Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 261–270 of 286

261

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

The example of those who spend their wealth in the way of Allah is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allah multiplies [His reward] for whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦] الحَبَّةُ: اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَزْرَعُهُ ابْنُ آدَمَ ويَقْتاتُهُ، وأشْهَرُ ذَلِكَ البُرُّ، وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالحَبِّ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:

؎آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أُطْعَمُهُ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُّوسُ

وحَبَّةُ القَلْبِ سُوَيْداؤُهُ، والحِبَّةُ بِكَسْرِ الحاءِ بُذُورُ البَقْلِ مِمّا لَيْسَ بِقُوتٍ، والحُبَّةُ بِالضَّمِّ الحُبُّ والحُبُّ الحَبِيبُ. الإنْباتُ: الإخْراجُ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ. السُّنْبُلَةُ: مَعْرُوفَةٌ، ووَزْنُها فُنْعُلَةٌ، فالنُّونُ زائِدَةٌ بِذَلِكَ عَلى قَوْلِهِمْ: أسْبَلَ الزَّرْعُ أرْسَلَ ما فِيهِ كَما يَنْسَبِلُ الثَّوْبُ، وحَكى بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ سَنْبَلَ الزَّرْعَ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: النُّونُ أصْلِيَّةٌ، ووَزْنُهُ فَعْلَلَ؛ لِأنَّ فَنَعْلَ لَمْ يَثْبُتْ فَيَكُونُ مَعَ أسْبَلَ كَسِبْطٍ وسِبَطَرٍ.

المَنُّ: ما يُوزَنُ بِهِ، والمَنُّ قَدَرُ الشَّيْءِ ووَزْنُهُ، والمَنُّ والمِنَّةُ النِّعْمَةُ، مَنَّ عَلَيْهِ أنْعَمَ. ومِن أسْمائِهِ تَعالى: المَنّانُ، والمَنُّ النَّقْصُ مِنَ الحَقِّ والبَخْسُ لَهُ، ومِنهُ المَنُّ المَذْمُومُ، وهو ذِكْرُ المِنَّةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، والِاعْتِدادِ عَلَيْهِ بِإحْسانِهِ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ؛ لِأنَّ المُنْعِمَ يَقْطَعُ قِطْعَةً مِن مالِهِ لِمَن يُنْعَمُ عَلَيْهِ. الغَنِيُّ، فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن غِنى وهو الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ إلى أحَدٍ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎كِلانا غَنِيٌّ عَنْ أخِيهِ حَياتُهُ

ويُقالُ: غَنِيٌّ أقامَ بِالمَكانِ، والغانِيَةُ هي الَّتِي غَنِيَتْ بِحُسْنِها عَنِ التَّحَسُّنِ. الرِّئاءُ: فِعالٌ مَصْدَرٌ مِن راءٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ، ويَجُوزُ إبْدالُ هَمْزَتِهِ ياءً لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، وهو أنْ يَرى النّاسَ ما يَفْعَلُهُ مِنَ البِرِّ حَتّى يُثْنُوا عَلَيْهِ ويُعَظِّمُوهُ بِذَلِكَ لا نِيَّةَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.

الصَّفْوانُ: الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ، وتَحْرِيكُ فائِهِ بِالفَتْحِ لُغَةٌ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ …

Al-Baqara 2:261Listen in Qur'an →
262

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth in the way of Allah and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ . قِيلَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ، وقِيلَ: في عَلِيِّ، وقِيلَ: في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ، جاءَ ابْنُ عَوْفٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ وتَرَكَ عِنْدَهُ مِثْلَها، وجاءَ عُثْمانُ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها، وتَصَدَّقَ بِرُومَةَ رَكِيَّةً كانَتْ لَهُ تَصَدَّقَ بِها عَلى المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: جاءَ عُثْمانُ بِألْفِ دِينارٍ فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا شَبَّهَ تَعالى صِفَةَ المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِزارِعِ الحَبَّةِ الَّتِي أنْجَبَتْ في تَكْثِيرِ حَسَناتِهِ كَكَثْرَةِ ما أخْرَجَتِ الحَبَّةُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِمَن لا يُتْبِعُ إنْفاقَهُ مَنًّا ولا أذًى؛ لِأنَّهُما مُبْطِلانِ لِلصَّدَقَةِ، كَما أخْبَرَ تَعالى في الآيَةِ بَعْدَ هَذا، بَلْ يُراعى جِهَةُ الِاسْتِحْقاقِ لا جَزاءَ مِنَ المُنْفِقِ عَلَيْهِ ولا شُكْرًا لَهُ، فَيَكُونُ قَصْدُهُ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا التَمَسَ بِإنْفاقِهِ الشُّكْرَ والثَّناءَ كانَ صاحِبَ سُمْعَةٍ ورِياءٍ، وإنِ التَمَسَ الجَزاءَ كانَ تاجِرًا مُرْبِحًا لا يَسْتَحِقُّ حَمْدًا ولا شُكْرًا. والمَنُّ مِنَ الكَبائِرِ ثَبَتَ في (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) وغَيْرِهِ أنَّهُ أحَدُ: ”الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ“ . وفي النَّسائِيِّ: " «ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: العاقُّ لِوالِدَيْهِ، ومُدْمِنُ الخَمْرِ، والمانُّ بِما أعْطى» .

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّفَقَةَ تَمْضِي في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ يَتْبَعُها ما يُبْطِلُها، وهو المَنُّ والأذى، وقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ في الآيَةِ بَعْدَها، فَهي مَوْقُوفَةٌ، أعْنِي قَبُولَها عَلى شَرِيطَةٍ، وهو أنْ لا يُتْبِعَها مَنًّا ولا أذًى، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَنَّ والأذى يَكُونانِ مِنَ المُنْفِقِ عَلى المُنْفَقِ عَلَيْهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الإنْفاقُ في الجِهادِ عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيزِ أوِ الإعانَةِ فِيهِ، أمْ كانَ في غَيْرِ الجِهادِ، وسَواءٌ كانَ المُنْفِقُ مُجاهِدًا أمْ غَيْرَ مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي في الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ إلى الجِهادِ، بَلْ يُنْفِقُونَ وهم قُعُودٌ، والآيَةُ قَبْلَها في الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ولِذَلِكَ شَرَطَ عَلى هَؤُلاءِ ولَمْ يَشْرُطْ عَلى الأوَّلِينَ، والأذى يَشْمَلُ المَنَّ وغَيْرَهُ، ونُصَّ عَلى المَنِّ وقُدِّمَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ مِنَ المُتَصَدِّقِ، فَمِنَ المَنِّ أنْ يَقُولَ: قَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ ونَعَشْتُكَ، وشِبْهُهُ، أوْ يَتَحَدَّثُ بِما أعْطى، فَيَبَلُغُ ذَلِكَ المُعْطى، فَيُؤْذِيهِ، ومِنَ الأذى أنْ يَسُبَّ المُعْطى، أوْ يَشْتَكِيَ مِنهُ، أوْ يَقُولَ: ما أشَدَّ إلْحاحَكَ، وخَلَّصَنا اللَّهُ مِنكَ، وأنْتَ أبَدًا تَجِيئُنِي، أوْ يُكَلِّفُهُ الاعْتِرافَ بِما أسْدى إلَيْهِ. وقِيلَ: الأذى أنْ يَذْكُرَ إنْفاقَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَن لا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيْهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنْ ظَنَنْتَ أنَّ سَلامَكَ يَثْقُلُ عَلى مَن أنْفَقْتَ عَلَيْهِ، تُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ، فَلا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: يا أبا أُسامَةَ ؟ دُلَّنِي عَلى رَجُلٍ يُخْرِجُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَقًّا، فَإنَّهم إنَّما يُخْرِجُونَ الفَواكِهَ، فَإنَّ عِنْدِي أسْهُمًا وجِيعَةً، فَقالَ لَها: لا بارَكَ اللَّهُ في أسْهُمِكِ وجِيعَتِكِ، فَقَدْ …

Al-Baqara 2:262Listen in Qur'an →
263

۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allah is Free of need and Forbearing.

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ أيْ: رَدٌّ جَمِيلٌ مِنَ المَسْئُولِ، وعَفُوٌّ مِنَ السّائِلِ إذا وجَدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْئُولِ مِن إلْحاحٍ أوْ سَبٍّ أوْ تَعْرِيضٍ بِسَبٍّ، كَما يُوجَدُ في كَثِيرٍ مِنَ المُسْتَعْطِينَ، وقِيلَ: مَعْنى (ومَغْفِرَةٌ) أيْ: نَيْلُ مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الجَمِيلِ. وقِيلَ: (ومَغْفِرَةٌ) أيْ: عَفْوٌ مِن جِهَةِ السّائِلِ؛ لِأنَّهُ إذا رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا عَذَرَهُ، وقِيلَ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ هو الدُّعاءُ والتَّأسِّي والتَّرْجِئَةُ بِما عِنْدَ اللَّهِ، وقِيلَ: الدُّعاءُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ، وقِيلَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ خَيْرٌ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى. وقِيلَ: التَّسْبِيحاتُ والدُّعاءُ والثَّناءُ والحَمْدُ لِلَّهِ، والمَغْفِرَةُ: أيِ السَّتْرُ عَلى نَفْسِهِ والكَفُّ عَنْ إظْهارِ ما ارْتَكَبَ مِنَ المَآثِمِ (خَيْرٌ) أيْ: أخْفُ عَلى البَدَنِ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، وقِيلَ: ”المَغْفِرَةُ“ الِاقْتِصارُ عَلى القَوْلِ الحَسَنِ، وقِيلَ: ”المَغْفِرَةُ“ أنْ يَسْألَ اللَّهَ الغُفْرانَ لِتَقْصِيرٍ في عَطاءٍ وسَدِّ خَلَّةٍ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ هُنا سَتْرُ خَلَّةِ المُحْتاجِ وسُوءِ حالِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: لِأعْرابِيٍّ سُئِلَ بِكَلامٍ فَصِيحٍ، مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ فَقالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا سُوءُ الِاكْتِسابِ يُمْنَعُ مِنِ الِانْتِسابِ، وقِيلَ: أنْ يَسْتُرَ عَلى السّائِلِ سُؤالَهُ وبَذْلَ وجْهِهِ لَهُ ولا يَفْضَحُهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ مِنَ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: القَوْلُ المَعْرُوفُ أنْ تَحُثَّ غَيْرَكَ عَلى إعْطائِهِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَ المَسْئُولِ؛ لِأنَّ الخِطابَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذا، وفي الآيَةِ بَعْدَ هَذا، إنَّما هو مَعَ المُتَصَدِّقِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلسّائِلِ، وهو حَثٌّ لَهُ عَلى إجْمالِ الطَّلَبِ، أيْ: يَقُولُ قَوْلًا حَسَنًا مِن تَعْرِيضٍ بِالسُّؤالِ أوْ إظْهارٍ لِلْغِنى حَيْثُ لا ضَرُورَةَ، ويَكْسِبُ خَيْرًا مِن مِثالِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، واشْتَرَكَ القَوْلُ المَعْرُوفُ والمَغْفِرَةُ مَعَ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَتْبَعُها أذًى في مُطْلَقِ الخَيْرِيَّةِ، وهو: النَّفْعُ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ النَّفْعِ، فَنَفْعُ القَوْلِ المَعْرُوفِ والمَغْفِرَةِ باقٍ، ونَفْعُ تِلْكَ الصَّدَقَةِ فانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَيْرِيَّةُ هُنا مِن بابِ قَوْلِهِمْ: شَيْءٌ خَيْرٌ مِن لا شَيْءٍ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ومَنعُكَ لِلنَّدى بِجَمِيلِ قَوْلٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَذْلٍ ومَنِّي

وقالَ آخَرُ فَأجادَ:

؎إنْ لَمْ تَكُنْ ورَقٌ يَوْمًا أجُودُ بِها ∗∗∗ لِلْمُعْتَفِينَ فَإنِّي لَيِّنُ العُودِ

؎لا يَعْدَمُ السّائِلُونَ الخَيْرَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إمّا نَوالِي وإمّا حُسْنُ مَرْدُودِ

وارْتِفاعُ: (قَوْلٌ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ وصْفُها، (ومَغْفِرَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلى المُبْتَدَأِ، فَهو مُبْتَدَأٌ ومُسَوِّغُ جَوازِ الابْتِداءِ بِهِ وصْفٌ مَحْذُوفٌ أيْ: ومَغْفِرَةٌ مِنَ المَسْئُولِ، أوْ مِنَ السّائِلِ، أوْ مِنَ اللَّهِ، عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، و(خَيْرٌ) خَبَرٌ عَنْهُما، وقالَ الَمَهَدَوِيُّ وغَيْرُهُ: هُما جُمْلَتانِ، وخَبَرُ (قَوْلٌ) مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أوْلى ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا ذِهابُ تَزْوِيقِ المَعْنى، وإنَّما يَكُونُ المُقَدَّرُ كالظّاهِرِ، انْتَهى. وما قالَهُ حَسَنٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: المَأْمُورُ بِهِ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، ولَمْ …

Al-Baqara 2:263Listen in Qur'an →
264

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allah and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allah does not guide the disbelieving people.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لَمّا شَرَطَ في الإنْفاقِ أنْ لا يُتْبَعَ مَنًّا ولا أذًى، لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى جَعَلَ المَنَّ والأذى مُبْطِلًا لِلصَّدَقَةِ، ونَهى عَنِ الإبْطالِ بِهِما لِيُقَوِّيَ اجْتِنابَ المُؤْمِنِ لَهُما، ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ، ولَمّا جَرى ذِكْرُ المَنِّ والأذى مَرَّتَيْنِ، أعادَهُما هُنا بِالألِفِ واللّامِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَنَّ والأذى مُبْطِلانِ لِلصَّدَقَةِ، ومَعْنى إبْطالِهِما أنَّهُ لا ثَوابَ فِيها عِنْدَ اللَّهِ، والسُّدِّيُّ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَّدَقَةُ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِن صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تَتَقَبَّلُ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً، فَهو لا يَكْتُبُها إذْ نِيَّتُهُ لَمْ تَكُنْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ أيْ: لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا؛ لِأنَّهُ إذا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ فَقَدْ أُتِيَ بِهِ عَلى جِهَةِ البُطْلانِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: مَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تُبْطَلَ. فالمُرادُ إذَنْ إبْطالُ أجْرِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يُحَصَّلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَيَصِيرُ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى، انْتَهى كَلامُهُ.

والمَعْنَيانِ تَحْمِلُهُما الآيَةُ، ولِتَعْظِيمِ قُبْحِ المَنِّ أعادَ اللَّهُ ذَلِكَ في مَعارِضِ الكَلامِ، فَأثْنى عَلى تارِكِهِ أوَّلًا وفَضَّلَ المَنعَ عَلى عَطِيَّةٍ يَتْبَعُها المَنُّ ثانِيًا، وصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْها ثالِثًا، وخَصَّ الصَّدَقَةَ بِالنَّهْيِ إذْ كانَ المَنُّ فِيها أعْظَمَ وأشْنَعَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِالمَنِّ) مَعْناهُ عَلى الفَقِيرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ صَدَقَتِهِ، والأذى لِلسّائِلِ، والكافُ، قِيلَ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إبْطالًا، كَإبْطالِ صَدَقَةِ الَّذِي يُنْفِقُ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لا تُبْطِلُوا مُشَبَّهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ بِالرِّياءِ، وفي هَذا المُنْفِقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ يُنْفِقُ لِلسُّمْعَةِ ولِيُقالَ: إنَّهُ سَخِيٌّ كَرِيمٌ، هَذِهِ نِيَّتُهُ، لا يُنْفِقُ لِرِضا اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ في الباطِنِ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ المُجاهِرُ، وذَلِكَ بِإنْفاقِهِ لِقَوْلِ النّاسِ: ما أكْرَمَهُ وأفْضَلَهُ ولا يُرِيدُ بِإنْفاقِهِ إلّا الثَّناءَ عَلَيْهِ، ورَجَّحَ مَكِّيٌّ القَوْلَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أضافَ إلَيْهِ الرِّياءَ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ المُنافِقِ السّاتِرِ لِكُفْرِهِ، وأمّا الكافِرُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ رِياءٌ؛ لِأنَّهُ مُناصِبٌ لِلدِّينِ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ، وانْتِصابُ (رِئاءَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (رِياءَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الأُولى ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عاصِمٍ.

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ هَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ، واخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (فَمَثَلُهُ) فالظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ لِقُرْبِهِ مِنهُ، ولِإفْرادِهِ، ضَرَبَ …

Al-Baqara 2:264Listen in Qur'an →
265

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allah and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allah, of what you do, is Seeing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لَمّا شَرَطَ في الإنْفاقِ أنْ لا يُتْبَعَ مَنًّا ولا أذًى، لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى جَعَلَ المَنَّ والأذى مُبْطِلًا لِلصَّدَقَةِ، ونَهى عَنِ الإبْطالِ بِهِما لِيُقَوِّيَ اجْتِنابَ المُؤْمِنِ لَهُما، ولِذَلِكَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ، ولَمّا جَرى ذِكْرُ المَنِّ والأذى مَرَّتَيْنِ، أعادَهُما هُنا بِالألِفِ واللّامِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَنَّ والأذى مُبْطِلانِ لِلصَّدَقَةِ، ومَعْنى إبْطالِهِما أنَّهُ لا ثَوابَ فِيها عِنْدَ اللَّهِ، والسُّدِّيُّ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَّدَقَةُ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِن صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ ويُؤْذِي لا تَتَقَبَّلُ، وقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً، فَهو لا يَكْتُبُها إذْ نِيَّتُهُ لَمْ تَكُنْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ﴾ أيْ: لا تَأْتُوا بِهَذا العَمَلِ باطِلًا؛ لِأنَّهُ إذا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ وجْهِ اللَّهِ فَقَدْ أُتِيَ بِهِ عَلى جِهَةِ البُطْلانِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: مَعْلُومٌ أنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ وقَعَتْ وتَقَدَّمَتْ، فَلا يَصِحُّ أنْ تُبْطَلَ. فالمُرادُ إذَنْ إبْطالُ أجْرِها؛ لِأنَّ الأجْرَ لَمْ يُحَصَّلْ بَعْدُ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَيَصِيرُ إبْطالُهُ بِما يَأْتِيهِ مِنَ المَنِّ والأذى، انْتَهى كَلامُهُ.

والمَعْنَيانِ تَحْمِلُهُما الآيَةُ، ولِتَعْظِيمِ قُبْحِ المَنِّ أعادَ اللَّهُ ذَلِكَ في مَعارِضِ الكَلامِ، فَأثْنى عَلى تارِكِهِ أوَّلًا وفَضَّلَ المَنعَ عَلى عَطِيَّةٍ يَتْبَعُها المَنُّ ثانِيًا، وصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْها ثالِثًا، وخَصَّ الصَّدَقَةَ بِالنَّهْيِ إذْ كانَ المَنُّ فِيها أعْظَمَ وأشْنَعَ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِالمَنِّ) مَعْناهُ عَلى الفَقِيرِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالمَنِّ عَلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ صَدَقَتِهِ، والأذى لِلسّائِلِ، والكافُ، قِيلَ: في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ إبْطالًا، كَإبْطالِ صَدَقَةِ الَّذِي يُنْفِقُ، وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: لا تُبْطِلُوا مُشَبَّهِينَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ بِالرِّياءِ، وفي هَذا المُنْفِقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ يُنْفِقُ لِلسُّمْعَةِ ولِيُقالَ: إنَّهُ سَخِيٌّ كَرِيمٌ، هَذِهِ نِيَّتُهُ، لا يُنْفِقُ لِرِضا اللَّهِ، وطَلَبِ ثَوابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ في الباطِنِ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الكافِرُ المُجاهِرُ، وذَلِكَ بِإنْفاقِهِ لِقَوْلِ النّاسِ: ما أكْرَمَهُ وأفْضَلَهُ ولا يُرِيدُ بِإنْفاقِهِ إلّا الثَّناءَ عَلَيْهِ، ورَجَّحَ مَكِّيٌّ القَوْلَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أضافَ إلَيْهِ الرِّياءَ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ المُنافِقِ السّاتِرِ لِكُفْرِهِ، وأمّا الكافِرُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ رِياءٌ؛ لِأنَّهُ مُناصِبٌ لِلدِّينِ مُجاهِرٌ بِكُفْرِهِ، وانْتِصابُ (رِئاءَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (رِياءَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ الأُولى ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عاصِمٍ.

﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ هَذا تَشْبِيهٌ ثانٍ، واخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (فَمَثَلُهُ) فالظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ لِقُرْبِهِ مِنهُ، ولِإفْرادِهِ، ضَرَبَ …

Al-Baqara 2:265Listen in Qur'an →
266

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَابٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌۭ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌۭ فِيهِ نَارٌۭ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allah make clear to you [His] verses that you might give thought.

﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْ إبْطالِ الصَّدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى، وشَبَّهَ فاعِلَ ذَلِكَ بِالمُنْفِقِ رِئاءً، ومَثَّلَ حالَهُ بِالصَّفْوانِ المَذْكُورِ، ثُمَّ مَثَّلَ حالَ مَن أنْفَقَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ السُّدِّيُّ: هَذا مَثَلٌ آخَرُ لِلْمُرائِي، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو مَثَلٌ لَلْمانِّ في الصَّدَقَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم: لِلْمُفْرِطِ في الطّاعَةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لِمَن أُعْطِيَ الشَّبابَ والمالَ، فَلَمْ يَعْمَلْ حَتّى سُلِبا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِمَن عَمِلَ أنْواعَ الطّاعاتِ كَجَنَّةٍ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، فَخَتَمَها بِإساءَةٍ كَإعْصارٍ، فَشَبَّهَ تَحَسُّرَهُ حِينَ لا عَوْدَ بِتَحَسُّرِ كَبِيرٍ هَلَكَتْ جَنَّتُهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْها، وأعْجَزَ عَنْ عِمارَتِها، ورُوِيَ نَحْوٌ مِن هَذا عَنْ عُمَرَ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ قَلَّ واللَّهِ مَن يَعْقِلُهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعُفَ جِسْمُهُ وكَثُرَ صِبْيانُهُ، أفْقَرُ ما كانَ إلى جَنَّتِهِ، وإنَّ أحَدَكم واللَّهِ أفْقَرُ ما يَكُونُ إلى عَمَلِهِ إذا انْقَطَعَتْ عَنْهُ الدُّنْيا.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى عَلى التَّبْعِيدِ والنَّفْيِ، أيْ: ما يَوَدُّ أحَدٌ ذَلِكَ ؟ وأحَدٌ هُنا لَيْسَ المُخْتَصَّ بِالنَّفْيِ وشِبْهِهِ، وإنَّما المَعْنى: أيَوَدُّ واحِدٌ مِنكم ؟ عَلى طَرِيقِ البَدَلِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (جَنّاتٌ) بِالجَمْعِ.

﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ لَمّا كانَ النَّخِيلُ والأعْنابُ أكْرَمَ الشَّجَرِ وأكْثَرَها مَنافِعَ، خُصّا بِالذِّكْرِ، وجُعِلَتِ الجَنَّةُ مِنهُما، وإنْ كانَ في الجَنَّةِ غَيْرُهُما، وحَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ هَذا، نَصَّ عَلى النَّخِيلِ دُونَ الثَّمَرَةِ، وعَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ دُونَ الكَرْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ أعْظَمَ مَنافِعِ الكَرْمِ هو ثَمَرَتُهُ دُونَ أصْلِهِ، والنَّخِيلُ كُلُّهُ مَنافِعُهُ عَظِيمَةٌ، تُوازِي مَنفَعَةَ ثَمَرَتِهِ مِن خَشَبِهِ وجَرِيدِهِ ولِيفِهِ وخُوصِهِ، وسائِرِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ، اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ النَّخِيلِ وثَمَرَةِ الكَرْمِ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فِيهِ أشْجارٌ غَيْرُ النَّخِيلِ والكَرْمِ، كَما ذَكَرْنا قَبْلَ هَذا الظّاهِرِ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُرِيدَ بِالثَّمَراتِ المَنافِعَ الَّتِي كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ فِيها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، فَعَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ: مِن زائِدَةٌ، التَّقْدِيرُ: لَهُ فِيها كُلُّ الثَّمَراتِ، عَلى إرادَةِ التَّكْثِيِرِ، بِلَفْظِ العُمُومِ، لا أنَّ العُمُومَ مُرادٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهم شَرَطُوا في زِيادَتِها أنْ يَكُونَ بَعْدَها نَكِرَةٌ، نَحْوَ: قَدْ كانَ مِن مَطَرٍ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، فَلا يَجُوزُ زِيادَتُها؛ لِأنَّهم شَرَطُوا أنْ يَكُونَ قَبْلَها غَيْرُ مُوجَبٍ، وبَعْدَها نَكِرَةٌ، ويَحْتاجُ هَذا إلى تَقْيِيدٍ، قَدْ ذَكَرْناهُ في كِتابِ (مَنهَجِ السّالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا، ويَتَخَرَّجُ مَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، تَقْدِيرُهُ: لَهُ فِيها رِزْقٌ، أوْ ثَمَراتٌ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ونَظِيرُهُ في الحَذْفِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَنِي أُقَيْشٍ تُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ

التَّقْدِيرُ: كَأنَّكَ جَمَلٌ مِن جِمالِ بَنِي …

Al-Baqara 2:266Listen in Qur'an →
267

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allah is Free of need and Praiseworthy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣] التَّيَمُّمُ: القَصْدُ، يُقالُ: أمَّ كَرَدَّ، وأُمَمٌ كَأُخَرَ، وتَيَمَّمَ بِالتّاءِ والياءِ، وتَأمَّمَ بِالتّاءِ والهَمْزَةِ، وكُلُّها بِمَعْنًى. وقالَ الخَلِيلُ: أمَمْتُهُ قَصَدْتُ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ قَصَدْتُهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ. (الخَبِيثَ) الرَّدِيءَ، وهو ضِدُّ الطَّيِّبِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَبُثَ. الإغْماضُ: التَّساهُلُ، يُقالُ: أغْمَضَ في حَقِّهِ تَساهَلَ فِيهِ ورَضِيَ بِهِ، والإغْماضُ تَغْمِيضُ العَيْنِ، وهو كالإغْضاءِ، وأغْمَضَ الرَّجُلُ أتى غامِضًا مِنَ الأمْرِ، كَما يُقالُ: أعْمَنَ وأعْرَقَ وأنْجَدَ أيْ: أتى عُمانَ والعِراقَ ونَجْدًا، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الغُمُوضِ وهو: الخَفاءُ، غَمَضَ الشَّيْءُ يَغْمُضُ غُمُوضًا خَفِيَ، وإطْباقُ الجَفْنِ إخْفاءٌ لِلْعَيْنِ، والغَمْضُ المُتَطامِنُ الخَفِيُّ مِنَ الأرْضِ.

الحَمِيدُ: المَحْمُودُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ولا يَنْقاسُ، وتَقَدَّمَتْ أقْسامُ فَعِيلٍ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وتَفْسِيرُ الحَمْدِ في أوَّلِ سُورَتِهِ.

النَّذْرُ: تَقَدَّمَتْ مادَّتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وهو عَقْدُ الإنْسانِ ضَمِيرَهُ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ والتِزامِهِ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ، والفِعْلُ مِنهُ نَذَرَ يَنْذِرُ ويَنْذُرُ، بِضَمِّ الذّالِ وكَسْرِها، وكانَتِ النُّذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ يُكْثِرُونَ مِنها فِيما يَرْجُونَ وُقُوعَهُ، وكانُوا أيْضًا يَنْذُرُونَ قَتْلَ أعْدائِهِمْ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎الشّاتِمِي عِرْضِي، ولَمْ أشْتِمْهُما والنّاذِرَيْنِ إذا لَقِيتُهُما دَمِي

وأمّا عَلى ما يَنْطَلِقُ شَرْعًا فَسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

(نِعِمَّ): أصْلُها نِعْمَ، وهي مُقابِلَةُ بِئْسَ، وأحْكامُها مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في: بِئْسَ، في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] . التَّعَفُّفُ: تَفَعُّلٌ مِنَ العِفَّةِ، عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ أمْسَكَ عَنْهُ، وتَنَزَّهَ عَنْ طَلَبِهِ، مَن عَشِقَ فَعَفَّ فَماتَ ماتَ شَهِيدًا، أيْ: كَفَّ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:

؎فَعَفَّ عَنْ أسْرارِها بَعْدَ …

Al-Baqara 2:267Listen in Qur'an →
268

ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allah promises you forgiveness from Him and bounty. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُخَوِّفُكم بِالفَقْرِ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أمْسِكْ فَإنْ تَصَدَّقْتَ افْتَقَرْتَ، ورَوى أبُو حَيْوَةَ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِّباطِ أنَّهُ قَرَأ: (الفُقْرَ) بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ (الفَقَرَ) بِفَتْحَتَيْنِ.

﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم بِها إغْراءَ الآمِرِ، والفَحْشاءُ: البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقَةِ، أوِ المَعاصِي مُطْلَقًا، أوِ الزِّنا، أقْوالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفَحْشاءُ الكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎ولا يَنْطِقُ الفَحْشاءَ مَن كانَ مِنهم إذا جَلَسُوا مِنّا ولا مِن سِوائِنا

وكَأنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ لِمَن أرادَ أنْ يَتَصَدَّقَ، ويَأْمُرُهُ - إذْ مَنَعَ - بِالرَّدِّ القَبِيحِ عَلى السّائِلِ، وبَّخَهُ وأقْهَرَهُ بِالكَلامِ السَّيْءِ، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنْ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ. وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالحَقِّ وتَصْدِيقٌ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ“ . ثُمَّ قَرَأ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ الآيَةَ» . وتَقَدَّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ، فَإذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ، إذِ الأمْرُ اسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، وقالَ أيْضًا: ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، انْتَهى. فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِلْأُولى، ونَظَرْنا إلى ما شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في الفاحِشِ في نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎حَتّى تَأْوى إلى لا فاحِشٍ بَرَمٍ ∗∗∗ ولا شَحِيحٍ إذا أصْحابُهُ غَنِمُوا

وقالَ الآخَرُ:

؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

فَقالُوا: الفاحِشُ السَّيْءُ الخُلُقِ، ولَوْ كانَ الفاحِشُ هو البَخِيلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ولا شَحِيحَ، مِن بابِ التَّوْكِيدِ، وقالَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وجَيْدٌ كَجَيْدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ

إنَّ مَعْناهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ، ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ أبا مُسْلِمٍ في تَفْسِيرِ الفاحِشِ بِالبَخِيلِ، والفَحْشاءِ بِالبُخْلِ، قالَ بَعْضُهم. وأنْشَدَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلَ طُرْفَةَ:

؎عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

قالَ: والأغْلَبُ في كَلامِ العَرَبِ، وفي تَفْسِيرِ البَيْتِ الَّذِي أُنْشِدُهُ أنَّ الفاحِشَ السَّيْءُ الرَّدِّ لِضِيفانِهِ، وسُؤالِهِ، قالَ: وقَدْ وجَدْنا بَعْدَ ذَلِكَ شِعْرًا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الفَحْشاءَ البُخْلُ، وقالَ راجِزٌ مِن طَيِّءٍ:

قَدْ أخَذَ المُجِدُّ كَما أرادا لَيْسَ بِفَحّاشٍ يُصِرُّ الزّادا

انْتَهى. ولا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالفَحّاشِ البَخِيلَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى السَّيْءِ الخُلُقِ، أوِ السَّيْءِ الرَّدِّ، ويَفْهَمُ البَخِيلُ مِن قَوْلِهِ: يُصِرُّ الزّادا.

﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ أيْ: سَتْرًا لِذُنُوبِكم مُكافَأةً لِلْبَذْلِ، (وفَضْلًا) زِيادَةٌ عَلى مُقْتَضى ثَوابِ البَذْلِ، وقِيلَ: وفَضْلًا، أنْ يُخْلِفَ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ، أوْ وثَوابًا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وكانَ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ إنَّما هو الشُّحُّ …

Al-Baqara 2:268Listen in Qur'an →
269

يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

He gives wisdom to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُخَوِّفُكم بِالفَقْرِ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أمْسِكْ فَإنْ تَصَدَّقْتَ افْتَقَرْتَ، ورَوى أبُو حَيْوَةَ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِّباطِ أنَّهُ قَرَأ: (الفُقْرَ) بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ (الفَقَرَ) بِفَتْحَتَيْنِ.

﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم بِها إغْراءَ الآمِرِ، والفَحْشاءُ: البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقَةِ، أوِ المَعاصِي مُطْلَقًا، أوِ الزِّنا، أقْوالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفَحْشاءُ الكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎ولا يَنْطِقُ الفَحْشاءَ مَن كانَ مِنهم إذا جَلَسُوا مِنّا ولا مِن سِوائِنا

وكَأنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ لِمَن أرادَ أنْ يَتَصَدَّقَ، ويَأْمُرُهُ - إذْ مَنَعَ - بِالرَّدِّ القَبِيحِ عَلى السّائِلِ، وبَّخَهُ وأقْهَرَهُ بِالكَلامِ السَّيْءِ، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنْ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ. وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالحَقِّ وتَصْدِيقٌ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ“ . ثُمَّ قَرَأ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ الآيَةَ» . وتَقَدَّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ، فَإذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ، إذِ الأمْرُ اسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، وقالَ أيْضًا: ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، انْتَهى. فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِلْأُولى، ونَظَرْنا إلى ما شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في الفاحِشِ في نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎حَتّى تَأْوى إلى لا فاحِشٍ بَرَمٍ ∗∗∗ ولا شَحِيحٍ إذا أصْحابُهُ غَنِمُوا

وقالَ الآخَرُ:

؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

فَقالُوا: الفاحِشُ السَّيْءُ الخُلُقِ، ولَوْ كانَ الفاحِشُ هو البَخِيلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ولا شَحِيحَ، مِن بابِ التَّوْكِيدِ، وقالَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وجَيْدٌ كَجَيْدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ

إنَّ مَعْناهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ، ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ أبا مُسْلِمٍ في تَفْسِيرِ الفاحِشِ بِالبَخِيلِ، والفَحْشاءِ بِالبُخْلِ، قالَ بَعْضُهم. وأنْشَدَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلَ طُرْفَةَ:

؎عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

قالَ: والأغْلَبُ في كَلامِ العَرَبِ، وفي تَفْسِيرِ البَيْتِ الَّذِي أُنْشِدُهُ أنَّ الفاحِشَ السَّيْءُ الرَّدِّ لِضِيفانِهِ، وسُؤالِهِ، قالَ: وقَدْ وجَدْنا بَعْدَ ذَلِكَ شِعْرًا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الفَحْشاءَ البُخْلُ، وقالَ راجِزٌ مِن طَيِّءٍ:

قَدْ أخَذَ المُجِدُّ كَما أرادا لَيْسَ بِفَحّاشٍ يُصِرُّ الزّادا

انْتَهى. ولا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالفَحّاشِ البَخِيلَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى السَّيْءِ الخُلُقِ، أوِ السَّيْءِ الرَّدِّ، ويَفْهَمُ البَخِيلُ مِن قَوْلِهِ: يُصِرُّ الزّادا.

﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ أيْ: سَتْرًا لِذُنُوبِكم مُكافَأةً لِلْبَذْلِ، (وفَضْلًا) زِيادَةٌ عَلى مُقْتَضى ثَوابِ البَذْلِ، وقِيلَ: وفَضْلًا، أنْ يُخْلِفَ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ، أوْ وثَوابًا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وكانَ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ إنَّما هو الشُّحُّ …

Al-Baqara 2:269Listen in Qur'an →
270

وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ صَدَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وكَذَلِكَ النَّذْرُ عامٌّ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ، وأتى بِالمُمَيِّزِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ ﴿ومِن نَذْرٍ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ لِتَأْكِيدِ انْدِراجِ القَلِيلِ والكَثِيرِ في ذَلِكَ، ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، وقِيلَ: تَخْتَصُّ النَّفَقَةُ بِالزَّكاةِ لِعَطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ وهو النَّذْرُ، والنَّذْرُ عَلى قِسْمَيْنِ: مُحَرَّمٍ وهو كُلُّ نَذْرٍ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، ومُعْظَمُ نُذُورِ الجاهِلِيَّةِ كانَتْ عَلى ذَلِكَ؛ ومُباحٍ مَشْرُوطٍ وغَيْرِ مَشْرُوطٍ، وكِلاهُما مُفَسِّرٌ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ مَن مَرِضِ كَذا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ دِينارٍ، ونَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وغَيْرُ مُفَسِّرٍ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ أوْ نَذْرٌ، وأحْكامُ النَّذْرِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى (يَعْلَمُهُ) يُحْصِيهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُجازِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَحْفَظُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ.

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعْدًا ووَعِيدًا بِتَرْتِيبِ عِلْمِ اللَّهِ عَلى ما أنْفَقُوا أوْ نَذَرُوا (ومِن نَفَقَةٍ) (ومِن نَذْرٍ) تَقَدَّمَ نَظائِرُها في الإعْرابِ فَلا تُعادُ، وفي قَوْلِهِ: (مِن نَذْرٍ) دَلالَةٌ عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: (نَذَرْتُمْ) تَقْدِيرُهُ: أوْ ما نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ؛ لِأنَّ (مِن نَذْرٍ) تَفْسِيرٌ وتَوْضِيحٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِدَلالَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:

؎أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ

التَّقْدِيرُ: ومَن يَمْدَحُهُ، فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ: مَن، المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ، فَجاءَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لِأنَّ العَطْفَ بِأوْ، وإذا كانَ العَطْفُ بِأوْ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو أحَدُهُما، وتارَةً يُراعى بِهِ الأوَّلُ في الذِّكْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقٌ، وتارَةً يُراعى بِهِ الثّانِي، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقَةٌ، وأمّا أنْ يَأْتِيَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ فَلا، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وعَلى المَهْيَعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] كَما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمّا عَزَبَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الأحْكامِ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، جَعَلُوا إفْرادَ الضَّمِيرِ مِمّا يَتَأوَّلُ، فَحُكِيَ عَنِ النَّحاسِ أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ، قالَ: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ …

Al-Baqara 2:270Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.