وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾: شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَعْدَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ؛ وتَفْسِيرًا لِإبْهامِهِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قالَ"؛ والِابْتِداءُ بِحِكايَةِ التَّعْلِيمِ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ المَحْكِيَّةِ إنَّما جَرَتْ بَعْدَ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَحْضَرٍ مِنهُ؛ وهو الأنْسَبُ بِوُقُوفِ المَلائِكَةِ عَلى أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ بِأنْ قِيلَ - إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ -: إنِّي جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً؛ فَقِيلَ ما قِيلَ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وإيرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِهِ العَلَمِيِّ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُرادِ بِالخَلِيفَةِ؛ ولِأنَّ ذِكْرَهُ بِعُنْوانِ الخِلافَةِ لا يُلائِمُ مَقامَ تَمْهِيدِ مَبادِيها؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ والأقْرَبُ أنَّ وزْنَهُ "فاعِلُ" كَـ "شالِخُ"؛ و"عاذِرُ"؛ و"عابِرُ"؛ و"فالِغُ"؛ لا "أفْعَلُ"؛ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِ مِن "الأُدْمَةُ"؛ أوْ "الأدَمَةُ"؛ بِالفَتْحِ؛ بِمَعْنى الأُسْوَةِ؛ أوْ مِن "أدِيمُ الأرْضِ"؛ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِن «أنَّهُ (تَعالى) قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ؛ سَهْلِها وحَزْنِها؛ فَخَلَقَ مِنها آدَمَ؛» ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ ألْوانُ ذُرِّيَّتِهِ. أوْ مِن "الأدْمُ"؛ و"الأدْمَةُ": بِمَعْنى "الأُلْفَةُ"؛ تَعَسُّفٌ؛ كاشْتِقاقِ "إدْرِيسُ" مِن "الدَّرْسُ"؛ و"يَعْقُوبُ" مِن "العَقْبُ"؛ و"إبْلِيسُ" مِن "الإبْلاسُ". والِاسْمُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ؛ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مِنَ الألْفاظِ؛ والصِّفاتِ؛ والأفْعالِ؛ واسْتِعْمالُهُ عُرْفًا في اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِمَعْنًى؛ مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا؛ مُخْبَرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا؛ أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما؛ واصْطِلاحًا: في المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ؛ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالزَّمانِ؛ والمُرادُ هَهُنا: إمّا الأوَّلُ؛ أوِ الثّانِي؛ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْأوَّلِ؛ إذِ العِلْمُ بِالألْفاظِ - مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى المَعانِي - مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِها؛ والتَّعْلِيمُ - حَقِيقَةً - عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِلا تَخَلُّفِ عَنْهُ؛ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إضافَةِ المُعَلِّمِ؛ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِعْدادِ المُتَعَلِّمِ لِقَبُولِ الفَيْضِ؛ وتَلَقِّيهِ مِن جِهَتِهِ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "الهُدى"؛ وهو السِّرُّ في إيثارِهِ عَلى الإعْلامِ والإنْباءِ؛ فَإنَّهُما إنَّما يَتَوَقَّفانِ عَلى سَماعِ الخَبَرِ؛ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ البَشَرُ؛ والمَلِكُ؛ وبِهِ يَظْهَرُ أحَقِّيَّتُهُ بِالخِلافَةِ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِما أنَّ جِبِلَّتَهم غَيْرُ مُسْتَعِدَّةٍ لِلْإحاطَةِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ الجُزْئِيّاتِ الجُسْمانِيَّةِ خُبْرًا؛ فَمَعْنى تَعْلِيمِهِ (تَعالى) إيّاهُ: أنْ يَخْلُقَ فِيهِ إذْ ذاكَ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا تَفْصِيلِيًّا بِأسْماءِ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ؛ وأحْوالِها؛ وخَواصِّها اللّائِقَةِ بِكُلٍّ مِنها؛ أوْ يُلْقِيَ في رُوعِهِ تَفْصِيلًا أنَّ هَذا فَرَسٌ؛ وشَأْنُهُ كَيْتُ وكَيْتُ؛ وذاكَ بَعِيرٌ؛ وحالُهُ ذَيْتُ وذَيْتُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ؛ فَيَتَلَقّاها - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ قابِلِيَّتُهُ المُتَفَرِّعَةُ عَلى فِطْرَتِهِ المُنْطَوِيَةِ عَلى طَبائِعَ مُتَبايِنَةٍ؛ وقُوًى مُتَخالِفَةٍ؛ وعَناصِرَ مُتَغايِرَةٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وقَتادَةُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: عَلَّمَهُ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ؛ حَتّى …