَ ومَآكِلَ، وكَشَطُوها مِنَ التَّوْراةِ، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُغَيِّرُهُ فارْتَدَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ويْلٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وذُكِرَ عَنْ عُثْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ، وذُكِرَ أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يَهْوِي فِيهِ الهاوِي، وذُكِرَ أنَّ سُفْيانَ وعَطاءَ بْنَ يَسارٍ رَوَيا أنَّهُ وادٍ يَجْرِي بِفِناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ وجَماعَةٌ: أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: هو صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، لَوْ سُجِّرَتْ فِيهِ جِبالُ الدُّنْيا لانْماعَتْ مِن حَرِّهِ، ولَوْ صَحَّ في تَفْسِيرِ الوَيْلِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في نَظْمِها ونَثْرِها بِلَفْظَةِ الوَيْلِ قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ التَّفاسِيرِ، وإنَّما مَدْلُولُهُ ما فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو نَكِرَةٌ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِها، إذِ الدُّعاءُ أحَدُ المُسَوِّغاتِ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، وهي تُقارِبُ ثَلاثِينَ مُسَوِّغًا، وذَكَرْناها في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا.

والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ. والكِتابُ هُنا قِيلَ: كَتَبُوا أشْياءَ اخْتَلَقُوها، وأحْكامًا بَدَّلُوها مِنَ التَّوْراةِ حَتّى اسْتَقَرَّ حُكْمُها بَيْنَهم. وقِيلَ: كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارَ سُفَهاؤُهم، ومَن يَأْتِيهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، إذا سَألُوهم عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: ما هو هَذا المَوْصُوفَ عِنْدَنا في التَّوْراةِ المُبْدَلَةِ المُغَيَّرَةِ، ويَقْرَءُونَها عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ لَهم: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. بِأيْدِيهِمْ: تَأْكِيدٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ المَجازِ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ يَكْتُبُ، ظاهِرُهُ أنَّهُ يُباشِرُ الكِتابَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، ويَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ …

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَدَّلُوا نَعْتَهُ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبْطًا طَوِيلًا، وكانَ في كِتابِهِمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها، فَقالُوا لِأصْحابِهِمْ وأتْباعِهِمُ: انْظُرُوا إلى صِفَةِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا، وكانَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ يَخافُونَ أنْ يَذْهَبَ مَأْكَلَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِها، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوها. وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مُلْكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ كُلُّهم، فَجاءُوا إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَجَعَلُوا لَهم عَلَيْهِمْ وضائِعَ ومَآكِلَ، وكَشَطُوها مِنَ التَّوْراةِ، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُغَيِّرُهُ فارْتَدَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ويْلٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وذُكِرَ عَنْ عُثْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ، وذُكِرَ أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يَهْوِي فِيهِ الهاوِي، وذُكِرَ أنَّ سُفْيانَ وعَطاءَ بْنَ يَسارٍ رَوَيا أنَّهُ وادٍ يَجْرِي بِفِناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ وجَماعَةٌ: أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: هو صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، لَوْ سُجِّرَتْ فِيهِ جِبالُ الدُّنْيا لانْماعَتْ مِن حَرِّهِ، ولَوْ صَحَّ في تَفْسِيرِ الوَيْلِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في نَظْمِها ونَثْرِها بِلَفْظَةِ الوَيْلِ قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ التَّفاسِيرِ، وإنَّما مَدْلُولُهُ ما فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو نَكِرَةٌ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِها، إذِ الدُّعاءُ أحَدُ المُسَوِّغاتِ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، وهي تُقارِبُ ثَلاثِينَ مُسَوِّغًا، وذَكَرْناها في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا.

والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ. والكِتابُ هُنا قِيلَ: كَتَبُوا أشْياءَ اخْتَلَقُوها، وأحْكامًا بَدَّلُوها مِنَ التَّوْراةِ حَتّى اسْتَقَرَّ حُكْمُها بَيْنَهم. وقِيلَ: كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارَ سُفَهاؤُهم، ومَن يَأْتِيهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، إذا سَألُوهم عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: ما هو هَذا المَوْصُوفَ عِنْدَنا في التَّوْراةِ المُبْدَلَةِ المُغَيَّرَةِ، ويَقْرَءُونَها عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ لَهم: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. بِأيْدِيهِمْ: تَأْكِيدٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ المَجازِ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ يَكْتُبُ، ظاهِرُهُ أنَّهُ يُباشِرُ الكِتابَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، ويَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ …

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.