Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: إثْرَ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) عُلُوَّ طَبَقَةِ كِتابِهِ الكَرِيمِ؛ وتَحَزُّبَ النّاسِ في شَأْنِهِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ؛ مُؤْمِنَةٍ بِهِ؛ مُحافِظَةٍ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ؛ وكافِرَةٍ قَدْ نَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها؛ بِالمُجاهَرَةِ والشِّقاقِ؛ وأُخْرى مُذَبْذَبَةٍ بَيْنَهُما بِالمُخادَعَةِ؛ والنِّفاقِ؛ ونَعَتَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنها بِما لَها مِنَ النُّعُوتِ والأحْوالِ؛ وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ هَزًّا لَهم إلى الإصْغاءِ؛ وتَوْجِيهًا لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ التَّلَقِّي؛ وجَبْرًا لِما في العِبادَةِ مِنَ الكُلْفَةِ بِلَذَّةِ الخِطابِ؛ فَأمَرَهم كافَّةً بِعِبادَتِهِ؛ ونَهاهم عَنِ الإشْراكِ بِهِ؛ و"يا" حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ؛ وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ؛ إمّا إجْلالًا؛ كَما في قَوْلِ الدّاعِي: "يا اللَّهُ"؛ و"يا رَبِّ"؛ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ؛ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ؛ واسْتِبْعادًا لَها مِن مَحافِلِ الزُّلْفى؛ ومَنازِلِ المُقَرَّبِينَ؛ وإمّا تَنْبِيهًا عَلى غَفْلَتِهِ؛ وسُوءِ فَهْمِهِ؛ وقَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما يَعْقُبُهُ أمْرٌ خَطِيرٌ؛ يُعْتَنى بِشَأْنِهِ؛ و"أيُّ" اسْمٌ مُبْهَمٌ؛ جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ؛ لا عَلى أنَّهُ المُنادى أصالَةً؛ بَلْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لَهُ؛ مُزِيلَةٌ لِإبْهامِهِ؛ والتُزِمَ رَفْعُهُ مَعَ انْتِصابِ مَوْصُوفِهِ مَحَلًّا؛ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ؛ وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ؛ تَأْكِيدًا لِمَعْنى النِّداءِ؛ وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ "أيُّ" مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ ولِما تَرى مِنَ اسْتِقْلالِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِضُرُوبٍ مِن أسْبابِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَثُرَ سُلُوكُها في التَّنْزِيلِ المَجِيدِ؛ كَيْفَ لا.. وكُلُّ ما ورَدَ في تَضاعِيفِهِ عَلى العِبادِ مِنَ الأحْكامِ؛ والشَّرائِعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ خُطُوبٌ جَلِيلَةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِأنْ تَقْشَعِرَّ مِنها الجُلُودُ؛ وتَطْمَئِنَّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ ويَتَلَقَّوْها بِآذانٍ واعِيَةٍ؛ وأكْثَرَهم عَنْها غافِلُونَ؛ فاقْتَضى الحالُ المُبالَغَةَ؛ والتَّأْكِيدَ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ كافَّةُ المُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ لِما أنَّ الجُمُوعَ؛ وأسْماءَها المُحَلّاةَ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ مِنها؛ والتَّأْكِيدِ بِما يُفِيدُ العُمُومَ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾؛ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - بِعُمُومِها شائِعٌ ذائِعٌ؛ وأمّا مَن عَداهُمْ؛ مِمَّنْ سَيُوجَدُ مِنهُمْ؛ فَغَيْرُ داخِلِينَ في خِطابِ المُشافَهَةِ؛ وإنَّما دُخُولُهم تَحْتَ حُكْمِهِ؛ لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ ﷺ ضَرُورَةً؛ إنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْمَوْجُودِينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ؛ ولِمَن سَيُوجَدُ مِنهم إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ولا يَقْدَحُ في العُمُومِ ما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ والحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ مِن أنَّ كُلَّ ما نَزَلَ فِيهِ "يا أيُّها النّاسُ" فَهو مَكِّيٌّ؛ إذْ لَيْسَ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِهِ بِمَكَّةَ - شَرَّفَها اللَّهُ (تَعالى) - اخْتِصاصُ حُكْمِهِ بِأهْلِها؛ ولا مِن قَضِيَّةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمُ اخْتِصاصُهُ بِالكُفّارِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ أهْلِها حِينَئِذٍ كَفَرَةً؛ ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ العِبادَةِ في بَعْضِ المُكَلَّفِينَ قَبْلَ وُرُودِ هَذا …

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾؛ وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ "رَبَّكُمْ"؛ مُوَضِّحَةٌ؛ أوْ مادِحَةٌ؛ أوْ عَلى تَقْدِيرِ "أخُصُّ"؛ أوْ "أمْدَحُ"؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ؛ قالَ ابْنُ مالِكٍ: التُزِمَ حَذْفُ الفِعْلِ في المَنصُوبِ عَلى المَدْحِ؛ إشْعارًا بِأنَّهُ إنْشاءٌ؛ كَما في المُنادى؛ وحَذْفُ المُبْتَدَإ في المَرْفُوعِ إجْراءً لِلْوَجْهَيْنِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ؛ وأمّا كَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ "فَلا تَجْعَلُوا"؛ كَما قِيلَ؛ فَيَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مَناطُ النَّهْيِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَقَطْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِما سَلَفَ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهم مُدْخَلٌ في ذَلِكَ؛ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ شَأْنًا. و"جَعَلَ" بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ والمَنصُوبانِ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ؛ وقِيلَ: هو بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ وانْتِصابُ الثّانِي عَلى الحالِيَّةِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ؛ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ؛ ولِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ - لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِمَنفَعَتِهِ - مُتَرَقِّبَةٌ لَهُ؛ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ أوْ لِما في المُؤَخَّرِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ مِن نَوْعِ طُولٍ؛ فَلَوْ قُدِّمَ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ومَعْنى جَعَلَها فِراشًا: جَعَلَ بَعْضَها بارِزًا مِنَ الماءِ - مَعَ اقْتِضاءِ طَبْعِها الرُّسُوبَ -؛ وجَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللِّينِ؛ صالِحَةً لِلْقُعُودِ عَلَيْها؛ والنَّوْمِ فِيها؛ كالبِساطِ المَفْرُوشِ؛ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَوْنُها سَطْحًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّ كُرِّيَّةَ شَكْلِها - مَعَ عِظَمِ جِرْمِها - مُصَحِّحَةٌ لِافْتِراشِها؛ وقُرِئَ: "بِساطًا"؛ و"مِهادًا"؛ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾: عَطْفٌ عَلى المَفْعُولَيْنِ السّابِقَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ حالِ الأرْضِ لِما أنَّ احْتِياجَهم إلَيْها وانْتِفاعَهم بِها أكْثَرُ؛ وأظْهَرُ؛ أيْ جَعْلَها قُبَّةً مَضْرُوبَةً عَلَيْكُمْ؛ و"السَّماءُ" اسْمُ جِنْسٍ؛ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ؛ والمُتَعَدِّدِ؛ أوْ جَمْعُ "سَماوَةٌ"؛ أوْ "سِماءَةٌ"؛ و"البِناءُ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَبْنِيُّ؛ بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "بَنى عَلى امْرَأتِهِ"؛ لِما أنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا امْرَأةً ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا.

﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾: عَطْفٌ عَلى "جَعَلَ"؛ أيْ: أنْزَلَ مِن جِهَتِها؛ أوْ مِنها؛ إلى السَّحابِ؛ ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ؛ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوِ المُرادُ بِـ "السَّماءِ" جِهَةُ العُلُوِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ كائِنًا مِنَ السَّماءِ؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ وأمّا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ - فَإمّا لِأنَّ السَّماءَ أصْلُهُ ومَبْدَؤُهُ؛ وإمّا لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ انْتِظامٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾؛ أيْ بِسَبَبِ الماءِ؛ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾؛ وذَلِكَ بِأنْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾: شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ أنَّ الكِتابَ الكَرِيمَ؛ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما تُلِيَ مِنَ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ؛ النّاطِقَتَيْنِ بِوُجُوبِ العِبادَةِ والتَّوْحِيدِ؛ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى رَسُولِهِ ﷺ؛ كَما أنَّ ما ذُكِرَ فِيهِما مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ صادِرَةٌ عَنْهُ (تَعالى)؛ لِتَوْضِيحِ اتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَزاهَتُهُ عَنْ أنْ يَعْتَرِيَهُ رَيْبٌ ما؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ؛ مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِكَوْنِهِ مِن كَلامِ البَشَرِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُمْ؛ وإنْ كانُوا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ؛ هو الِارْتِيابُ في شَأْنِهِ؛ وأمّا الجَزْمُ المَذْكُورُ فَخارِجٌ مِن دائِرَةِ الِاحْتِمالِ؛ كَما أنَّ تَنْكِيرَهُ؛ وتَصْدِيرَهُ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مَشْكُوكَ الوُقُوعِ؛ وإمّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرَّيْبِ الضَّعِيفِ؛ لِكَمالِ وُضُوحِ دَلائِلِ الإعْجازِ؛ ونِهايَةِ قُوَّتِها؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنِ ارْتَبْتُمْ فِيما نَزَّلْنا.. إلَخْ.. لِما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ مِنَ المُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ شائِبَةِ وُقُوعِ الرَّيْبِ فِيهِ؛ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ فَمِن جِهَتِهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ. واعْتِبارُ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ؛ وإحاطَتِهِ بِهِمْ؛ لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ؛ لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ؛ لا قُوَّتُهُ؛ وكَثْرَتُهُ؛ و"مِن" في "مِمّا" ابْتِدائِيَّةٌ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "رَيْبٍ"؛ وحَمْلُها عَلى السَّبَبِيَّةِ رُبَّما يُوهِمُ كَوْنَهُ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ في الجُمْلَةِ؛ وحاشاهُ ذَلِكَ؛ و"ما" - مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً - عِبارَةٌ عَنِ الكِتابِ الكَرِيمِ؛ لا عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبْعاضِهِ؛ ولَيْسَ مَعْنى كَوْنِهِمْ فِي رَيْبٍ مِنهُ ارْتِيابَهم في اسْتِقامَةِ مَعانِيهِ؛ وصِحَّةِ أحْكامِهِ؛ بَلْ في نَفْسِ كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإيثارُ التَّنْزِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّدْرِيجِ عَلى مُطْلَقِ الإنْزالِ لِتَذْكِيرِ مَنشَإ ارْتِيابِهِمْ؛ وبِناءِ التَّحَدِّي عَلَيْهِ؛ إرْخاءً لِلْعِنانِ؛ وتَوْسِيعًا لِلْمَيْدانِ؛ فَإنَّهم كانُوا اتَّخَذُوا نُزُولَهُ مُنَجَّمًا وسِيلَةً إلى إنْكارِهِ؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ مِن مَبادِي الِاعْتِرافِ بِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِ ما نَزَّلْناهُ عَلى مَهْلٍ وتَدْرِيجٍ؛ فَهاتُوا أنْتُمْ مِثْلَ نَوْبَةٍ فَذَّةٍ مِن نُوَبِهِ؛ ونَجْمٍ فَرْدٍ مِن نُجُومِهِ؛ فَإنَّهُ أيْسَرُ عَلَيْكم مِن أنْ يُنَزَّلَ جُمْلَةً واحِدَةً؛ ويُتَحَدّى بِالكُلِّ؛ وهَذا - كَما تَرى - غايَةُ ما يَكُونُ في التَّبْكِيتِ؛ وإزاحَةِ العِلَلِ؛ وفي ذِكْرِهِ ﷺ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ مِنَ التَّشْرِيفِ؛ والتَّنْوِيهِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ (تَعالى) ما لا يَخْفى؛ وقُرِئَ: "عَلى عِبادِنا"؛ والمُرادُ هو ﷺ؛ وأُمَّتُهُ؛ أوْ جَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَفِيهِ …

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإتْيانِ بِالمِثْلِ؛ بَعْدَما بَذَلْتُمْ في السَّعْيِ غايَةَ المَجْهُودِ؛ وجاوَزْتُمْ في الحَدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ؛ مُتَشَبِّثِينَ بِالذُّيُولِ؛ راكِبِينَ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ؛ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ بِناءً عَلى كَمالِ ظُهُورِ تَهالُكِهِمْ عَلى ذَلِكَ؛ وإنَّما أُورِدَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ مُطْلَقُ الفِعْلِ؛ وجُعِلَ مَصْدَرُ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مَفْعُولًا لَهُ؛ لِلْإيجازِ البَدِيعِ المُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ والتَّكْرِيرِ؛ مَعَ سِرٍّ سِرِّيٍّ اسْتَقَلَّ بِهِ المَقامَ؛ وهو الإيذانُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيفِ هو إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ؛ لِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ؛ لا لِتَحْصِيلِ المَفْعُولِ؛ أيِ المَأْتِيِّ بِهِ؛ ضَرُورَةَ اسْتِحالَتِهِ؛ وأنَّ مَناطَ الجَوابِ في الشَّرْطِيَّةِ - أعْنِي الأمْرَ بِاتِّقاءِ النّارِ - هو عَجْزُهم عَنْ إيقاعِهِ؛ لا فَوْتُ حُصُولِ المَفْعُولِ؛ فَإنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ الفِعْلِ هو أنْفُسُ الأفْعالِ الخاصَّةِ؛ لازِمَةً كانَتْ أوْ مُتَعَدِّيَةً؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَعَلُّقاتِها بِمَفْعُولاتِها الخاصَّةِ؛ فَإذا عُلِّقَ بِفِعْلٍ خاصٍّ مُتَعَدٍّ فَإنَّما يُقْصَدُ بِهِ إيقاعُ نَفْسِ ذَلِكَ الفِعْلِ؛ وإخْراجُهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ؛ وأمّا تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ المَخْصُوصِ فَهو خارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ الفِعْلِ المُطْلَقِ؛ وإنَّما يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِنَ الفِعْلِ الخاصِّ؛ ولِذَلِكَ تَراهم يَتَوَسَّلُونَ بِذَلِكَ إلى تَجْرِيدِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ عَنْ مَفْعُولاتِها؛ وتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ الأفْعالِ اللّازِمَةِ؛ فَيَقُولُونَ - مَثَلًا -: مَعْنى "فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ": "يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ"؛ يُرْشِدُكَ إلى هَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾؛ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأمْرِ؛ ومَرْمى غَرَضِهِ بِالتَّكْلِيفِ مِنهُ؛ اسْتِحْضارَ "بِنْيامِينَ" لَمْ يَكْتَفِ في الشَّرْطِيَّةِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الجِدِّ في الِامْتِثالِ والسَّعْيِ في تَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ؛ بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى الفِعْلِ؛ الَّذِي ورَدَ بِهِ الأمْرُ؛ بِأنْ يَقُولَ: "فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا"؛ بَلْ أعادَهُ بِعَيْنِهِ؛ مُتَعَلِّقًا بِمَفْعُولِهِ؛ تَحْقِيقًا لِمَطْلَبِهِ؛ وإعْرابًا عَنْ مَقْصِدِهِ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: أُطْلِقَ الفِعْلُ؛ وأُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ؛ مَعَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ إمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَنِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بِالضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها؛ حَذَرًا مِنَ التَّكْرارِ؛ أوْ عَلى طَرِيقَةِ ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ المُصَحِّحِ لِلِانْتِقالِ بِمَعُونَةِ قَرائِنِ الحالِ؛ فَتَدَبَّرُوا إيثارَ كَلِمَةِ "إنْ" المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ؛ عَلى "إذا"؛ مَعَ تَحَقُّقِ الجَزْمِ بِعَدَمِ فِعْلِهِمْ؛ مُجاراةً مَعَهم بِحَسَبِ حُسْبانِهِمْ قَبْلَ التَّجْرِبَةِ؛ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.

﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾: كَلِمَةُ "لَنْ" لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَـ "لا"؛ خَلا أنَّ في "لَنْ" زِيادَةَ تَأْكِيدٍ؛ وتَشْدِيدٍ؛ وأصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ: "لا أنْ"؛ وعِنْدَ الفَرّاءِ: "لا"؛ أُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا؛ وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ مُقْتَضَبٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ؛ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الخَلِيلِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ مُقَدَّمِها؛ …

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيْ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لَكِنْ لا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ نَفْسِ الأمْرِ حَتّى يُطْلَبَ لَهُ مُشاكِلٌ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ؛ بَلْ عَلى أنَّهُ عَطْفُ قِصَّةِ المُؤْمِنِينَ بِالقرآن؛ ووَصْفِ ثَوابِهِمْ؛ عَلى قِصَّةِ الكافِرِينَ بِهِ؛ وكَيْفِيَّةِ عِقابِهِمْ؛ جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ؛ مِن شَفْعِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ؛ والوَعْدِ بِالوَعِيدِ؛ وكَأنَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ حالِ الفَرِيقَيْنِ؛ وقُرِئَ: "وَبُشِّرَ"؛ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ عَطْفًا عَلى أُعِدَّتْ؛ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا؛ وتَعْلِيقُ التَّبْشِيرِ بِالمَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لَكِنْ لا لِذاتِهِما؛ فَإنَّهُما لا يُكافِئانِ النِّعَمَ السّابِقَةَ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْتَضِيا ثَوابًا فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ بَلْ بِجَعْلِ الشّارِعِ؛ ومُقْتَضى وعْدِهِ؛ وجَعْلِ صِلَتِهِ فِعْلًا مُفِيدًا لِلْحُدُوثِ؛ بَعْدَ إيرادِ الكُفّارِ بِصِيغَةِ الفاعِلِ؛ لِحَثِّ المُخاطَبِينَ بِالِاتِّقاءِ عَلى إحْداثِ الإيمانِ؛ وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ وقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّبْشِيرُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ في ظُلَمِ اللَّيالِي بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ"؛» فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ بَلْ كُلَّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِعِظَمِهِ؛ وفَخامَةِ شَأْنِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَوَلّى التَّبْشِيرَ بِهِ كُلُّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ. والبِشارَةُ: الخَبَرُ السّارُّ؛ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ أثَرُ السُّرُورِ في البَشْرَةِ؛ وتَباشِيرُ الصُّبْحِ: أوائِلُ ضَوْئِهِ.

﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: الصّالِحَةُ كالحَسَنَةِ في الجَرَيانِ مُجْرى الِاسْمِ؛ وهي كُلُّ ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ؛ بِدَلِيلِ العَقْلِ والنَّقْلِ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ والجَمْعُ لِإفادَةِ أنَّ المُرادَ بِها جُمْلَةٌ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ الَّتِي أُشِيرَ إلى أُمَّهاتِها في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ وطائِفَةٌ مِنها مُتَفاوِتَةٌ؛ حَسَبَ تَفاوُتِ حالِ المُكَلَّفِينَ في مَواجِبِ التَّكْلِيفِ؛ وفي عَطْفِ العَمَلِ عَلى الإيمانِ دَلالَةٌ عَلى تَغايُرِهِما؛ وإشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ؛ فَإنَّ الإيمانَ أساسٌ؛ والعَمَلَ الصّالِحَ كالبِناءِ عَلَيْهِ؛ ولا غَناءَ بِأُسٍّ لا بِناءَ بِهِ

﴿أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ؛ أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِهِ؛ مِثْلَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. والجَنَّةُ هي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ "جَنَّهُ"؛ إذا سَتَرَهُ؛ تُطْلَقُ عَلى النَّخْلِ؛ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ؛ المُظَلِّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ؛ قالَ زُهَيْرٌ:

؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا

أيْ: نَخْلًا طُوالًا؛ كَأنَّها لِفَرْطِ تَكاثُفِها والتِفافِها وتَغْطِيَتِها لِما تَحْتَها بِالمَرَّةِ نَفْسُ السُّتْرَةِ؛ وعَلى الأرْضِ ذاتُ الشَّجَرِ؛ قالَ الفَرّاءُ: الجَنَّةُ ما فِيهِ النَّخِيلُ؛ والفِرْدَوْسُ ما فِيهِ الكَرْمُ؛ فَحَقُّ المَصْدَرِ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ وإنَّما سُمِّيَتْ دارُ الثَّوابِ بِها - مَعَ أنَّ …

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً﴾: شُرُوعٌ في تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ تَعَلُّقِ رَيْبٍ خاصٍّ؛ اعْتَراهم مِن جِهَةِ ما وقَعَ فِيهِ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ؛ وبَيانٌ لِحِكْمَتِهِ؛ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ؛ إثْرَ تَنْزِيهِها عَمّا اعْتَراهم مِن مُطْلَقِ الرَّيْبِ؛ بِالتَّحَدِّي؛ وإلْقامِ الحَجَرِ؛ وإفْحامِ كافَّةِ البُلَغاءِ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ؛ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ المُنافِقُونَ طَعَنُوا في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالنّارِ؛ والظُّلُماتِ؛ والرَّعْدِ؛ والبَرْقِ؛ وقالُوا: اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن ضَرْبِ الأمْثالِ؛ ورَوى عَطاءٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ هَذا الطَّعْنَ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ الآيَةُ.. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾؛ الآيَةُ.. قالَتِ اليَهُودُ: أيُّ قَدْرٍ لِلذُّبابِ؛ والعَنْكَبُوتِ؛ حَتّى يَضْرِبَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِما الأمْثالَ؟ وجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ مَعَ أنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ - مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ - أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرَدُّدُ؛ فَضْلًا عَنِ النَّكِيرِ؛ بَلْ هو مِن أوْضَحِ أدِلَّةِ كَوْنِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ؛ نازِلًا مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ؛ كَيْفَ لا.. وإنَّ التَّمْثِيلَ؛ كَما مَرَّ؛ لَيْسَ إلّا إبْرازَ المَعْنى المَقْصُودِ في مَعْرِضِ الأمْرِ المَشْهُودِ؛ وتَحْلِيَةَ المَعْقُولِ بِحِلْيَةِ المَحْسُوسِ. وتَصْوِيرُ أوابِدِ المَعانِي بِهَيْئَةِ المَأْنُوسِ لِاسْتِمالَةِ الوَهْمِ؛ واسْتِنْزالِهِ عَنْ مُعارَضَتِهِ لِلْعَقْلِ؛ واسْتِعْصائِهِ عَلَيْهِ؛ في إدْراكِ الحَقائِقِ الخَفِيَّةِ؛ وفَهْمِ الدَّقائِقِ الأبِيَّةِ؛ كَيْ يُتابِعَهُ فِيما يَقْتَضِيهِ ويُشايِعُهُ؛ إلى ما يَرْتَضِيهِ؛ ولِذَلِكَ شاعَتِ الأمْثالُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ والكَلِماتِ النَّبَوِيَّةِ؛ وذاعَتْ في عِباراتِ البُلَغاءِ؛ وإشاراتِ الحُكَماءِ؛ ومِن قَضِيَّةِ وُجُوبِ التَّماثُلِ بَيْنَ المُمَثَّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ في مَناطِ التَّمْثِيلِ؛ تَمْثِيلُ العَظِيمِ بِالعَظِيمِ؛ والحَقِيرِ بِالحَقِيرِ؛ وقَدْ مُثِّلَ في الإنْجِيلِ غِلُّ الصَّدْرِ بِالنُّخالَةِ؛ ومُعارَضَةُ السُّفَهاءِ بِإثارَةِ الزَّنابِيرِ؛ وجاءَ في عِباراتِ البُلَغاءِ: أجْمَعُ مِن ذَرَّةٍ؛ وأجْرَأُ مِنَ الذُّبابِ؛ وأسْمَعُ مِن قُرادٍ؛ وأضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ؛ والحَياءُ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ؛ وانْقِباضُها عَمّا يُعابُ بِهِ؛ أوْ يُذَمُّ عَلَيْهِ؛ يُقالُ: "حَيِيَ الرَّجُلُ"؛ و"هُوَ حَيِيٌّ"؛ واشْتِقاقُهُ مِن "الحَياةُ"؛ اشْتِقاقَ "شَظِيَ"؛ و"نَسِيَ"؛ و"حَشِيَ"؛ مِن "الشَّظْيُ"؛ و"النَّسْيُ"؛ و"الحَشْيُ"؛ يُقالُ: "شَظِيَ الفَرَسُ؛ ونَسِيَ؛ وحَشِيَ"؛ إذا اعْتَلَّتْ مِنهُ تِلْكَ الأعْضاءُ؛ كَأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ الحَياءُ تَعْتَلُّ قُوَّتُهُ الحَيَوانِيَّةُ؛ وتُنْتَقَصُ. و"اسْتَحْيا" بِمَعْناهُ؛ خَلا أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ يُقالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ؛ واسْتَحْيَيْتُ مِنهُ؛ والأوَّلُ لا يَتَعَدّى إلّا بِحَرْفِ الجَرِّ؛ وقَدْ يُحْذَفُ مِنهُ إحْدى الياءَيْنِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ ألا يَسْتَحِي مِنّا المُلُوكُ ويَتَّقِي ∗∗∗ مَحارِمَنا لا يَبْوُءُ الدَّمُ بِالدَّمِ

وَقَوْلُهُ:

؎ إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ∗∗∗ كَرَعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ

فَكَما أنَّهُ إذا أُسْنِدَ …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾: صِفَةٌ لِـ "الفاسِقِينَ"؛ لِلذَّمِّ؛ وتَقْرِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ. والنَّقْضُ: فَسْخُ التَّرْكِيبِ مِنَ المُرَكَّباتِ الحِسِّيَّةِ؛ كالحَبْلِ؛ والغَزْلِ؛ ونَحْوِهِما؛ واسْتِعْمالُهُ في إبْطالِ العَهْدِ مِن حَيْثُ اسْتِعارَةُ الحَبْلِ لَهُ؛ لِما فِيهِ مِنَ ارْتِباطِ أحَدِ كَلامَيِ المُتَعاهِدَيْنِ بِالآخَرِ؛ فَإنْ شُفِعَ بِالحَبْلِ وأُرِيدَ بِهِ العَهْدُ؛ كانَ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ؛ وإنْ قُرِنَ بِالعَهْدِ كانَ رَمْزًا إلى ما هو مِن رَوادِفِهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِ؛ وأنَّ المَذْكُورَ قَدِ اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَما يُقالُ: "شُجاعٌ يَفْتَرِسُ أقْرانَهُ؛

وَعالِمٌ يَغْتَرِفُ مِنهُ النّاسُ"؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أسَدٌ في شَجاعَتِهِ؛ وبَحْرٌ في إفاضَتِهِ. والعَهْدُ: المَوْثِقُ؛ يُقالُ: عَهِدَ إلَيْهِ كَذا؛ إذا وصّاهُ بِهِ؛ ووَثَّقَهُ عَلَيْهِ؛ والمُرادُ هَهُنا إمّا العَهْدُ المَأْخُوذُ بِالعَقْلِ؛ وهو الحُجَّةُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ؛ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ؛ ووَحْدَتِهِ؛ وصِدْقِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وبِهِ أُوِّلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾؛ أوِ المَعْنى الظّاهِرُ مِنهُ؛ أوِ المَأْخُوذُ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى الأُمَمِ بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ بِالمُعْجِزاتِ صَدَّقُوهُ؛ واتَّبَعُوهُ؛ ولَمْ يَكْتُمُوا أمْرَهُ؛ وذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ؛ ولَمْ يُخالِفُوا حُكْمَهُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ ونَظائِرُهُ؛ وقِيلَ: عُهُودُ اللَّهِ (تَعالى) ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: ما أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يُقِرُّوا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ؛ والثّانِي: ما أخَذَهُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأنْ يُقِيمُوا الدِّينَ؛ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ؛ والثّالِثُ: ما أخَذَهُ عَلى العُلَماءِ بِأنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ؛ ولا يَكْتُمُوهُ.

﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾: المِيثاقُ إمّا اسْمٌ لِما يَقَعُ بِهِ الوَثاقَةُ والإحْكامُ؛ وإمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى "التَّوْثِقَةُ"؛ كَـ "المِيعادُ"؛ بِمَعْنى "الوَعْدُ"؛ فَعَلى الأوَّلِ إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى العَهْدِ؛ كانَ المُرادُ بِالمِيثاقِ ما وثَّقُوهُ بِهِ؛ مِنَ القَبُولِ؛ والِالتِزامِ؛ وإنْ رَجَعَ إلى لَفْظِ الجَلالَةِ يُرادُ بِهِ آياتُهُ؛ وكُتُبُهُ؛ وإنْذارُ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُضافُ مَحْذُوفٌ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ تَحَقُّقِ مِيثاقِهِ؛ وعَلى الثّانِي إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى العَهْدِ - والمِيثاقُ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ - فالمَعْنى: مِن بَعْدِ أنْ وثَّقُوهُ بِالقَبُولِ والِالتِزامِ؛ أوْ: مِن بَعْدِ أنْ وثَّقَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِإنْزالِ الكُتُبِ؛ وإنْذارِ الرُّسُلِ؛ وإنْ كانَ مَصْدَرًا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فالمَعْنى: مِن بَعْدِ كَوْنِهِ مُوَثَّقًا؛ إمّا بِتَوْثِيقِهِمْ إيّاهُ بِالقَبُولِ؛ وإمّا بِتَوْثِيقِهِ (تَعالى) إيّاهُ بِإنْزالِ الكُتُبِ؛ وإنْذارِ الرُّسُلِ.

﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾: يَحْتَمِلُ كُلَّ قَطِيعَةٍ لا يَرْضى بِها اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كَقَطْعِ الرَّحِمِ؛ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ؛ والتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والكُتُبِ في التَّصْدِيقِ؛ وتَرْكِ الجَماعاتِ المَفْرُوضَةِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ رَفْضُ خَيْرٍ؛ أوْ تَعاطِي شَرٍّ؛ فَإنَّهُ يَقْطَعُ ما …

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾: التِفاتٌ إلى خِطابِ المَذْكُورِينَ؛ مَبْنِيٌّ عَلى إيرادِ ما عَدَّدَ مِن

قَبائِحِهِمُ السّابِقَةِ؛ لِتَزايُدِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِلْمُشافَهَةِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾؛ إلَخْ.. بَلْ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِبْعادِهِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ؛ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الكُفْرِ؛ بِأنْ يُقالَ: "أتَكْفُرُونَ؟"؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ قَطْعًا؛ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وُجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ: حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في "تَكْفُرُونَ"؛ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ بِما عُدِّدَ فِيها مِنَ الشُّؤُونِ العَظِيمَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ؛ الرّادِعَةِ عَنِ الكُفْرِ؛ مِن حَيْثُ كَوْنُها نِعْمَةً عامَّةً؛ ومِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى قُدْرَةٍ تامَّةٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ . وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وبِالحالِ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ أيْ: في أيِّ حالٍ؛ - أوْ: عَلى أيِّ حالٍ - تَكْفُرُونَ بِهِ (تَعالى)؛ والحالُ أنَّكم كُنْتُمْ أمْواتًا؛ أيْ أجْسامًا لا حَياةَ لَها؛ عَناصِرَ؛ وأغْذِيَةً؛ ونُطَفًا؛ ومُضَغًا؛ مُخَلَّقَةً؛ وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ؟ والأمْواتُ: جَمْعُ "مَيْتٌ"؛ كَـ "أقْوالٌ"؛ جَمْعُ "قَيْلٌ"؛ وإطْلاقُها عَلى تِلْكَ الأجْسامِ بِاعْتِبارِ عَدَمِ الحَياةِ مُطْلَقًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ .

﴿فَأحْياكُمْ﴾؛ بِنَفْخِ الأرْواحِ فِيكُمْ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ؛ فَإنَّ الإحْياءَ حاصِلٌ إثْرَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا؛ وإنْ تَوارَدَ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ أطْوارٌ مُتَرَتِّبَةٌ؛ بَعْضُها مُتَراخٍ عَنْ بَعْضٍ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا؛ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: أيْ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ؛ وكَوْنُ الإماتَةِ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ ظاهِرٌ؛ وأمّا كَوْنُها مِنَ النِّعَمِ فَلِكَوْنِها وسِيلَةً إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ؛ الَّتِي هي الحَيَوانُ؛ والنِّعْمَةُ العُظْمى؛ والتَّراخِي المُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ "ثُمَّ"؛ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الإحْياءِ؛ دُونَ زَمانِ الحَياةِ؛ فَإنَّ زَمانَ الإماتَةِ غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ؛ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾؛ بِالنُّشُورِ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ؛ أوْ لِلسُّؤالِ في القُبُورِ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَراخٍ مِن زَمانِ الإماتَةِ؛ وإنْ كانَ إثْرَ زَمانِ المَوْتِ المُسْتَمِرِّ؛ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ بَعْدَ الحَشْرِ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكُمْ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ أوْ: إلَيْهِ تُنْشَرُونَ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ؛ وهَذِهِ الأفْعالُ - وإنْ كانَ بَعْضُها ماضِيًا؛ وبَعْضُها مُسْتَقْبَلًا - لا يَتَسَنّى مُقارَنَةُ شَيْءٍ مِنها لِما هو حالٌ مِنهُ في الزَّمانِ؛ لَكِنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المانِعَةِ مِنهُ؟ ومَآلُهُ التَّعْجِيبُ مِن وُقُوعِهِ؛ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ؛ وإنَّما نُظِمَ ما يُنْكِرُونَهُ مِنَ الإحْياءِ الأخِيرِ؛ والرَّجْعِ؛ في سِلْكِ ما يَعْتَرِفُونَ بِهِ مِنَ الإحْياءِ الأوَّلِ؛ …

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ : تَقْرِيرٌ لِلْإنْكارِ؛ وتَأْكِيدٌ لَهُ مِنَ الحَيْثِيَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ؛ غُيِّرَ سَبْكُهُ عَنْ سَبْكِ ما قَبْلَهُ؛ مَعَ اتِّحادِهِما في المَقْصُودِ؛ إبانَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ؛ فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِذَواتِهِمْ مِنَ الإحْياءِ؛ والإماتَةِ؛ والحَشْرِ؛ أدْخَلُ في الحَثِّ عَلى الإيمانِ؛ والكَفِّ عَنِ الكُفْرِ؛ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَعايِشِهِمْ؛ وما يُجْرى مُجْراها؛ وفي جَعْلِ الضَّمِيرِ مُبْتَدَأً؛ والمَوْصُولِ خَبَرًا؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الجَلالَةِ ما لا يَخْفى؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ؛ بِبَيانِ كَوْنِهِ نافِعًا لِلْمُخاطَبِينَ؛ ولِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ كَما سَلَفَ؛ أيْ: خَلَقَ لِأجْلِكم جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ المَوْجُوداتِ؛ لِتَنْتَفِعُوا بِها في أُمُورِ دُنْياكم بِالذّاتِ؛ أوْ بِالواسِطَةِ؛ وأُمُورِ دِينِكم بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى شُئُونِ الصّانِعِ - تَعالى شَأْنُهُ -؛ والِاسْتِشْهادُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى ما يُلائِمُهُ مِن لَذّاتِ الآخِرَةِ؛ وآلامِها؛ وما يَعُمُّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ؛ لا نَفْسِها؛ إلّا أنْ يُرادَ بِها جِهَةُ السُّفْلِ؛ كَما يُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ؛ نَعَمْ.. يَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها؛ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما فِيها ضَرُورَةُ وُجُودِ الجُزْءِ في الكُلِّ؛ و"جَمِيعًا" حالٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ؛ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ ما في الأرْضِ - بَلْ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العالَمِ - لَهُ مَدْخَلٌ في اسْتِمْرارِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِّظامِ اللّائِقِ؛ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ انْتِظامُ مَصالِحِ النّاسِ؛ أمّا مِن جِهَةِ المَعاشِ فَظاهِرٌ؛ وأمّا مِن جِهَةِ الدِّينِ فَلِما أنَّهُ لَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّظَرُ؛ وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ إلّا وهو دَلِيلٌ عَلى القادِرِ الحَكِيمِ - جَلَّ جَلالُهُ -؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ وإنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أحَدٌ بِالفِعْلِ.

﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾: أيْ قَصَدَ إلَيْها بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ؛ قَصْدًا سَوِيًّا؛ بِلا صارِفٍ يَلْوِيهِ؛ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ عَنْ إرادَةِ خَلْقِ شَيْءٍ آخَرَ في تَضاعِيفِ خَلْقِها؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ؛ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ هَهُنا إمّا لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ في خَلْقِ السُّفْلِيّاتِ؛ لِما رُوِيَ مِن تَخَلُّلِ خَلْقِ السَّمَواتِ بَيْنَ خَلْقِ الأرْضِ؛ ودَحْوِها؛ عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: خَلَقَ اللَّهُ (تَعالى) الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ؛ عَلَيْها دُخانٌ يَلْتَزِقُ بِها؛ ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ؛ وخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ؛ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها؛ وبَسَطَ مِنها الأرْضِينَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾؛ وإمّا لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإبْداعِ العُلْوِيّاتِ؛ وقِيلَ: اسْتَوى: اسْتَوْلى؛ ومَلَكَ؛ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ؛ وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِلْإيذانِ بِما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ والفَضْلِ عَلى خَلْقِ السُّفْلِيّاتِ؛ لا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ؛ فَإنَّ تَقَدُّمَهُ عَلى خَلْقِ ما في الأرْضِ؛ المُتَأخِّرِ عَنْ دَحْوِها؛ مِمّا لا مِرْيَةَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾؛ ولِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. والمُرادُ بِـ "السَّماءِ": إمّا الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ؛ فَإنَّ القَصْدَ إلَيْها بِالإرادَةِ لا يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الوُجُودِ؛ …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾: بَيانٌ لِأمْرٍ آخَرَ؛ مِن جِنْسِ الأُمُورِ المُتَقَدِّمَةِ؛ المُؤَكِّدَةِ لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ المَحْكِيَّةِ؛ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الدّاعِيَةِ لِذُرِّيَّتِهِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ؛ النّاهِيَةِ عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾؛ وتَوْضِيحٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ والِانْتِفاعِ بِما فِيها. وتَلْوِينُ الخِطابِ؛ بِتَوْجِيهِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ فَحْوى الكَلامِ لَيْسَ مِمّا يُهْتَدى إلَيْهِ بِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ كالأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ الَّتِي نُبِّهَ عَلَيْها الكَفَرَةُ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ بَلْ إنَّما طَرِيقُهُ الوَحْيُ الخاصُّ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِنَ الإنْباءِ عَنْ تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ما لا يَخْفى؛ و"إذْ": ظَرْفٌ؛ مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَةٍ ماضِيَةٍ؛ وقَعَ فِيهِ نِسْبَةٌ أُخْرى مِثْلُها؛ كَما أنَّ "إذا" مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ يَقَعُ فِيهِ أُخْرى مِثْلُها؛ ولِذَلِكَ يَجِبُ إضافَتُهُما إلى الجُمَلِ؛ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ؛ صُرِّحَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾؛ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ - مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ - لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ؛ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها؛ فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها؛ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا؛ وقِيلَ: لَيْسَ انْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ بَلْ عَلى تَأْوِيلِ "اذْكُرِ الحادِثَ فِيهِ"؛ بِحَذْفِ المَظْرُوفِ؛ وإقامَةِ الظَّرْفِ مَقامَهُ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ آخَرَ؛ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غُبَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ؛ ما خُوطِبَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِتَفاصِيلِ الأُمُورِ السّابِقَةِ؛ الزّاجِرَةِ عَنِ الكُفْرِ بِهِ (تَعالى) -: ذَكِّرْهم بِذَلِكَ؛ واذْكُرْ لَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ لِيَتَنَبَّهُوا بِذَلِكَ لِبُطْلانِ ما هم فِيهِ؛ ويَنْتَهُوا عَنْهُ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُقَدَّرَ هُوَ: "اشْكُرِ النِّعْمَةَ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ"؛ أوْ: "تَدَبَّرْ ذَلِكَ"؛ فَغَيْرُ سَدِيدٍ؛ ضَرُورَةَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ تَذْكِيرُ المُخِلِّينَ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ؛ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ؛ وأيْنَ ذاكَ مِن مَقامِهِ الجَلِيلِ - ﷺ؟ وقِيلَ: انْتِصابُهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالُوا﴾؛ ويَأْباهُ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ؛ دُونَ سائِرِ القِصَّةِ؛ وقِيلَ: بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِثْلَ: وبَدَأ خَلْقَكم إذْ قالَ؛ إلَخْ.. ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ بَدْءِ الخَلْقِ بِذَلِكَ الوَقْتِ؛ وقِيلَ: بِـ "خَلَقَكُمْ"؛ أوْ بِـ "أحْياكُمْ"؛ مُضْمَرًا؛ وفِيهِ ما فِيهِ؛ وقِيلَ: "إذْ" …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.