Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 281–286 of 286

281

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And fear a Day when you will be returned to Allah. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be treated unjustly.

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ شَكا بَنُو المُغِيرَةِ العُسْرَةَ وقالُوا: أخِّرُونا إلى أنْ تُدْرَكَ الغَلّاتُ، فَأبَوْا أنْ يُؤَخَّرُوا، فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن بَيْعِ مَن أعْسَرَ بِدَيْنٍ، وقِيلَ: أُمِرَ بِهِ في صَدْرِ الإسْلامِ، فَإنْ ثَبَتَ هَذا فَهو نَسْخٌ، وإلّا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ والعُسْرَةُ ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ: جَيْشُ العُسْرَةِ، والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ: اليُسْرُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو عُسْرَةٍ، عَلى أنَّ: كانَ تامَّةٌ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ: كانَ، ناقِصَةً هُنا، وقُدِّرَ الخَبَرُ: وإنْ كانَ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ فَحُذِفَ المَجْرُورُ الَّذِي هو الخَبَرُ، وقُدِّرَ أيْضًا: وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكم عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَذْفُ خَبَرِ كانَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا، لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا لِعِلَّةٍ ذَكَرُوها في النَّحْوِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ (ذا عُسْرَةٍ) وقَرَأ الأعْمَشُ (مُعْسِرًا) وحَكى الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أبِي عَلِيٍّ إنَّ في كانَ اسْمُها ضَمِيرًا تَقْدِيرُهُ: هو، أيْ: الغَرِيمُ، يَدُلُّ عَلى إضْمارِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ المُرابِيَ لا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يُرابِيهِ.

وقُرِئَ (ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ) وهي قِراءَةُ أبانَ بْنِ عُثْمانَ، وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ (فَإنْ كانَ) بِالفاءِ، فَمَن نَصَبَ ذا عُسْرَةٍ أوْ قَرَأ مُعْسِرًا، وذَلِكَ بَعْدَ ﴿وإنْ كانَ﴾ فَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِأهْلِ الرِّبا، ومَن رَفَعَ فَهو عامٌّ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِيقَتْ في أهْلِ الرِّبا، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، وقِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ الإيسارُ، وأنَّ العَدَمَ طارِئٌ جاذِبٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُثْبَتَ.

﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ عَلى وزْنٍ نَبِقَةٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ: بِسُكُونِ الظّاءِ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، يَقُولُونَ في: كَبَدَ كَبِدَ. وقَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) عَلى وزْنِ: فاعِلَةٌ وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] وقالَ: قَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) بِمَعْنى: فَصاحِبُ الحَقِّ ناظِرَهُ، أيْ: مُنْتَظِرُهُ، أوْ صاحِبُ نَظِرَتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: مَكانٌ عاشِبٌ، وباقِلٌ، بِمَعْنى: ذُو عُشْبٍ وذُو بَقْلٍ، وعَنْهُ: فَناظِرَهُ، عَلى الأمْرِ بِمَعْنى: فَسامَحَهُ بِالنَّظِرَةِ، وباشَرَهُ بِها، انْتَهى، ونَقَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلاهُ أمْرًا، والهاءُ ضَمِيرُ الغَرِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فَناظِرُوهُ) أيْ: فَأنْتُمْ ناظِرُوهُ، أيْ: فَأنْتُمْ مُنْتَظِرُوهُ، فَهَذِهِ سِتُّ قِراءاتٍ، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرًا فَهو يَرْتَفِعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فالأمْرُ والواجِبُ عَلى صاحِبِ الدَّيْنِ نَظِرَةٌ مِنهُ لِطَلَبِ الدَّيْنِ مِنَ المَدِينِ إلى مَيْسَرَةٍ مِنهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ، والضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهو قَلِيلٌ؛ كَمَقْبُرَةٍ، ومَشْرُفَةٍ، ومَسْرُبَةٍ، والكَثِيرُ …

Al-Baqara 2:281Listen in Qur'an →
282

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allah has taught him. So let him write and let the one who has the obligation dictate. And let him fear Allah, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of the women errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allah and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allah. And Allah teaches you. And Allah is Knowing of all things.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]

تَدايَنَ: تَفاعَلَ مِنَ الدَّيْنِ، يُقالُ: دايَنْتُ الرَّجُلَ عامَلْتُهُ بِدَيْنٍ مُعْطِيًا أوْ آخِذًا، كَما تَقُولُ: بايَعْتُهُ إذا بِعْتَهُ أوْ باعَكَ قالَ رُؤْبَةُ:

؎دايَنْتُ أرَوى والدُّيُونُ تُقْضى فَمَطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضًا

ويُقالُ: دِنْتُ الرَّجُلَ إذا بِعْتَهُ بَدَيْنٍ، وادَّنْتُ أنا أيْ: أخَذْتُ بِدَيْنٍ.

أمْلَ وأمْلى لُغَتانِ: الأُولى لِأهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لِتَمِيمٍ، يُقالُ: أمْلَيْتُ وأمْلَلْتُ عَلى الرَّجُلِ أيْ: ألْقَيْتُ عَلَيْهِ ما يَكْتُبُهُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإعادَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألا يا دِيارَ الحَيِّ بِالسَّبُعانِ ∗∗∗ أمَلَّ عَلَيْها بِالبِلى المَلَوانِ

وقِيلَ: الأصْلُ أمْلَلْتُ، أبْدَلَ مِنَ اللّامِ ياءً لِأنَّها أخَفُّ.

البَخْسُ: النَّقْصُ، يُقالُ مِنهُ: بَخَسَ يَبْخَسُ، ويُقالُ: بِالصّادِّ، والبَخْسُ: إصابَةُ العَيْنِ، ومِنهُ: اسْتُعِيرَ بَخْسُ حَقِّهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَوَّرَ حَقَّهُ، وتَباخَسُوا في البَيْعِ تَغابَنُوا، كانَ كُلُّ واحِدٍ يَبْخَسُ صاحِبَهُ عَنْ ما يُرِيدُهُ مِنهُ بِاحْتِيالِهِ. السَّأمُ والسَّآمَةُ: المَلَلُ مِنَ الشَّيْءِ والضَّجَرُ مِنهُ، يُقالُ …

Al-Baqara 2:282Listen in Qur'an →
283

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ

And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allah, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allah is Knowing of what you do.

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ مَفْهُومُ الشَّرْطِ يَقْتَضِي امْتِناعَ الِاسْتِيثاقِ بِالرَّهْنِ، وأخْذَهُ في الحَضَرِ، وعِنْدَ وِجْدانِ الكاتِبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ جَوازَ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ السَّفَرِ وفُقْدانِ الكاتِبِ، وقَدْ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: إلى أنَّ الرَّهْنَ والِائْتِمانَ إنَّما هو في السَّفَرِ، وأمّا في الحَضَرِ فَلا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ونُقِلَ عَنْهُما أنَّهُما لا يُجَوِّزانِ الِارْتِهانَ إلّا في حالِ السَّفَرِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ الرَّهْنِ في الحَضَرِ، ومَعَ وُجُودِ الكاتِبِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ السَّفَرَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْإعْذارِ؛ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ فُقْدانِ الكاتِبِ، وإعْوازِ الإشْهادِ، فَأقامَ التَّوَثُّقَ بِالرَّهْنِ مَقامَ الكِتابَةِ والشَّهادَةِ، ونَبِّهْ بِالسَّفَرِ عَلى كُلِّ عُذْرٍ، وقَدْ يَتَعَذَّرُ الكاتِبُ في الحَضَرِ، كَأوْقاتِ الِاشْتِغالِ واللَّيْلِ. وقَدْ صَحَّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَهْنَ دِرْعَهُ في الحَضَرِ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لا يُرادُ مَفْهُومُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (كاتِبًا) عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ (كَتْبًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ جَمْعُ كاتِبٍ، كَصاحِبٍ وصِحابٍ، ونَفْيُ الكاتِبِ يَقْتَضِي نَفْيُ الكِتابَةِ، ونَفْيُ الكِتابَةِ يَقْتَضِي أيْضًا نُفِيَ الكُتُبِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ (كُتّابًا) عَلى الجَمْعِ اعْتِبارًا بِأنَّ كُلَّ نازِلَةٍ لَها كاتِبٌ، ورَوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ (كُتُبًا) جَمْعُ كِتابٍ، وجُمِعَ اعْتِبارًا بِالنَّوازِلِ أيْضًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَرِهانٌ) جَمْعُ رَهْنٍ نَحْوُ: كَعْبٍ وكِعابٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (فَرُهُنٌ) بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ، ورَوِيَ عَنْهُما تَسْكِينُ الهاءِ، وقَرَأ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما جَماعَةٌ غَيْرُهُما، فَقِيلَ: هو جَمْعُ رِهانٍ، ورِهانٌ جَمْعُ رَهَنٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وجَمْعُ الجَمْعِ لا يَطَّرِدُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ رَهْنٍ، كَسَقْفٍ، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ الهاءِ فَهو تَخْفِيفٌ مِن رُهُنٍ، وهي لُغَةٌ في هَذا البابِ، نَحْوُ: كُتْبٍ في كُتُبٍ، واخْتارَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لا أعْرِفُ الرِّهانَ إلّا في الخَيْلِ لا غَيْرَ، وقالَ يُونُسُ: الرُّهْنُ والرِّهانُ عَرَبِيّانِ، والرُّهْنُ في الرُّهُنِ أكْثَرُ، والرِّهانُ في الخَيْلِ أكْثَرُ، انْتَهى. وجَمْعُ فُعُلٍ عَلى فُعْلٍ قَلِيلٌ، ومِمّا جاءَ فِيهِ رُهْنٌ قَوْلُ الأعْشى:

؎آلَيْتُ لا يُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا رُهْنًا فَيُفْسِدَهم كَرُهْنٍ أفْسَدا

وقالَ بِكَسْرِ رِهْنٍ عَلى أقَلَّ العَدَدِ لَمْ أعْلَمْهُ جاءَ، وقِياسُهُ: أفْعُلٍ، فَكَأنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِالكَثِيرِ عَنِ القَلِيلِ، انْتَهى، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ اشْتِراطُ القَبْضِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى صِحَّةِ قَبَضِ المُرْتَهِنِ، وقَبَضِ وكِيلِهِ، وأمّا قَبْضُ عَدْلٍ يُوضَعُ الرَّهْنُ عَلى يَدَيْهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ بِهِ. وقالَ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: لَيْسَ بِقَبْضٍ، فَإنْ وقْعَ الرَّهْنُ بِالإيجابِ والقَبُولِ، ولَمْ يَقَعِ القَبْضُ، فالظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا بِالقَبْضِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ، وقالَتِ المالِكِيَّةُ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ بِالعَقْدِ، ويُجْبَرُ الرّاهِنُ عَلى دَفْعِ الرَّهْنِ لِيَحُوزَهُ المُرْتَهِنُ، فالقَبْضُ عِنْدَ مالِكٍ شَرْطٌ في كَمالِ فائِدَتِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ شَرْطٌ في …

Al-Baqara 2:283Listen in Qur'an →
284

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allah will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allah is over all things competent.

﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ ظاهِرُ: ما العُمُومُ، والمَعْنى: أنَّ الحالَتَيْنِ مِنَ الإخْفاءِ والإبْداءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى سَواءٌ، وإنَّما يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ إبْداءً وإخْفاءً بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقِينَ لا إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ ناشِئًا عَنْ وُجُودِ الأشْياءِ، بَلْ هو سابِقٌ بِعِلْمِ الأشْياءِ قَبْلَ الإيجادِ، وبَعْدَ الإيجادِ، وبَعْدَ الإعْدامِ، بِخِلافِ عِلْمِ المَخْلُوقِ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا بَعْدَ إيجادِهِ، فَعِلْمُهُ مُحَدَّثٌ، وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هو في مَعْنى الشَّهادَةٍ أعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكاتِمَ لَها المَخْفِي ما في نَفْسِهِ مُحاسَبٌ، وقِيلَ: مِنَ الِاحْتِيالِ لِلرِّبا، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الشَّكِّ واليَقِينِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُ بِما تَجْنِ القُلُوبُ، قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] .

وبَعْدُ فَإنَّ المَحَبَّةَ والإرادَةَ والعِلْمَ والجَهْلَ أفْعالُ القَلْبِ وهي مِن أعْظَمِ أفْعالِ العِبادِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: بَيَّنَ أنَّ أفْعالَ القُلُوبِ كَأفْعالِ الجَوارِحِ في أنَّ الوَعِيدَ يَتَناوَلُها، ويَعْنِي ما يَلْزَمُ إظْهارُهُ إذا خَفِيَ، وما يَلْزَمُ كِتْمانُهُ إذا ظَهَرَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُقُوقُ، ولَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ ما يَخْطُرُ بِالقَلْبِ مِمّا قَدْ رَفَعَ فِيهِ المَأْثَمَ، انْتَهى كَلامُهُ. وإلى ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ أشارَ، واللَّهُ أعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوُزَ لِأُمَّتَي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ وتَكَلُّمْ» وقالَ: إنْ تُظْهِرُوا العَمَلَ أوْ تُسِرُّوهُ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحاسِبُ عِبادَهُ عَلى ما يُخْفُونَ مِن أعْمالِهِمْ وعَلى ما يُبْدُونَهُ، فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَحِقِّ ويُعَذِّبُ المُسْتَحِقَّ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ يُسْتَحَقّانِ بِالعَزْمِ وسائِرِ أفْعالِ القُلُوبِ إذا كانَتْ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ السُّوءِ وهَذا حَسَنٌ لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ذِكْرُ الغُفْرانِ والتَّعْذِيبِ، لَكِنْ ذَيَّلَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِمَنِ اسْتَوْجَبَ المَغْفِرَةَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا أُظْهِرَ مِنهُ أوْ أُضْمِرَ، ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مَنِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ بِالإصْرارِ، انْتَهى، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ الغُفْرانَ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن ماتَ مُصِرًّا عَلى المَعْصِيَةِ ولَمْ يَتُبْ، فَهو في المَشِيئَةِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .

ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَدْخُلُ فِيما يُخْفِيهِ الإنْسانُ الوَسْواسُ، وحَدِيثُ النَّفْسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ في وُسْعِهِ الخُلُوُّ مِنهُ، ولَكِنْ ما اعْتَقَدَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ تَلاها فَقالَ: لَئِنْ أخَذَنا اللَّهُ بِهَذا لَنَهْلَكَنَّ، ثُمَّ بَكى حَتّى سُمِعَ نَشَجُهُ، فَذُكِرَ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ مِنها مِثْلَ ما وجَدَ، فَنَزَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] انْتَهى كَلامُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في أنْفُسِكم، يَقْتَضِي قُوَّةَ …

Al-Baqara 2:284Listen in Qur'an →
285

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ

The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allah and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةَ أشْفَقُوا مِنها، ثُمَّ تَقَرَّرَ الأمْرُ عَلى أنْ ﴿قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النساء: ٤٦] فَرَجَعُوا إلى التَّضَرُّعِ والِاسْتِكانَةِ، فَمَدَحَهُمُ اللَّهُ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وقَدَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رِفْقِهِ بِهِمْ، وكَشْفِهِ لِذَلِكَ الكَرْبِ الَّذِي أوْجَبَهُ تَأْوِلَهم، فَجَمَعَ لَهم، تَعالى، التَّشْرِيفَ بِالمَدْحِ والثَّناءِ ورَفَعِ المَشَقَّةَ في أمَرِ الخَواطِرِ، وهَذِهِ ثَمَرَةُ الطّاعَةِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما جَرى لِبَنِي إسْرائِيلَ ضِدَّ ذَلِكَ مِن ذَمِّهِمْ وتَحْمِيلِهِمُ المَشَقّاتِ مِنَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجَلاءِ، إذْ ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وهَذِهِ ثَمَرَةُ العِصْيانِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ، أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مَن نِقَمِهِ، انْتَهى هَذا، وهو كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ.

وظَهَرَ بِسَبَبِ النُّزُولِ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، ولِما كانَ مُفْتَتَحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ الكِتابِ المُنَزَّلِ، وأنَّهُ هَدًى لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ، وبِما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ وإلى مَن قَبْلَهُ، كانَ مُخْتَتَمُها أيْضًا مُوافِقًا لِمُفْتَتَحِها.

وقَدْ تَتَبَّعْتُ أوائِلَ السُّوَرِ المُطَوَّلَةِ فَوَجَدْتُها يُناسِبُها أواخِرُها، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَنْخَرِمُ مِنها شَيْءٌ، وسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ في آخِرِ كُلِّ سُورَةٍ سُورَةٍ، وذَلِكَ مِن أبْدَعِ الفَصاحَةِ، حَيْثُ يَتَلاقى آخِرُ الكَلامِ المُفْرِطُ في الطُّولِ بِأوَّلِهِ، وهي عادَةٌ لِلْعَرَبِ في كَثِيرٍ مِن نُظُمِهِمْ، يَكُونُ أحَدُهم آخِذًا في شَيْءٍ، ثُمَّ يَسْتَطْرِدُ مِنهُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ إلى آخَرَ، هَكَذا طَوِيلًا، ثُمَّ يَعُودُ إلى ما كانَ آخِذًا فِيهِ أوَّلًا، ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في ذَلِكَ سَهَلَ عَلَيْهِ مُناسَبَةُ ما يَظْهَرُ بِبادِئِ النَّظَرِ أنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ، فَبَيَّنَ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .

قالَ المَرْوَزِيُّ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لَمْ يَنْزِلْ بِهِما جِبْرِيلُ، وسَمِعَهُما ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ بِلا واسِطَةٍ، والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةٌ إلّا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وعَطاءٌ: إنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِما بِالمَدِينَةِ، وهي رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في إيمانِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَهِدَ بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، فالشَّكُّ فِيهِ شَكٌّ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى كَلامُهُ.

والألِفُ واللّامُ في (الرَّسُولُ) هي لِلْعَهْدِ، وهو رَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ وقَدْ كَثُرَ في القُرْآنِ تَسْمِيَتُهُ مِنَ اللَّهِ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ، وما أنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ شامِلٌ لِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى: مِنَ العَقائِدِ، وأنْواعِ الشَّرائِعِ، وأقْسامِ الأحْكامِ في القُرْآنِ، وفي غَيْرِهِ، آمَنَ بِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ وصَلَ إلَيْهِ، وقَدَّمَ الرَّسُولَ لِأنَّ إيمانَهُ هو المُتَقَدِّمُ وإيمانَ المُؤْمِنِينَ مُتَأخِّرٌ عَنْ إيمانِهِ، إذْ هو المَتْبُوعُ وهُمُ التّابِعُونَ في ذَلِكَ.

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ، قالَ: يَحِقُّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ» . والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: …

Al-Baqara 2:285Listen in Qur'an →
286

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Allah does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."

﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ هَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قُولُوا في دُعائِكم: (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا) والدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ؛ إذِ الدّاعِي يُشاهِدُ نَفْسَهُ في مَقامِ الحاجَةِ والذِّلَّةِ والِافْتِقارِ، ويُشاهِدُ رَبَّهُ بِعَيْنِ الِاسْتِغْناءِ والإفْضالِ، فَلِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وافْتُتِحَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا) إيذانًا مِنهم بِأنَّهم يَرْغَبُونَ مِن رَبِّهِمُ الَّذِي هو مُرَبِّيهِمْ، ومُصْلِحُ أحْوالِهِمْ، ولِأنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّهم مَرْبُوبُونَ داخِلُونَ تَحْتَ رِقِّ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ، ولَمْ يَأْتِ لَفْظُ (رَبَّنا)، في الجُمَلِ الطَّلَبِيَّةِ أخِيرًا؛ لِأنَّها نَتائِجُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي دَعَوْا فِيها: بِرَبِّنا، وجاءَتْ مُقابَلَةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ الثَّلاثِ السَّوابِقِ جُمْلَةٌ، فَقابَلَ ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْفُ عَنّا﴾ وقابَلَ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ بِقَوْلِهِ: (واغْفِرْ لَنا) وقابَلَ قَوْلَهَ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: (وارْحَمْنا) لِأنَّ مِن آثارِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ العَفْوَ، ومِن آثارِ عَدَمِ حَمْلِ الإصْرِ عَلَيْهِمُ المَغْفِرَةُ، ومِن آثارِ عَدَمِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ الرَّحْمَةُ.

ومَعْنى: المُؤاخَذَةُ، العاقِبَةُ، وفاعِلُ هُنا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوُ: أخَذَ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها فاعِلٌ، وقِيلَ: جاءَ بِلَفْظِ المُفاعَلَةِ، وهو فِعْلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُسِيءَ قَدْ أمْكَنَ مِن نَفْسِهِ، وطَرَقَ السَّبِيلَ إلَيْها بِفِعْلِهِ، فَصارَ مَن يُعاقِبُ تَذَنُّبَهُ كالمُعِينِ لِنَفْسِهِ في إيذائِها، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى يَأْخُذُ المُذْنِبَ بِالعُقُوبَةِ، والمُذْنِبَ كَأنَّهُ يَأْخُذُ رَبَّهُ بِالمُطالَبَةِ بِالعَفْوِ والكَرَمِ؛ إذْ لا يَجِدُ مَن يُخَلِّصُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا هو تَعالى، فَلِذَلِكَ يَتَمَسَّكُ العَبْدُ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهُ بِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ بِلَفْظِ المُؤاخَذَةِ والنِّسْيانِ الَّذِي هو: عَدَمُ الذِّكْرِ، والخَطَأِ مَوْضُوعانِ عَنِ المُكَلَّفِ لا يُؤاخَذُ بِهِما، فَقالَ عَطاءٌ: (نَسِينا) جَهِلْنا، و(أخْطَأْنا) تَعَمَّدْنا، وقالَ قُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ: (نَسِينا) تَرْكَنا، و(أخْطَأْنا) قالَ الطَّبَرِيُّ: قَصَدْنا، وقالَ قُطْرُبٌ: أخْطَأْنا في التَّأْوِيلِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أخْطَأ: سَها وخَطِئَ تَعَمَّدَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎والنّاسُ يَلْحُونَ الأمِيرَ إذا هم خَطَئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ النِّسْيانَ هُنا والأخْطاءَ عَلى ظاهِرِهِما، وهُما اللَّذانِ لا يُؤاخَذُ المُكَلَّفُ بِهِما، وتَجَوَّزَ عَنْهُما إنْ صَدَرا مِنهُ، وإيّاهُ أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في آخِرِ كَلامِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ النِّسْيانَ والخَطَأ والمُرادُ بِهِما ما هُما مَنسِيّانِ عَنْهُ مِنَ التَّفْرِيطِ والإغْفالِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ [الكهف: ٦٣] ؟ والشَّيْطانُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ النِّسْيانِ، وإنَّما يُوَسْوِسُ، فَتَكُونُ وسْوَسَتُهُ سَبَبًا لِلتَّفْرِيطِ الَّذِي مِنهُ النِّسْيانُ، ولِأنَّهم كانُوا مُتَّقِينَ لِلَّهِ حَقَّ تُقاتِهِ، فَما كانَتْ تَفْرُطُ مِنهم فَرْطَةٌ إلّا عَلى وجْهِ النِّسْيانِ والخَطَأِ، فَكانَ وصْفُهم بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ إيذانًا بِبَراءَةِ ساحَتِهِمْ عَمّا يُؤاخَذُونَ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ …

Al-Baqara 2:286Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.