Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 61–70 of 286

61

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allah [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allah and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾: لَمّا سَئِمُوا مِنَ الإقامَةِ في التِّيهِ، والمُواظَبَةِ عَلى مَأْكُولٍ واحِدٍ، لِبُعْدِهِمْ عَنِ الأرْضِ الَّتِي ألِفُوها، وعَنِ العَوائِدِ الَّتِي عَهِدُوها، أخْبَرُوا عَمّا وجَدُوهُ مِن عَدَمِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ وتَشَوُّفِهِمْ إلى ما كانُوا يَأْلَفُونَ، وسَألُوا مُوسى أنْ يَسْألَ اللَّهَ لَهم. وأكْثَرُ أهْلِ الظّاهِرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ مَعْصِيَةً، قالُوا: لِأنَّهم كَرِهُوا إنْزالَ المَنِّ والسَّلْوى، وتِلْكَ الكَراهَةُ مَعْصِيَةٌ، ولِأنَّ مُوسى وصَفَ ما سَألُوهُ بِأنَّهُ أدْنى وما كانُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ خَيْرٌ، وبِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾ هو عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.

والجَوابُ، أنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الرِّضا بِهِ فَقَطْ، بَلِ اشْتَهَوْا أشْياءَ أُخَرَ. وأمّا الإنْكارُ فَلِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِما فِيهِ مِن تَفْوِيتِ الأنْفَعِ في الدُّنْيا، أوِ الأنْفَعِ في الآخِرَةِ. وأمّا الخَيْرِيَّةُ فَسَيَأْتِي الكَلامُ فِيها، وإنَّما كانَ سُؤالًا مُباحًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ، عِنْدَ إنْزالِ المَنِّ وتَفْجِيرِ العَيْنِ لَيْسَ بِإيجابٍ بَلْ هو إباحَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ مَعْصِيَةً لِأنَّ مَن أُبِيحَ لَهُ صُنُوفٌ مِنَ الطَّعامِ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَسْألَ غَيْرَها، إمّا بِنَفْسِهِ أوْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ. ولَمّا كانَ سُؤالُ النَّبِيِّ أقْرَبَ لِلْإباحَةِ، سَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، ولِأنَّ النَّوْعَ الواحِدَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُمَلُّ ويُشْتَهى إذْ ذاكَ غَيْرُهُ، ولِأنَّهم ما تَعَوَّدُوا ذَلِكَ النَّوْعَ. ورَغْبَةُ الإنْسانِ فِيما اعْتادَهُ وإنْ كانَ خَسِيسًا فَوْقَ رَغْبَةِ ما لَمْ يَعْتَدْهُ وإنْ كانَ شَرِيفًا، ولِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِانْتِقالِهِمْ عَنِ التِّيهِ الَّذِي مَلُّوهُ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأطْعِمَةَ لا تُوجَدُ فِيهِ، فَأرادُوا الحُلُولَ بِغَيْرِهِ، ولِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ سَبَبٌ لِنَقْصِ الشَّهْوَةِ وضَعْفِ الهَضْمِ وقِلَّةِ الرَّغْبَةِ، والِاسْتِكْثارُ مِنَ الأنْواعِ بِعَكْسِ ذَلِكَ. فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ تَبْدِيلَ نَوْعٍ بِنَوْعٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْعُقَلاءِ، وثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ هو كالإجابَةِ لِما طَلَبُوا. ولَوْ كانُوا عاصِينَ في ذَلِكَ السُّؤالِ لَكانَتِ الإجابَةُ إلَيْهِ مَعْصِيَةً، وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ووَصَفَ الطَّعامَ بِواحِدٍ، وإنْ كانَ طَعامَيْنِ؛ لِأنَّهُ المَنُّ والسَّلْوى اللَّذانِ رُزِقُوهُما في التِّيهِ؛ لِأنَّهم أرادُوا بِالواحِدِ ما لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَبَدَّلُ، ولَوْ كانَ عَلى مائِدَةِ الرَّجُلِ ألْوانٌ عَدِيدَةٌ يُداوِمُ عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ لا يُبَدِّلُها قِيلَ: لا يَأْكُلُ فُلانٌ إلّا طَعامًا واحِدًا، يُرادُ بِالوَحْدَةِ نَفْيُ التَّبَدُّلِ والِاخْتِلافِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُما ضَرْبٌ واحِدٌ لِأنَّهُما مَعًا مِن طَعامِ أهْلِ التَّلَذُّذِ والسَّرَفِ، ونَحْنُ قَوْمُ فِلاحَةٍ أهْلُ زِراعاتٍ، فَما نُرِيدُ إلّا ما ألِفْناهُ وضَرَيْنا بِهِ مِنَ الأشْياءِ المُتَفاوِتَةِ، كالحُبُوبِ والبُقُولِ ونَحْوِهِما. ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في مَعْنى الواحِدِ …

Al-Baqara 2:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muhammad] - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] .

هادَ: ألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، والمُضارِعُ يَهُودُ، ومَعْناهُ: تابَ، أوْ عَنْ ياءٍ والمُضارِعُ يَهِيدُ: إذا تَحَرَّكَ. والأوْلى الأوَّلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لَفْظِةِ اليَهُودِ حَيْثُ انْتَهَيْنا إلَيْها في القُرْآنِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والنَّصارى: جَمْعُ نَصْرانٍ ونَصْرانَةٍ، مِثْلُ نَدْمانٍ ونَدْمانَةٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ وأنْشَدَ:

وكِلْتاهُما خَرَّتْ وأُسْجِدَ رَأْسُها كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ

وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:

يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ويَضْحى لَدَيْهِ وهو نَصْرانُ شامِسُ

مَنَعَ (نَصْرانًا) الصَّرْفَ ضَرُورَةً، وهو مَصْرُوفٌ؛ لِأنَّ مُؤَنَّثَهُ عَلى نَصْرانَةٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ فِي الكَلامِ إلّا بِياءِ النَّسَبِ، فَيَكُونُ: كَلِحْيانٍ ولِحْيانِيٍّ وكَأحْمَرِيٍّ. وقالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَّصارى نَصْرِيٌّ، كَمَهْرِيٍّ ومَهارى. قِيلَ: وهو مَنسُوبٌ إلى نَصْرَةَ، قَرْيَةٍ نَزَلَ بِها عِيسى. وقالَ قَتادَةُ: نُسِبُوا إلى ناصِرَةَ، وهي قَرْيَةٌ نَزَلُوها. فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ.

والصّابِئِينَ: الصّائِبُونَ، قِيلَ: الخارِجُونَ مِن دِينٍ مَشْهُورٍ إلى غَيْرِهِ، مِن صُبُوءِ السِّنِّ والنَّجْمِ، يُقالُ: صَبَأتِ النُّجُومُ: طَلَعَتْ، وصَبَأتْ ثَنِيَّةُ الغُلامِ: خَرَجَتْ، وصَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى: طَرَأتْ، قالَ:

؎إذا صَبَأتْ هَوادِي الخَيْلِ عَنّا حَسِبْتُ بِنَحْرِها شَرْقَ البَعِيرِ

ومَن قَرَأ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَسَنَتَكَلَّمُ عَلى قِراءَتِهِ. قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: هم بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ. وقالَ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ: هم بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارىِ، يَحْلِقُونَ أوْساطَ رُءُوسِهِمْ ويَجُبُّونَ مَذاكِيرَهم. وقالَ الخَلِيلُ: هم أشْباهُ النَّصارى، قِبْلَتُهم مَهَبُّ الجَنُوبِ، يُقِرُّونَ بِنُوحٍ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: لا عَيْنَ مِنهم ولا أثَرَ. وقالَ المَغْرِبِيُّ، عَنِ الصّابِي صاحِبِ الرَّسائِلِ: هم قَرِيبٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، يَقُولُونَ بِتَدْبِيرِ الكَواكِبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهم، لَيْسُوا بِيَهُودَ ولا نَصارى. قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْمٌ يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِالجَزِيرَةِ والمُوصِلِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ، فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عَنْهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمٌ …

Al-Baqara 2:62Listen in Qur'an →
63

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: سَبَبُ رَفْعِهِ امْتِناعُهم مِن دُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، أوْ مِنَ السُّجُودِ، أوْ مِن أخْذِ التَّوْراةِ والتِزامِها، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، رُوِيَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ فِيها التَّوْراةُ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها، كَما كَلَّمَكَ، فَصَعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها، فَقالُوا: لا. فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فَلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ، وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فاحْتاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، فَقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها، وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النّارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ، وسَجَدُوا عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا. فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللَّهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللَّهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ. وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ ارْتِفاعَ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كانَ مِقْدارَ قامَةِ الرَّجُلِ، ولَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى هَذا السُّجُودِ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ. والواوُ في قَوْلِهِ: (ورَفَعْنا) واوُ العَطْفِ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ مُتَقَدِّمًا، فَلَمّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الكِتابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الطُّورُ. وأمّا عَلى تَفْسِيرِأبِي مُسْلِمٍ: فَإنَّها واوُ الحالِ، أيْ إنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ في حالِ رَفْعِ الطُّورِ فَوْقَهم، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢]، أيْ وقَدْ كانَ في مَعْزِلٍ.

﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾: هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: وقُلْنا لَكم خُذُوا ما آتَيْناكم. وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ قَوْلٍ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ هو قَوْلٌ، والمَعْنى: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ خُذُوا ما آتَيْناكم، و(ما) مَوْصُولٌ، والعائِدُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آتَيْناكُمُوهُ، ويَعْنِي بِهِ الكِتابَ. يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾، وقُرِئَ: ما آتَيْتُكم، وهو شِبْهُ التِفاتٍ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ إلى غَيْرِهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: (بِقُوَّةٍ) بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، أوْ بِعَمَلٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ أوْ بِصِدْقٍ وحَقٍّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ أوْ بِقَبُولٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوْ بِطاعَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ؛ أوْ بِنِيَّةٍ وإخْلاصٍ، أوْ بِكَثْرَةِ دَرْسٍ ودِرايَةٍ؛ أوْ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ ورَغْبَةٍ وعَمَلٍ؛ أوْ بِقُدْرَةٍ. والقُوَّةُ: القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةُ المَعْنى. والباءُ لِلْحالِ أوْ الِاسْتِعانَةِ.

﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ بِهِ أمْرًا مِن ذَكَرَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (واذَّكَّرُوا ما فِيهِ) أمْرًا مِنِ اذَّكَّرَ، وأصْلُهُ: واذْتَكَّرُوا، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ التّاءِ دالٌ، ثُمَّ أُدْغِمَ الذّالُ في الدّالِ، إذْ أكْثَرُ الإدْغامِ يَسْتَحِيلُ فِيهِ الأوَّلُ إلى الثّانِي، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَسْتَحِيلَ الثّانِي إلى الأوَّلِ، ويُدْغَمُ فِيهِ الأوَّلُ فَيُقالُ: اذَّكَّرَ، ويَجُوزُ الإظْهارُ فَتَقُولُ: اذْذَكَّرَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: …

Al-Baqara 2:63Listen in Qur'an →
64

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have been among the losers.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ والعَمَلِ بِما فِيهِ، وأصْلُ التَّوَلِّي: أنْ يَكُونَ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ، اتِّساعًا ومَجازًا. ودُخُولُ (ثُمَّ) مُشْعِرٌ بِالمُهْلَةِ، و(مَن) تُشْعِرُ بِابْتِداءِ الغايَةِ. لَكِنْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ، واللَّهُ أعْلَمُ: فَأخَذْتُمْ ما آتَيْناكم، وذَكَرْتُمْ ما فِيهِ، وعَمِلْتُمْ بِمُقْتَضاهُ. فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ مَجازٍ في مَدْلُولِ (مَن) وأنَّهُ لِسُرْعَةِ التَّوَلِّي مِنهم واجْتِماعِهِمْ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ ما تَخَلَّلَ بَيْنَ ما أُمِرُوا بِهِ وبَيْنَ التَّوَلِّي شَيْءٌ. وقَدْ عُلِمَ أنَّهم بَعْدَما قَبِلُوا التَّوْراةَ، تَوَلَّوْا عَنْها بِأُمُورٍ، فَحَرَّفُوها، وتَرَكُوا العَمَلَ بِها، وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وكَفَرُوا بِاللَّهِ، وعَصَوْا أمْرَهُ، ومِن ذَلِكَ ما اخْتُصَّ بِهِ بَعْضُهم، وما عَمِلَهُ أوائِلُهم، وما عَمِلَهُ أواخِرُهم، ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ، مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ، يُخالِفُونَ مُوسى، ويُظاهِرُونَ بِالمَعاصِي في عَسْكَرِهِمْ، حَتّى خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ، وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهم، وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يَقْرَأُونَ بِها، ثُمَّ فَعَلَ ساحِرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ، حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، والقُرْآنُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أسْلافِهِمْ. فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدُ، ﷺ، وحالُهم في كِتابِهِ ما ذَكَرَ.

والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] إلى قَبُولِ ما أُوتُوهُ، أوْ إلى أخْذِ المِيثاقِ والوَفاءِ بِهِ، ورَفْعِ الجَبَلِ، أوْ خُرُوجِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ، أوِ الإيمانِ. أقْوالٌ.

﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾، الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَّحْمَةُ: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الفَضْلُ: قَبُولُ التَّوْبَةِ، والرَّحْمَةُ: العَفْوُ عَنِ الزَّلَّةِ، أوِ الفَضْلُ: التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ، والرَّحْمَةُ: القَبُولُ. أوِ الفَضْلُ: الرَّحْمَةُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم. أوِ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ: بَعْثَةُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وإدْراكُهم لِمُدَّتِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، إذْ صارَ هَذا عائِدًا عَلى الحاضِرِينَ. والأقْوالُ قَبْلَهُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِهِ مَن سَلَفَ؛ لِأنَّهُ جاءَ في سِياقِ قِصَّتِهِمْ. وفَضْلُ اللَّهِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: مَوْجُودٌ، وما يُشْبِهُهُ مِمّا يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ. وعَلَيْكم: مُتَعَلِّقٌ بِـ (فَضْلُ)، أوْ مَعْمُولٌ لَهُ، فَلا يَكُونُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ مَوْجُودانِ.

(لَكُنْتُمْ): جَوابُ لَوْلا، والأكْثَرُ أنَّهُ إذا كانَ مُثْبَتًا تَدْخُلُهُ اللّامُ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مُثْبَتًا إلّا بِاللّامِ، إلّا فِيما زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤]، جَوابُ لَوْلا قُدِّمَ فَإنَّهُ لا لامَ مَعَهُ. وقَدْ جاءَ في كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ لامٍ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎لَوْلا الحَياءُ ولَوْلا الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ بَعْدَ اللّامِ قَدْ، قالَ …

Al-Baqara 2:64Listen in Qur'an →
65

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ اللّامُ في لَقَدْ: هي لامُ تَوْكِيدٍ، وتُسَمّى: لامُ الِابْتِداءِ في نَحْوِ: لَزَيْدٌ قائِمٌ. ومِن أحْكامِها: أنَّ ما كانَ في حَيِّزِها لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها، إلّا إذا دَخَلَتْ عَلى خَبَرِ إنَّ عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وقَدْ صَنَّفَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ كِتابًا في اللّاماتِ ذَكَرَها فِيهِ وأحْكامَها. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِقِسْمٍ مَحْذُوفٍ، ولَكِنَّهُ جِيءَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ القِصَّةِ يُمْكِنُ أنْ يَبْهَتُوا في إنْكارِها، وذَلِكَ لَمّا نالَ في عُقْبى أُولَئِكَ المُعْتَدِينَ مِن مَسْخِهِمْ قِرَدَةً، فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَوْكِيدٍ، وأنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً. وعَلِمَ هُنا كَعَرَفَ، فَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ، وظاهِرُ هَذا أنَّهم عَلِمُوا أعْيانَ المُعْتَدِينَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: عَلِمْتُمْ أحْكامَ الَّذِينَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: اعْتِداءَ الَّذِينَ، والِاعْتِداءُ كانَ عَلى ما نُقِلَ مِن أنَّ مُوسى أمَرَهُ اللَّهُ بِصَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمَرَهم بِالتَّشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْهُ وتَعَدَّوْهُ إلى يَوْمِ السَّبْتِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: أنْ دَعْهم وما اخْتارُوهُ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ صَيْدَ الحِيتانِ، فَكانَتْ تَأْتِي يَوْمَ السَّبْتِ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَّبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ يَظْهَرُوا لِلسَّبْتِ الآخَرِ. فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَّبْتِ، فَرَبَطَ حُوتًا بِخَزَمَةٍ، وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالسّاحِلِ. فَلَمّا ذَهَبَ السَّبْتُ، جاءَ فَأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ، فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَّبْتِ حَفِيرًا يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ، فَإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ، خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرَةِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ، ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرَةِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَّبْتِ فَأخَذَهُ. فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ. وكَثُرَ ذَلِكَ، حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَّبْتِ عَلانِيَةً وباعُوهُ في الأسْواقِ. فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ. وقَدْ رُوِيَتْ زِياداتٌ في كَيْفِيَّةِ الِاعْتِداءِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. والَّذِي يَصِحُّ في ذَلِكَ هو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وما صَحَّ عَنْ نَبِيِّهِ.

(مِنكم) في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: كائِنِينَ مِنكم، ومِن: لِلتَّبْعِيضِ.

(في السَّبْتِ) مُتَعَلِّقٌ بِاعْتَدَوْا، إمّا عَلى إضْمارِ (يَوْمَ) أوْ حُكْمٌ. والحامِلُ عَلى الِاعْتِداءِ قِيلَ: الشَّيْطانُ وسْوَسَ لَهم وقالَ: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ، ولَمْ تُنْهَوْا عَنْ حَبْسِها، فَأطاعُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم، ولَمْ يُعَجَّلْ لَهُ عُقُوبَةٌ، وتَشَبَّهَ بِهِ أُناسٌ مِنهم، وفَعَلُوا لِفِعْلِهِ، ظَنُّوا أنَّ السَّبْتَ قَدْ أُبِيحَ لَهم، فَتَمالَأ عَلى ذَلِكَ جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَأصابَهم ما أصابَهم. وقِيلَ: أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ مُتَأوِّلِينَ؛ لِأنَّهُ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقالُوا: إنَّما نَهانا اللَّهُ عَنْ أسْبابِ الِاكْتِسابِ الَّتِي تَشْغَلُنا عَنِ …

Al-Baqara 2:65Listen in Qur'an →
66

فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allah.

(فَجَعَلْناها): الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ أوْ عَلى الأُمَّةِ، أوْ عَلى الحالَةِ، أوْ عَلى المَسَخَةِ، أوْ عَلى الحِيتانِ، أوْ عَلى العُقُوبَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن: كُونُوا، أيْ فَجَعَلْنا كَيْنُونَتَهم قِرَدَةً خاسِئِينَ. (نَكالًا): أيْ عِبْرَةً، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ.

﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾: أيْ مِنَ القُرى، والضَّمِيرُ لِلْقَرْيَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ لِمَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ، (وما خَلْفَها): أيِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم باقِينَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها: أيْ ما دُونَها، و(ما خَلْفَها) يَعْنِي: لِمَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ. والضَّمِيرُ لِلْأُمَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِلْحِيتانِ الَّتِي أصابُوا، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): ما مَضى مِن خَطاياهُمُ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِمَّنْ شاهَدَها، وما خَلْفَها مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْها، قالَهُ قُطْرُبٌ. أوْ ما بَيْنَ يَدَيْها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، وما خَلْفَها لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلَ تِلْكَ الذُّنُوبِ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): مَن حَضَرَها مِنَ النّاجِينَ، و(ما خَلْفَها) مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَها. أوْ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِن عُقُوبَةِ الآخِرَةِ، و(ما خَلْفَها) في دُنْياهم، فَيُذْكَرُونَ بِها إلى قِيامِ السّاعَةِ. أوْ (لِما بَيْنَ يَدَيْها): لِما حَوْلَها مِنَ القُرى، و(ما خَلْفَها): وما يَحْدُثُ بَعْدَها مِنَ القُرى الَّتِي لَمْ تَكُنْ؛ لِأنَّ مَسْخَتَهم ذُكِرَتْ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، فاعْتَبَرُوا بِها، واعْتَبَرَ بِها مَن بَلَغَتْهم مِنَ الآخَرِينَ. أوْ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ فَجَعَلْناها وما خَلْفَها مِمّا أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، نَكالًا وجَزاءً، لا لِما بَيْنَ يَدَيْها، أيْ لِما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ لِاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ. فَهَذِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. قالَ بَعْضُهم: والأقْرَبُ لِلصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: (ما بَيْنَ يَدَيْها): مَن يَأْتِي مِنَ الأُمَمِ بَعْدَها. و(ما خَلْفَها): مَن بَقِيَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ لَمْ تَنَلْهُمُ العُقُوبَةُ، ومَن قالَ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى القَرْيَةِ، فالمُرادُ أهْلُها.

﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: خَصَّ المُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . وقِيلَ: أرادَ نَكالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قِيلَ: المُتَّقُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. وقِيلَ: اللَّفْظُ عامٌّ في كُلِّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الَّذِينَ نُهُوا ونَجَوْا.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مُؤْمِنِي اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ، ومُؤْمِنِي غَيْرِهِمْ في كَيْنُونَةِ الأجْرِ لَهم، وأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يَراهم، وأنَّ إيمانَهم في الدُّنْيا أنْتَجَ لَهُمُ الأمْنَ في الآخِرَةِ، فَلا خَوْفٌ مِمّا يُسْتَقْبَلُ، ولا حُزْنٌ عَلى ما فاتَ إذْ مَنِ اسْتَقَرَّ لَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِنَ الكَرامَةِ، وقَدْ أدْخَلَ هَذِهِ الآيَةَ بَيْنَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِيُبَيِّنَ أنَّ الفَوْزَ إنَّما هو لِمَن أطاعَ. وصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيْنَ آيَتَيْ عِقابٍ: …

Al-Baqara 2:66Listen in Qur'an →
67

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allah commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allah from being among the ignorant."

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] البَقَرَةُ: الأُنْثى مِن هَذا الحَيَوانِ المَعْرُوفِ، وقَدْ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ. والباقِرُ والبَقِيرُ والبَيْقُورُ والباقُورُ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَتْ بَقَرَةً لِأنَّها تَبْقُرُ الأرْضَ، أيْ تَشُقُّها لِلْحَرْثِ، ومِنهُ سُمِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الباقِرُ. وكانَ هو وأخُوهُ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنَ العُلَماءِ الفُصَحاءِ. العِياذُ والمَعاذُ: الِاعْتِصامُ. الفِعْلُ مِنهُ: عاذَ يَعُوذُ. الجَهْلُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ: جَهِلَ يَجْهَلُ، قِيلَ: وقَدْ جُمِعَ عَلى أجِهالٍ، وهو شاذٌّ.

قالَ الشَّنْفَرى:

؎ولا تَزْدَهِي الأجْهالُ حِلْمِي ولا أرى سَؤُولًا بِأطْرافِ الأقاوِيلِ

أنْمُلُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ جاهِلٍ، كَأصْحابٍ جَمْعِ صاحِبٍ. الفارِضُ: المُسِنُّ الَّتِي انْقَطَعَتْ وِلادَتُها مِنَ الكِبَرِ. يُقالُ: فَرَضَتْ وفَرُضَتْ تَفْرِضُ، بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي وضَمِّها، والمَصْدَرُ فَرُوضٌ، والفَرْضُ: القَطْعُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎كُمَيْتٍ بَهِيمِ اللَّوْنِ لَيْسَ بِفارِضٍ ∗∗∗ ولا بِعَوانٍ ذاتِ لَوْنٍ مُخَصَّفِ

ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدُمَ وطالَ أمْرُهُ: فارِضٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎يا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٍ ∗∗∗ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ

وكَأنَّ المُسِنَّ سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها، أيْ قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها، قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ:

؎لَعَمْرِي لَقَدْ أعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فارِضًا ∗∗∗ تُساقُ إلَيْهِ ما تَقُومُ عَلى رِجْلِ

؎ولَمْ تُعْطِهِ بِكْرًا فَيَرْضى سَمِينَهُ ∗∗∗ فَكَيْفَ تُجازى بِالمَوَدَّةِ والفَضْلِ

البِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِّغَرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا. والبِكْرُ مِنَ النِّساءِ: الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرَّجُلُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الَّتِي لَمْ تَحْمَلْ. والبِكْرُ مِنَ الأوْلادِ: الأوَّلُ، ومِنَ الحاجاتِ: الأُولى.

قالَ الرّاجِزُ:

؎يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويا خِلْبَ الكَبِدِ ∗∗∗ أصْبَحْتَ مِنِّي كَذِراعٍ مِن عَضُدِ

والبَكْرُ، بِفَتْحِ الباءِ: الفَتى مِنَ الإبِلِ، والأُنْثى: بَكْرَةٌ، وأصْلُهُ …

Al-Baqara 2:67Listen in Qur'an →
68

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allah] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ لَمّا قالَ لَهم مُوسى: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] وعَلِمُوا أنَّ ما أخْبَرَهم بِهِ مُوسى مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ كانَ عَزِيمَةً وطَلَبًا، جازَ ما قالُوا لَهُ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ أيْضًا فِيهِ تَعْنِيتٌ مِنهم وقِلَّةُ طَواعِيَةٍ، إذْ لَوِ امْتَثَلُوا فَذَبَحُوا بَقَرَةً، لَكانُوا قَدْ أتَوْا بِالمَأْمُورِ، ولَكِنْ شَدَّدُوا، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما. وكَسْرُ العَيْنِ مِنِ ادْعُ لُغَةُ بَنِي عامِرٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ في ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا﴾ [البقرة: ٦١]، وجَزْمُ ”يُبَيِّنْ“ عَلى جَوابِ الأمْرِ. و”ما هي“: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: سَلْ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ ما هي، ومَفْعُولُ ”يُبَيِّنْ“: هي الجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ؛ لِأنَّ مَعْنى ”يُبَيِّنْ لَنا“ يُعْلِمُنا ما هي؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ يَلْزَمُهُ الإعْلامُ، والضَّمِيرُ في ”هي“ عائِدٌ عَلى البَقَرَةِ السّابِقِ ذِكْرُها، وكَأنَّهم قالُوا: ”يُبَيِّنْ لَنا ما“ البَقَرَةُ الَّتِي أمَرَنا بِذَبْحِها، ولَمْ يُرِيدُوا تَبْيِينَ ماهِيَّةِ البَقَرَةِ، وإنَّما هو سُؤالٌ عَنِ الوَصْفِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: ما صِفَتُها ؟ ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِالوَصْفِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ . وإنَّما سَألُوا عَلى طَرِيقِ التَّعَنُّتِ، كَما قَدَّمْناهُ، أوْ عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِها مَيِّتٌ فَيَحْيا، إذْ ذاكَ في غايَةِ الِاسْتِغْرابِ والخُرُوجِ عَنِ المَأْلُوفِ، أوْ عَلى طَرِيقِ أنَّهم ظَنُّوا قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] مِن بابِ المُجْمَلِ، فَسَألُوا تَبْيِينَ ذَلِكَ، إذْ تَبْيِينُ المُجْمَلِ واجِبٌ، أوْ عَلى رَجاءِ أنْ يَنْسَخَ عَنْهم تَكْلِيفَ الذَّبْحِ، لِثِقَلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْلَمُوا المَعْنى الَّذِي لِأجْلِهِ أُمِرُوا بِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٩] كَيْفَ خَصُّوا لَفْظَ الرَّبِّ مُضافًا إلى مُوسى، وذَلِكَ لِما عَلِمُوا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ والمَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ. وقِيلَ: إنَّما سَألُوا مُوسى اسْتِرْشادًا لا عِنادًا، إذْ لَوْ كانَ عِنادًا لَكَفَرُوا بِهِ وعُجِّلَتْ عُقُوبَتُهم، كَما عُجِّلَتْ في قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وفي عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وفي امْتِناعِهِمْ مِن قَبُولِ التَّوْراةِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] . وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأجابَهُ.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾: صِفَةٌ لِـ ”بَقَرَةٌ“، والصِّفَةُ إذا كانَتْ مَنفِيَّةً بِلا وجَبَ تَكْرارُها، كَما قالَ:

؎وفِتْيانُ صِدْقٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ

فَإنْ جاءَتْ غَيْرَ مُكَرَّرَةٍ، فَبابُها الشِّعْرُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالمُجْمَلِ، فَقَدَّرَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، أيْ: لا هي فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَقَدْ أبْعَدَ؛ لِأنَّ الأصْلَ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ، والأصْلُ أنْ لا حَذْفَ.

(عَوانٌ): تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ .

(بَيْنَ ذَلِكَ): يَقْتَضِي ”بَيْنَ“ أنْ تَكُونَ تَدْخُلُ عَلى ما يُمْكِنُ التَّثْنِيَةُ فِيهِ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدَها إلّا اسْمُ إشارَةٍ مُفْرَدٌ، فَقِيلَ: أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى مُفْرَدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَوانٌ بَيْنَ ما ذُكِرَ، فَصُورَتُهُ صُورَةُ المُفْرَدِ، وهو في …

Al-Baqara 2:68Listen in Qur'an →
69

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.' "

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ لَمّا تَعَرَّفُوا سِنَّ هَذِهِ، شَرَعُوا في تَعَرُّفِ لَوْنِها، وذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى نَقْصِ فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ اللَّهِ لَهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، وأمْرُ المُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ، النّاصِحِ لَهم، المُشْفِقِ عَلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَدِعُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ لَوْنِها، والقَوْلُ في: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وفي جَزْمِ: (يُبَيِّنْ)، وفي الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ بِها والمَحْذُوفِ بَعْدَهُ سَبَقَ نَظِيرُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِهِ.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾: قالَ الجُمْهُورُ: هو اللَّوْنُ المَعْرُوفُ: ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالفُقُوعِ والسُّرُورِ، فَهي صَفْراءُ حَتّى القَرْنُ والظِّلْفُ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: عَنى بِهِ هُنا السَّوادَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وصَفْراءُ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةٍ ولَكِنَّ سَوْداءَ مِثْلَ الحُمَمْ

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ خاصَّةً.

(فاقِعٌ): أيْ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوِ الخالِصُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، أوِ الصّافِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ.

(لَوْنُها): ذَكَرُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ بِـ ”فاقِعٌ“، و”فاقِعٌ“ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ. الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ”فاقِعٌ“ . والثّالِثُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ خَبَرٌ. وأُنِّثَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، كَما قالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. والثّانِي: أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ، إذْ هو الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: صُفْرَتُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِمْ: جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ، والوَجْهُ الإعْرابُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ إعْرابَ ”لَوْنُها“ مُبْتَدَأً، و”فاقِعٌ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، أوْ ”تَسُرُّ النّاظِرِينَ“ خَبَرَهُ فِيهِ تَأْنِيثُ الخَبَرِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، كَما قَرَّرْناهُ. وكَوْنُ ”لَوْنُها“ فاعِلًا بِـ ”فاقِعٌ“ جارٍ عَلى نَظْمِ الكَلامِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ ولا تَأْوِيلٍ، ولَمْ يُؤَنِّثْ فاقِعًا وإنْ كانَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ رَفَعَ السَّبَبِيَّ، وهو مُذَكَّرٌ فَصارَ نَحْوَ: جاءَتْنِي امْرَأةٌ حَسَنٌ أبُوها، ولا يَصِحُّ هُنا أنْ يَكُونَ تابِعًا لِـ ”صَفْراءُ“ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ المُطابَقَةَ إذْ ذاكَ لِلْمَتْبُوعِ. ألاَ تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وسَوْداءُ حالِكَةٌ، ولا يَجُوزُ سَوْداءُ حالِكٌ ؟ فَأمّا قَوْلُهُ:

؎وإنِّي لَأسْقِي الشَّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا ∗∗∗ كَأنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ فِيها يُفَتَّقُ

فَبابُهُ الشِّعْرُ، إذا كانَ وجْهُ الكَلامِ صَفْراءَ فاقِعَةً، وجاءَ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ؛ لِأنَّهُ أرادَ تَأْكِيدَ نِسْبَةِ الصُّفْرَةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها أنَّها صَفْراءُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى اللَّوْنِ أنَّهُ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، فابْتَدَأ أوَّلًا بِوَصْفِ البَقَرَةِ بِالصُّفْرَةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ اللَّوْنِ بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي صَفْراءُ، ولَوْنُها شَدِيدُ الصُّفْرَةِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا تَعَلُّقِ الصُّفْرَةِ لَفْظًا، إذْ تَعَلَّقَتْ أوَّلًا بِالذّاتِ، ثُمَّ ثانِيًا بِالعَرَضِ الَّذِي هو اللَّوْنُ، واخْتَلَفَ المُتَعَلِّقُ أيْضًا؛ لِأنَّ مُطْلَقَ الصُّفْرَةِ …

Al-Baqara 2:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allah wills, will be guided."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ لَمّا تَعَرَّفُوا سِنَّ هَذِهِ، شَرَعُوا في تَعَرُّفِ لَوْنِها، وذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى نَقْصِ فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُ اللَّهِ لَهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، وأمْرُ المُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ، النّاصِحِ لَهم، المُشْفِقِ عَلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨]، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَدِعُوا عَنِ السُّؤالِ عَنْ لَوْنِها، والقَوْلُ في: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وفي جَزْمِ: (يُبَيِّنْ)، وفي الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ بِها والمَحْذُوفِ بَعْدَهُ سَبَقَ نَظِيرُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ، فَأغْنى عَنْ ذِكْرِهِ.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾: قالَ الجُمْهُورُ: هو اللَّوْنُ المَعْرُوفُ: ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِالفُقُوعِ والسُّرُورِ، فَهي صَفْراءُ حَتّى القَرْنُ والظِّلْفُ، وقالَ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدَةَ: عَنى بِهِ هُنا السَّوادَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وصَفْراءُ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةٍ ولَكِنَّ سَوْداءَ مِثْلَ الحُمَمْ

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ خاصَّةً.

(فاقِعٌ): أيْ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ، أوِ الخالِصُ الصُّفْرَةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، أوِ الصّافِي، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ.

(لَوْنُها): ذَكَرُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَهُ فاعِلٌ مَرْفُوعٌ بِـ ”فاقِعٌ“، و”فاقِعٌ“ صِفَةٌ لِلْبَقَرَةِ. الثّانِي: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ”فاقِعٌ“ . والثّالِثُ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ خَبَرٌ. وأُنِّثَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لِكَوْنِهِ أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، كَما قالُوا: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. والثّانِي: أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ، إذْ هو الصُّفْرَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: صُفْرَتُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، فَحُمِلَ عَلى المَعْنى كَقَوْلِهِمْ: جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ، والوَجْهُ الإعْرابُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ إعْرابَ ”لَوْنُها“ مُبْتَدَأً، و”فاقِعٌ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ، أوْ ”تَسُرُّ النّاظِرِينَ“ خَبَرَهُ فِيهِ تَأْنِيثُ الخَبَرِ، ويَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، كَما قَرَّرْناهُ. وكَوْنُ ”لَوْنُها“ فاعِلًا بِـ ”فاقِعٌ“ جارٍ عَلى نَظْمِ الكَلامِ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ ولا تَأْوِيلٍ، ولَمْ يُؤَنِّثْ فاقِعًا وإنْ كانَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ؛ لِأنَّهُ رَفَعَ السَّبَبِيَّ، وهو مُذَكَّرٌ فَصارَ نَحْوَ: جاءَتْنِي امْرَأةٌ حَسَنٌ أبُوها، ولا يَصِحُّ هُنا أنْ يَكُونَ تابِعًا لِـ ”صَفْراءُ“ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ المُطابَقَةَ إذْ ذاكَ لِلْمَتْبُوعِ. ألاَ تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وسَوْداءُ حالِكَةٌ، ولا يَجُوزُ سَوْداءُ حالِكٌ ؟ فَأمّا قَوْلُهُ:

؎وإنِّي لَأسْقِي الشَّرْبَ صَفْراءَ فاقِعًا ∗∗∗ كَأنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ فِيها يُفَتَّقُ

فَبابُهُ الشِّعْرُ، إذا كانَ وجْهُ الكَلامِ صَفْراءَ فاقِعَةً، وجاءَ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ فاقِعَةٌ؛ لِأنَّهُ أرادَ تَأْكِيدَ نِسْبَةِ الصُّفْرَةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها أنَّها صَفْراءُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى اللَّوْنِ أنَّهُ شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، فابْتَدَأ أوَّلًا بِوَصْفِ البَقَرَةِ بِالصُّفْرَةِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِ اللَّوْنِ بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي صَفْراءُ، ولَوْنُها شَدِيدُ الصُّفْرَةِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ جِهَتا تَعَلُّقِ الصُّفْرَةِ لَفْظًا، إذْ تَعَلَّقَتْ أوَّلًا بِالذّاتِ، ثُمَّ ثانِيًا بِالعَرَضِ الَّذِي هو اللَّوْنُ، واخْتَلَفَ المُتَعَلِّقُ أيْضًا؛ لِأنَّ مُطْلَقَ الصُّفْرَةِ …

Al-Baqara 2:70Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.