الٓمٓ
Alif, Lam, Meem.
(سُورَةُ البَقَرَةِ؛ مَدَنِيَّةٌ؛ وهي مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ آيَةً)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الـم﴾: الألْفاظُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُرُوفِ المُعْجَمِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُقَطَّعاتُ المَرْقُومَةُ في فَواتِحِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ أسْماءً لَها؛ لِانْدِراجِها تَحْتَ حَدِّ الِاسْمِ؛ ويَشْهَدُ بِهِ ما يَعْتَرِيها مِنَ التَّعْرِيفِ؛ والتَّنْكِيرِ؛ والجَمْعِ؛ والتَّصْغِيرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ الِاسْمِ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أساطِينُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ؛ وما وقَعَ في عِباراتِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِيَّتِها مَحْمُولٌ عَلى المُسامَحَةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ؛ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ لا أقُولُ "الـم" حَرْفٌ؛ بَلْ "ألِفٌ" حَرْفٌ؛ و"لامٌ" حَرْفٌ؛ و"مِيمٌ" حَرْفٌ"؛» وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ؛ والدّارِمِيِّ: « "لا أقُولُ "الـم" حَرْفٌ؛ و"ذَلِكَ الكِتابُ" حَرْفٌ؛ ولَكِنِ الألِفُ حَرْفٌ؛ واللّامُ حَرْفٌ؛ والمِيمُ حَرْفٌ؛ والذّالُ حَرْفٌ؛ والكافُ حَرْفٌ"؛» فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ قَطْعًا؛ فَإنَّ إطْلاقَ الحَرْفِ عَلى ما يُقابِلُ الِاسْمَ والفِعْلَ عُرْفٌ جَدِيدٌ؛ اخْتَرَعَهُ أئِمَّةُ الصِّناعَةِ؛ وإنَّما الحَرْفُ عِنْدَ الأوائِلِ ما يَتَرَكَّبُ مِنهُ الكَلِمُ؛ مِنَ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ؛ ورُبَّما يُطْلَقُ عَلى الكَلِمَةِ أيْضًا تَجَوُّزًا؛ فَأُرِيدَ بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ؛ وزِيادَةُ تَعْيِينِ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الحَسَنَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ بِعَدَدِ الكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ بَلْ بِعَدَدِ حُرُوفِها المَكْتُوبَةِ في المَصاحِفِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ ذِكْرُ كِتابِ اللَّهِ؛ دُونَ كَلامِ اللَّهِ؛ أوِ القرآن؛ ولَيْسَ هَذا مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَدْلُولِهِ في شَيْءٍ؛ كَما قِيلَ؛ كَيْفَ لا والمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالحَرْفِيَّةِ واسْتِتْباعِ الحَسَنَةِ إنَّما هي المُسَمَّياتُ البَسِيطَةُ الواقِعَةُ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - سَواءٌ عُبِّرَ عَنْها بِأسْمائِها؛ أوْ بِأنْفُسِها كَما في قَوْلِكَ: السِّينُ مُهْمَلَةٌ؛ والشِّينُ مُعْجَمَةٌ مُثَلَّثَةٌ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَصْدُقُ المَحْمُولُ [فِيها] إلّا عَلى ذاتِ المَوْضُوعِ - لا أسْماؤُها المُؤَلَّفَةُ؛ كَما إذا قُلْتَ: الألِفُ مُؤَلَّفٌ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ؟! فَكَما أنَّ الحَسَناتِ في قِراءَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): "ذَلِكَ الكِتابُ"؛ بِمُقابَلَةِ حُرُوفِهِ البَسِيطَةِ؛ ومُوافِقَةٌ لِعَدَدِها؛ كَذَلِكَ في قِراءَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): "الـم"؛ بِمُقابَلَةِ حُرُوفِهِ الثَّلاثَةِ المَكْتُوبَةِ؛ ومُوافِقَةٌ لِعَدَدِها؛ لا بِمُقابَلَةِ أسْمائِها المَلْفُوظَةِ والألِفاتِ المُوافِقَةِ في العَدَدِ؛ إذِ الحُكْمُ بِأنَّ كُلًّا مِنها حَرْفٌ واحِدٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِحَسَنَةٍ واحِدَةٍ؛ فالعِبْرَةُ في ذَلِكَ بِالمُعَبَّرِ عَنْهُ؛ دُونَ المُعَبَّرِ بِهِ؛ ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أنَّ اسْتِتْباعَ الحَسَنَةِ مَنُوطٌ بِإفادَةِ المَعْنى المُرادِ بِالكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ فَكَما أنَّ سائِرَ الكَلِماتِ الشَّرِيفَةِ لا تُفِيدُ مَعانِيَها إلّا بِتَلَفُّظِ حُرُوفِها بِأنْفُسِها؛ كَذَلِكَ الفَواتِحُ المَكْتُوبَةُ لا تُفِيدُ المَعانِيَ المَقْصُودَةَ بِها إلّا بِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِأسْمائِها؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ تَلَفُّظًا بِالمُسَمَّياتِ كالقِسْمِ الأوَّلِ؛ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما؛ ألا يُرى إلى ما في الرِّوايَةِ …