Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 271–280 of 286

271

إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ صَدَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وكَذَلِكَ النَّذْرُ عامٌّ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ، وأتى بِالمُمَيِّزِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ ﴿ومِن نَذْرٍ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ لِتَأْكِيدِ انْدِراجِ القَلِيلِ والكَثِيرِ في ذَلِكَ، ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، وقِيلَ: تَخْتَصُّ النَّفَقَةُ بِالزَّكاةِ لِعَطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ وهو النَّذْرُ، والنَّذْرُ عَلى قِسْمَيْنِ: مُحَرَّمٍ وهو كُلُّ نَذْرٍ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، ومُعْظَمُ نُذُورِ الجاهِلِيَّةِ كانَتْ عَلى ذَلِكَ؛ ومُباحٍ مَشْرُوطٍ وغَيْرِ مَشْرُوطٍ، وكِلاهُما مُفَسِّرٌ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ مَن مَرِضِ كَذا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ دِينارٍ، ونَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وغَيْرُ مُفَسِّرٍ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ أوْ نَذْرٌ، وأحْكامُ النَّذْرِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى (يَعْلَمُهُ) يُحْصِيهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُجازِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَحْفَظُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ.

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعْدًا ووَعِيدًا بِتَرْتِيبِ عِلْمِ اللَّهِ عَلى ما أنْفَقُوا أوْ نَذَرُوا (ومِن نَفَقَةٍ) (ومِن نَذْرٍ) تَقَدَّمَ نَظائِرُها في الإعْرابِ فَلا تُعادُ، وفي قَوْلِهِ: (مِن نَذْرٍ) دَلالَةٌ عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: (نَذَرْتُمْ) تَقْدِيرُهُ: أوْ ما نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ؛ لِأنَّ (مِن نَذْرٍ) تَفْسِيرٌ وتَوْضِيحٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِدَلالَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:

؎أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ

التَّقْدِيرُ: ومَن يَمْدَحُهُ، فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ: مَن، المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ، فَجاءَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لِأنَّ العَطْفَ بِأوْ، وإذا كانَ العَطْفُ بِأوْ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو أحَدُهُما، وتارَةً يُراعى بِهِ الأوَّلُ في الذِّكْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقٌ، وتارَةً يُراعى بِهِ الثّانِي، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقَةٌ، وأمّا أنْ يَأْتِيَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ فَلا، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وعَلى المَهْيَعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] كَما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمّا عَزَبَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الأحْكامِ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، جَعَلُوا إفْرادَ الضَّمِيرِ مِمّا يَتَأوَّلُ، فَحُكِيَ عَنِ النَّحاسِ أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ، قالَ: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ …

Al-Baqara 2:271Listen in Qur'an →
272

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

Not upon you, [O Muhammad], is [responsibility for] their guidance, but Allah guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the countenance of Allah. And whatever you spend of good - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ اخْتَلَفَ النَّقْلُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَضْمُونُها أنَّ مَن أسْلَمَ كَرِهَ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلى قَرِيبِهِ المُشْرِكِ، أوْ عَلى المُشْرِكِينَ، أوْ نَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ، أوِ امْتَنَعَ هو مِن ذَلِكَ، وقَدْ سَألَهُ يَهُودِيٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وظاهِرُ الهُدى أنَّهُ مُقابِلُ الضَّلالِ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْدِيَهم، أيْ: خَلْقَ الهُدى في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى بِمَعْنى الدُّعاءِ فَهو عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِمُرادٍ هُنا، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو نَظِيرُ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] فالمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، (هُداهم) لَيْسَ إلَيْكَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا الهُدى لَيْسَ مُقابِلًا لِلضَّلالِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، فَقالَ: لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَنِّ والأذى والإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ وغَيْرِهِ، وما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَهُمُ النَّواهِيَ فَحَسْبُ، ويُبْعِدُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ فَظاهِرُهُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ هُدى الإيمانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ تَلَطُفٌ بِمَن يَعْلَمُ أنَّ اللُّطْفَ يَنْفَعُ فِيهِ، فَيَنْتَهِي عَمّا نُهِيَ عَنْهُ، انْتَهى، فَلَمْ يَحْمِلِ الهُدى في المَوْضِعَيْنِ عَلى الإيمانِ المُقابِلِ لِلضَّلالِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى هُدًى خاصٍّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، كَما قُلْنا. وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا الغِنى أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُغْنِيَهم، وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُواسِيَهم، فَإنَّ اللَّهَ يُغْنِي مَن يَشاءُ. وتَسْمِيَةُ الغِنى هِدايَةٌ، عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: رَشَدْتُ واهْتَدَيْتُ، لِمَن ظَفِرَ، وغَوَيْتُ لِمَن خابَ وخَسِرَ، وعَلى هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا

وتَفْسِيرُ الهُدى بِالغِنى أبْعَدُ مِن تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وفي قَوْلِهِ: (هُداهم) طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، إذِ المَعْنى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى الضّالِّينَ، وظاهِرُ الخِطابِ في: لَيْسَ عَلَيْكَ، أنَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ .

ومُناسَبَةُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] الآيَةَ اقْتَضى أنْهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ، فانْقَسَمَ النّاسُ مِن مَفْهُومِ هَذا إلى قِسْمَيْنِ: مَن آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَعْمَلُ بِها، ومَن لَمْ يُؤْتِهِ إيّاها فَهو يَخْبِطُ عَشْواءً في الضَّلالِ، فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا القِسْمَ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم، بَلِ الهِدايَةُ وإيتاءُ الحِكْمَةِ إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ في كَوْنِ هَذا القِسْمِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ولِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهم وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى في: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ هو لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُلْجِئَهم إلى الهُدى بِواسِطَةِ أنْ تَقِفَ صَدَقَتَكَ عَلى إيمانِهِمْ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الإيمانِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، بَلِ المَطْلُوبُ مِنهُمُ الإيمانُ عَلى سَبِيلِ الطَّوْعِ …

Al-Baqara 2:272Listen in Qur'an →
273

لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allah, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allah is Knowing of it.

﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: هم أهْلُ الصُّفَّةِ حَبَسُوا أنْفُسَهم عَلى طاعَةِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ، وكانُوا نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ مِن قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن كانَ بِصِفَةِ الفَقْرِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هم قَوْمٌ أصابَتْهم جِراحاتٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَصارُوا زَمْنى، واخْتارَ هَذا الكِسائِيُّ، وقالَ: أُحْصِرُوا مِنَ المَرَضِ، ولَوْ أرادَ الحَبْسَ مِنَ العَدُوِّ لَقالَ: حَصَرُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الإحْصارِ والحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وثَبَتَ مِنَ اللُّغَةِ هُناكَ أنَّهُ يُقالُ في كُلٍّ مِنهُما أُحْصِرَ وحُصِرَ، وحَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ.

وقالَ السُّدِّيُّ: أُحْصِرُوا مِن خَوْفِ الكُفّارِ، إذْ أحاطُوا بِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: حَبَسُوا أنْفُسَهم لِلْغَزْوِ، ومَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الغَزْوِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: مَنَعَهم عُلُوُّ هِمَّتِهِمْ عَنْ رَفْعِ حاجَتِهِمْ إلّا إلى اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحْصَرَهُمُ الجِهادُ، لا يَسْتَطِيعُونَ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ ضَرْبًا في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، انْتَهى.

و﴿لِلْفُقَراءِ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن هَذِهِ الصَّدَقاتُ المَحْثُوثُ عَلى فِعْلِها ؟ فَقِيلَ: لِلْفُقَراءِ، أيْ: هي لِلْفُقَراءِ، فَبَيَّنَ مَصْرِفَ النَّفَقَةِ، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أعَجِبُوا لِلْفُقَراءِ، أوِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، واجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَ لِلْفُقَراءِ، وأبْعَدَ القَفّالُ في تَقْدِيرِ: إنْ تَبْدُوا الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ، وكَذَلِكَ مَن عَلَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ وكَذَلِكَ مَن جَعَلَ (لِلْفُقَراءِ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (فَلِأنْفُسِكم) لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ المانِعَةِ مِن ذَلِكَ.

﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ أيْ تَصَرُّفًا فِيها، إمّا لِزَمِنِهِمْ وإمّا لِخَوْفِهِمْ مِنَ العَدُوِّ لِقِلَّتِهِمْ، فَقِلَّتُهم تَمْنَعُهم مِنَ الِاكْتِسابِ بِالجِهادِ، وإنْكارُ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ إسْلامَهم يَمْنَعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في التِّجارَةِ، فَبَقُوا فُقَراءَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أحُصِرُوا عاجِزِينَ عَنِ التَّصَرُّفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، بِفَتْحِ السِّينِ حَيْثُ وقَعَ، وهو القِياسُ؛ لِأنَّ ماضِيَهُ عَلى فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، وهو مَسْمُوعٌ في ألْفاظٍ مِنها: عَمَدَ يَعْمُدُ ويَعْمِدُ، وقَدْ ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ، والفَتْحُ في السِّينِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والكَسْرُ لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى: أنَّهم لِفَرْطِ انْقِباضِهِمْ، وتَرْكِ المَسْألَةِ، واعْتِمادِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، يَحْسَبُهم مَن جَهِلَ أحْوالَهم أغْنِياءَ، و(مِن) سَبَبِيَّةٌ، أيِ: الحامِلُ عَلى حُسْبانِهِمْ أغْنِياءَ هو تَعَفُّفُهم؛ لِأنَّ عادَةَ مَن كانَ غَنِيَّ مالٍ أنْ يَتَعَفَّفَ ولا يَسْألُ، ويَتَعَلَّقُ (يَحْسَبُهم) وجُرَّ المَفْعُولُ لَهُ هُناكَ بِحَرْفِ السَّبَبِ، لِانْخِرامِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِ المَفْعُولِ لَهُ مِن أجْلِهِ وهو اتِّحادُ الفاعِلِ؛ لِأنَّ فاعِلَ يَحْسَبُ هو الجاهِلُ، وفاعِلَ التَّعَفُّفِ هو الفُقَراءُ، وهَذا الشَّرْطُ هو عَلى الأصَحِّ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا …

Al-Baqara 2:273Listen in Qur'an →
274

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth [in Allah 's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ قالَ أبُو ذَرٍّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو أُمامَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ الغافِقِيُّ، ومَكْحُولٌ، ورَباحُ بْنُ بُرَيْدٍ، والأوْزاعِيُّ: هي في عَلَفِ الخَيْلِ المُرْتَبِطَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومُرْتَبَطِها، وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ إذا مَرَّ بِفَرَسٍ سَمِينٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كانَتْ عِنْدَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، قالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يَمْلُكْ غَيْرَها، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ؛ بَعَثَ بِوَسَقِ تَمْرٍ إلى أهْلِ الصُّفَّةِ لَيْلًا، وفي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ بَعَثَ إلَيْهِمْ بِدَراهِمَ كَثِيرَةٍ نَهارًا. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في المُنْفِقِينَ مِن غَيْرِ تَبْذِيرٍ ولا تَقْتِيرٍ، انْتَهى. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بِكْرٍ؛ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ: عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ، وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ وعَشَرَةٌ في السِّرِّ، وعَشَرَةٌ في الجَهْرِ.

والآيَةُ، وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهم فِيما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعُمُّونَ الأوْقاتِ والأحْوالَ بِالصَّدَقَةِ لِحِرْصِهِمْ عَلى الخَيْرِ، فَكُلَّما نَزَلَتْ بِهِمْ حاجَةُ مُحْتاجٍ عَجَّلُوا قَضاءَها، ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ، ولَمْ يَتَعَلَّلُوا بِوَقْتٍ ولا حالٍ، انْتَهى.

ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآيَةِ أفْضَلِيَّةَ الصَّدَقَةِ في أحَدِ الزَّمانَيْنِ، ولا في إحْدى الحالَتَيْنِ اعْتِمادًا عَلى الآيَةِ قَبْلَها، وهي: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] أوْ جاءَ تَفْصِيلًا عَلى حَسَبِ الواقِعِ مِن صَدَقَةِ أبِي بَكْرٍ، وصَدَقَةِ عَلِيٍّ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ، والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ يَدُلُّ عَلى تِلْكَ الأفْضَلِيَّةِ، واللَّيْلُ مَظِنَّةُ صَدَقَةِ السِّرِّ، فَقَدَّمَ الوَقْتَ الَّذِي كانَتِ الصَّدَقَةُ فِيهِ أفْضَلَ، والحالُ الَّتِي كانَتْ فِيها أفْضَلَ.

والباءُ في (بِاللَّيْلِ) ظَرْفِيَّةٌ، وانْتِصابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُسَرِّينَ ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِن ضَمِيرِ الإنْفاقِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أوْ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْفاقًا سِرًّا، عَلى مَشْهُورِ الإعْرابِ في: قُمْتُ طَوِيلًا، أيْ قِيامًا طَوِيلًا.

﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا فَلا نُعِيدُهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ في (فَلَهم) لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ لِعُمُومِهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يُوجَدُ الشَّبَهُ، يَعْنِي بَيْنَ المَوْصُولِ واسْمِ الشَّرْطِ، إذا كانَ (الَّذِي) مَوْصُولًا بِفِعْلٍ، وإذا لَمْ يَدْخُلْ عَلى (الَّذِي) عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناهُ، انْتَهى، فَحَصَرَ الشَّبَهَ فِيما إذا كانَ (الَّذِي) مَوْصُولًا بِفِعْلٍ، وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ، إذْ ما ذُكِرَ لَهُ قُيُودٌ.

أوَّلُها: أنَّ ذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِالَّذِي بَلْ كُلُّ مَوْصُولٍ غَيْرُ الألِفِ واللّامِ حُكْمُهُ في ذَلِكَ حُكْمُ الَّذِي بَلا خِلافٍ، وفي الألِفِ واللّامِ خِلافٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ المَنعُ مِن دُخُولِ الفاءِ، الثّانِي: قَوْلُهُ مَوْصُولًا بِفِعْلٍ، فَأطْلَقَ في الفِعْلِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ شَرْطُ الفِعْلِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِأداةِ الشَّرْطِ، فَلَوْ …

Al-Baqara 2:274Listen in Qur'an →
275

ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Those who consume interest cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allah has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allah. But whoever returns to [dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها وارِدٌ في تَفْضِيلِ الإنْفاقِ والصَّدَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن طِيبِ ما كَسَبَ، ولا يَكُونُ مِنَ الخَبِيثِ، فَذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وهو خَبِيثٌ، وهو: الرِّبا، حَتّى يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ بِما كانَ مِن رِبًا، وأيْضًا فَتَظْهَرُ مُناسَبَةٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ الصَّدَقاتِ فِيها نُقْصانُ مالٍ، والرِّبا فِيهِ زِيادَةُ مالٍ، فاسْتَطْرَدَ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ إلى ذِكْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ ذِكْرِ التَّضادِّ، وأبْدى لِأكْلِ الرِّبا صُورَةً تَسْتَبْشِعُها العَرَبُ عَلى عادَتِها في ذِكْرِ ما اسْتَغْرَبَتْهُ واسْتَوْحَشَتْ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ

وقَوْلِ الآخَرِ:

؎خَيْلًا كَأمْثالِ السَّعالِي شُرَّبًا

وقَوْلِ الآخَرِ:

؎بَخِيلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ

والأكْلُ هُنا قِيلَ عَلى ظاهِرِهِ مِن خُصُوصِ الأكْلِ، وأنَّ الخَبَرَ عَنْهم مُخْتَصٌّ بِالآكِلِ الرِّبى، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ مُعامَلَةِ الرِّبا وأخْذِهِ بِالأكْلِ؛ لِأنَّ الأكْلَ غالِبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ [النساء: ١٦١] وقِيلَ: الرِّبا هُنا كِنايَةٌ عَنِ الحَرامِ، لا يَخُصُّ الرِّبا الَّذِي في الجاهِلِيَّةِ، ولا الرِّبا الشَّرْعِيِّ، وقَرَأ العَدَوِيُّ (الرَّبْوُ) بِالواوِ، وقِيلَ: وهي لُغَةُ الحِيرَةِ، ولِذَلِكَ كَتَبَها أهْلُ الحِجازِ بِالواوِ؛ لِأنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحِيرَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ عَلى لُغَةِ مَن وقَفَ عَلى أفْعى بِالواوِ، فَقالَ: هَذِهِ أفْعُو، فَأجْرى هَذا القارِئُ الوَصْلَ إجْراءَ الوَقْفِ.

وحَكى أبُو زَيْدٍ: أنَّ بَعْضَهم قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّ الباءِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي قِراءَةٌ بَعِيدَةٌ؛ لِأنْ لا يُوجَدَ في لِسانِ العَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ، بَلْ مَتى أدّى التَّصْرِيفُ إلى ذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الواوُ ياءً وتِلْكَ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وقَدْ أُوِّلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّها عَلى لُغَةِ مَن قالَ: في أفْعى: أفْعُو، في الوَقْفِ. وأنَّ القارِئَ إمّا أنَّهُ لَمْ يَضْبُطْ حَرَكَةَ الباءِ، أوْ سَمّى قُرْبَها مِنَ الضَّمَّةِ ضَمًّا.

و﴿لا يَقُومُونَ﴾ خَبَرٌ عَنْ (الَّذِينَ) ووَقَعَ في بَعْضِ التَّصانِيفِ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا؛ إذْ يُتَكَلَّفُ إضْمارُ خَبَرٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذا الإخْبارِ أنَّهُ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، وقِيلَ: هو إخْبارٌ ووَعِيدٌ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا مُسْتَحِلِّينَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ومَنِ اخْتارَ حَرْبَ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهو كافِرٌ، وهَذا القِيامُ الَّذِي في الآيَةِ قِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجُبَيْرٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لا يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كالمَجانِينِ، عُقُوبَةً لَهم وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سِيَمًا لَهم يُعْرَفُونَ بِها، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقالَ …

Al-Baqara 2:275Listen in Qur'an →
276

يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ

Allah destroys interest and gives increase for charities. And Allah does not like every sinning disbeliever.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها وارِدٌ في تَفْضِيلِ الإنْفاقِ والصَّدَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن طِيبِ ما كَسَبَ، ولا يَكُونُ مِنَ الخَبِيثِ، فَذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وهو خَبِيثٌ، وهو: الرِّبا، حَتّى يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ بِما كانَ مِن رِبًا، وأيْضًا فَتَظْهَرُ مُناسَبَةٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ الصَّدَقاتِ فِيها نُقْصانُ مالٍ، والرِّبا فِيهِ زِيادَةُ مالٍ، فاسْتَطْرَدَ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ إلى ذِكْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ ذِكْرِ التَّضادِّ، وأبْدى لِأكْلِ الرِّبا صُورَةً تَسْتَبْشِعُها العَرَبُ عَلى عادَتِها في ذِكْرِ ما اسْتَغْرَبَتْهُ واسْتَوْحَشَتْ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ

وقَوْلِ الآخَرِ:

؎خَيْلًا كَأمْثالِ السَّعالِي شُرَّبًا

وقَوْلِ الآخَرِ:

؎بَخِيلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ

والأكْلُ هُنا قِيلَ عَلى ظاهِرِهِ مِن خُصُوصِ الأكْلِ، وأنَّ الخَبَرَ عَنْهم مُخْتَصٌّ بِالآكِلِ الرِّبى، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ مُعامَلَةِ الرِّبا وأخْذِهِ بِالأكْلِ؛ لِأنَّ الأكْلَ غالِبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ [النساء: ١٦١] وقِيلَ: الرِّبا هُنا كِنايَةٌ عَنِ الحَرامِ، لا يَخُصُّ الرِّبا الَّذِي في الجاهِلِيَّةِ، ولا الرِّبا الشَّرْعِيِّ، وقَرَأ العَدَوِيُّ (الرَّبْوُ) بِالواوِ، وقِيلَ: وهي لُغَةُ الحِيرَةِ، ولِذَلِكَ كَتَبَها أهْلُ الحِجازِ بِالواوِ؛ لِأنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحِيرَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ عَلى لُغَةِ مَن وقَفَ عَلى أفْعى بِالواوِ، فَقالَ: هَذِهِ أفْعُو، فَأجْرى هَذا القارِئُ الوَصْلَ إجْراءَ الوَقْفِ.

وحَكى أبُو زَيْدٍ: أنَّ بَعْضَهم قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّ الباءِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي قِراءَةٌ بَعِيدَةٌ؛ لِأنْ لا يُوجَدَ في لِسانِ العَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ، بَلْ مَتى أدّى التَّصْرِيفُ إلى ذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الواوُ ياءً وتِلْكَ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وقَدْ أُوِّلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّها عَلى لُغَةِ مَن قالَ: في أفْعى: أفْعُو، في الوَقْفِ. وأنَّ القارِئَ إمّا أنَّهُ لَمْ يَضْبُطْ حَرَكَةَ الباءِ، أوْ سَمّى قُرْبَها مِنَ الضَّمَّةِ ضَمًّا.

و﴿لا يَقُومُونَ﴾ خَبَرٌ عَنْ (الَّذِينَ) ووَقَعَ في بَعْضِ التَّصانِيفِ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا؛ إذْ يُتَكَلَّفُ إضْمارُ خَبَرٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذا الإخْبارِ أنَّهُ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، وقِيلَ: هو إخْبارٌ ووَعِيدٌ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا مُسْتَحِلِّينَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ومَنِ اخْتارَ حَرْبَ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهو كافِرٌ، وهَذا القِيامُ الَّذِي في الآيَةِ قِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجُبَيْرٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لا يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كالمَجانِينِ، عُقُوبَةً لَهم وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سِيَمًا لَهم يُعْرَفُونَ بِها، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقالَ …

Al-Baqara 2:276Listen in Qur'an →
277

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakah will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ آكِلِ الرِّبا، وحالَ مَن عادَ بَعْدَ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ، وأنَّهُ كافِرٌ أثِيمٌ، ذَكَرَ ضِدَّ هَؤُلاءِ لِيُبَيِّنَ فَرْقَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ تابُوا مِن أكْلِ الرِّبا وآمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، انْتَهى. ونَصَّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإنْ كانا مُنْدَرَجَيْنِ في عُمُومِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وألْفاظُ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، كانَتْ لَهم دُيُونُ رِبًا عَلى بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقِيلَ: في عَبّاسٍ، وقِيلَ: في عُثْمانَ، وقالَ السُّدِّيُّ: في عَبّاسٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا، ومُلَخَّصُهُ أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَقاضَوْا رِباهم فَنَزَلَتْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانَ المَعْنى: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما أخَذَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (ما سَلَفَ) أيْ: ما تَقَدَّمَ العَقْدُ عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ ما في الذِّمَّةِ، وإنَّما يَمْنَعُ إنْشاءَ عَقْدٍ رِبَوِيٍّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، أزالَ تَعالى هَذا الاحْتِمالَ بِأنْ أمَرَ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في العُقُودِ السّابِقَةِ، قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ ما بَقِيَ في الذِّمَّةِ مِنَ الرِّبا هو كالمُنْشَأِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وناداهم بِاسْمِ الإيمانِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى قَبُولِ الأمْرِ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وبَدَأ أوَّلًا بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ، إذْ هي أصْلُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ أمَرَ ثانِيًا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا.

وفُتِحَتْ عَيْنُ: وذَرُوا، حَمْلًا عَلى: دَعَوْا، وفُتِحَتْ عَيْنُ: دَعَوْا، حَمْلًا عَلى: يَدَعُ، وفُتِحَتْ في يَدَعُ، وقِياسُها الكَسْرُ، إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: ما بَقا، بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّءٍ، ولِبَعْضِ العَرَبِ، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ:

؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانَ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الماءِ مُتَّأقِ

ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (ما بَقِي) بِإسْكانِ الياءِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎لَعَمْرُكَ ما أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا

وقالَ جَرِيرٌ:

؎هُوَ الخَلِيفَةُ …

Al-Baqara 2:277Listen in Qur'an →
278

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, fear Allah and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ آكِلِ الرِّبا، وحالَ مَن عادَ بَعْدَ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ، وأنَّهُ كافِرٌ أثِيمٌ، ذَكَرَ ضِدَّ هَؤُلاءِ لِيُبَيِّنَ فَرْقَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ تابُوا مِن أكْلِ الرِّبا وآمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، انْتَهى. ونَصَّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإنْ كانا مُنْدَرَجَيْنِ في عُمُومِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وألْفاظُ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، كانَتْ لَهم دُيُونُ رِبًا عَلى بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقِيلَ: في عَبّاسٍ، وقِيلَ: في عُثْمانَ، وقالَ السُّدِّيُّ: في عَبّاسٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا، ومُلَخَّصُهُ أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَقاضَوْا رِباهم فَنَزَلَتْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانَ المَعْنى: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما أخَذَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (ما سَلَفَ) أيْ: ما تَقَدَّمَ العَقْدُ عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ ما في الذِّمَّةِ، وإنَّما يَمْنَعُ إنْشاءَ عَقْدٍ رِبَوِيٍّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، أزالَ تَعالى هَذا الاحْتِمالَ بِأنْ أمَرَ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في العُقُودِ السّابِقَةِ، قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ ما بَقِيَ في الذِّمَّةِ مِنَ الرِّبا هو كالمُنْشَأِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وناداهم بِاسْمِ الإيمانِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى قَبُولِ الأمْرِ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وبَدَأ أوَّلًا بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ، إذْ هي أصْلُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ أمَرَ ثانِيًا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا.

وفُتِحَتْ عَيْنُ: وذَرُوا، حَمْلًا عَلى: دَعَوْا، وفُتِحَتْ عَيْنُ: دَعَوْا، حَمْلًا عَلى: يَدَعُ، وفُتِحَتْ في يَدَعُ، وقِياسُها الكَسْرُ، إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: ما بَقا، بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّءٍ، ولِبَعْضِ العَرَبِ، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ:

؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانَ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الماءِ مُتَّأقِ

ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (ما بَقِي) بِإسْكانِ الياءِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎لَعَمْرُكَ ما أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا

وقالَ جَرِيرٌ:

؎هُوَ الخَلِيفَةُ …

Al-Baqara 2:278Listen in Qur'an →
279

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allah and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ آكِلِ الرِّبا، وحالَ مَن عادَ بَعْدَ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ، وأنَّهُ كافِرٌ أثِيمٌ، ذَكَرَ ضِدَّ هَؤُلاءِ لِيُبَيِّنَ فَرْقَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ تابُوا مِن أكْلِ الرِّبا وآمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، انْتَهى. ونَصَّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإنْ كانا مُنْدَرَجَيْنِ في عُمُومِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وألْفاظُ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، كانَتْ لَهم دُيُونُ رِبًا عَلى بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقِيلَ: في عَبّاسٍ، وقِيلَ: في عُثْمانَ، وقالَ السُّدِّيُّ: في عَبّاسٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا، ومُلَخَّصُهُ أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَقاضَوْا رِباهم فَنَزَلَتْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانَ المَعْنى: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما أخَذَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (ما سَلَفَ) أيْ: ما تَقَدَّمَ العَقْدُ عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ ما في الذِّمَّةِ، وإنَّما يَمْنَعُ إنْشاءَ عَقْدٍ رِبَوِيٍّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، أزالَ تَعالى هَذا الاحْتِمالَ بِأنْ أمَرَ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في العُقُودِ السّابِقَةِ، قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ ما بَقِيَ في الذِّمَّةِ مِنَ الرِّبا هو كالمُنْشَأِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وناداهم بِاسْمِ الإيمانِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى قَبُولِ الأمْرِ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وبَدَأ أوَّلًا بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ، إذْ هي أصْلُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ أمَرَ ثانِيًا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا.

وفُتِحَتْ عَيْنُ: وذَرُوا، حَمْلًا عَلى: دَعَوْا، وفُتِحَتْ عَيْنُ: دَعَوْا، حَمْلًا عَلى: يَدَعُ، وفُتِحَتْ في يَدَعُ، وقِياسُها الكَسْرُ، إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: ما بَقا، بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّءٍ، ولِبَعْضِ العَرَبِ، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ:

؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانَ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الماءِ مُتَّأقِ

ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (ما بَقِي) بِإسْكانِ الياءِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎لَعَمْرُكَ ما أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا

وقالَ جَرِيرٌ:

؎هُوَ الخَلِيفَةُ …

Al-Baqara 2:279Listen in Qur'an →
280

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ شَكا بَنُو المُغِيرَةِ العُسْرَةَ وقالُوا: أخِّرُونا إلى أنْ تُدْرَكَ الغَلّاتُ، فَأبَوْا أنْ يُؤَخَّرُوا، فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن بَيْعِ مَن أعْسَرَ بِدَيْنٍ، وقِيلَ: أُمِرَ بِهِ في صَدْرِ الإسْلامِ، فَإنْ ثَبَتَ هَذا فَهو نَسْخٌ، وإلّا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ والعُسْرَةُ ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ: جَيْشُ العُسْرَةِ، والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ: اليُسْرُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو عُسْرَةٍ، عَلى أنَّ: كانَ تامَّةٌ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ: كانَ، ناقِصَةً هُنا، وقُدِّرَ الخَبَرُ: وإنْ كانَ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ فَحُذِفَ المَجْرُورُ الَّذِي هو الخَبَرُ، وقُدِّرَ أيْضًا: وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكم عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَذْفُ خَبَرِ كانَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا، لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا لِعِلَّةٍ ذَكَرُوها في النَّحْوِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ (ذا عُسْرَةٍ) وقَرَأ الأعْمَشُ (مُعْسِرًا) وحَكى الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أبِي عَلِيٍّ إنَّ في كانَ اسْمُها ضَمِيرًا تَقْدِيرُهُ: هو، أيْ: الغَرِيمُ، يَدُلُّ عَلى إضْمارِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ المُرابِيَ لا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يُرابِيهِ.

وقُرِئَ (ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ) وهي قِراءَةُ أبانَ بْنِ عُثْمانَ، وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ (فَإنْ كانَ) بِالفاءِ، فَمَن نَصَبَ ذا عُسْرَةٍ أوْ قَرَأ مُعْسِرًا، وذَلِكَ بَعْدَ ﴿وإنْ كانَ﴾ فَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِأهْلِ الرِّبا، ومَن رَفَعَ فَهو عامٌّ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِيقَتْ في أهْلِ الرِّبا، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، وقِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ الإيسارُ، وأنَّ العَدَمَ طارِئٌ جاذِبٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُثْبَتَ.

﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ عَلى وزْنٍ نَبِقَةٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ: بِسُكُونِ الظّاءِ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، يَقُولُونَ في: كَبَدَ كَبِدَ. وقَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) عَلى وزْنِ: فاعِلَةٌ وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] وقالَ: قَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) بِمَعْنى: فَصاحِبُ الحَقِّ ناظِرَهُ، أيْ: مُنْتَظِرُهُ، أوْ صاحِبُ نَظِرَتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: مَكانٌ عاشِبٌ، وباقِلٌ، بِمَعْنى: ذُو عُشْبٍ وذُو بَقْلٍ، وعَنْهُ: فَناظِرَهُ، عَلى الأمْرِ بِمَعْنى: فَسامَحَهُ بِالنَّظِرَةِ، وباشَرَهُ بِها، انْتَهى، ونَقَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلاهُ أمْرًا، والهاءُ ضَمِيرُ الغَرِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فَناظِرُوهُ) أيْ: فَأنْتُمْ ناظِرُوهُ، أيْ: فَأنْتُمْ مُنْتَظِرُوهُ، فَهَذِهِ سِتُّ قِراءاتٍ، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرًا فَهو يَرْتَفِعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فالأمْرُ والواجِبُ عَلى صاحِبِ الدَّيْنِ نَظِرَةٌ مِنهُ لِطَلَبِ الدَّيْنِ مِنَ المَدِينِ إلى مَيْسَرَةٍ مِنهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ، والضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهو قَلِيلٌ؛ كَمَقْبُرَةٍ، ومَشْرُفَةٍ، ومَسْرُبَةٍ، والكَثِيرُ …

Al-Baqara 2:280Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.