إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.
﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ صَدَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وكَذَلِكَ النَّذْرُ عامٌّ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ، وأتى بِالمُمَيِّزِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ ﴿ومِن نَذْرٍ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ لِتَأْكِيدِ انْدِراجِ القَلِيلِ والكَثِيرِ في ذَلِكَ، ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، وقِيلَ: تَخْتَصُّ النَّفَقَةُ بِالزَّكاةِ لِعَطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ وهو النَّذْرُ، والنَّذْرُ عَلى قِسْمَيْنِ: مُحَرَّمٍ وهو كُلُّ نَذْرٍ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، ومُعْظَمُ نُذُورِ الجاهِلِيَّةِ كانَتْ عَلى ذَلِكَ؛ ومُباحٍ مَشْرُوطٍ وغَيْرِ مَشْرُوطٍ، وكِلاهُما مُفَسِّرٌ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ مَن مَرِضِ كَذا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ دِينارٍ، ونَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وغَيْرُ مُفَسِّرٍ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ أوْ نَذْرٌ، وأحْكامُ النَّذْرِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى (يَعْلَمُهُ) يُحْصِيهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُجازِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَحْفَظُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعْدًا ووَعِيدًا بِتَرْتِيبِ عِلْمِ اللَّهِ عَلى ما أنْفَقُوا أوْ نَذَرُوا (ومِن نَفَقَةٍ) (ومِن نَذْرٍ) تَقَدَّمَ نَظائِرُها في الإعْرابِ فَلا تُعادُ، وفي قَوْلِهِ: (مِن نَذْرٍ) دَلالَةٌ عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: (نَذَرْتُمْ) تَقْدِيرُهُ: أوْ ما نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ؛ لِأنَّ (مِن نَذْرٍ) تَفْسِيرٌ وتَوْضِيحٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِدَلالَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
؎أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
التَّقْدِيرُ: ومَن يَمْدَحُهُ، فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ: مَن، المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ، فَجاءَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لِأنَّ العَطْفَ بِأوْ، وإذا كانَ العَطْفُ بِأوْ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو أحَدُهُما، وتارَةً يُراعى بِهِ الأوَّلُ في الذِّكْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقٌ، وتارَةً يُراعى بِهِ الثّانِي، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقَةٌ، وأمّا أنْ يَأْتِيَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ فَلا، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وعَلى المَهْيَعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] كَما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمّا عَزَبَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الأحْكامِ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، جَعَلُوا إفْرادَ الضَّمِيرِ مِمّا يَتَأوَّلُ، فَحُكِيَ عَنِ النَّحاسِ أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ، قالَ: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ …