Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ غَيْرِ صِفَةٍ، فَإنَّهُ يَبْقى مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، والنَّكِرَةُ تُطابِقُ ما قَبْلَها، فَإنْ كانَ مُفْرَدًا كانَ مُفْرَدًا، وإنْ كانَ تَثْنِيَةً كانَ تَثْنِيَةً، وإنْ كانَ جَمْعًا كانَ جَمْعًا، فَتَقُولُ: زَيْدٌ أفْضَلُ رَجُلٍ، وهِنْدٌ أفْضَلُ امْرَأةٍ، والزَّيْدانِ أفْضَلُ رَجُلَيْنِ، والزَّيْدُونَ أفْضَلُ رِجالٍ. ولا تَخْلُو تِلْكَ النَّكِرَةُ المُضافُ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِن أنْ تَكُونَ صِفَةً أوْ غَيْرَ صِفَةٍ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ صِفَةٍ فالمُطابَقَةُ كَما ذَكَرْنا، وأجازَ أبُو العَبّاسِ: إخْوَتُكَ أفْضَلُ رَجُلٍ، بِالإفْرادِ، ومَنَعَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ. وإنْ كانَتْ صِفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ جازَتِ المُطابَقَةُ وجازَ الإفْرادُ، قالَ الشّاعِرُ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

؎وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ

فَأفْرَدَ بِقَوْلِهِ: (طاعِمٍ) وجَمَعَ بُقُولِهِ: (جِياعِ) .

وإذا أُفْرِدَتِ النَّكِرَةُ الصِّفَةُ، وقَبْلَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ، فَهو عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مُتَأوَّلٌ، قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ: مَن طَعِمَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقَدَّرُ وصْفًا لِمُفْرَدٍ يُؤَدِّي مَعْنى جَمْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَألْأمُ طاعِمٍ، وحَذَفَ المَوْصُوفَ وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ في التَّقْدِيرِ وفْقَ ما تَقَدَّمَهُ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَكُونُ التَّجَوُّزُ في الجَمْعِ، فَإذا قِيلَ مَثَلًا: الزَّيْدُونَ أفْضَلُ عالِمٍ، فالمَعْنى: كُلٌّ واحِدٍ مِنَ الزَّيْدِينَ أفْضَلُ عالِمٍ. وهَذِهِ النَّكِرَةُ أصْلُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ التَّعْرِيفُ والجَمْعُ، فاخْتَصَرُوا الألِفَ واللّامَ وبِناءَ الجَمْعِ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ هو النَّكِرَةُ في المَعْنى، فَإذا قُلْتَ: أبُوكَ أفْضَلُ عالِمٍ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَهم: أبُوكَ الأفْضَلُ العالِمُ، وأُضِيفَ أفْضَلُ إلى ما هو هو في المَعْنى. وجَمِيعُ أحْكامِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَلى ما قَرَّرْناهُ تَأوَّلُوا (أوَّلَ كافِرٍ) بِمَن كَفَرَ، أوْ أوَّلَ حِزْبٍ كَفَرَ، أوْ لا يَكُنْ كُلٌّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ. والنَّهْيُ عَنْ أنْ تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ الكُفْرِ لَهم ثانِيًا أوْ آخِرًا، فَمَفْهُومُ الصِّفَةِ هُنا غَيْرُ مُرادٍ. ولَمّا أُشْكِلَتِ الأوَّلِيَّةُ هُنا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (أوَّلَ) صِلَةٌ يَعْنِي زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ولا تَكُونُوا كافِرِينَ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا تَقْدِيرُهُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا آخِرَ كافِرٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وخَصَّ الأوَّلِيَّةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أفْحَشُ، لِما فِيها مِنَ الِابْتِداءِ بِها، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎مِن أُناسٍ لَيْسَ في أخْلاقِهِمْ ∗∗∗ عاجِلُ الفُحْشِ ولا سُوءُ جَزَعْ

لا يُرِيدُ أنَّ فِيهِمْ فُحْشًا آجِلًا، بَلْ أرادَ لا فُحْشَ عِنْدَهم، لا عاجِلًا، ولا آجِلًا، وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا تَكُونُوا مِثْلَ أوَّلِ كافِرٍ بِهِ، أيْ ولا تَكُونُوا وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ مَوْصُوفًا مِثْلَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ وهو مُشْرِكٌ لا كِتابَ لَهُ، وبَعْضُهم عَلى صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ أوَّلُ كافِرٍ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، إذْ هم مَنظُورٌ إلَيْهِمْ في هَذا مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ، وبَعْضُهم عَلى حَذْفِ صِلَةٍ يَصِحُّ بِها المَعْنى، …

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ غَيْرِ صِفَةٍ، فَإنَّهُ يَبْقى مُفْرَدًا مُذَكَّرًا، والنَّكِرَةُ تُطابِقُ ما قَبْلَها، فَإنْ كانَ مُفْرَدًا كانَ مُفْرَدًا، وإنْ كانَ تَثْنِيَةً كانَ تَثْنِيَةً، وإنْ كانَ جَمْعًا كانَ جَمْعًا، فَتَقُولُ: زَيْدٌ أفْضَلُ رَجُلٍ، وهِنْدٌ أفْضَلُ امْرَأةٍ، والزَّيْدانِ أفْضَلُ رَجُلَيْنِ، والزَّيْدُونَ أفْضَلُ رِجالٍ. ولا تَخْلُو تِلْكَ النَّكِرَةُ المُضافُ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ مِن أنْ تَكُونَ صِفَةً أوْ غَيْرَ صِفَةٍ، فَإنْ كانَتْ غَيْرَ صِفَةٍ فالمُطابَقَةُ كَما ذَكَرْنا، وأجازَ أبُو العَبّاسِ: إخْوَتُكَ أفْضَلُ رَجُلٍ، بِالإفْرادِ، ومَنَعَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ. وإنْ كانَتْ صِفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ جازَتِ المُطابَقَةُ وجازَ الإفْرادُ، قالَ الشّاعِرُ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

؎وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ

فَأفْرَدَ بِقَوْلِهِ: (طاعِمٍ) وجَمَعَ بُقُولِهِ: (جِياعِ) .

وإذا أُفْرِدَتِ النَّكِرَةُ الصِّفَةُ، وقَبْلَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ جَمْعٌ، فَهو عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مُتَأوَّلٌ، قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ: مَن طَعِمَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقَدَّرُ وصْفًا لِمُفْرَدٍ يُؤَدِّي مَعْنى جَمْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَألْأمُ طاعِمٍ، وحَذَفَ المَوْصُوفَ وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ في التَّقْدِيرِ وفْقَ ما تَقَدَّمَهُ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: يَكُونُ التَّجَوُّزُ في الجَمْعِ، فَإذا قِيلَ مَثَلًا: الزَّيْدُونَ أفْضَلُ عالِمٍ، فالمَعْنى: كُلٌّ واحِدٍ مِنَ الزَّيْدِينَ أفْضَلُ عالِمٍ. وهَذِهِ النَّكِرَةُ أصْلُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ التَّعْرِيفُ والجَمْعُ، فاخْتَصَرُوا الألِفَ واللّامَ وبِناءَ الجَمْعِ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ هو النَّكِرَةُ في المَعْنى، فَإذا قُلْتَ: أبُوكَ أفْضَلُ عالِمٍ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَهم: أبُوكَ الأفْضَلُ العالِمُ، وأُضِيفَ أفْضَلُ إلى ما هو هو في المَعْنى. وجَمِيعُ أحْكامِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. وعَلى ما قَرَّرْناهُ تَأوَّلُوا (أوَّلَ كافِرٍ) بِمَن كَفَرَ، أوْ أوَّلَ حِزْبٍ كَفَرَ، أوْ لا يَكُنْ كُلٌّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ. والنَّهْيُ عَنْ أنْ تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ لا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى إباحَةِ الكُفْرِ لَهم ثانِيًا أوْ آخِرًا، فَمَفْهُومُ الصِّفَةِ هُنا غَيْرُ مُرادٍ. ولَمّا أُشْكِلَتِ الأوَّلِيَّةُ هُنا زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (أوَّلَ) صِلَةٌ يَعْنِي زائِدَةً، والتَّقْدِيرُ: ولا تَكُونُوا كافِرِينَ بِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا تَقْدِيرُهُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا آخِرَ كافِرٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وخَصَّ الأوَّلِيَّةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أفْحَشُ، لِما فِيها مِنَ الِابْتِداءِ بِها، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎مِن أُناسٍ لَيْسَ في أخْلاقِهِمْ ∗∗∗ عاجِلُ الفُحْشِ ولا سُوءُ جَزَعْ

لا يُرِيدُ أنَّ فِيهِمْ فُحْشًا آجِلًا، بَلْ أرادَ لا فُحْشَ عِنْدَهم، لا عاجِلًا، ولا آجِلًا، وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ولا تَكُونُوا مِثْلَ أوَّلِ كافِرٍ بِهِ، أيْ ولا تَكُونُوا وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا في التَّوْراةِ مَوْصُوفًا مِثْلَ مَن لَمْ يَعْرِفْهُ وهو مُشْرِكٌ لا كِتابَ لَهُ، وبَعْضُهم عَلى صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ أوَّلُ كافِرٍ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، إذْ هم مَنظُورٌ إلَيْهِمْ في هَذا مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ، وبَعْضُهم عَلى حَذْفِ صِلَةٍ يَصِحُّ بِها المَعْنى، …

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (وتَكْتُمُونَ الحَقَّ)، وخُرِّجَ عَلى أنَّها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: كاتِمِينَ، وهو تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُثْبَتَةَ المُصَدَّرَةَ بِمُضارِعٍ، إذا وقَعَتْ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْها الواوُ، والتَّقْدِيرُ الإعْرابِيُّ هو أنْ تُضْمِرَ قَبْلَ المُضارِعِ هُنا مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ الحَقَّ، ولا يَظْهَرُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ قَيْدٌ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهم قَدْ نُهُوا عَنْ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ، عَلى كُلِّ حالٍ فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ، إلّا أنْ تَكُونَ الحالُ لازِمَةً، وذَلِكَ أنْ يُقالَ: لا يَقَعُ لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ إلّا ويَكُونُ الحَقُّ مَكْتُومًا، ويُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ نَعى عَلَيْهِمْ كَتْمَهُمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ، عَلى مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ، وهو سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، ولا يُشْتَرَطُ التَّناسُبُ في عَطْفِ الجُمَلِ، وكِلا التَّخْرِيجَيْنِ تَخْرِيجُ شُذُوذٍ.

والحَقُّ الَّذِي كَتَمُوهُ هو أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ يَكُونُ الحَقُّ عامًّا فَيَنْدَرِجُ فِيهِ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والقُرْآنُ، وما جاءَ بِهِ، ﷺ، وكِتْمانُهُ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ويُظْهِرُونَ خِلافَهُ.

﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ومَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ اقْتِصارًا، إذِ المَقْصُودُ: وأنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ، فَلا يُناسِبُ مَن كانَ عالِمًا أنْ يَكْتُمَ الحَقَّ ويُلْبِسَهُ بِالباطِلِ، وقَدْ قَدَّرُوا حَذْفَهُ حَذْفَ اخْتِصارٍ، وفِيهِ أقاوِيلُ سِتَّةٌ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ مَذْكُورٌ هو وصِفَتُهُ في التَّوْراةِ، ﷺ .

الثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ البَعْثَ والجَزاءَ. الثّالِثُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ لِلنّاسِ قاطِبَةً. الرّابِعُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ في حالِ عِلْمِكم أنَّكم لابِسُونَ كاتِمُونَ، فَجَعَلَ مَفْعُولَ العِلْمِ اللَّبْسَ والكَتْمَ المَفْهُومَيْنِ مِنَ الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ، قالَ: وهو أقْبَحُ؛ لِأنَّ الجَهْلَ بِالقَبِيحِ رُبَّما عُذِرَ راكِبُهُ. انْتَهى.

فَكانَ ما قَدَّرَهُ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ قُبْحَ أوْ تَحْرِيمَ اللَّبْسِ والكَتْمِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَمْ يَشْهَدْ تَعالى لَهم بِعِلْمٍ، وإنَّما نَهاهم عَنْ كِتْمانِ ما عَلِمُوا. انْتَهى.

ومَفْهُومُ كَلامِهِ أنَّ مَفْعُولَ (تَعْلَمُونَ) هو (الحَقَّ) كَأنَّهُ قالَ: ولا تَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ؛ لِأنَّ المَكْتُومَ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وغَيْرَ حَقٍّ فَإذا كانَ حَقًّا وعَلِمَ أنَّهُ حَقٌّ كانَ كِتْمانُهُ لَهُ أشَدَّ (وأعْظَمَ) ذَنْبًا؛ لِأنَّ العاصِيَ عَلى عِلْمٍ أعْصى مِنَ الجاهِلِ العاصِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ في أمْرِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم بِعِلْمٍ عَلى الإطْلاقِ.

قالَ: ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ مَعْطُوفَةً، وإنْ كانَتْ ثُبُوتِيَّةً عَلى ما قَبْلَها مِن …

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] الأمْرُ: طَلَبُ إيجادِ الفِعْلِ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّأْنِ، والفِعْلُ مِنهُ: أمَرَ يَأْمُرُ، عَلى: فَعَلَ يَفْعُلُ، وتُحْذَفُ فاؤُهُ في الأمْرِ مِنهُ بِغَيْرِ لامٍ، فَتَقُولُ: مُرْ زَيْدًا وإتْمامُهُ قَلِيلٌ، أوْ مُرْ زَيْدًا، فَإنْ تَقَدَّمَ الأمْرَ واوٌ أوْ فاءٌ، فَإثْباتُ الهَمْزَةِ أجْوَدُ، وهو مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِنَفْسِهِ، والآخَرُ بِحَرْفِ جَرٍّ، ويَجُوزُ حَذْفُ ذَلِكَ الحَرْفِ، وهو مِن أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ تُحْذَفُ مِن ثانِي مَفْعُولَيْها حَرْفُ الجَرِّ جَوازًا تُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْها. البِرُّ: الصِّلَةُ، وأيْضًا: الطّاعَةُ. قالَ الرّاجِزُ:

؎لاهُمَّ رَبِّ إنَّ بَكْرًا دُونَكا يَبَرُّكُ النّاسُ ويَفْخَرُونَكا

والبِرُّ: الفُؤادُ، ووَلَدُ الثَّعْلَبِ والهِرُّ، وبَرَّ والِدَهُ: أجَلَّهُ وأعْظَمَهُ. يَبَرُّهُ: عَلى وزْنِ فَعَلَ يَفَعْلُ، ورَجُلٌ بارٌّ، وبَرٌّ، وبَرَّتْ يَمِينُهُ، وبَرَّ حَجُّهُ: أجَلَّها وجَمَعَ أنْواعًا مِنَ الخَيْرِ، والبِرُّ سَعَةُ المَعْرُوفِ والخَيْرِ، ومِنهُ: البَرُّ والبَرِّيَّةُ لِلسَّعَةِ. ويَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، والإبْرارُ: الغَلَبَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ويَبَرُّونَ عَلى الآبِي المُبِرِّ

النِّسْيانُ: ضِدُّ الذِّكْرِ، وهو السَّهْوُ الحادِثُ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى التَّرْكِ، وضِدُّهُ الفِعْلُ، والفِعْلُ: نَسِيَ يَنْسى عَلى فَعِلَ يَفْعَلُ، ويَتَعَدّى لِواحِدٍ، وقَدْ يُعَلَّقُ نَسِيَ حَمْلًا عَلى عَلِمَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ومَن أنْتُمُ إنّا نَسِينا مَنَ انْتُمُ ∗∗∗ ورِيحُكُمُ مِن أيِّ رِيحِ الأعاصِرِ

وفِي البَيْتِ احْتِمالٌ.

التِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وسُمِّيَتْ بِها لِأنَّ الآياتِ أوِ الكَلِماتِ أوِ الحُرُوفَ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا في الذِّكْرِ. والتِّلْوُ: التَّبَعُ، وناقَةٌ مَتْلٌ: يَتْبَعُها ولَدُها. العَقْلُ: الإدْراكُ المانِعُ مِنَ الخَطَأِ، ومِنهُ عِقالُ البَعِيرِ، يَمْنَعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، والمَعْقِلُ: مَكانٌ يُمْتَنَعُ فِيهِ، والعَقْلُ: الدِّيَةُ لِأنَّ جِنْسَها إبِلٌ تُعْقَلُ في فِناءِ الوَلِيِّ، أوْ لِأنَّها تَمْنَعُ مِن قَتْلِ الجانِي، والعَقْلُ: ثَوْبٌ مُوَشًّى، قالَ الشّاعِرُ:

؎عَقْلًا ورَقْمًا تَظَلُّ الطَّيْرُ تَتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّهُ مِن دَمِ الأجْوافِ مَدْمُومُ

والعِقالُ: زَكاةُ العامِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎سَعى عِقالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنا سَبَدًا ∗∗∗ فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعى عَمْرٌو عِقالَيْنِ

ورَمْلٌ عَقَنْقَلٌ: مُتَماسِكٌ عَنِ الِانْهِيارِ. الصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَلى المَكْرُوهِ، والفِعْلُ: صَبَرَ يَصْبِرُ عَلى فَعَلَ يَفْعِلُ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فَصَبَرْتُ عارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ

وقَدْ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ.

(لَكَبِيرَةٌ): مِن كَبُرَ يَكْبُرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ في الجِرْمِ وفي القَدْرِ، ويُقالُ: كَبُرَ عَلَيَّ كَذا، أيْ شَقَّ، وكَبُرَ يَكْبُرُ، فَهو كَبِيرٌ مِنَ السِّنِّ. قالَ الشّاعِرُ:

؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البَهْمَ يا لَيْتَ أنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ ولَمْ يَكْبُرِ البَهْمُ

الخُشُوعُ: قَرِيبٌ مِنَ الخُضُوعِ، وأصْلُهُ: اللِّينُ والسُّهُولَةُ، وقِيلَ: الِاسْتِكانَةُ والتَّذَلُّلُ. وقالَ اللَّيْثُ: الخُضُوعُ في البَدَنِ، …

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾: تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ عِنْدَ ذِكْرِ المادَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وأنَّ مِن تِلْكَ المَعانِي الطَّلَبَ، وأنَّ اسْتَعانَ مَعْناهُ طَلَبَ المَعُونَةَ، وظاهِرُ الصَّبْرِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ: الصَّوْمُ، والصَّوْمُ: صَبْرٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الطَّعامِ، وسُمِّيَ رَمَضانُ شَهْرَ الصَّبْرِ.

والصَّلاةُ: هي المَفْرُوضَةُ مَعَ ما يَتْبَعُها مِنَ السُّنَنِ والنَّوافِلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الصَّلاةُ الدُّعاءُ وقَدْ أضْمَرُوا لِلصَّبْرِ صِلَةً تُقَيِّدُهُ، فَقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُهُ نُفُوسُكم مِنَ الطّاعَةِ والعَمَلِ، أوْ عَلى أداءِ الفَرائِضِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَنِ المَعاصِي، أوْ عَلى تَرْكِ الرِّياسَةِ، أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ الشَّهَواتِ، أوْ عَلى حَوائِجِكم إلى اللَّهِ، أوْ عَلى الصَّلاةِ. ولَمّا قُدِّرَ هَذا التَّقْدِيرُ، أعْنِي بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ، تَوَهَّمَ بَعْضُ مَن تَكَلَّمَ عَلى القُرْآنِ، أنَّ الواوَ الَّتِي في الصَّلاةِ هُنا بِمَعْنى عَلى، وإنَّما يُرِيدُ قائِلُ هَذا أنَّهم أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى عَلى، ويَكُونُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] وأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآخِرَةِ ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا، أوْ لِما فِيها مِن تَمْحِيصِ الذُّنُوبِ وتَرْقِيقِ القُلُوبِ، أوْ لِما فِيها مِن إزالَةِ الهُمُومِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» . وقَدْ رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ قُثَمٌ أخُوهُ، فَقامَ يُصَلِّي، وتَلا: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أوْ لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرُوها، وقُدِّمَ الصَّبْرُ عَلى الصَّلاةِ، قِيلَ: لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّبْرِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِعانَةَ بِهِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ تَكالِيفٍ عَظِيمَةٍ شاقٍّ فِراقُها عَلى مَن ألِفَها واعْتادَها مِن ذِكْرِ ما نَسُوهُ والإيفاءِ بِما أخْلَفُوهُ والإيمانِ بِكِتابٍ مُتَجَدِّدٍ وتَرْكِ أخْذِهِمُ الرِّشا عَلى آياتِ اللَّهِ وتَرْكِهِمْ إلْباسَ الحَقِّ بِالباطِلِ وكَتْمِ الحَقِّ الَّذِي لَهم بِذَلِكَ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعُ لِعَوامِّهِمْ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وهَذِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، فَكانَتِ البَداءَةُ بِالصَّبْرِ لِذَلِكَ، ولَمّا كانَ عَمُودُ الإسْلامِ هو الصَّلاةَ، وبِها يَتَمَيَّزُ المُسْلِمُ مِنَ المُشْرِكِ، أتْبَعَ الصَّبْرَ بِها؛ إذْ يَحْصُلُ بِها الِاشْتِغالُ عَنِ الدُّنْيا، وبِالتِّلاوَةِ فِيها الوُقُوفُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ اللَّهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والمَواعِظِ والآدابِ، ومَصِيرُ الخَلْقِ إلى دارِ الجَزاءِ، فَيَرْغَبُ المُشْتَغِلُ بِها في الآخِرَةِ، ويَرْغَبُ عَنِ الدُّنْيا. وناهِيكَ مِن عِبادَةٍ تَتَكَرَّرُ عَلى الإنْسانِ في اليَوْمِ واللَّيْلِ خَمْسَ مَرّاتٍ، يُناجِي فِيها رَبَّهُ ويَسْتَغْفِرُ ذَنْبَهُ، وبِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَظْهَرُ الحِكْمَةُ في أنْ أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ويَبْعُدُ دَعْوى مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، …

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾: تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ عِنْدَ ذِكْرِ المادَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وأنَّ مِن تِلْكَ المَعانِي الطَّلَبَ، وأنَّ اسْتَعانَ مَعْناهُ طَلَبَ المَعُونَةَ، وظاهِرُ الصَّبْرِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ في اللُّغَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ: الصَّوْمُ، والصَّوْمُ: صَبْرٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الطَّعامِ، وسُمِّيَ رَمَضانُ شَهْرَ الصَّبْرِ.

والصَّلاةُ: هي المَفْرُوضَةُ مَعَ ما يَتْبَعُها مِنَ السُّنَنِ والنَّوافِلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: الصَّلاةُ الدُّعاءُ وقَدْ أضْمَرُوا لِلصَّبْرِ صِلَةً تُقَيِّدُهُ، فَقِيلَ: بِالصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُهُ نُفُوسُكم مِنَ الطّاعَةِ والعَمَلِ، أوْ عَلى أداءِ الفَرائِضِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوْ عَنِ المَعاصِي، أوْ عَلى تَرْكِ الرِّياسَةِ، أوْ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ الشَّهَواتِ، أوْ عَلى حَوائِجِكم إلى اللَّهِ، أوْ عَلى الصَّلاةِ. ولَمّا قُدِّرَ هَذا التَّقْدِيرُ، أعْنِي بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ، تَوَهَّمَ بَعْضُ مَن تَكَلَّمَ عَلى القُرْآنِ، أنَّ الواوَ الَّتِي في الصَّلاةِ هُنا بِمَعْنى عَلى، وإنَّما يُرِيدُ قائِلُ هَذا أنَّهم أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ عَلى الصَّلاةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّ الواوَ بِمَعْنى عَلى، ويَكُونُ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] وأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآخِرَةِ ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا، أوْ لِما فِيها مِن تَمْحِيصِ الذُّنُوبِ وتَرْقِيقِ القُلُوبِ، أوْ لِما فِيها مِن إزالَةِ الهُمُومِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» . وقَدْ رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ قُثَمٌ أخُوهُ، فَقامَ يُصَلِّي، وتَلا: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أوْ لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرُوها، وقُدِّمَ الصَّبْرُ عَلى الصَّلاةِ، قِيلَ: لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّبْرِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِعانَةَ بِهِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ تَكالِيفٍ عَظِيمَةٍ شاقٍّ فِراقُها عَلى مَن ألِفَها واعْتادَها مِن ذِكْرِ ما نَسُوهُ والإيفاءِ بِما أخْلَفُوهُ والإيمانِ بِكِتابٍ مُتَجَدِّدٍ وتَرْكِ أخْذِهِمُ الرِّشا عَلى آياتِ اللَّهِ وتَرْكِهِمْ إلْباسَ الحَقِّ بِالباطِلِ وكَتْمِ الحَقِّ الَّذِي لَهم بِذَلِكَ الرِّياسَةُ في الدُّنْيا والِاسْتِتْباعُ لِعَوامِّهِمْ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وهَذِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، فَكانَتِ البَداءَةُ بِالصَّبْرِ لِذَلِكَ، ولَمّا كانَ عَمُودُ الإسْلامِ هو الصَّلاةَ، وبِها يَتَمَيَّزُ المُسْلِمُ مِنَ المُشْرِكِ، أتْبَعَ الصَّبْرَ بِها؛ إذْ يَحْصُلُ بِها الِاشْتِغالُ عَنِ الدُّنْيا، وبِالتِّلاوَةِ فِيها الوُقُوفُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ اللَّهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والمَواعِظِ والآدابِ، ومَصِيرُ الخَلْقِ إلى دارِ الجَزاءِ، فَيَرْغَبُ المُشْتَغِلُ بِها في الآخِرَةِ، ويَرْغَبُ عَنِ الدُّنْيا. وناهِيكَ مِن عِبادَةٍ تَتَكَرَّرُ عَلى الإنْسانِ في اليَوْمِ واللَّيْلِ خَمْسَ مَرّاتٍ، يُناجِي فِيها رَبَّهُ ويَسْتَغْفِرُ ذَنْبَهُ، وبِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ تَظْهَرُ الحِكْمَةُ في أنْ أُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ويَبْعُدُ دَعْوى مَن قالَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، …

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] .

الفَضْلُ: الزِّيادَةُ، واسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، وفِعْلُهُ فَعَلَ يَفْعُلُ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وهو (عَلى) ثُمَّ بِحَذْفِ (عَلى) عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ:

؎وجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فَقِيمًا كَفَضْلِ ابْنِ المَخاضِ عَلى الفَصِيلِ

وأمّا في الفَضْلَةِ مِنَ الشَّيْءِ، وهي البَقِيَّةُ، فَيُقالُ: فَضَلَ يَفْضُلُ، كالَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَضِلَ يَفْضَلُ، نَحْوَ: سَمِعَ يَسْمَعُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، بِكَسْرِها مِنَ الماضِي، وضَمِّها مِنَ المُضارِعِ، وقَدْ أُولِعَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِإجازَةِ فَتْحِ ضادِ فَضَلْتُ في البَيْتِ وكَسْرِها، والصَّوابُ الفَتْحُ.

الجَزاءُ: القَضاءُ عَنِ المُفَضَّلِ والمُكافَأةُ، قالَ الرّاجِزُ:

؎يَجْزِيِهِ رَبُّ العَرْشِ عَنِّي إذْ جَزى ∗∗∗ جَنّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلا

والإجْزاءُ: الإغْناءُ.

قَبُولُ الشَّيْءِ: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، والفِعْلُ قَبِلَ يَقْبَلُ، والقِبَلُ: ما واجَهَكَ، قالَ القُطامِيُّ:

؎فَقُلْتُ لِلرَّكْبِ لَمّا أنْ عَلا بِهِمُ ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِ الحُبَيّا نَظْرَةٌ قَبَلُ

الشَّفاعَةُ: ضَمُّ غَيْرِهِ إلى وسِيلَتِهِ، والشُّفْعَةُ: ضَمُّ المِلْكِ، الشَّفْعُ: الزَّوْجُ، والشَّفاعَةُ مِنهُ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ والمَشْفُوعَ لَهُ: شَفْعٌ، وقالَ الأحْوَصُ:

؎كانَ مَن لامَنِي لِأصْرِمَها ∗∗∗ كانُوا لِلَيْلى بِلَوْمِهِمْ شَفَعُوا

وناقَةٌ شَفُوعٌ: خَلْفُها ولَدٌ، وقِيلَ: خَلْفُها ولَدٌ وفي بَطْنِها ولَدٌ، الأخْذُ: ضِدُّ التَّرْكِ، والأخْذُ: القَبْضُ والإمْساكُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، وتُحْذَفُ فاؤُهُ في الأمْرِ مِنهُ بِغَيْرِ لامٍ، وقَلَّ الإتْمامُ. العَدْلُ: الفِداءُ، والعَدْلُ: ما يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدَرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ: المُساوِي في الجِنْسِ والجِرْمِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، وواحِدُ الأعْدالِ بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، والعَدْلُ: المَقْبُولُ القَوْلِ مِنَ النّاسِ، وحُكِيَ فِيهِ أيْضًا كَسْرُ العَيْنِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: العَدْلُ: الكَفِيلُ والرَّشْوَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎لا يَقْبَلُ الصَّرْفَ فِيها نَهابُ العَدْلا

النَّصْرُ: العَوْنُ، أرْضٌ مَنصُورَةٌ: مَمْدُودَةٌ بِالمَطَرِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيَّ بِنَصْرِهِ ∗∗∗ وأمْسَكَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلُّ قاتِلِ

وقالَ الآخَرُ:

؎إذا ودَّعَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي ∗∗∗ بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ

والنَّصْرُ: العَطاءُ، والِانْتِصارُ: الِانْتِقامُ. النَّجاةُ: التَّنْجِيَةُ مِنَ الهَلَكَةِ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيها، والأصْلُ: الإلْقاءُ بِنَجْوَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألَمْ تَرَ لِلنُّعْمانِ كانَ بِنَجْوَةٍ ∗∗∗ مِنَ الشَّرِّ لَوْ أنَّ امْرَأً كانَ ناجِيا

الآلُ: قِيلَ بِمَعْنى الأهْلِ، وزُعِمَ أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وأنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مَن يَئُولُ مِن قَرابَةٍ أوْ ولِيٍّ أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، …

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] .

الفَضْلُ: الزِّيادَةُ، واسْتِعْمالُهُ في الخَيْرِ، وفِعْلُهُ فَعَلَ يَفْعُلُ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وهو (عَلى) ثُمَّ بِحَذْفِ (عَلى) عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ:

؎وجَدْنا نَهْشَلًا فَضَلَتْ فَقِيمًا كَفَضْلِ ابْنِ المَخاضِ عَلى الفَصِيلِ

وأمّا في الفَضْلَةِ مِنَ الشَّيْءِ، وهي البَقِيَّةُ، فَيُقالُ: فَضَلَ يَفْضُلُ، كالَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَضِلَ يَفْضَلُ، نَحْوَ: سَمِعَ يَسْمَعُ، وفَضِلَ يَفْضُلُ، بِكَسْرِها مِنَ الماضِي، وضَمِّها مِنَ المُضارِعِ، وقَدْ أُولِعَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ بِإجازَةِ فَتْحِ ضادِ فَضَلْتُ في البَيْتِ وكَسْرِها، والصَّوابُ الفَتْحُ.

الجَزاءُ: القَضاءُ عَنِ المُفَضَّلِ والمُكافَأةُ، قالَ الرّاجِزُ:

؎يَجْزِيِهِ رَبُّ العَرْشِ عَنِّي إذْ جَزى ∗∗∗ جَنّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلا

والإجْزاءُ: الإغْناءُ.

قَبُولُ الشَّيْءِ: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ، والفِعْلُ قَبِلَ يَقْبَلُ، والقِبَلُ: ما واجَهَكَ، قالَ القُطامِيُّ:

؎فَقُلْتُ لِلرَّكْبِ لَمّا أنْ عَلا بِهِمُ ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِ الحُبَيّا نَظْرَةٌ قَبَلُ

الشَّفاعَةُ: ضَمُّ غَيْرِهِ إلى وسِيلَتِهِ، والشُّفْعَةُ: ضَمُّ المِلْكِ، الشَّفْعُ: الزَّوْجُ، والشَّفاعَةُ مِنهُ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ والمَشْفُوعَ لَهُ: شَفْعٌ، وقالَ الأحْوَصُ:

؎كانَ مَن لامَنِي لِأصْرِمَها ∗∗∗ كانُوا لِلَيْلى بِلَوْمِهِمْ شَفَعُوا

وناقَةٌ شَفُوعٌ: خَلْفُها ولَدٌ، وقِيلَ: خَلْفُها ولَدٌ وفي بَطْنِها ولَدٌ، الأخْذُ: ضِدُّ التَّرْكِ، والأخْذُ: القَبْضُ والإمْساكُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، وتُحْذَفُ فاؤُهُ في الأمْرِ مِنهُ بِغَيْرِ لامٍ، وقَلَّ الإتْمامُ. العَدْلُ: الفِداءُ، والعَدْلُ: ما يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدَرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ: المُساوِي في الجِنْسِ والجِرْمِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، وواحِدُ الأعْدالِ بِالكَسْرِ لا غَيْرُ، والعَدْلُ: المَقْبُولُ القَوْلِ مِنَ النّاسِ، وحُكِيَ فِيهِ أيْضًا كَسْرُ العَيْنِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: العَدْلُ: الكَفِيلُ والرَّشْوَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎لا يَقْبَلُ الصَّرْفَ فِيها نَهابُ العَدْلا

النَّصْرُ: العَوْنُ، أرْضٌ مَنصُورَةٌ: مَمْدُودَةٌ بِالمَطَرِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎أبُوكَ الَّذِي أجْدى عَلَيَّ بِنَصْرِهِ ∗∗∗ وأمْسَكَ عَنِّي بَعْدَهُ كُلُّ قاتِلِ

وقالَ الآخَرُ:

؎إذا ودَّعَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي ∗∗∗ بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ

والنَّصْرُ: العَطاءُ، والِانْتِصارُ: الِانْتِقامُ. النَّجاةُ: التَّنْجِيَةُ مِنَ الهَلَكَةِ بَعْدَ الوُقُوعِ فِيها، والأصْلُ: الإلْقاءُ بِنَجْوَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألَمْ تَرَ لِلنُّعْمانِ كانَ بِنَجْوَةٍ ∗∗∗ مِنَ الشَّرِّ لَوْ أنَّ امْرَأً كانَ ناجِيا

الآلُ: قِيلَ بِمَعْنى الأهْلِ، وزُعِمَ أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وأنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مَن يَئُولُ مِن قَرابَةٍ أوْ ولِيٍّ أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، …

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (إذْ) في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَن أجازَ نَصْبَ (إذْ) هُناكَ مَفْعُولًا بِهِ بِإضْمارِ (اذْكُرُوا) وادَّعى زِيادَتَها، فَقِياسُ قَوْلِهِ هُناكَ إجازَتُهُ هُنا، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ تَعْطِفُهُ عَلَيْهِ إلّا إنِ ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ (إذْ) مَعْطُوفَةٌ عَلى مَعْمُولِ (اذْكُرُوا) كَأنَّهُ قالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وتَفْضِيلِي إيّاكم، ووَقْتَ تَنْجِيَتِكم، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ الِاعْتِراضِ الَّتِي هي: (واتَّقُوا يَوْمًا) . وقَدْ قَدَّمْنا أنّا لا نَخْتارُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ بِاذْكُرْ، لا ظاهِرَةً ولا مُقَدَّرَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِيها، وهي عِنْدَنا مِنَ الظُّرُوفِ الَّتِي لا يُتَصَرَّفُ فِيها إلّا بِإضافَةِ اسْمِ زَمانٍ إلَيْها عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، فالَّذِي نَخْتارُهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ، تَقْدِيرُهُ: وأنْعَمْنا عَلَيْكم إذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وتَقْدِيرُ هَذا الفِعْلِ أوْلى مَن كُلِّ ما قَدَّمْناهُ، وخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (أنْجَيْناكم) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمٍ في قَوْلِهِ: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ﴾ [البقرة: ٤٧] لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الإنْجاءُ مِن عَدُوِّهِمْ، هو مِن أعْظَمِ، أوْ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَناسَبَ الأعْظَمَ نِسْبَتُهُ لِلْمُعَظِّمِ نَفْسَهُ، وقُرِئَ: أنْجَيْناكم، والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ، كالتَّضْعِيفِ في نَجَّيْناكم، ونُسِبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ لِلنَّخَعِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَرَأ: أنْجَيْتُكم، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ مُوافِقًا لِلضَّمِيرِ في (نِعْمَتِي) والمَعْنى: خَلَّصْتُكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ التَّخْلِيصَ مِنهم لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ كانُوا يُباشِرُونَهم بِهَذِهِ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ، وإنْ كانَ أمَرَهم بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، وآلُ فِرْعَوْنَ هُنا أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، أوْ أتْباعُهُ عَلى ذَنْبِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، ومِنهُ: ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وهم أتْباعُهُ عَلى ذَنْبِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، ولا بِنْتٌ، ولا ابْنٌ، ولا عَمٌّ، ولا أخٌ، ولا عَصَبَةٌ. وأدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ. ورُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: «مَن آلُكَ ؟ فَقالَ: ”كُلُّ تَقِيٍّ“» . ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الثّانِي: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ. والمُرادُ بِالآلِ هُنا: آلُ عَقِيلٍ، وآلُ عَبّاسٍ، وآلُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومَوالِيهِمْ، ووَرَدَ أيْضًا أنَّ آلَهُ: أزْواجُهُ وذُرِّيَّتُهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آلٌ عامٌّ وآلٌ خاصٌّ.

وفِرْعَوْنُ: عَلَمٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ، كَما قِيلَ: قَيْصَرُ، لِمَن مَلَكَ الرُّومَ، وكِسْرى، لِمَن مَلَكَ الفُرْسَ، والنَّجاشِيُّ، لِمَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وتُبَّعٌ، لِمَن مَلَكَ اليَمَنَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو اسْمٌ لِكُلَّ مَن مَلَكَ القِبْطَ ومِصْرَ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ: إذا تَجَبَّرَ وعَتا، واسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أوْ فُنْطُوسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، أوْ مُغِيثٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، أوْ قابُوسُ، …

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] . .

الفَرْقُ: الفَصْلُ، فَرَقَ بَيْنَ كَذا وكَذا: فَصَلَ، وفَرَّقَ كَذا: فَصَلَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: الفَرْقُ في شَعْرِ الرَّأْسِ، والفَرِيقُ، والفُرْقانُ، والتَّفَرُّقُ، والفَرْقُ المَفْرُوقُ، كالطَّحْنِ. والفَرْقُ ضِدُّهُ: الجَمْعُ، ونَظائِرُهُ: الفَصْلُ، وضِدُّهُ: الوَصْلُ، والشِّقُّ والصَّدْعُ وضِدُّهُما اللَّأْمُ، والتَّمْيِيزُ وضِدُّهُ الِاخْتِلاطُ. وقِيلَ: يُقالُ فَرَقَ في المَعانِي، وفَرَّقَ في الأجْسامِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. البَحْرُ: مَكانٌ مُطَمْئِنٌّ مِنَ الأرْضِ يَجْمَعُ المِياهَ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أبْحُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى بُحُورٍ وبِحارٍ، وأصْلُهُ قِيلَ: الشِّقُّ، وقِيلَ: السَّعَةُ. فَمِنَ الأوَّلِ: البَحِيرَةُ، وهي الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها، ومِنَ الثّانِي: البُحَيْرَةُ، المَدِينَةُ المُتَّسِعَةُ، وفَرَسٌ بَحْرٌ: واسْعُ العَدْوِ، وتَبَحَّرَ في العِلْمِ: أيِ اتَّسَعَ، وقالَ:

؎انْعِقْ بِضَأْنِكَ في بَقْلٍ تُبَحِّرُهُ مِنَ الأباطِحِ واحْبِسْها بِحَلْدانِ

وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الماءِ الحُلْوِ والماءِ المِلْحِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] "، وجاءَ اسْتِعْمالُهُ لِلْمِلْحِ، ويُقالُ: هو الأصْلُ فِيهِ. أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:

؎وقَدْ عادَ عَذْبُ الماءِ بَحْرًا فَزادَنِي ∗∗∗ عَلى مَرَضٍ أنْ أبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ

أيْ صارَ مِلْحًا.

الغَرَقُ مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَفْعَلُ بِالفَتْحِ، قالَ:

؎وتاراتٍ يَجِمُّ فَيَغْرَقُ

والتَّغْرِيقُ، والتَّعْوِيصُ، والتَّرْسِيبُ، والتَّغْيِيبُ، بِمَعْنًى واحِدٍ. النَّظَرُ: تَصْوِيبُ المُقْلَةِ إلى المَرْئِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى الرُّؤْيَةِ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى، ويُعَلَّقُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا، ونَظَرَهُ وانْتَظَرَهُ وأنْظَرَهُ: أخَّرَهُ، والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ.

وعَدَ: في الخَيْرِ والشَّرِّ، والوَعْدُ في الخَيْرِ، وأوْعَدَ في الشَّرِّ، والإيعادُ والوَعِيدُ في الشَّرِّ. مُوسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.

يُقالُ: هو مُرَكَّبٌ مِن مُو: وهو الماءُ، وشاوَ: وهو الشَّجَرُ، فَلَمّا عُرِّبَ أبْدَلُوا شِينَهُ سِينًا، وإذا كانَ أعْجَمِيًّا فَلا يَدْخُلُهُ اشْتِقاقٌ عَرَبِيٌّ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ، فَقالَ مَكِّيٌّ: مُوسى مُفْعَلٌ مَن أوْسَيْتُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مُشْتَقٌّ مِن ماسَ يَمِيسُ، ووَزْنُهُ: فُعْلًى، فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها، كَما قالُوا: طُوبى، وهي مِن ذَواتِ الياءِ؛ لِأنَّها مِن طابَ يَطِيبُ. وكَوْنُ وزْنِهُ فُعْلًى هو مَذْهَبُ المُعْرِبِينَ، وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ وزْنَ مُوسى مُفْعَلٌ، وذَلِكَ فِيما لا يَنْصَرِفُ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ في الأبْنِيَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ زِيادَةَ المِيمِ أوَّلًا أكْثَرُ مِن زِيادَةِ الألِفِ آخِرًا، واحْتَجَّ الفارِسِيُّ عَلى كَوْنِهِ مُفْعَلًا لا فُعْلًى، بِالإجْماعِ عَلى صَرْفِهِ نَكِرَةً، ولَوْ كانَ فُعْلًى لَمْ يَنْصَرِفْ نَكِرَةً؛ لِأنَّ الألِفَ كانَتْ تَكُونُ لِلتَّأْنِيثِ، وألِفُ التَّأْنِيثِ وحْدَها تَمْنَعُ الصَّرْفَ في المَعْرِفَةِ …

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.