قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ
He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ﴾ الكَلامُ عَلى هَذا كالكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ.
﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾، لا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوابِ. وتُثِيرُ الأرْضَ: صِفَةٌ لِذَلُولٍ، وهي صِلَةٌ داخِلَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ فَتَذِلَّ، فَهو مِن بابِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ
اللَّفْظُ نَفْيُ الذِّلِّ، والمَقْصُودُ نَفْيُ الإثارَةِ، فَيَنْتَفِي كَوْنُها ذَلُولًا ولا تَسْقِي الحَرْثَ نَفْيَ مُعادِلٍ لِقَوْلِهِ: لا ذَلُولٌ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ، والصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَما أنَّ ”لا تَسْقِي“ مَنفِيٌّ مِن حَيْثُ المَعْنى أيْضًا. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِالعَمَلِ، لا في حَرْثٍ، ولا في سَقْيٍ، ولِهَذا نُفِيَ عَنْها إثارَةُ الأرْضِ وسَقْيُها. وقالَ الحَسَنُ: كانَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ بِالحَرْثِ، ولا يُسْنى عَلَيْها فَتُسْقِيَ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾، فِعْلٌ مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيُ الحَرْثِ. ورُدَّ هَذا القَوْلُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي كَوْنُهُ ذَلُولًا.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقَرْنِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، ويَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الغُبارُ، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾؛ لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا ذَلُولٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا ذَلُولٌ، صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى: بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ، يَعْنِي: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْحَرْثِ وإثارَةِ الأرْضِ، ولا هي مِنَ النَّواضِحِ الَّتِي يُسْنى عَلَيْها بِسَقْيِ الحُرُوثِ. ولا الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِـ ”ذَلُولٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً. انْتَهى كَلامُهُ. ووافَقَهُ عَلى جَعْلِ لا الثّانِيَةِ مَزِيدَةً صاحِبُ المُنْتَخَبِ، وما ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: لا ذَلُولٌ صِفَةٌ مَنفِيَّةٌ بِلا، وإذا كانَ الوَصْفُ قَدْ نُفِيَ بِلا، لَزِمَ تَكْرارُ لا النّافِيَةِ لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كِرِيمٍ ولا شُجاعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، ولا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِ تَكْرارٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنها النَّفْيُ، إلّا إنْ ورَدَ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وإذا آلَ تَقْدِيرُهُما إلى لا ذَلُولٌ مُثِيرَةً وساقِيَةً، كانَ غَيْرَ جائِزٍ لِما ذَكَرْناهُ مِن وُجُوبِ تَكْرارِ لا النّافِيَةِ، وعَلى ما قَدَّراهُ كانَ نَظِيرَ: جاءَنِي رَجُلٌ لا كِرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شِعْرٍ، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. انْتَهى كَلامُهُ.
والجُمْلَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها هي قَوْلُهُ: تُثِيرُ الأرْضَ، …