Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾: أفْرَدَ الإيمان بالقرآن بِالأمْرِ بِهِ؛ لِما أنَّهُ العُمْدَةُ القُصْوى في شَأْنِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ.

﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾: مِنَ التَّوْراةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِعِلْمِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ لَها؛ فَإنَّ المَعِيَّةَ مَئِنَّةٌ لِتَكَرُّرِ المُراجَعَةِ إلَيْها؛ والوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِها؛ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها؛ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ فِيها؛ أوْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُوافِقٌ لَها في القَصَصِ؛ والمَواعِيدِ؛ والدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ؛ وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَها في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ المُتَفاوِتَةِ بِسَبَبِ تَفاوُتِ الأعْصارِ؛ فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ؛ بَلْ هي مُوافَقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنها حَقٌّ؛ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ وزَمانِهِ؛ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكَمِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّشْرِيعِ؛ ولَيْسَ في التَّوْراةِ دَلالَةٌ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِها المَنسُوخَةِ؛ حَتّى يُخالِفَها ما يَنْسَخُها؛ وإنَّما تَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّتِها مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَقائِها وزَوالِها؛ بَلْ نَقُولُ: هي ناطِقَةٌ بِنَسْخِ تِلْكَ الأحْكامِ؛ فَإنَّ نُطْقَها بِصِحَّةِ القرآن النّاسِخِ لَها نُطْقٌ بِنَسْخِها؛ فَإذَنْ مَناطُ المُخالَفَةِ في الأحْكامِ المَنسُوخَةِ إنَّما هو اخْتِلافُ العَصْرِ؛ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَأخِّرِ؛ ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ قَطْعًا؛ ولِذَلِكَ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي"؛» وتَقْيِيدُ المُنْزَلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ؛ فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم مِمّا يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا.

﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾: أيْ: لا تُسارِعُوا إلى الكُفْرِ بِهِ؛ فَإنَّ وظِيفَتَكم أنْ تَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ؛ لِما أنَّكم تَعْرِفُونَ شَأْنَهُ؛ وحَقِّيَّتَهُ؛ بِطَرِيقِ التَّلَقِّي؛ مِمّا مَعَكم مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؛ وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ وتُبَشِّرُونَ

بِزَمانِهِ؛ كَما سَيَجِيءُ؛ فَلا تَضَعُوا مَوْضِعَ ما يُتَوَقَّعُ مِنكُمْ؛ ويَجِبُ عَلَيْكم ما لا يُتَوَهَّمُ صُدُورُهُ عَنْكُمْ؛ مِن كَوْنِكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ؛ ووُقُوعُ "أوَّلَ كافِرٍ بِهِ" خَبَرًا مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ بِتَأْوِيلِ: "أوَّلَ فَرِيقٍ" أوْ "فَوْجٍ"؛ أوْ بِتَأْوِيلِ: "لا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ"؛ كَقَوْلِكَ: "كَسانا حُلَّةً". ونَهْيُهم عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ بِهِ - مَعَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ أقْدَمُ مِنهم - لِما أنَّ المُرادَ بِهِ التَّعْرِيضُ؛ لا الدَّلالَةُ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الظّاهِرِ؛ كَقَوْلِكَ: "أمّا أنا فَلَسْتُ بِجاهِلٍ"؛ لِأنَّ المُرادَ نَهْيُهم عَنْ كَوْنِهِمْ أوَّلَ كافِرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ أوْ مِمَّنْ كَفَرَ بِما عِنْدَهُ؛ فَإنَّ مَن كَفَرَ بِالقرآن فَقَدْ كَفَرَ بِما يُصَدِّقُهُ؛ أوْ مِثْلَ مَن كَفَرَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ و"أوَّلُ": "أفْعَلُ"؛ لا فِعْلَ لَهُ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "أوْألُ"؛ مِن "وَألَ إلَيْهِ"؛ إذا نَجا وخَلَصَ؛ فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ واوًا تَخْفِيفًا غَيْرَ قِياسِيٍّ؛ أوْ "أأْوَلُ"؛ مِن "آلَ"؛ فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا؛ وأُدْغِمَتْ.

﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾: أيْ لا تَأْخُذُوا لِأنْفُسِكم …

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ واللَّبْسُ: الخَلْطُ؛ وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطَيْنِ؛ والمَعْنى: لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنْزَلَ؛ بِالباطِلِ الَّذِي تَخْتَرِعُونَهُ؛ وتَكْتُبُونَهُ؛ حَتّى يَشْتَبِهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ؛ أوْ: لا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا بِسَبَبِ الباطِلِ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ في تَضاعِيفِهِ؛ أوْ تَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ.

﴿وَتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾: مَجْزُومٌ؛ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ؛ كَأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ؛ وتَرْكِ الضَّلالِ؛ ونُهُوا عَنِ الإضْلالِ بِالتَّلْبِيسِ عَلى مَن سَمِعَ الحَقَّ؛ والإخْفاءِ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ. أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أنْ"؛ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ؛ أيْ: لا تَجْمَعُوا بَيْنَ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ؛ وبَيْنَ كِتْمانِهِ؛ ويَعْضُدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَتَكْتُمُونَ"؛ أيْ: وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ؛ أيْ: كاتِمِينَ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِقْباحَ اللَّبْسِ لِما يَصْحَبُهُ مِن كِتْمانِ الحَقِّ. وتَكْرِيرُ "الحَقَّ" إمّا لِأنَّ المُرادَ بِالأخِيرِ لَيْسَ عَيْنَ الأوَّلِ؛ بَلْ هو نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَتَمُوهُ؛ وكَتَبُوا مَكانَهُ غَيْرَهُ؛ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾؛ وإمّا لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ.

﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أيْ كَوْنَكم عالِمِينَ بِأنَّكم لابِسُونَ؛ كاتِمُونَ؛ أوْ: "وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ"؛ أوْ: "وَأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ"؛ ولَيْسَ إيرادُ الحالِ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾؛ بَلْ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ.

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: أيْ صَلاةَ المُسْلِمِينَ؛ وزَكاتَهم؛ فَإنَّ غَيْرَهُما بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِهُ صَلاةً وزَكاةً؛ أمَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِفُرُوعِ الإسْلامِ بَعْدَ الأمْرِ بِأُصُولِهِ.

﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾: أيْ في جَماعَتِهِمْ؛ فَإنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ تُفَضَّلُ عَلى صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ؛ وعُبِّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالرُّكُوعِ؛ احْتِرازًا عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ؛ وقِيلَ: الرُّكُوعُ: الخُضُوعُ؛ والِانْقِيادُ لِما يُلْزِمُهُمُ الشّارِعُ؛ قالَ الأضْبَطُ بْنُ قُرَيْعٍ السَّعْدِيُّ:

؎ لا تَحْقِرَنَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى بَعْضِهِمْ؛ بَعْدَ تَوْجِيهِهِ إلى الكُلِّ؛ والهَمْزَةُ فِيها تَقْرِيرٌ مَعَ تَوْبِيخٍ؛ وتَعْجِيبٍ. والبِرُّ: التَّوَسُّعُ في الخَيْرِ؛ مِن "البَرُّ"؛ الَّذِي هو الفَضاءُ الواسِعُ؛ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أصْنافِ الخَيْراتِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: البِرُّ ثَلاثَةٌ: بِرٌّ في عِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وبِرٌّ في مُراعاةِ الأقارِبِ؛ وبِرٌّ في مُعامَلَةِ الأجانِبِ.

﴿وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾: أيْ: تَتْرُكُونَها مِنَ البِرِّ؛ كالمَنسِيّاتِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ المَدِينَةِ؛ كانُوا يَأْمُرُونَ سِرًّا مَن نَصَحُوهُ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولا يَتَّبِعُونَهُ؛ طَمَعًا في الهَدايا والصِّلاتِ الَّتِي كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ مِن أتْباعِهِمْ؛ وقِيلَ: كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ ولا يَتَصَدَّقُونَ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "إنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ويَنْهَوْنَهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ؛ وهم يَتْرُكُونَ الطّاعَةَ؛ ويُقْدِمُونَ عَلى المَعْصِيَةِ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالصَّلاةِ؛ والزَّكاةِ؛ وهم يَتْرُكُونَهُما". ومَدارُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ هي الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ؛ دُونَ ما عُطِفَتْ هي عَلَيْهِ.

﴿وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾: تَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ وتَقْرِيعٌ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ والحالُ أنَّكم تَتْلُونَ التَّوْراةَ النّاطِقَةَ بِنُعُوتِهِ ﷺ الآمِرَةَ بِالإيمانِ بِهِ؛ أوْ بِالوَعْدِ بِفِعْلِ الخَيْرِ؛ والوَعِيدِ عَلى الفَسادِ؛ والعِنادِ؛ وتَرْكِ البِرِّ؛ ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: أيْ: "أتَتْلُونَهُ فَلا تَعْقِلُونَ ما فِيهِ؛ أوْ قُبْحَ ما تَصْنَعُونَ؛ حَتّى تَرْتَدِعُوا عَنْهُ؟"؛ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى عَدَمِ العَقْلِ؛ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ؛ فالمُبالَغَةُ مِن حَيْثُ الكَيْفُ؛ أوْ: "ألا تَتَأمَّلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ؟"؛ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى كِلا الأمْرَيْنِ؛ والمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ الكَمُّ. والعَقْلُ في الأصْلِ: المَنعُ؛ والإمْساكُ؛ ومِنهُ "العِقالُ"؛ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ وظِيفُ البَعِيرِ إلى ذِراعِهِ؛ لِحَبْسِهِ عَنِ الحَراكِ؛ سُمِّيَ بِهِ النُّورُ الرُّوحانِيُّ؛ الَّذِي بِهِ تُدْرِكُ النَّفْسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ؛ والنَّظَرِيَّةَ؛ لِأنَّهُ يَحْبِسُهُ عَنْ تَعاطِي ما يَقْبُحُ؛ ويَعْقِلُهُ عَلى ما يَحْسُنُ؛ والآيَةُ - كَما تَرى - ناعِيَةٌ عَلى كُلِّ مَن يَعِظُ غَيْرَهُ ولا يَتَّعِظُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ؛ وعَدَمِ تَأثُّرِهِ؛ وأنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الجاهِلِ بِالشَّرْعِ؛ أوِ الأحْمَقِ الخالِي عَنِ العَقْلِ؛ والمُرادُ بِها - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - حَثُّهُ عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ؛ والإقْبالِ عَلَيْها بِالتَّكْمِيلِ؛ لِتَقُومَ بِالحَقِّ؛ فَتُقِيمَ غَيْرَها؛ لا مَنعُ الفاسِقِ عَنِ الوَعْظِ. يُرْوى أنَّهُ كانَ عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ مُؤَثِّرَ الكَلامِ؛ قَوِيَّ التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ؛ وكانَ كَثِيرًا ما يَمُوتُ مِن أهْلِ مَجْلِسِهِ واحِدٌ أوِ اثْنانِ؛ مِن شِدَّةِ تَأْثِيرِ وعْظِهِ؛ وكانَ في بَلَدِهِ عَجُوزٌ لَها ابْنٌ صالِحٌ؛ رَقِيقُ القَلْبِ؛ سَرِيعُ الِانْفِعالِ؛ وكانَتْ تَحْتَرِزُ عَلَيْهِ؛ وتَمْنَعُهُ مِن حُضُورِ مَجْلِسِ الواعِظِ؛ فَحَضَرَهُ يَوْمًا عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنها؛ فَوَقَعَ مِن أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) ما وقَعَ؛ ثُمَّ إنَّ العَجُوزَ لَقِيَتِ الواعِظَ يَوْمًا في الطَّرِيقِ؛ فَقالَتْ:

؎ لَتَهْدِي الأنامَ وَلا تَهْتَدِي ∗∗∗ ألا إنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ

؎ فَيا حَجَرَ الشَّحْذِ حَتّى …

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾: مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهم لَمّا كُلِّفُوا ما فِيهِ مَشَقَّةٌ - مِن تَرْكِ الرِّياسَةِ؛ والإعْراضِ عَنِ المالِ - عُولِجُوا بِذَلِكَ؛ والمَعْنى: اسْتَعِينُوا عَلى حَوائِجِكم بِانْتِظارِ النُّجْحِ؛ والفَرَجِ؛ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ بِالصَّوْمِ الَّذِي هو الصَّبْرُ عَنِ المُفْطِراتِ؛ لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الشَّهْوَةِ؛ وتَصْفِيَةِ النَّفْسِ؛ والتَّوَسُّلِ في الصَّلاةِ؛ والِالتِجاءِ إلَيْها؛ فَإنَّها جامِعَةٌ لِأنْواعِ العِباداتِ النَّفْسانِيَّةِ؛ والبَدَنِيَّةِ؛ مِنَ الطَّهارَةِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ؛ وصَرْفِ المالِ فِيهِما؛ والتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ؛ والعُكُوفِ عَلى العِبادَةِ؛ وإظْهارِ الخُشُوعِ بِالجَوارِحِ؛ وإخْلاصِ النِّيَّةِ بِالقَلْبِ؛ ومُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ؛ ومُناجاةِ الحَقِّ؛ وقِراءَةِ القرآن؛ والتَّكَلُّمِ بِالشَّهادَةِ؛ وكَفِّ النَّفْسِ عَنِ الأطْيَبَيْنِ؛ حَتّى تَجابُّوا إلى تَحْصِيلِ المَآرِبِ؛ وجَبْرِ المَصائِبِ؛ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ؛» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الدُّعاءُ.

﴿وَإنَّها﴾: أيْ الِاسْتِعانَةَ بِهِما؛ أوِ الصَّلاةَ؛ وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها؛ واشْتِمالِها عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الصَّبْرِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾؛ أوْ جُمْلَةَ ما أُمِرُوا بِها؛ ونُهُوا عَنْها.

﴿لَكَبِيرَةٌ﴾: لَثَقِيلَةٌ؛ شاقَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾؛ ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾: الخُشُوعُ: الإخْباتُ؛ ومِنهُ "الخُشْعَةُ"؛ لِلرَّمْلَةِ المُتَطامِنَةِ. والخُضُوعُ: اللِّينُ؛ والِانْقِيادُ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ: الخُشُوعُ بِالجَوارِحِ؛ والخُضُوعُ بِالقَلْبِ. وإنَّما لَمْ تَثْقُلْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ ما أُعِدَّ لَهم بِمُقابَلَتِها؛ فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ؛ ولِأنَّهم يَسْتَغْرِقُونَ في مُناجاةِ رَبِّهِمْ؛ فَلا يُدْرِكُونَ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ؛ ولِذَلِكَ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "وَقُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ"؛» والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: أيْ: يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَهُ (تَعالى)؛ ونَيْلَ ما عِنْدَهُ مِنَ المَثُوباتِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِفَيَضانِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ. أوْ: يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ؛ فَيَعْمَلُونَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ؛ رَغْبَةً؛ ورَهْبَةً؛ وأمّا الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالجَزاءِ؛ ولا يَرْجُونَ الثَّوابَ؛ ولا يَخافُونَ العِقابَ؛ كانَتْ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً خالِصَةً؛ فَتَثْقُلُ عَلَيْهِمْ كالمُنافِقِينَ؛ والمُرائِينَ؛ فالتَّعَرُّضُ لِلْعُنْوانِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الربوبية؛ والمالِكِيَّةِ لِلْحُكْمِ؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "يَعْلَمُونَ"؛ وكَأنَّ الظَّنَّ - لَمّا شابَهَ العِلْمَ في الرُّجْحانِ - أُطْلِقَ عَلَيْهِ؛ لِتَضْمِينِ مَعْنى التَّوَقُّعِ؛ قالَ:

؎ فَأرْسَلْتُهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ ∗∗∗ مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ

وَجَعْلُ خَبَرِ "أنَّ" في المَوْضِعَيْنِ اسْمًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ اللِّقاءِ؛ والرُّجُوعِ؛ وتَقَرُّرِهِما عِنْدَهم.

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: كُرِّرَ التَّذْكِيرُ لِلتَّأْكِيدِ؛ ولِرَبْطِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِهِ.

﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "نِعْمَتِيَ"؛ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِكَمالِهِ؛ أيْ: "فَضَّلْتُ آباءَكُمْ"؛ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾: أيْ: "عالَمِي زَمانِهِمْ؛ بِما مَنَحْتُهم مِنَ العِلْمِ؛ والإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ وجَعَلْتُهم أنْبِياءَ؛ ومُلُوكًا مُقْسِطِينَ"؛ وهم آباؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وبَعْدَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا؛ .

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾: أيْ: حِسابَ يَوْمٍ؛ أوْ: عَذابَ يَوْمٍ؛ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أيْ: لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ؛ فانْتِصابُ "شَيْئًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أوْ: شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ؛ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "لا تُجْزِئُ"؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنْها؛ فَيَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ وإيرادُهُ مُنَكَّرًا - مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسِ - لِلتَّعْمِيمِ؛ والإقْناطِ الكُلِّيِّ؛ والجُمْلَةُ صِفَةُ "يَوْمًا"؛ والعائِدِ مِنها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لا تَجْزِي فِيهِ؛ ومَن لَمْ يُجَوِّزُ الحَذْفَ قالَ: اتُّسِعَ فِيهِ؛ فَحُذِفَ الجارُّ؛ وأُجْرِيَ المَجْرُورُ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ؛ ثُمَّ حُذِفَ؛ كَما حُذِفَ في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ فَما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا

أيْ: أصابُوهُ.

﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾: أيْ: مِنَ النَّفْسِ الثّانِيَةِ العاصِيَةِ؛ أوْ مِنَ الأُولى؛ والشَّفاعَةُ: مِن "الشَّفْعُ"؛ كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ فَرْدًا؛ فَجَعَلُهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا؛ والعَدْلُ: الفِدْيَةُ؛ وقِيلَ: البَدَلُ؛ وأصْلُهُ "التَّسْوِيَةُ"؛ سُمِّيَ بِهِ الفِدْيَةُ لِأنَّها تُساوِي المَفْدِيَّ؛ وتَجْزِي مَجْزاهُ؛ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾: أيْ: يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والضَّمِيرُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنَكَّرَةُ؛ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ؛ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ؛ والتَّذْكِيرُ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ العِبادِ؛ والأناسِيِّ؛ والنُّصْرَةُ هَهُنا أخَصُّ مِنَ المَعُونَةِ؛ لِاخْتِصاصِها بِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ نَفْيُ أنْ يَدْفَعَ العَذابَ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ؛ مِن كُلِّ وجْهٍ مُحْتَمَلٍ؛ فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَهْرًا أوْ لا؛ والأوَّلُ النُّصْرَةُ؛ والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مَجّانًا أوْ لا؛ والأوَّلُ الشَّفاعَةُ؛ والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ بِأداءِ عَيْنِ ما كانَ عَلَيْهِ؛ وهو أنْ يَجْزِيَ عَنْهُ؛ أوْ بِأداءِ غَيْرِهِ؛ وهو أنْ يُعْطِيَ عَنْهُ عَدْلًا؛ وقَدْ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ والجَوابُ أنَّها خاصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِلْآياتِ الوارِدَةِ في الشَّفاعَةِ؛ والأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ فِيها؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهُمْ؛ ولِرَدِّهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقادِ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم.

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾: تَذْكِيرٌ لِتَفاصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾؛ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ؛ وصُنُوفِ الآلاءِ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاكُمْ؛ أيْ: آباءَكُمْ؛ فَإنَّ تَنْجِيَتَهم تَنْجِيَةٌ لِأعْقابِهِمْ؛ وقُرِئَ: "أنْجَيْتُكُمْ"؛ وأصْلُ "آلٌ": "أهْلٌ"؛ لِأنَّ تَصْغِيرَهُ "أُهَيْلٌ"؛ وخُصَّ بِالإضافَةِ إلى أُولِي الأخْطارِ؛ كالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُلُوكِ. و"فِرْعَوْنُ": لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ؛ كَـ "كِسْرى"؛ لِمَلِكِ الفُرْسِ؛ و"قَيْصَرُ"؛ لِمَلِكِ الرُّومِ؛ و"خاقانُ"؛ لِمَلِكِ التُّرْكِ. ولِعُتُوِّهِ اشْتُقَّ مِنهُ "تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ"؛ إذا عَتا وتَمَرَّدَ؛ وكانَ فِرْعَوْنُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصْعَبَ بْنَ رَيّانَ؛ وقِيلَ: ابْنَهُ ولِيدًا؛ مِن بَقايا عادٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ عَطّارًا أصْفَهانِيًّا؛ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ؛ فَأفْلَسَ؛ فاضْطُرَّ إلى الخُرُوجِ؛ فَلَحِقَ بِالشّامِ؛ فَلَمْ يَتَسَنَّ لَهُ المُقامُ بِهِ؛ فَدَخَلَ مِصْرَ؛ فَرَأى في ظاهِرِهِ حِمْلًا مِنَ البِطِّيخِ بِدِرْهَمٍ؛ وفي نَفْسِهِ بِطِّيخًا بِدِرْهَمٍ؛ فَقالَ في نَفْسِهِ: إنْ تَيَسَّرَ لِي أداءُ الدَّيْنِ فَهَذا طَرِيقُهُ؛ فَخَرَجَ إلى السَّوادِ فاشْتَرى حِمْلًا

بِدِرْهَمٍ؛ فَتَوَجَّهَ بِهِ إلى السُّوقِ؛ فَكُلُّ مَن لَقِيَهُ مِنَ المَكّاسِينَ أخَذُوا مِنهُ بِطِّيخًا؛ فَدَخَلَ البَلَدَ وما مَعَهُ إلّا بِطِّيخَةٌ فَذَّةٌ؛ فَباعَها بِدِرْهَمٍ؛ ومَضى لِوَجْهِهِ؛ ورَأى أهْلَ البَلَدِ مَتْرُوكِينَ سُدًى؛ لا يَتَعاطى أحَدٌ سِياسَتَهُمْ؛ وكانَ قَدْ وقَعَ بِهِمْ وباءٌ عَظِيمٌ؛ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ المَقابِرِ؛ فَرَأى مَيْتًا يُدْفَنُ؛ فَتَعَرَّضَ لِأوْلِيائِهِ؛ فَقالَ: أنا أمِينُ المَقابِرِ؛ فَلا أدَعُكم تَدْفِنُونَهُ حَتّى تُعْطُونِي خَمْسَةَ دَراهِمَ؛ فَدَفَعُوها إلَيْهِ؛ ومَضى لِآخَرَ؛ وآخَرَ؛ حَتّى جَمَعَ في مِقْدارِ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ مالًا عَظِيمًا؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ قَطُّ؛ إلى أنْ تَعَرَّضَ يَوْمًا لِأوْلِياءِ مَيْتٍ فَطَلَبَ مِنهم ما كانَ يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِمْ؛ فَأبَوْا ذَلِكَ؛ فَقالُوا: مَن نَصَّبَكَ هَذا المَنصِبَ؟ فَذَهَبُوا بِهِ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ ومَن أقامَكَ بِهَذا المُقامِ؟ قالَ: لَمْ يُقِمْنِي أحَدٌ؛ وإنَّما فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ لِيُحْضِرَنِي أحَدٌ إلى مَجْلِسِكَ؛ فَأُنَبِّهَكَ عَلى اخْتِلالِ قَوْمِكَ؛ وقَدْ جَمَعْتُ بِهَذا الطَّرِيقِ هَذا المِقْدارَ مِنَ المالِ؛ فَأحْضَرَهُ؛ ودَفَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَقالَ: ولِّنِي أُمُورَكَ؛ تَرَنِي أمِينًا كافِيًا؛ فَوَلّاهُ إيّاها؛ فَسارَ بِهِمْ سِيرَةً حَسَنَةً؛ فانْتَظَمَتْ مَصالِحُ العَسْكَرِ؛ واسْتَقامَتْ أحْوالُ الرَّعِيَّةِ؛ ولَبِثَ فِيهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا؛ وتَرامى أمْرُهُ في العَدْلِ والصَّلاحِ؛ فَلَمّا ماتَ فِرْعَوْنُ أقامُوهُ مَقامَهُ؛ فَكانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ. وكانَ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ: رَيّانُ؛ وكانَ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن أرْبَعِمائَةِ سَنَةٍ.

﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: أيْ: يَبْغُونَكُمْ؛ مِن "سامَهُ خَسْفًا"؛ إذا أوْلاهُ ظُلْمًا؛ وأصْلُهُ: "الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ"؛ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾: أيْ: أفْظَعَهُ؛ وأقْبَحَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِهِ؛ و"السُّوءُ": مَصْدَرٌ مِن "ساءَ؛ يَسُوءُ"؛ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَسُومُونَكُمْ"؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "نَجَّيْناكُمْ"؛ أوْ مِن "آلِ فِرْعَوْنَ"؛ أوْ مِنهُما جَمِيعًا؛ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما.

﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾: بَيانٌ لِـ "يَسُومُونَكُمْ"؛ ولِذَلِكَ تُرِكَ …

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾: بَيانٌ لِسَبَبِ التَّنْجِيَةِ؛ وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِها؛ إثْرَ تَذْكِيرِها؛ وبَيانِ عِظَمِها وهَوْلِها؛ وقَدْ بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ نِعْمَةً جَلِيلَةً أُخْرى؛ هي الإنْجاءُ مِنَ الغَرَقِ؛ أيْ: "واذْكُرُوا إذْ فَلَقْناهُ بِسُلُوكِكُمْ؛ أوْ مُلْتَبِسًا بِكم - كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ -؛ أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكُمْ؛ وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ؛ حَتّى حَصَلَتْ مَسالِكُ"؛ وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ؛ بِعَدَدِ الأسْباطِ.

﴿فَأنْجَيْناكُمْ﴾: أيْ: مِنَ الغَرَقِ؛ بِإخْراجِكم إلى السّاحِلِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ العُدُولُ إلى صِيغَةِ الإفْعالِ؛ بَعْدَ إيرادِ التَّخْلِيصِ مِن فِرْعَوْنَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ وكَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أُرِيدَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِهِ مِنهُمْ؛ وقِيلَ: شَخْصُهُ؛ كَما رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ"؛ أيْ: شَخْصِهِ؛ واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ قَوْمِهِ.

﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ ذَلِكَ؛ أوْ غَرَقَهُمْ؛ وإطْباقَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ؛ أوِ انْفِلاقَ البَحْرِ عَنْ طُرُقٍ يابِسَةٍ مُذَلَّلَةٍ؛ أوْ جُثَثَهُمُ الَّتِي قَذَفَها البَحْرُ إلى السّاحِلِ؛ أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) أمَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ فَخَرَجَ بِهِمْ؛ فَصَبَّحَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ؛ وصادَفُوهم عَلى شاطِئِ البَحْرِ؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ؛ فَضَرَبَهُ بِها فَظَهَرَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا؛ فَسَلَكُوها؛ فَقالُوا: نَخافُ أنْ يَغْرَقَ بَعْضُ أصْحابِنا؛ فَلا نَعْلَمَ؛ فَفَتَحَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها كُوًى؛ فَتَراءَوْا؛ وتَسامَعُوا؛ حَتّى عَبَرُوا البَحْرَ؛ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ فَرَآهُ مُنْفَلِقًا اقْتَحَمَهُ هو وجُنُودُهُ؛ فَغَشِيَهم ما غَشِيَهم. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ - كَما أنَّها لِمُوسى مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ؛ تَخِرُّ لَها أُطُمُ الجِبالِ؛ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأوائِلِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِمْ شُكْرَها؛ كَذَلِكَ اقْتِصاصُها عَلى ما هي عَلَيْهِ - مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ جَلِيلَةٌ تَطْمَئِنُّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ وتَنْقادُ لَها النُّفُوسُ الغَبِيَّةُ؛ مُوجِبَةٌ لِأعْقابِهِمْ أنْ يَتَلَقَّوْها بِالإذْعانِ؛ فَلا تَأثَّرَتْ أوائِلُهم بِمُشاهَدَتِها ورُؤْيَتِها؛ ولا تَذَكَّرَتْ أواخِرُهم بِتَذْكِيرِها ورِوايَتِها؛ فَيا لَها مِن عِصابَةٍ ما أعْصاها! وطائِفَةٍ ما أطْغاها!

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.