Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 281–286 of 286

281

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And fear a Day when you will be returned to Allah. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be treated unjustly.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾: هو يَوْمُ القِيامَةِ؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ والتَّهْوِيلِ؛ وتَعْلِيقُ الِاتِّقاءِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا فِيهِ مِنَ الشَّدائِدِ؛ والأهْوالِ؛ ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن "الرَّجْعُ"؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ مِن "الرُّجُوعُ"؛ والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ وقُرِئَ: "تُرَدُّونَ"؛ وكَذا: "تَصِيرُونَ"؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ لِمُحاسَبَةِ أعْمالِكُمْ؛ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ مِنَ النُّفُوسِ؛ والتَّعْمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ؛ أيْ: تُعْطى كَمَلًا؛ ﴿ما كَسَبَتْ﴾؛ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ؛ أوْ شَرٍّ؛ ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾: حالٌ مِن "كُلُّ نَفْسٍ"؛ تُفِيدُ أنَّ المُعاقَبِينَ؛ وإنْ كانَتْ عُقُوباتُهم مُؤَبَّدَةٌ؛ غَيْرُ مَظْلُومِينَ في ذَلِكَ؛ لِما أنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ؛ كَما أنَّ الإفْرادَ أوْفَقُ بِحالِ الكَسْبِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ: "ضَعْها في رَأْسِ المِائَتَيْنِ والثَّمانِينَ مِن (البَقَرَةِ)"؛ وعاشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَها أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا؛ وقِيلَ: أحَدًا وثَمانِينَ؛ وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ؛ وقِيلَ: ثَلاثَ ساعاتٍ.

Al-Baqara 2:281Listen in Qur'an →
282

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allah has taught him. So let him write and let the one who has the obligation dictate. And let him fear Allah, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of the women errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allah and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allah. And Allah teaches you. And Allah is Knowing of all things.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُدايَنَةِ الواقِعَةِ في تَضاعِيفِ المُعاوَضاتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهُمْ؛ بِبَيْعِ السِّلَعِ بِالنُّقُودِ؛ بَعْدَ بَيانِ حالِ الرِّبا؛ أيْ: إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا؛ وعامَلَهُ نَسِيئَةً؛ مُعْطِيًا؛ أوْ آخِذًا؛ وفائِدَةُ ذِكْرِ الدَّيْنِ دَفْعُ تَوَهُّمِ كَوْنِ التَّدايُنِ بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أوِ التَّنْبِيهُ عَلى تَنَوُّعِهِ إلى الحالِّ؛ والمُؤَجَّلِ؛ وأنَّهُ الباعِثُ عَلى الكَتْبَةِ؛ وتَعْيِينِ المَرْجِعِ لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ المُتَّصِلِ بِالأمْرِ؛ ﴿إلى أجَلٍ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَدايَنْتُمْ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "دَيْنٍ"؛ ﴿مُسَمًّى﴾؛ بِالأيّامِ؛ أوِ الأشْهُرِ؛ ونَظائِرِهِما؛ مِمّا يُفِيدُ العِلْمَ؛ ويَرْفَعُ الجَهالَةَ؛ لا بِالحَصادِ؛ والدِّياسِ؛ ونَحْوِهِما؛ مِمّا لا يَرْفَعُها؛ ﴿فاكْتُبُوهُ﴾؛ أيْ: الدَّيْنَ؛ بِأجَلِهِ؛ لِأنَّهُ أوْثَقُ؛ وأرْفَعُ لِلنِّزاعِ؛ والجُمْهُورُ عَلى اسْتِحْبابِهِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِهِ السَّلَمُ؛ وقالَ: "لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا أباحَ في السَّلَفِ"؛ ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾: بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها؛ وتَعْيِينٌ لِمَن يَتَوَلّاها؛ إثْرَ الأمْرِ بِها إجْمالًا؛ وحَذْفُ المَفْعُولِ إمّا لِتَعَيُّنِهِ؛ أوْ لِلْقَصْدِ إلى إيقاعِ نَفْسِ الفِعْلِ؛ أيْ: لِيَفْعَلِ الكِتابَةَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكاتِبَ يَنْبَغِي أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ؛ ويَكْتُبَ كَلامَهُما؛ ولا يَكْتَفِيَ بِكَلامِ أحَدِهِما؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بِالعَدْلِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ هو صِفَةٌ لِـ "كاتِبٌ"؛ أيْ: كاتِبٌ كائِنٌ بِالعَدْلِ؛ أيْ: ولْيَكُنِ المُتَصَدِّي لِلْكِتابَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكْتُبَ بِالسَّوِيَّةِ؛ مِن غَيْرِ مَيْلٍ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ لا يَزِيدُ؛ ولا يُنْقِصُ؛ وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ فَقِيهٍ؛ دَيِّنٍ؛ حَتّى يَجِيءَ كِتابُهُ مَوْثُوقًا بِهِ؛ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالعَدْلِ؛ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ؛ أيْ: ولْيَكْتُبْ بِالحَقِّ؛ ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ﴾؛ أيْ: ولا يَمْتَنِعْ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ؛ ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾؛ كِتابَ الدَّيْنِ؛ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾؛ عَلى طَرِيقَةِ ما عَلَّمَهُ مِن كَتْبَةِ الوَثائِقِ؛ أوْ: كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِالعَدْلِ﴾؛ أوْ: لا يَأْبَ أنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِكِتابَتِهِ؛ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِتَعْلِيمِ الكِتابَةِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ .

﴿فَلْيَكْتُبْ﴾: تِلْكَ الكِتابَةَ المُعَلَّمَةَ؛ أمَرَ بِها بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ إبائِها؛ تَأْكِيدًا لَها؛ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الكافُ بِالأمْرِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ الِامْتِناعِ مِنها مُطْلَقَةً؛ ثُمَّ الأمْرُ بِها مُقَيَّدَةً؛ ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾؛ "الإمْلالُ": هو الإمْلاءُ؛ أيْ: ولْيَكُنِ المُمْلِي مَن عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ هو المُقِرَّ؛﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ جُمِعَ ما بَيْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ والنَّعْتِ الجَمِيلِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ؛ أيْ: ولْيَتَّقِ المُمْلِي؛ دُونَ الكاتِبِ؛ كَما قِيلَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنهُ﴾؛ أيْ: مِنَ الحَقِّ الَّذِي يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ فَإنَّهُ الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ خاصَّةً؛ وأمّا الكاتِبُ فَيُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ؛ …

Al-Baqara 2:282Listen in Qur'an →
283

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allah, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allah is Knowing of what you do.

﴿وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾: أيْ: مُسافِرِينَ؛ أوْ: مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ؛ ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾؛ في المُدايَنَةِ؛ وقُرِئَ: "كُتّابًا"؛ و"كُتُبًا"؛ و"كِتابًا"؛ ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ أيْ: فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ؛ أوْ: فَعَلَيْكُمْ؛ أوْ: فَلْيُؤْخَذْ؛ أوْ: فالمَشْرُوعُ رِهانٌ مَقْبُوضَةٌ؛ ولَيْسَ هَذا التَّعْلِيقُ لِاشْتِراطِ السَّفَرِ في شَرْعِيَّةِ الِارْتِهانِ؛ كَما حَسِبَهُ مُجاهِدٌ؛ والضَّحّاكُ؛ لِأنَّهُ ﷺ رَهَنَ دِرْعَهُ في المَدِينَةِ مِن يَهُودِيٍّ بِعِشْرِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ؛ أخَذَهُ لِأهْلِهِ؛ بَلْ لِإقامَةِ التَّوَثُّقِ بِالِارْتِهانِ مَقامَ التَّوَثُّقِ بِالكَتْبَةِ في السَّفَرِ؛ الَّذِي هو مَظِنَّةُ إعْوازِها؛ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحالِ الشّاهِدِ؛ لِما أنَّهُ في حُكْمِ الكاتِبِ تَوَثُّقًا؛ وإعْوازًا؛ والجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِ القَبْضِ في تَمامِ الرَّهْنِ؛ غَيْرَ مالِكٍ؛ وقُرِئَ: "فَرُهُنٌ"؛ كَـ "سُقُفٌ"؛ وكِلاهُما جَمْعُ "رَهْنٌ"؛ بِمَعْنى "مَرْهُونٌ"؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ تَخْفِيفًا؛ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾؛ أيْ: بَعْضُ الدّائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ؛ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ؛ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنْ الِارْتِهانِ؛ وقُرِئَ: "فَإنْ أُومِنَ بَعْضُكُمْ"؛ أيْ: آمَنَهُ النّاسُ؛ ووَصَفُوهُ بِالأمانَةِ؛ قِيلَ: فَيَكُونُ انْتِصابُ "بَعْضًا" حِينَئِذٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: عَلى مَتاعِ بَعْضٍ؛ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾؛ وهو المَدْيُونُ؛ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ؛ ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ؛ ﴿أمانَتَهُ﴾؛ أيْ: دَيْنَهُ؛ وإنَّما سُمِّيَ "أمانَةً" لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ؛ وقُرِئَ: "ايْتُمِنَ"؛ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ وقُرِئَ بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ؛ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ مِنَ الهَمْزَةِ لا تُدْغَمُ؛ لِأنَّها في حُكْمِها؛ ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ في رِعايَةِ حُقُوقِ الأمانَةِ؛ وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الربوبية مِنَ التَّأْكِيدِ؛ والتَّحْذِيرِ؛ ما لا يَخْفى؛ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾؛ أيُّها الشُّهُودُ؛ أوْ: المَدِينُونَ؛ أيْ: شَهادَتَكم عَلى أنْفُسِكم عِنْدَ المُعامَلَةِ؛ ﴿وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾؛ "آثِمٌ" خَبَرُ "إنَّ"؛ و"قَلْبُهُ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "يَأْثَمُ قَلْبُهُ"؛ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"آثِمٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"؛ وإسْنادُ الإثْمِ إلى القَلْبِ لِأنَّ الكِتْمانَ مِمّا اقْتَرَفَهُ؛ ونَظِيرُهُ نِسْبَةُ الزِّنا إلى العَيْنِ؛ والأُذُنِ؛ أوْ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ رَئِيسُ الأعْضاءِ؛ وأفْعالُهُ أعْظَمُ الأفْعالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: تَمَكَّنَ الإثْمُ في نَفْسِهِ؛ ومَلَكَ أشْرَفَ مَكانٍ فِيهِ؛ وفاقَ سائِرَ ذُنُوبِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "إنَّ أكْبَرَ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾؛ وشَهادَةُ الزُّورِ؛ وكِتْمانُ الشَّهادَةِ"؛ (وَقُرِئَ: "قَلْبَهُ"؛ بِالنَّصْبِ؛ كَما في "سَفِهَ نَفْسَهُ"؛ وقُرِئَ: "أثَّمَ قَلْبَهُ"؛ أيْ: جَعْلَهُ آثِمًا؛ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾؛ فَيُجازِيكم بِهِ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

Al-Baqara 2:283Listen in Qur'an →
284

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allah will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allah is over all things competent.

﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾؛ مِنَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ في حَقِيقَتِهِما؛ والخارِجَةِ عَنْهُما؛ المُتَمَكِّنَةِ فِيهِما؛ مِن أُولِي العِلْمِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ أيْ: كُلُّها لَهُ (تَعالى)؛ خَلْقًا؛ ومِلْكًا؛ وتَصَرُّفًا؛ لا شِرْكَةَ لِغَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنها؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾؛ مِنَ السُّوءِ؛ والعَزْمِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ تُظْهِرُوهُ لِلنّاسِ بِالقَوْلِ؛ أوْ بِالفِعْلِ؛ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾؛ بِأنْ تَكْتُمُوهُ مِنهُمْ؛ ولا تُظْهِرُوهُ؛ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ ولا يَنْدَرِجُ فِيهِ ما لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ مِنَ الوَساوِسِ؛ وأحادِيثِ النَّفْسِ؛ الَّتِي لا عَقْدَ ولا عَزِيمَةَ فِيها؛ إذِ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ؛ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وهو حُجَّةٌ عَلى مُنْكِرِي الحِسابِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ؛ والرَّوافِضِ؛ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ وأمّا تَقْدِيمُ الإبْداءِ عَلى الإخْفاءِ؛ عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فَلِما أنَّ المُعَلَّقَ بِما في أنْفُسِهِمْ هَهُنا هو المُحاسَبَةُ؛ والأصْلُ فِيها الأعْمالُ البادِيَةُ؛ وأمّا العِلْمُ فَتَعَلُّقُهُ بِها كَتَعَلُّقِهِ بِالأعْمالِ الخافِيَةِ؛ كَيْفَ لا.. وعِلْمُهُ - سُبْحانَهُ - بِمَعْلُوماتِهِ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ حُصُولِ الصُّوَرِ؛ بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ؛ في أيِّ طَوْرٍ كانَ؛ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (تَعالى)؛ وفي هَذا لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ؛ والكامِنَةِ؛ خَلا أنَّ مَرْتَبَةَ الإخْفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الإبْداءِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُبْدى إلّا وهو - أوْ مَبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ - مُضْمَرٌ في النَّفْسِ؛ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ (تَعالى) بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ؛ وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .

﴿فَيَغْفِرُ﴾: بِالرَّفْعِ؛ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ أيْ: فَهو يَغْفِرُ بِفَضْلِهِ؛ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يَغْفِرَ لَهُ؛ ﴿وَيُعَذِّبُ﴾؛ بِعَدْلِهِ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يُعَذِّبَهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِتَقَدُّمِ رَحْمَتِهِ عَلى غَضَبِهِ؛ وقُرِئَ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ؛ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ؛ وقُرِئَ بِالجَزْمِ مِن غَيْرِ فاءٍ؛ عَلى أنَّهُما بَدَلٌ مِنَ الجَوابِ؛ بَدَلَ البَعْضِ؛ أوْ الِاشْتِمالِ؛ ونَظِيرُهُ الجَزْمُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ:

مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا

وَإدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ لَحْنٌ؛ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ كَمالَ قدرته (تَعالى) عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُوجِبٌ لِقدرته - سُبْحانَهُ - عَلى ما ذُكِرَ مِنَ المُحاسَبَةِ؛ وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ والتَّعْذِيبِ.

Al-Baqara 2:284Listen in Qur'an →
285

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allah and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؛ لَمّا ذُكِرَ في فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؛ هُدًى لِلْمُتَّصِفِينَ بِما فُصِّلَ هُناكَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِهِ؛ وبِما أُنْزِلَ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ وأنَّهم حائِزُونَ لِأُثْرَتَيِ الهُدى؛ والفَلاحِ؛ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهم بِخُصُوصِهِمْ؛ ولا تَصْرِيحٍ بِتَحَقُّقِ اتِّصافِهِمْ بِها؛ إذْ لَيْسَ فِيما يُذَكَرُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ حُكْمٌ بِالفِعْلِ؛ وعُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ؛ مِنَ المُجاهِرِينَ؛ والمُنافِقِينَ؛ ثُمَّ شُرِحَ في تَضاعِيفِها مِن فُنُونِ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ والحِكَمِ؛ وأخْبارِ سَوالِفِ الأُمَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ شَرْحَهُ؛ عُيِّنَ في خاتِمَتِها المُتَّصِفُونَ بِها؛ وحُكِمَ بِاتِّصافِهِمْ بِها؛ عَلى طَرِيقِ الشَّهادَةِ لَهُمْ؛ مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَمالِ الإيمانِ؛ وحُسْنِ الطّاعَةِ. وذِكْرُهُ ﷺ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ مَعَ ذِكْرِهِ هُناكَ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ لِما أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ ألّا يُخاطَبَ بِها المَشْهُودُ لَهُ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هَهُنا لِبَيانِ فَوْزِهِمْ بِمَطالِبِهِمُ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الدَّعَواتِ الآتِيَةِ؛ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ لا سِيَّما بَعْدَما نُصَّ عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ وإيرادُهُ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ المُنْبِئَةِ عَنْ كَوْنِهِ ﷺ صاحِبَ كِتابٍ مَجِيدٍ؛ وشَرْعٍ جَدِيدٍ؛ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾؛ ومَزِيدُ تَوْضِيحٍ لِانْدِراجِهِ في الرُّسُلِ المُؤْمَنِ بِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُرادُ بِـ "ما أُنْزِلَ إلَيْهِ": ما يَعُمُّ كُلَّهُ؛ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ؛ فَفِيهِ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِ ﷺ؛ وتَعْيِينٌ لِعُنْوانِهِ؛ أيْ: آمَنَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ؛ ﴿مِن رَبِّهِ﴾؛ إيمانًا تَفْصِيلِيًّا؛ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ؛ والأحْكامِ؛ والقَصَصِ؛ والمَواعِظِ؛ وأحْوالِ الرُّسُلِ؛ والكُتُبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُنْزَلٌ مِنهُ (تَعالى)؛ وأمّا الإيمانُ بِحَقِّيَّةِ أحْكامِهِ؛ وصِدْقِ أخْبارِهِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَمِن فُرُوعِ الإيمانِ بِهِ؛ مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ؛ وفي هَذا الإجْمالِ إجْلالٌ لِمَحَلِّهِ ﷺ؛ وإشْعارٌ بِأنَّ تَعَلُّقَ إيمانِهِ بِتَفاصِيلِ ما أنْزِلَ إلَيْهِ؛ وإحاطَتَهُ بِجَمِيعِ ما انْطَوى عَلَيْهِ؛ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ أصْلًا؛ وكَذا في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَشْرِيفٌ لَهُ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إنْزالَهُ إلَيْهِ تَرْبِيَةٌ؛ وتَكْمِيلٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الفَرِيقُ؛ المَعْرُوفُونَ بِهَذا الِاسْمِ؛ فاللّامُ عَهْدِيَّةٌ؛ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِإفْضائِها إلى خُلُوِّ الكَلامِ عَنِ الجَدْوى؛ وهو مُبْتَدَأُ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلٌّ﴾: مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿آمَنَ﴾: خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ؛ والرّابِطُ بَيْنَهُما الضَّمِيرُ الَّذِي نابَ مَنابَهُ التَّنْوِينُ؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في "آمَنَ"؛ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهُمْ؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ؛ كَما اعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ …

Al-Baqara 2:285Listen in Qur'an →
286

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Allah does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ جِيءَ بِها إثْرَ حِكايَةِ تَلَقِّيهِمْ لِتَكالِيفِهِ (تَعالى) بِحُسْنِ الطّاعَةِ؛ إظْهارًا لِما لَهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ في ضِمْنِ التَّكْلِيفِ؛ مِن مَحاسِنِ آثارِ الفَضْلِ؛ والرَّحْمَةِ ابْتِداءً؛ لا بَعْدَ السُّؤالِ؛ كَما سَيَجِيءُ؛ هَذا.. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ الآيَةُ.. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأتَوْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بَرَكُوا عَلى الرُّكَبِ؛ فَقالُوا: أيْ رَسُولَ اللَّهِ.. كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةُ؛ والصَّوْمُ؛ والحَجُّ؛ والجِهادُ؛ وقَدْ أُنْزِلَ إلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ؛ ولا نُطِيقُها؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا؛ وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا؛ وأطَعْنا؛ غُفْرانَكَ رَبَّنا؛ وإلَيْكَ المَصِيرُ"؛ فَقَرَأها القَوْمُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾»؛ فَمَسْؤُولُهُمُ الغُفْرانُ؛ المُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾؛ تَهْوِينًا لِلْخَطْبِ عَلَيْهِمْ؛ بِبَيانِ أنَّ المُرادَ بِما في أنْفُسِهِمْ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ السُّوءِ خاصَّةً؛ لا ما يَعُمُّ الخَواطِرَ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ الِاحْتِرازُ عَنْها؛ و"التَّكْلِيفُ": إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ؛ ومَشَقَّةٌ؛ و"الوُسْعُ": ما يَسَعُ الإنْسانَ؛ ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ أيْ: سُنَّتُهُ (تَعالى) أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقُها؛ ويَتَيَسَّرُ عَلَيْها؛ دُونَ مَدى الطّاقَةِ؛ والمَجْهُودِ؛ فَضْلًا مِنهُ (تَعالى)؛ ورَحْمَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾؛ وقُرِئَ: "وَسْعَها"؛ بِالفَتْحِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ؛ لا عَلى امْتِناعِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾: لِلتَّرْغِيبِ في المُحافَظَةِ عَلى مَواجِبِ التَّكْلِيفِ؛ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها؛ بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ؛ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ؛ والتَّيْسِيرِ؛ تَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً؛ وأنَّها تَعُودُ إلَيْها؛ لا إلى غَيْرِها؛ ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالُ بِهِ مَضَرَّةً تَحِيقُ بِها؛ لا بِغَيْرِها؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ؛ واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ؛ أيْ: لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ؛ والَّذِي كُلِّفَتْ فِعْلَهُ؛ لا لِغَيْرِها؛ اسْتِقْلالًا؛ أوِ اشْتِراكًا؛ ضَرُورَةَ شُمُولِ كَلِمَةِ "ما" لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ مَكْسُوبِها؛ وعَلَيْها - لا عَلى غَيْرِها؛ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - عِقابُ ما اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ؛ الَّذِي كُلِّفَتْ تَرْكَهُ؛ وإيرادُ الِاكْتِسابِ في جانِبِ الشَّرِّ لِما فِيهِ مِنَ اعْتِمالٍ ناشِئٍ مِنَ اعْتِناءِ النَّفْسِ بِتَحْصِيلِ الشَّرِّ؛ وسَعْيِها في طَلَبِهِ.

﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾: شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ دَعَواتِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ سِرِّ التَّكْلِيفِ؛ أيْ: …

Al-Baqara 2:286Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.