Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 31–40 of 286

31

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾: شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَعْدَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ؛ وتَفْسِيرًا لِإبْهامِهِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قالَ"؛ والِابْتِداءُ بِحِكايَةِ التَّعْلِيمِ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ المَحْكِيَّةِ إنَّما جَرَتْ بَعْدَ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَحْضَرٍ مِنهُ؛ وهو الأنْسَبُ بِوُقُوفِ المَلائِكَةِ عَلى أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ بِأنْ قِيلَ - إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ -: إنِّي جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً؛ فَقِيلَ ما قِيلَ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وإيرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِهِ العَلَمِيِّ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُرادِ بِالخَلِيفَةِ؛ ولِأنَّ ذِكْرَهُ بِعُنْوانِ الخِلافَةِ لا يُلائِمُ مَقامَ تَمْهِيدِ مَبادِيها؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ والأقْرَبُ أنَّ وزْنَهُ "فاعِلُ" كَـ "شالِخُ"؛ و"عاذِرُ"؛ و"عابِرُ"؛ و"فالِغُ"؛ لا "أفْعَلُ"؛ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِ مِن "الأُدْمَةُ"؛ أوْ "الأدَمَةُ"؛ بِالفَتْحِ؛ بِمَعْنى الأُسْوَةِ؛ أوْ مِن "أدِيمُ الأرْضِ"؛ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِن «أنَّهُ (تَعالى) قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ؛ سَهْلِها وحَزْنِها؛ فَخَلَقَ مِنها آدَمَ؛» ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ ألْوانُ ذُرِّيَّتِهِ. أوْ مِن "الأدْمُ"؛ و"الأدْمَةُ": بِمَعْنى "الأُلْفَةُ"؛ تَعَسُّفٌ؛ كاشْتِقاقِ "إدْرِيسُ" مِن "الدَّرْسُ"؛ و"يَعْقُوبُ" مِن "العَقْبُ"؛ و"إبْلِيسُ" مِن "الإبْلاسُ". والِاسْمُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ؛ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مِنَ الألْفاظِ؛ والصِّفاتِ؛ والأفْعالِ؛ واسْتِعْمالُهُ عُرْفًا في اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِمَعْنًى؛ مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا؛ مُخْبَرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا؛ أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما؛ واصْطِلاحًا: في المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ؛ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالزَّمانِ؛ والمُرادُ هَهُنا: إمّا الأوَّلُ؛ أوِ الثّانِي؛ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْأوَّلِ؛ إذِ العِلْمُ بِالألْفاظِ - مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى المَعانِي - مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِها؛ والتَّعْلِيمُ - حَقِيقَةً - عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِلا تَخَلُّفِ عَنْهُ؛ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إضافَةِ المُعَلِّمِ؛ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِعْدادِ المُتَعَلِّمِ لِقَبُولِ الفَيْضِ؛ وتَلَقِّيهِ مِن جِهَتِهِ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "الهُدى"؛ وهو السِّرُّ في إيثارِهِ عَلى الإعْلامِ والإنْباءِ؛ فَإنَّهُما إنَّما يَتَوَقَّفانِ عَلى سَماعِ الخَبَرِ؛ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ البَشَرُ؛ والمَلِكُ؛ وبِهِ يَظْهَرُ أحَقِّيَّتُهُ بِالخِلافَةِ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِما أنَّ جِبِلَّتَهم غَيْرُ مُسْتَعِدَّةٍ لِلْإحاطَةِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ الجُزْئِيّاتِ الجُسْمانِيَّةِ خُبْرًا؛ فَمَعْنى تَعْلِيمِهِ (تَعالى) إيّاهُ: أنْ يَخْلُقَ فِيهِ إذْ ذاكَ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا تَفْصِيلِيًّا بِأسْماءِ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ؛ وأحْوالِها؛ وخَواصِّها اللّائِقَةِ بِكُلٍّ مِنها؛ أوْ يُلْقِيَ في رُوعِهِ تَفْصِيلًا أنَّ هَذا فَرَسٌ؛ وشَأْنُهُ كَيْتُ وكَيْتُ؛ وذاكَ بَعِيرٌ؛ وحالُهُ ذَيْتُ وذَيْتُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ؛ فَيَتَلَقّاها - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ قابِلِيَّتُهُ المُتَفَرِّعَةُ عَلى فِطْرَتِهِ المُنْطَوِيَةِ عَلى طَبائِعَ مُتَبايِنَةٍ؛ وقُوًى مُتَخالِفَةٍ؛ وعَناصِرَ مُتَغايِرَةٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وقَتادَةُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: عَلَّمَهُ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ؛ حَتّى …

Al-Baqara 2:31Listen in Qur'an →
32

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing, the Wise."

﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا حِينَئِذٍ؟ هَلْ خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ ما كُلِّفُوهُ؛ أوْ لا؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ﴾: قِيلَ: هو عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ؛ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا؛ وقَدْ جاءَ غَيْرَ مُضافٍ عَلى الشُّذُوذِ؛ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ لِلتَّعْرِيفِ؛ والألِفِ والنُّونِ المَزِيدَتَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

وَأمّا ما في قَوْلِهِ:

؎ سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ∗∗∗

فَقِيلَ: صَرَفَهُ لِلضَّرُورَةِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ كَـ "غُفْرانٌ"؛ لا اسْمُ مَصْدَرٍ؛ ومَعْناهُ - عَلى الأوَّلِ -: نُسَبِّحُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ الأقْدَسِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خُلُوُّ أفْعالِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ وعَنَوْا بِذَلِكَ تَسْبِيحًا ناشِئًا عَنْ كَمالِ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ؛ والإيقانِ بِاشْتِمالِ اسْتِخْلافِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ؛ وعَلى الثّانِي: تَنَزَّهْتَ عَنْ ذَلِكَ تَنَزُّهًا ناشِئًا عَنْ ذاتِكَ. وأرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنْ إذْعانٍ؛ لَمّا عَلِمُوا إجْمالًا بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُكَلَّفُ ما كُلِّفُوهُ؛ وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى ما قَدْ عَجَزُوا عَنْهُ؛ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الخِلافَةُ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾: اعْتِرافٌ مِنهم بِالعَجْزِ عَمّا كُلِّفُوهُ؛ إذْ مَعْناهُ: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَناهُ - بِحَسَبِ قابِلِيَّتِنا - مِنَ العُلُومِ المُناسِبَةِ لِعالَمِنا؛ ولا قُدْرَةَ بِنا عَلى ما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ اسْتِعْدادِنا؛ حَتّى لَوْ كُنّا مُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ؛ لَأفَضْتَهُ عَلَيْنا؛ و"ما"؛ في "ما عَلَّمْتَنا": مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ مِن صِلَتِها عائِدُها؛ أوْ: مَصْدَرِيَّةٌ؛ ولَقَدْ نَفَوْا عَنْهُمُ العِلْمَ بِالأسْماءِ؛ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى بَيانِ عَدَمِهِ؛ بِأنْ قالُوا - مَثَلًا -: لا عِلْمَ لَنا بِها؛ بَلْ جَعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ؛ وأشْعَرُوا بِأنَّ كَوْنَهُ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ﴾: الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى تَحْقِيقِهِمْ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ ﴿الحَكِيمُ﴾: أيْ: المُحْكِمُ لِمَصْنُوعاتِهِ؛ الفاعِلُ لَها؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ وهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أوْ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ؛ و"أنْتَ" ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ لَهُ مَحَلٌّ مِنهُ؛ مُشارِكٌ لِما قَبْلَهُ؛ كَما قالَهُ الفَرّاءُ؛ أوْ لِما بَعْدَهُ؛ كَما قالَهُ الكِسائِيُّ؛ وقِيلَ: تَأْكِيدٌ لِلْكافِ؛ كَما في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكَ أنْتَ؛ وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"؛ وتِلْكَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَصْرِ عِلْمِهِمْ بِما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ مِن عِلْمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما خَفِيَ عَلَيْهِمْ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: أنْتَ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِعْدادُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما نَحْنُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لَهُ؛ مِنَ العُلُومِ الخَفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما في الأرْضِ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ؛ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ خِلافَةِ الحَكِيمِ؛ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ ومِن جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو قابِلٌ مِنَ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ؛ والمَعارِفِ …

Al-Baqara 2:32Listen in Qur'an →
33

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ﴾: أيْ: أعْلِمْهُمْ؛ أُوثِرَ عَلى "أنْبِئْنِي"؛ كَما وقَعَ في أمْرِ المَلائِكَةِ؛ مَعَ حُصُولِ المُرادِ مَعَهُ أيْضًا؛ وهو ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ إبانَةً لِما بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ الجَلِيِّ؛ وإيذانًا بِأنَّ عِلْمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِها أمْرٌ واضِحٌ؛ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى ما يُجْرى مُجْرى الِامْتِحانِ؛ وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقِيقٌ بِأنْ يُعَلِّمَها غَيْرَهُ؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ وبِحَذْفِها أيْضًا؛ والهاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِما؛ ﴿بِأسْمائِهِمْ﴾؛ الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها؛ واعْتَرَفُوا بِتَقاصُرِ هِمَمِهِمْ عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِها.

﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى مَحْذُوفٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ لِلْإيذانِ بِتَقَرُّرِهِ؛ وغِناهُ عَنِ الذِّكْرِ؛ ولِلْإشْعارِ بِتَحَقُّقِهِ في أسْرَعِ ما يَكُونُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ وإظْهارُ الأسْماءِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها؛ والإيذانِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْبَأهم بِها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ؛ دُونَ الإجْمالِ؛ والمَعْنى: فَأنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ مُفَصَّلَةً؛ وبَيَّنَ لَهم أحْوالَ كُلٍّ مِنهُمْ؛ وخَواصَّهُ؛ وأحْكامَهُ المُتَعَلِّقَةَ بِالمَعاشِ والمَعادِ؛ فَعَلِمُوا ذَلِكَ لَمّا رَأوْا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَتَلَعْثَمْ في شَيْءٍ مِنَ التَّفاصِيلِ الَّتِي ذَكَرَها؛ مَعَ مُساعَدَةِ ما بَيْنَ الأسْماءِ والمُسَمَّياتِ مِنَ المُناسَباتِ؛ والمُشاكَلاتِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ المُوجِبَةِ لِصِدْقِ مَقالاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَمّا أنْبَأهم بِذَلِكَ؛ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ واسْتِحْضارًا لَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ لَكِنْ لا لِتَقْرِيرِ نَفْسِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ ونَظائِرِهِ؛ بَلْ لِتَقْرِيرِ ما يُفِيدُهُ مِن تَحَقُّقِ دَواعِي الخِلافَةِ في آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِظُهُورِ مِصْداقِهِ. وإيرادُ ما لا يَعْلَمُونَ بِعُنْوانِ الغَيْبِ مُضافًا إلى السَّمَواتِ والأرْضِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وغايَةِ سَعَتِهِ؛ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِن عَجْزِهِمْ؛ وعِلْمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِأهْلِ السَّمَواتِ؛ وأهْلِ الأرْضِ؛ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ "ما لا تَعْلَمُونَ"؛ فِيما سَبَقَ؛ ما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ فِيهِ مِن دَواعِي الخِلافَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فِيهِ؛ هو هَذا الَّذِي عايَنْتُمُوهُ؟ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ"؛ لا عَلى "أعْلَمُ"؛ إذْ هو غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ؛ و"ما"؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ عائِدُها؛ أيْ: أعْلَمُ ما تُبْدُونَهُ؛ وما تَكْتُمُونَهُ؛ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ كَتْمِهِمْ؛ قِيلَ: المُرادُ بِما يُبْدُونَ قَوْلُهُمْ: "أتَجْعَلُ..." إلَخْ؛ وبِما يَكْتُمُونَ اسْتِبْطانُهم أنَّهم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ؛ وأنَّهُ (تَعالى) لا يَخْلُقُ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُمْ؛ …

Al-Baqara 2:33Listen in Qur'an →
34

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾: عَطْفٌ عَلى الظَّرْفِ الأوَّلِ؛ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُ مِنَ المُضْمَرِ؛ أوْ بِناصِبٍ مُسْتَقِلٍّ؛ مَعْطُوفٍ عَلى ناصِبِهِ؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم. وقِيلَ: بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: أطاعُوا وقْتَ قَوْلِنا.. إلَخْ.. وقَدْ عَرَفْتَ ما في أمْثالِهِ؛ وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ كَوْنِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إيرادَهُ عَلى مِنهاجِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأقْوالِ المَحْكِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما في حَيِّزِهِ قِصَّةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِالذِّكْرِ؛ والتَّذْكِيرِ؛ عَلى حِيالِها. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ الجَلالَةِ؛ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ؛ وكَذا إظْهارُ المَلائِكَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ والكَلامُ في "اللّامِ" وتَقْدِيمِها مَعَ مَجْرُورِها عَلى المَفْعُولِ؛ كَما مَرَّ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ تاءِ "المَلائِكَةِ"؛ إتْباعًا لِضَمِّ الجِيمِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾؛ كَما قُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): " الحَمْدُ لِلَّهِ "؛ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. والسُّجُودُ في اللُّغَةِ: الخُضُوعُ؛ والتَّطامُنُ؛ وفي الشَّرْعِ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ؛ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ؛ فَقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ واعْتِرافًا بِفَضْلِهِ؛ وأداءً لِحَقِّ التَّعْلِيمِ؛ واعْتِذارًا عَمّا وقَعَ مِنهم في شَأْنِهِ؛ وقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ (تَعالى)؛ وإنَّما كانَ آدَمُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ أوْ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ؛ فَكَأنَّهُ (تَعالى) لَمّا بَرَأهُ أُنْمُوذَجًا لِلْمُبْدَعاتِ كُلِّها؛ ونُسْخَةً مُنْطَوِيَةً عَلى تَعَلُّقِ العالَمِ الرُّوحانِيِّ بِالعالَمِ الجُسْمانِيِّ؛ وامْتِزاجِهِما عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ؛ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ (تَعالى)؛ لِما عايَنُوا مِن عَظِيمِ قدرته؛ فاللّامُ فِيهِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقرآن والسُّنَنِ؟

أوْ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَجَدُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "قُلْنا"؛ والفاءُ لِإفادَةِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ؛ وعَدَمِ تَلَعْثُمِهِمْ في ذَلِكَ؛ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّ أوَّلَ مَن سَجَدَ جِبْرِيلُ؛ ثُمَّ مِيكائِيلُ؛ ثُمَّ إسْرافِيلُ؛ ثُمَّ عِزْرائِيلُ؛ ثُمَّ سائِرُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا إبْلِيسَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا؛ مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ؛ مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِمْ؛ فَغَلَبُوا عَلَيْهِ في "فَسَجَدُوا"؛ ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنُهُمْ؛ أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ؛ يُقالُ لَهم "الجِنُّ"؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وهو مِنهُمْ؛ أوْ لِأنَّ الجِنَّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛ أوْ مُنْقَطِعٌ؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ؛ ومَن جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِن "الإبْلاسُ" - وهو "اليَأْسُ" - قالَ: إنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالعُجْمَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ؛ فَكانَ كالِاسْمِ الأعْجَمِيِّ؛ واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ والَّتِي في سُورَةِ "الأعْرافِ" …

Al-Baqara 2:34Listen in Qur'an →
35

وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

﴿وَقُلْنا﴾: شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ تَمامِ ما جَرى بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَ المَلائِكَةِ؛ وإبْلِيسَ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ تَوْبِيخِ إبْلِيسَ؛ وجَوابِهِ؛ ولَعْنِهِ؛ واسْتِظْهارِهِ؛ وإنْظارِهِ؛ اجْتِزاءً بِما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ"؛ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اخْتِلافُ وقْتَيْهِما؛ فَإنَّ المُرادَ بِالزَّمانِ - المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ "إذْ" - زَمانٌ مُمْتَدٌّ؛ واسِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ؛ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "إذْ قُلْنا"؛ بِإضْمارِ "إذْ"؛ وهَذا تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مُوجِبَةٍ لِلشُّكْرِ؛ مانِعَةٍ مِنَ الكُفْرِ. وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَلَقِّي المَأْمُورِ بِهِ. وتَخْصِيصُ أصْلِ الخِطابِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ؛ في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ. و"اسْكُنْ": مِن "السُّكْنى"؛ وهو اللُّبْثُ؛ والإقامَةُ؛ والِاسْتِقْرارُ؛ دُونَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ. و"أنْتَ": ضَمِيرٌ أُكِّدَ بِهِ المُسْتَكِنُّ؛ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ واخْتُلِفَ في وقْتِ خَلْقِ زَوْجِهِ؛ فَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا أخْرَجَ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وأسْكَنَها آدَمَ؛ بَقِيَ فِيها وحْدَهُ؛ وما كانَ مَعَهُ مَن يَسْتَأْنِسُ بِهِ؛ فَألْقى اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِ النَّوْمَ؛ ثُمَّ أخَذَ ضِلْعًا مِن جانِبِهِ الأيْسَرِ؛ ووَضَعَ مَكانَهُ لَحْمًا؛ وخَلَقَ حَوّاءَ مِنهُ؛ فَلَمّا اسْتَيْقَظَ وجَدَها عِنْدَ رَأْسِهِ قاعِدَةً؛ فَسَألَها: ما أنْتِ؟ قالَتْ: امْرَأةٌ؛ قالَ: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالَتْ: لِتَسْكُنَ إلَيَّ؛ فَقالَتِ المَلائِكَةُ - تَجْرِبَةً لِعِلْمِهِ -: مَن هَذِهِ؟ قالَ: امْرَأةٌ؛ قالُوا: لِمَ سُمِّيَتِ امْرَأةً؟ قالَ: لِأنَّها مِنَ المَرْءِ أُخِذَتْ؛ فَقالُوا: ما اسْمُها؟ قالَ: حَوّاءُ؛ قالُوا: لِمَ سُمِّيَتْ حَوّاءَ؟ قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ؛ فَحَمَلُوا آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ؛ كَما يُحْمَلُ المُلُوكُ؛ ولِباسُهُما النُّورُ؛ حَتّى أدْخَلُوهُما الجَنَّةَ. وهَذا كَما تَرى يَدُلُّ عَلى خَلْقِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ؛ والمُرادُ بِها دارُ الثَّوابِ؛ لِأنَّها المَعْهُودَةُ؛ وقِيلَ: هي جَنَّةٌ بِأرْضِ "فِلَسْطِينَ"؛ أوْ بَيْنَ "فارِسَ"؛ و"كَرْمانَ"؛ خَلَقَها اللَّهُ (تَعالى) امْتِحانًا لَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وحُمِلَ الإهْباطُ عَلى النَّقْلِ مِنها إلى أرْضِ الهِنْدِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؛ لِما أنَّ خَلْقَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الأرْضِ؛ بِلا خِلافٍ؛ ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ القِصَّةِ رَفْعُهُ إلى السَّماءِ؛ ولَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ؛ لِما أنَّهُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ ولِأنَّها لَوْ كانَتْ دارَ الخُلْدِ لَما دَخَلَها إبْلِيسُ؛ وقِيلَ: إنَّها كانَتْ في السَّماءِ السّابِعَةِ؛ بِدَلِيلِ "اهْبِطُوا"؛ ثُمَّ إنَّ الإهْباطَ الأوَّلَ كانَ مِنها إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ والثّانِيَ مِنها إلى الأرْضِ؛ وقِيلَ: الكُلُّ مُمْكِنٌ؛ والأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ مُتَعارِضَةٌ؛ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ؛ وتَرْكُ القَطْعِ.

﴿وَكُلا مِنها﴾ أيْ: مِن …

Al-Baqara 2:35Listen in Qur'an →
36

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: أيْ: أصْدَرَ زَلَّتَهُما؛ أيْ زَلَقَهُما؛ وحَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها؛ ونَظِيرَةٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾؛ أوْ: أزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ؛ بِمَعْنى أذْهَبَهُما؛ وأبْعَدَهُما عَنْها؛ يُقالُ: "زَلَّ عَنِّي كَذا"؛ إذا ذَهَبَ عَنْكَ؛ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ: "أزالَهُما"؛ وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ فَإنَّ الإزْلالَ - أيِ الإزْلاقَ - يَقْتَضِي زَوالَ الزّالِّ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ البَتَّةَ؛ وإزْلالُهُ: قَوْلُهُ لَهُما: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾؛ وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾؛ ومُقاسَمَتُهُ لَهُما: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُؤْمَرْ بِسُكْنى الجَنَّةِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ؛ بَلْ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ؛ والتَّشْرِيفِ؛ لِما قُلِّدَ مِن خِلافَةِ الأرْضِ إلى حِينِ البَعْثِ إلَيْها. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِهِ إلَيْهِما؛ بَعْدَما قِيلَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ فَقِيلَ: إنَّهُ إنَّما مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ؛ كَما يَدْخُلُها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ولَمْ يُمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ لِلْوَسْوَسَةِ؛ ابْتِلاءً لِآدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ؛ فَناداهُما؛ وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ؛ فَدَخَلَ؛ ولَمْ يَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ؛ وقِيلَ: دَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ؛ فَدَخَلَ مَعَها؛ وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ؛ فَأزَلَّهُما؛ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ.

﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾: أيْ: مِنَ الجَنَّةِ؛ إنْ كانَ ضَمِيرُ "عَنْها" لِلشَّجَرَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِفَخامَتِها وجَلالَتِها؛ ومُلابَسَتُهُما لَهُ؛ أيْ: مِنَ المَكانِ العَظِيمِ؛ الَّذِي كانا مُسْتَقِرَّيْنِ فِيهِ؛ أوْ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ؛ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ.

﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا﴾: الخِطابُ لَآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾؛ وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُما أصْلُ الجِنْسِ؛ فَكَأنَّهُما الجِنْسُ كُلُّهُمْ؛ وقِيلَ: لَهُما؛ ولِلْحَيَّةِ؛ وإبْلِيسَ؛ عَلى أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها ثانِيَةً؛ بَعْدَما كانَ يَدْخُلُها لِلْوَسْوَسَةِ؛ أوْ يَدْخُلُها مُسارَقَةً؛ أوْ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ.

﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: حالٌ اسْتُغْنِيَ فِيها عَنِ الواوِ بِالضَّمِيرِ؛ أيْ: مُتَعادِينَ؛ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ بِتَضْلِيلِهِ؛ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ وإفْرادُ "العَدُوِّ" إمّا لِلنَّظَرِ إلى لَفْظِ "البَعْضِ"؛ وإمّا لِأنَّ وِزانَهُ وِزانُ المَصْدَرِ؛ كَـ "القَبُولُ".

﴿وَلَكم في الأرْضِ﴾؛ الَّتِي هي مَحَلُّ الإهْباطِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ؛ أعْنِي "لَكُمْ"؛ مِنَ الِاسْتِقْرارِ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: أيِ اسْتِقْرارٌ؛ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أيْ تَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ؛ وانْتِفاعٌ بِهِ؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ هو حِينُ المَوْتِ؛ عَلى أنَّ المُغَيّا تَمَتُّعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ؛ أوِ القِيامَةِ؛ عَلى أنَّهُ تَمَتُّعُ الجِنْسِ في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ؛ والجُمْلَةُ كَما قَبْلَها - في كَوْنِها حالًا -؛ أيْ مُسْتَحِقِّينَ لِلِاسْتِقْرارِ؛ والتَّمَتُّعِ؛ أوِ اسْتِئْنافًا.

Al-Baqara 2:36Listen in Qur'an →
37

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Then Adam received from his Lord [some] words, and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of repentance, the Merciful.

﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾: أيْ: اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ؛ والقَبُولِ؛ والعَمَلِ بِها؛ حِينَ عَلِمَها؛ ووُفِّقَ لَها؛ وقُرِئَ بِنَصْبِ "آدَمُ"؛ ورَفْعِ "كَلِماتٍ"؛ دَلالَةً عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ وبَلَغَتْهُ؛ وهي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾؛ الآيَةُ.. وقِيلَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ؛ وتَبارَكَ اسْمُكَ؛ وتَعالى جَدُّكَ؛ لا إلَهَ إلّا أنْتَ؛ ظَلَمْتُ نَفْسِي؛ فاغْفِرْ لِي؛ إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ"؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ إنِّي تُبْتُ؛ وأصْلَحْتُ؛ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ". والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ حَصَلَتْ عُقَيْبَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ؛ قَبْلَ تَحَقُّقِ المَأْمُورِ بِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ والإيذانِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإلْقاءِ الكَلِماتِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِتَلَقِّيها.

﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾: أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ؛ وقَبُولِ التَّوْبَةِ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى تَلَقِّي الكَلِماتِ؛ المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ؛ والنَّدَمِ عَلَيْهِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ؛ واكْتُفِيَ بِذِكْرِ شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أنَّ حَوّاءَ تَبَعٌ لَهُ في الحُكْمِ؛ ولِذَلِكَ طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ مَواقِعِ الكِتابِ؛ والسُّنَةِ.

﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ﴾: أيْ: الرَّجّاعُ عَلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ؛ أوْ: الَّذِي يُكْثِرُ إعانَتَهم عَلى التَّوْبَةِ؛ وأصْلُ التَّوْبِ: الرُّجُوعُ؛ فَإذا وُصِفَ بِهِ العَبْدُ كانَ رُجُوعًا عَنِ المَعْصِيَةِ؛ وإذا وُصِفَ بِهِ البارِي - عَزَّ وعَلا - أُرِيدَ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ العِقابِ إلى المَغْفِرَةِ.

﴿الرَّحِيمُ﴾: المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ؛ وفي الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ وعْدٌ بَلِيغٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ؛ مَعَ العَفْوِ والغُفْرانِ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ .

Al-Baqara 2:37Listen in Qur'an →
38

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿قُلْنا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا وقَعَ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾؛ كُرِّرَ الأمْرُ بِالهُبُوطِ إيذانًا بِتَحَتُّمِ مُقْتَضاهُ؛ وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ؛ ودَفْعًا لِما عَسى يَقَعُ في أُمْنِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ اسْتِتْباعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِلْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ؛ وإظْهارًا لِنَوْعِ رَأْفَةٍ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِما بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ الفَرْقِ النَّيِّرِ؛ كَيْفَ لا.. والأوَّلُ مَشُوبٌ بِضَرْبِ سُخْطٍ؛ مُذَيَّلٌ بِبَيانِ أنَّ مَهْبِطَهم دارُ بَلِيَّةٍ؛ وتَعادٍ؛ لا يُخَلَّدُونَ فِيها؛ والثّانِي مَقْرُونٌ بِوَعْدِ إيتاءِ الهُدى؛ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ؛ والنَّجاحِ؟ وأمّا ما فِيهِ مِن وعِيدِ العِقابِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنَ التَّكْلِيفِ قَصْدًا أوَّلِيًّا؛ بَلْ إنَّما هو دائِرٌ عَلى سُوءِ اخْتِيارِ المُكَلَّفِينَ؛ قِيلَ: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحازِمَ يَكْفِيهِ في الرَّدْعِ عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ (تَعالى) مَخافَةُ الإهْباطِ؛ المُقْتَرِنِ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ؛ فَكَيْفَ بِالمُقْتَرِنِ بِهِما؟ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: الأوَّلُ: مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ والثّانِي: مِنها إلى الأرْضِ؛ ويَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِاسْتِقْرارِهِمْ في الأرْضِ في الأوَّلِ. ورُجُوعُ الضَّمِيرِ

إلى الجَنَّةِ في الثّانِي. و"جَمِيعًا": حالٌ في اللَّفْظِ؛ وتَأْكِيدٌ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "اهْبِطُوا أنْتُمْ أجْمَعُونَ"؛ ولِذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي الِاجْتِماعَ عَلى الهُبُوطِ في زَمانٍ واحِدٍ؛ كَما في قَوْلِكَ: جاؤُوا جَمِيعًا؛ بِخِلافِ قَوْلِكَ: جاؤُوا مَعًا.

﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى الهُبُوطِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ بِهِ؛ و"إمّا": مُرَكَّبَةٌ مِن "إنْ" الشَّرْطِيَّةِ؛ و"ما" المَزِيدَةِ؛ المُؤَكِّدَةِ لِمَعْناها؛ والفِعْلُ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: مُعْرَبٌ مُطْلَقًا؛ وقِيلَ: مَبْنِيٌّ مُطْلَقًا؛ والصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ: إنْ باشَرَتْهُ النُّونُ بُنِيَ؛ وإلّا أُعْرِبَ؛ نَحْوَ: هَلْ يَقُومانِ؟ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ والمَعْنى: إنْ يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى بِرَسُولٍ أبْعَثُهُ إلَيْكُمْ؛ وكِتابٍ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم. وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ كَما في قَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدِرْتُ أحْسَنْتُ إلَيْكَ. وإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ؛ مَعَ تَحْقِيقِ الإتْيانِ لا مَحالَةَ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الإيمان باللَّهِ والتَّوْحِيدَ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ؛ وإنْزالُ الكُتُبِ؛ بَلْ يَكْفِي في وُجُوبِهِ إفاضَةُ العَقْلِ؛ ونَصْبُ الأدِلَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ؛ والتَّمْكِينُ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ أوْ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ العُظَماءِ في إيرادِ "عَسى"؛ و"لَعَلَّ"؛ في مَواقِعِ القَطْعِ والجَزْمِ؛ والمَعْنى: إنَّ مَن تَبِعَ هُدايَ مِنكم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ في الدّارَيْنِ؛ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ؛ ولا هم يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ؛ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ؛ ولا يَحْزَنُونَ؛ ولا أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِمْ نَفْسُ الخَوْفِ والحُزْنِ أصْلًا؛ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى السُّرُورِ؛ والنَّشاطِ؛ كَيْفَ لا.. واسْتِشْعارُ الخَوْفِ؛ والخَشْيَةِ؛ اسْتِعْظامًا لِجَلالِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وهَيْبَتِهِ؛ …

Al-Baqara 2:38Listen in Qur'an →
39

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾: عَطْفٌ عَلى "مَن تَبِعَ".. إلَخْ.. قَسِيمٌ لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَمَن لَمْ يَتَّبِعْهُ"؛ وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ تَفْظِيعًا لِحالِ الضَّلالَةِ؛ وإظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِها. وإيرادُ المَوْصُولِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإشْعارِ بِكَثْرَةِ الكَفَرَةِ. والجَمْعُ بَيْنَ الكُفْرِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ لِلْإيذانِ بِتَنَوُّعِ الهُدى إلى ما ذُكِرَ مِنَ النَّوْعَيْنِ. وإيرادُ نُونِ العَظَمَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ. وإضافَةُ الآياتِ إلَيْها لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ التَّكْذِيبِ بِها؛ أيْ: "والَّذِينَ كَفَرُوا بِرُسُلِنا المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ؛ وكَذَّبُوا بِآياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ". وقِيلَ: المَعْنى: كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ أوْ أظْهَرَها بِأيْدِيهِمْ؛ مِنَ المُعْجِزاتِ. وقِيلَ: كَفَرُوا بِالآياتِ جَنانًا؛ وكَذَّبُوا بِها لِسانًا؛ فَيَكُونُ كِلا الفِعْلَيْنِ مُتَوَجِّهًا إلى الجارِّ والمَجْرُورِ. و"الآيَةُ"؛ في الأصْلِ: العَلامَةُ الظّاهِرَةُ؛ قالَ النّابِغَةُ:

؎ تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ

وَيُقالُ لِلْمَصْنُوعاتِ؛ مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى الصّانِعِ (تَعالى)؛ وعِلْمِهِ؛ وقدرته؛ ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن كَلِماتِ القرآن المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِفَصْلٍ؛ لِأنَّها عَلامَةٌ لِانْفِصالِ ما قَبْلَها مِمّا بَعْدَها؛ وقِيلَ: لِأنَّها تَجْمَعُ كَلِماتٍ مِنهُ؛ فَيَكُونُ مِن قَوْلِهِمْ: خَرَجَ فُلانٌ بِآيَتِهِمْ؛ أيْ

بِجَماعَتِهِمْ؛ قالَ:

؎ خَرَجْنا مِنَ البَيْتَيْنِ لا حَيَّ مِثْلُنا ∗∗∗ بِآيَتِنا نُزْجِي النِّعاجَ المَطافِلا

واشْتِقاقُها مِن "أيُّ"؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ أيًّا مِن أيٍّ؛ أوْ "أوى إلَيْهِ"؛ أيْ "رَجَعَ"؛ وأصْلُها "أوْيَةٌ"؛ أوْ "أيَّةٌ"؛ فَأُبْدِلَتْ عَيْنُها ألِفًا؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ أوْ "أوَيَةٌ"؛ أوْ "أيَيَةٌ" كَـ "رَمَكَةٌ"؛ فَأُعِلَّتْ؛ أوْ "آئِيَةٌ"؛ كَـ "قائِلَةٌ"؛ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا.

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِتَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ الوَصْفِ؛ تَمَيُّزًا مُصَحِّحًا لِلْإشارَةِ الحِسِّيَّةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ فِيهِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أصْحابُ النّارِ﴾: أيْ: مُلازِمُوها؛ ومُلابِسُوها؛ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها؛ خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ. أوِ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ؛ و"أصْحابُ النّارِ"؛ خَبَرٌ لَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ؛ لِوُرُودِ التَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها﴾؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ النّارِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها؛ والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ؛ أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِـ "أُولَئِكَ"؛ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ وُقُوعَ الجُمْلَةِ خَبَرًا ثانِيًا؛ و"فِيها" مُتَعَلِّقٌ بِـ "خالِدُونَ". والخُلُودُ؛ في الأصْلِ: المُكْثُ الطَّوِيلُ؛ وقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الدَّوامُ.

Al-Baqara 2:39Listen in Qur'an →
40

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى طائِفَةٍ خاصَّةٍ مِنَ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِتَذْكِيرِهِمْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ؛ بَعْدَ تَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وأمْرِهِ بِتَذْكِيرِ كُلِّهِمْ بِالنِّعْمَةِ العامَّةِ لِبَنِي آدَمَ قاطِبَةً؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾؛ إلَخْ..

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ إلَخْ.. لِأنَّ المَعْنى - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ -: "بَلِّغْهم كَلامِي؛ واذْكُرْ لَهم إذْ جَعَلْنا أباهم خَلِيفَةً في الأرْضِ؛ ومَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وشَرَّفْناهُ بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ؛ وقَبِلْنا تَوْبَتَهُ". و"الِابْنُ": مِن "البِناءُ"؛ لِأنَّهُ مَبْنِيُّ أبِيهِ؛ ولِذَلِكَ يُنْسَبُ المَصْنُوعُ إلى صانِعِهِ؛ فَيُقالُ: "أبُو الحَرْبِ"؛ و"بِنْتُ فِكَرٍ". و"إسْرائِيلُ": لَقَبُ "يَعْقُوبَ" عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ومَعْناهُ - بِالعِبْرِيَّةِ -: "صَفْوَةُ اللَّهِ"؛ وقِيلَ: "عَبْدُ اللَّهِ"؛ وقُرِئَ: "إسْرائِلَ"؛ بِحَذْفِ الياءِ؛ و"إسْرالَ"؛ بِحَذْفِهِما؛ و"إسْرايِلَ"؛ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ و"إسْراءَلَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ؛ و"إسْرَئِلَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَيْنَ الرّاءِ واللّامِ. وتَخْصِيصٌ هَذِهِ الطّائِفَةِ بِالذِّكْرِ؛ والتَّذْكِيرِ؛ لِما أنَّهم أوْفَرُ النّاسِ نِعْمَةً؛ وأكْثَرُهم كُفْرًا بِها.

﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: بِالتَّفَكُّرِ فِيها؛ والقِيامِ بِشُكْرِها؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم قَدْ نَسُوها بِالكُلِّيَّةِ؛ ولَمْ يُخْطِرُوها بِالبالِ؛ لا أنَّهم أهْمَلُوا شُكْرَها فَقَطْ؛ وإضافَةُ النِّعْمَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَشْرِيفِها؛ وإيجابِ تَخْصِيصِ شُكْرِها بِهِ (تَعالى). وتَقْيِيدُ النِّعْمَةِ بِهِمْ لِما أنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى حُبِّ النِّعْمَةِ؛ فَإذا نَظَرَ إلى ما فاضَ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى الرِّضا والشُّكْرِ. قِيلَ: أُرِيدَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ - مِنَ النِّعَمِ الَّتِي سَيَجِيءُ تَفْصِيلُها -؛ وعَلَيْهِمْ؛ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي أجَلُّها إدْراكُ عَصْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقُرِئَ: "اذَّكَّرُوا"؛ مِنَ الِافْتِعالِ. و"نِعْمَتِيَ"؛ بِإسْكانِ الياءِ؛ وإسْقاطِها في الدَّرَجِ؛ وهو مَذْهَبُ مَن لا يُحَرِّكُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها.

﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي﴾: بِالإيمانِ؛ والطّاعَةِ؛ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: بِحُسْنِ الإثابَةِ؛ والعَهْدُ يُضافُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَتَوَلّى طَرَفَيْهِ؛ ولَعَلَّ الأوَّلَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ؛ والثّانِي إلى المَفْعُولِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) عَهِدَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛

بِنَصْبِ الدَّلائِلِ؛ وإرْسالِ الرُّسُلِ؛ وإنْزالِ الكُتُبِ؛ ووَعْدٍ لَهم بِالثَّوابِ عَلى حَسَناتِهِمْ. ولِلْوَفاءِ بِهِما عَرْضٌ عَرِيضٌ؛ فَأوَّلُ مَراتِبِهِ مِنّا هو الإتْيانُ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ؛ ومِنَ اللَّهِ (تَعالى) حَقْنُ الدِّماءِ؛ والأمْوالِ؛ وآخِرُها مِنّا الِاسْتِغْراقُ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ؛ بِحَيْثُ نَغْفُلُ عَنْ أنْفُسِنا؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِنا؛ ومِنَ اللَّهِ (تَعالى) الفَوْزُ بِاللِّقاءِ الدّائِمِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "أوْفُوا بِعَهْدِي في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ أُوفِ بِعَهْدِكم في رَفْعِ الآصارِ؛ والأغْلالِ"؛ وعَنْ غَيْرِهِ: "أوْفُوا بِأداءِ الفَرائِضِ؛ وتَرْكِ الكَبائِرِ أُوفِ بِالمَغْفِرَةِ؛ والثَّوابِ"؛ أوْ: "أوْفُوا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أُوفِ بِالكَرامَةِ؛ والنَّعِيمِ المُقِيمِ"؛ فَبِالنَّظَرِ إلى …

Al-Baqara 2:40Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.