Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] يا: حَرْفُ نِداءٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها اسْمُ فِعْلٍ مَعْناها: أُنادِي، وعَلى كَثْرَةِ وُقُوعِ النِّداءِ في القُرْآنِ لَمْ يَقَعْ نِداءً إلّا بِها، وهي أعَمُّ حُرُوفِ النِّداءِ، إذْ يُنادى بِها القَرِيبُ والبَعِيدُ والمُسْتَغاثُ والمَندُوبُ. وأمالَها بَعْضُهم، وقَدْ تَتَجَرَّدُ لِلتَّنْبِيهِ فَيَلِيها المُبْتَدَأُ والأمْرُ والتَّمَنِّي والتَّعْلِيلُ، والأصَحُّ أنْ لا يُنْوى بَعْدَها مُنادِي. أيْ: اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ وصِفَةٌ ووَصْلَةٌ لِنِداءِ ما فِيهِ الألِفِ واللّامِ، ومَوْصُولَةٌ، خِلافًا لِأحْمَدَ بْنِ يَحْيى، إذْ أنْكَرَ مَجِيئَها مَوْصُولَةً، ولا تَكُونُ مَوْصُوفَةً خِلافًا لِلْأخْفَشِ. ها: حَرْفُ تَنْبِيهٍ، أكْثَرُ اسْتِعْمالِها مَعَ ضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ مُبْتَدَأٍ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِاسْمِ إشارَةٍ غالِبًا، أوْ مَعَ اسْمِ إشارَةٍ لا لِبُعْدٍ، ويُفْصَلُ بِها بَيْنَ أيْ في النِّداءِ وبَيْنَ المَرْفُوعِ بَعْدَهُ، وضَمُّها فِيهِ لُغَةُ بَنِي مالِكٍ مِن بَنِي أسَدٍ، يَقُولُونَ: يا أيُّهَ الرَّجُلُ، ويا أيَّتُها المَرْأةُ. الخَلْقُ: الِاخْتِراعُ بِلا مِثالِ، وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ، خَلَقَتِ الأدِيمَ قُدْرَتُهُ، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

قالَ قُطْرُبٌ: الخَلْقُ هو الإيجادُ عَلى تَقْدِيرٍ وتَرْتِيبٍ، والخَلْقُ والخَلِيقَةُ تَنْطَلِقُ عَلى المَخْلُوقِ، ومَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ والإحْداثِ والإبْداعِ والِاخْتِراعِ والإنْشاءِ مُتَقارِبٌ. قِيلَ: ظَرْفُ زَمانٍ، ولا يَعْمَلُ فِيها عامِلٌ فَيُخْرِجُها عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلّا مِن، وأصْلُها وصْفٌ نابَ عَنْ مَوْصُوفِهِ لُزُومًا، فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ قَبْلَ زَيْدٍ، فالتَّقْدِيرُ قُمْتُ زَمانًا قَبْلَ زَمانِ قِيامِ زَيْدٍ، فَحُذِفَ هَذا كُلُّهُ ونابَ عَنْهُ قَبْلَ زَيْدٍ. لَعَلَّ: حَرْفُ تَرَجٍّ في المَحْبُوباتِ، وتَوَقُّعٍ في المَحْذُوراتِ، ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المُمْكِنِ، لا يُقالُ: لَعَلَّ الشَّبابَ يَعُودُ، ولا تَكُونُ بِمَعْنى كَيْ، خِلافًا لِقُطْرُبٍ وابْنِ كَيْسانَ، ولا اسْتِفْهامًا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، وفِيها لُغاتٌ لَمْ يَأْتِ مِنها في القُرْآنِ إلّا الفُصْحى، ولَمْ يُحْفَظْ بَعْدَها نَصْبُ الِاسْمَيْنِ. وحَكى الأخْفَشُ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَجْزِمُ بِلَعَلَّ، وزَعَمَ أبُو زَيْدٍ أنَّ ذَلِكَ لُغَةُ بَنِي عَقِيلٍ. الفِراشُ: الوِطاءُ الَّذِي يُقْعَدُ عَلَيْهِ ويُنامُ ويُتَقَلَّبُ عَلَيْهِ. البِناءُ: مَصْدَرٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ المَنقُولُ مِن بَيْتٍ أوْ قُبَّةٍ أوْ خِباءٍ أوْ طِرافٍ وأبْنِيَةُ العَرَبِ أخْبِيَتِهِمْ. الماءُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ بَعْضُهم: هو جَوْهَرٌ سَيّالٌ بِهِ قِوامُ الحَيَوانِ، ووَزْنُهُ فَعَلَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ وهَمْزَتُهُ بَدَلٌ مِن هاءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: مُوَيْهٌ ومِياهٌ وأمْواهٌ. الثَّمَرَةُ: ما تُخْرِجُهُ الشَّجَرَةُ مِن مَطْعُومٍ أوْ مَشْمُومٍ. النِّدُّ: المُقاوِمُ المُضاهِي مَثَلًا كانَ أوْ ضِدًّا أوْ خِلافًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُفَضَّلُ: النِّدُّ: الضِّدُّ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ تَمْثِيلٌ لا حَصْرٌ. وقالَ غَيْرُهُ: النِّدُّ: الضِّدُّ المُبْغِضُ المُناوِئُ مِنَ النُّدُودِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: النِّدُّ: الكُفُؤُ والمِثْلُ، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ سِوى أبِي …

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وفِيها مِنَ التَّحْرِيكِ إلى تَرْكِ الأنْدادِ وإفْرادِ اللَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ما لا يَخْفى، أيْ أنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقائِقِ والإدْراكِ لِلَطائِفِ الأشْياءِ والِاسْتِخْراجِ لِغَوامِضِ الدَّلائِلِ في الرُّتْبَةِ الَّتِي لا تَلِيقُ لِمَن تَحَلّى بِها أنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَهُ. إذْ ذاكَ فِعْلَ مَن كانَ أجْهَلَ العالَمِ وأبْعَدَهم عَنِ الفِطْنَةِ وأكْثَرَهم تَجْوِيزًا لِلْمُسْتَحِيلاتِ، ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَتْرُوكٌ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّهم مِن أهْلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ. والتَّمْيِيزُ تَخْصِيصُ العِلْمِ بِشَيْءٍ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ لِأنَّهُ فَسَّرَ تَعْلَمُونَ بِمَعْنى تَعْقِلُونَ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، تَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ وأنْزَلَ الماءَ، وفَعَلَ ما شَرَحَهُ في هَذِهِ الآياتِ. ومَعْنى هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ، أوْ أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ في كِتابَيْكُمُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ ما ذَكَرَهُ أحَدٌ سِواهُ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أوْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها حِجارَةٌ، قالَهُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ الخَشّابِ، أوْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ، أوْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ مِثْلَ أفْعالِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، قالَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”فَلا تَجْعَلُوا“ ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلنّاسِ المَأْمُورِينَ بِاعْبُدُوا رَبَّكم، وقَدْ تَقَدَّمَتْ أقاوِيلُ السَّلَفِ في ذَلِكَ. قالَ ابْنُ فُورَكَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، المَعْنى: فَلا تَرْتَدُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ وتَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا بَعْدَ عِلْمِكم أنَّ العِلْمَ هو نَفْيُ الجَهْلِ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ اللَّهَ - تَعالى - أغْنى الإنْسانَ بِنِعَمِهِ هَذِهِ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَمَن أحْوَجَ نَفْسَهُ إلى بِشَرٍ مِثْلِهِ بِسَبَبِ الحِرْصِ والأمَلِ والرَّغْبَةِ في زُخْرُفِ الدُّنْيا، فَقَدْ أخَذَ بِطَرَفِ مَن جَعَلَ نِدًّا، انْتَهى. وقَوْلُ أبِي مُحَمَّدٍ يُعْطِي أنَّ اللَّهَ أغْنى الإنْسانَ، خَطَأٌ في التَّرْكِيبِ؛ لِأنَّ أعْطى لا تَنُوبُ أنَّ ومَعْمُولاها مَنابَ مَفْعُولَيْها، بِخِلافِ ظَنَّ، فَإنَّها تَنُوبُ مَنابَ مَفْعُولَيْها، ولِذَلِكَ سِرٌّ ذُكِرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اخْتَصَّ تَعالى بِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهي: الخِلْقَةُ البَشَرِيَّةُ، والبِنْيَتانِ الأرْضِيَّةُ والسَّماوِيَّةُ؛ لِأنَّها مَحَلُّ الِاعْتِبارِ ومَسْرَحُ الإبْصارِ ومَواطِنُ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وبِها يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وحَياتِهِ وإرادَتِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، وانْفِرادِهِ بِخَلْقِها وأحْكامِها، وقَدَّمَ الخِلْقَةَ البَشَرِيَّةَ، وإنْ كانَتْ لِلْعالَمِ الأصْغَرِ، لِما فِيها مِن بَدائِعِ الصَّنْعَةِ ما لا يُعَبِّرُ عَنْهُ وصْفُ لِسانٍ ولا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ فِكْرُ جَنانٍ، وظُهُورُ حُسْنِ الصَّنْعَةِ في الأشْياءِ اللَّطِيفَةِ الجِرْمِ أعْظَمُ مِنهُ في الأجْرامِ العِظامِ، ولِأنَّ اعْتِبارَ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ في …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إنْ: حَرْفٌ ثُنائِيُّ الوَضْعِ يَكُونُ شَرْطًا، وهو أصْلُ أدَواتِهِ، وحَرْفُ نَفْيٍ، وفي إعْمالِهِ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ خِلافٌ، وزائِدًا مُطَّرِدًا بَعْدَ ما النّافِيَةِ، وقَبْلَ مُدَّةِ الإنْكارِ، ولا تَكُونُ بِمَعْنى إذْ خِلافًا لِزاعِمِهِ، ولا يُعَدُ مِن مَواضِعِهِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها ثُلاثِيَّةُ الوَضْعِ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُها في التَّصْغِيرِ. العَبْدُ: لُغَةً المَمْلُوكُ الذَّكَرُ مِن جِنْسِ الإنْسانِ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُها. الإتْيانُ: المَجِيءُ، والأمْرُ مِنهُ: ائْتِ، كَما جاءَ في لَفْظِ القُرْآنِ، وشَذَّ حَذْفُ فائِهِ في الأمْرِ قِياسًا واسْتِعْمالًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎تِ لِي آلَ عَوْفٍ فانَدُّهم لِي جَماعَةً وسَلْ آلَ عَوْفٍ أيُّ شَيْءٍ يُضِيرُها

وقالَ آخَرُ:

؎فَإنْ نَحْنُ لَمْ نَنْهَضْ لَكم فَنَبِرُّكم ∗∗∗ فُتُونًا قِفُوا دُونًا إذَنْ بِالجَرائِمِ

السُّورَةُ: الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ. ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً ؟ وسُمِّيَتْ سُورَةُ القُرْآنِ بِها لِأنَّ قارِئَها يُشْرِفُ بِقِراءَتِها عَلى مَن لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، كُسُورِ البِناءِ. وقِيلَ: لِتَمامِها وكَمالِها، ومِنهُ قِيلَ لِلنّاقَةِ التّامَّةِ: سُورَةٌ، أوْ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، مِن أسْأرَتْ، والسُّؤْرِ، فَأصْلُها الهَمْزُ وخُفِّفَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والهَمْزُ فِيها لُغَةٌ. مِن مِثْلِهِ: المُماثَلَةُ تَقَعُ بِأدْنى مُشابَهَةٍ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ مِثْلِكَ، يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً، ولَفْظَةُ مَثَلٍ لازِمَةُ الإضافَةِ لَفْظًا، ولِذَلِكَ لَحَنَ بَعْضُ المُوَلَّدِينَ في قَوْلِهِ:

؎ومِثْلُكَ مَن يَمْلِكُ النّاسَ طُرًّا ∗∗∗ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في النّاسِ مَثَلُ

ولا يَكُونُ مَحَلًّا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. ولَهُ في بابِ الصِّفَةِ، إذا جَرى عَلى مُفْرَدٍ ومُثَنّى ومَجْمُوعٍ حُكْمٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ. الدُّعاءُ: الهَتْفُ بِاسْمِ المَدْعُوِّ. الشُّهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ، لِلْمُبالَغَةِ، كَعَلِيمٍ وعُلَماءُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، كَشاعِرٍ وشُعَراءَ، ولَيْسَ فُعَلاءُ بابَ فاعِلٍ، دُونَ: ظَرْفُ مَكانٍ مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ أوِ المَجازِيَّةِ، ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مَن. قالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا دُونَكَ فَلا يُرْفَعُ أبَدًا. قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذَكَرَ دُونَكَ وظُرُوفًا نَحْوَها لا تُسْتَعْمَلُ أسْماءً مَرْفُوعَةً عَلى اخْتِيارٍ، ورُبَّما رَفَعُوا. وظاهِرُ قَوْلِ الأخْفَشِ: جَوازُ تَصَرُّفِهِ، خَرَّجَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى المَبْنِي، وقَدْ جاءَ مَرْفُوعًا في الشِّعْرِ أيْضًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألَمْ تَرَنِي أنِّي حَمَيْتُ حَقِيبَتِي ∗∗∗ وباشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ والمَوْتُ دُونَها

وتَجِيءُ دُونَ صِفَةٍ بِمَعْنى رَدِيءٍ، يُقالُ: ثَوْبٌ دُونَ، أيْ رَدِيءٌ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، فَعَلى هَذا يُعْرَبُ بِوُجُوهِ الإعْرابِ ويَكُونُ دُونَ مُشْتَرَكًا. الصِّدْقُ: يُقابِلُهُ الكَذِبُ، وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. لَنْ: حَرْفُ نَفْيٍ ثُنائِيُّ الوَضْعِ بَسِيطٌ، لا مُرَكَّبٌ مِن لا وإنْ، خِلافًا لِلْخَلِيلِ في أحَدِ …

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إنْ: حَرْفٌ ثُنائِيُّ الوَضْعِ يَكُونُ شَرْطًا، وهو أصْلُ أدَواتِهِ، وحَرْفُ نَفْيٍ، وفي إعْمالِهِ إعْمالَ ما الحِجازِيَّةِ خِلافٌ، وزائِدًا مُطَّرِدًا بَعْدَ ما النّافِيَةِ، وقَبْلَ مُدَّةِ الإنْكارِ، ولا تَكُونُ بِمَعْنى إذْ خِلافًا لِزاعِمِهِ، ولا يُعَدُ مِن مَواضِعِهِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأنَّها ثُلاثِيَّةُ الوَضْعِ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُها في التَّصْغِيرِ. العَبْدُ: لُغَةً المَمْلُوكُ الذَّكَرُ مِن جِنْسِ الإنْسانِ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُها. الإتْيانُ: المَجِيءُ، والأمْرُ مِنهُ: ائْتِ، كَما جاءَ في لَفْظِ القُرْآنِ، وشَذَّ حَذْفُ فائِهِ في الأمْرِ قِياسًا واسْتِعْمالًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎تِ لِي آلَ عَوْفٍ فانَدُّهم لِي جَماعَةً وسَلْ آلَ عَوْفٍ أيُّ شَيْءٍ يُضِيرُها

وقالَ آخَرُ:

؎فَإنْ نَحْنُ لَمْ نَنْهَضْ لَكم فَنَبِرُّكم ∗∗∗ فُتُونًا قِفُوا دُونًا إذَنْ بِالجَرائِمِ

السُّورَةُ: الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ. ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً ؟ وسُمِّيَتْ سُورَةُ القُرْآنِ بِها لِأنَّ قارِئَها يُشْرِفُ بِقِراءَتِها عَلى مَن لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، كُسُورِ البِناءِ. وقِيلَ: لِتَمامِها وكَمالِها، ومِنهُ قِيلَ لِلنّاقَةِ التّامَّةِ: سُورَةٌ، أوْ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ، مِن أسْأرَتْ، والسُّؤْرِ، فَأصْلُها الهَمْزُ وخُفِّفَتْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والهَمْزُ فِيها لُغَةٌ. مِن مِثْلِهِ: المُماثَلَةُ تَقَعُ بِأدْنى مُشابَهَةٍ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ مِثْلِكَ، يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً، ولَفْظَةُ مَثَلٍ لازِمَةُ الإضافَةِ لَفْظًا، ولِذَلِكَ لَحَنَ بَعْضُ المُوَلَّدِينَ في قَوْلِهِ:

؎ومِثْلُكَ مَن يَمْلِكُ النّاسَ طُرًّا ∗∗∗ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في النّاسِ مَثَلُ

ولا يَكُونُ مَحَلًّا خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. ولَهُ في بابِ الصِّفَةِ، إذا جَرى عَلى مُفْرَدٍ ومُثَنّى ومَجْمُوعٍ حُكْمٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ. الدُّعاءُ: الهَتْفُ بِاسْمِ المَدْعُوِّ. الشُّهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ، لِلْمُبالَغَةِ، كَعَلِيمٍ وعُلَماءُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، كَشاعِرٍ وشُعَراءَ، ولَيْسَ فُعَلاءُ بابَ فاعِلٍ، دُونَ: ظَرْفُ مَكانٍ مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ أوِ المَجازِيَّةِ، ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مَن. قالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا دُونَكَ فَلا يُرْفَعُ أبَدًا. قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذَكَرَ دُونَكَ وظُرُوفًا نَحْوَها لا تُسْتَعْمَلُ أسْماءً مَرْفُوعَةً عَلى اخْتِيارٍ، ورُبَّما رَفَعُوا. وظاهِرُ قَوْلِ الأخْفَشِ: جَوازُ تَصَرُّفِهِ، خَرَّجَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى المَبْنِي، وقَدْ جاءَ مَرْفُوعًا في الشِّعْرِ أيْضًا، قالَ الشّاعِرُ:

؎ألَمْ تَرَنِي أنِّي حَمَيْتُ حَقِيبَتِي ∗∗∗ وباشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ والمَوْتُ دُونَها

وتَجِيءُ دُونَ صِفَةٍ بِمَعْنى رَدِيءٍ، يُقالُ: ثَوْبٌ دُونَ، أيْ رَدِيءٌ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، فَعَلى هَذا يُعْرَبُ بِوُجُوهِ الإعْرابِ ويَكُونُ دُونَ مُشْتَرَكًا. الصِّدْقُ: يُقابِلُهُ الكَذِبُ، وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. لَنْ: حَرْفُ نَفْيٍ ثُنائِيُّ الوَضْعِ بَسِيطٌ، لا مُرَكَّبٌ مِن لا وإنْ، خِلافًا لِلْخَلِيلِ في أحَدِ …

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وهم فِيها خالِدُونَ﴾ . البِشارَةُ: أوَّلُ خَبَرٍ يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ كانَ أوْ شَرٍّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في الخَيْرِ، ولِذَلِكَ قالَ: تَأوَّلَ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وهو مَحْجُوجٌ بِالنَّقْلِ. قِيلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ: هو خَبَرٌ يُؤَثِّرُ في البَشَرَةِ مِن حُزْنٍ أوْ سُرُورٍ. قالَ بَعْضُهم: ولِذا يُقَيَّدُ في الحُزْنِ، والبِشارَةُ: الجَمالُ، والبَشِيرُ: الجَمِيلُ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، وتَباشِيرُ الفَجْرِ: أوائِلُهُ. وفي الفِعْلِ لُغَتانِ: التَّشْدِيدُ، وهي اللُّغَةُ العُلْيا، والتَّخْفِيفُ: وهي لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ. وقَدْ قُرِئَ بِاللُّغَتَيْنِ في المُضارِعِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. الصَّلاحُ: يُقابِلُهُ الفَسادُ. الجَنَّةُ: البُسْتانُ الَّذِي سَتَرَتْ أشْجارُهُ أرْضَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ سَتَرَ شَيْئًا فَقَدَ أجَنَّهُ، ومِن ذَلِكَ الجِنَّةُ والجَنَّةُ والجِنُّ والمِجَنُّ والجَنِينُ. المُفَضَّلُ الجَنَّةُ: كُلُّ بُسْتانٍ فِيهِ ظِلٌّ، وقِيلَ: كُلُّ أرْضٍ كانَ فِيها شَجَرٌ ونَخْلٌ فَهي جَنَّةً، فَإنْ كانَ فِيها كَرْمٌ فَهي: فِرْدَوْسُ. تَحْتَ: ظَرْفُ مَكانٍ لا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مِن، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ، قالَ: العَرَبُ تَقُولُ: تَحْتَكَ رِجْلاكَ، لا يَخْتَلِفُونَ في نَصْبِ التَّحْتِ. النَّهْرُ: دُونَ البَحْرِ وفَوْقَ الجَدْوَلِ، وهَلْ هو نَفْسُ مَجْرى الماءِ أوِ الماءِ في المَجْرى المُتَّسِعِ، قَوْلانِ، وفِيهِ لُغَتانِ: فَتْحُ الهاءَ، وهي اللُّغَةُ العالِيَةُ، والسُّكُونُ، وعَلى الفَتْحِ جاءَ الجَمْعُ أنْهارًا قِياسًا مُطَّرِدًا إذْ أفْعالٌ في فَعْلِ الِاسْمِ الصَّحِيحِ العَيْنِ لا يَطَّرِدُ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَتْ مِنهُ ألْفاظٌ كَثِيرَةٌ، وسُمِّي نَهْرًا لِاتِّساعِهِ، أنْهَرَ: وسِعَ، والنَّهارُ لِاتِّساعِ ضَوْئِهِ. التَّشابُهُ: تَفاعُلٌ مِنَ الشَّبَهِ والشَّبَهُ المَثَلُ. وتَفاعُلٌ تَأْتِي لِسِتَّةِ مَعانٍ: الِاشْتِراكُ في الفاعِلِيَّةِ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ، وفِيها وفي المَفْعُولِيَّةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، والإيهامُ، والرَّوْمُ، ومُطاوَعَةُ فاعَلَ المُوافِقِ أفْعَلَ، ولِمُوافَقَةِ المُجَرَّدِ ولِلْإغْناءِ عَنْهُ. الزَّوْجُ: الواحِدُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ، واثْنانِ: زَوْجانِ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ: زَوْجٌ، ولِامْرَأتِهِ أيْضًا زَوْجٌ، وزَوْجَةٌ أقَلُّ. وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ زَوْجًا المُرادُ بِهِ المُؤَنَّثُ فِيهِ لُغَتانِ: زَوْجٌ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وزَوْجَةٌ لُغَةُ تَمِيمٍ وكَثِيرٍ مِن قَيْسٍ وأهْلِ نَجْدٍ، وكُلُّ شَيْءٍ قُرِنَ بِصاحِبِهِ فَهو زَوْجٌ لَهُ، والزَّوْجُ: الصِّنْفُ ومِنهُ: زَوْجٌ بَهِيجٌ، ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] .

الطَّهارَةُ: النَّظافَةُ، والفِعْلُ طَهَرَ بِفَتْحِ الهاءِ وهو الأفْصَحُ، وطَهُرَ بِالضَّمِّ، واسْمُ الفاعِلِ مِنهُما طاهِرٌ. فَعَلى الفَتْحِ قِياسٌ، وعَلى الضَّمِّ شاذٌّ نَحْوَ: حَمُضَ فَهو حامِضٌ، وخَثُرَ فَهو خاثِرٌ. الخُلُودُ: المُكْثُ في الحَياةِ أوِ المُلْكِ أوِ المَكانِ مُدَّةً طَوِيلَةً لا انْتِهاءَ لَها، وهَلْ يُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَها انْتِهاءٌ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ أوْ بِطَرِيقِ المَجازِ قَوْلانِ، وقالَ زُهَيْرٌ:

؎فَلَوْ كانَ حَمْدٌ يُخَلِّدُ النّاسَ لَمْ تَمُتْ …

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، الحَياءُ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن خَوْفِ ما يُعابُ بِهِ ويَذُمُّ، ومَحَلُّهُ الوَجْهُ، ومَنبَعُهُ مِنَ القَلْبِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ، وضِدُّهُ: القَحَةُ، والحَياءُ والِاسْتِحْياءُ والِانْخِزالُ والِانْقِماعُ والِانْقِلاعُ مُتَقارِبَةُ المَعْنى، فَتَنُوبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مَنابَ الأُخْرى. أنْ: حَرْفٌ ثُنائِيُّ الوَضْعِ يَنْسَبِكُ مِنهُ مَعَ الفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ مَصْدَرٌ، وعَمَلُهُ في المُضارِعِ النَّصْبَ إنْ كانَ مُعْرَبًا، والجَزْمُ بِها لُغَةٌ لِبَنِي صَباحٍ، وتُوصَلُ أيْضًا بِالماضِي المُتَصَرِّفِ، وذَكَرُوا أنَّها تُوصَلُ بِالأمْرِ، وإذا نَصَبَتِ المُضارِعَ فَلا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِشَيْءٍ. وأجازَ بَعْضُهُمُ الفَصْلَ بِالظَّرْفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ الفَصْلَ بَيْنَها وبَيْنَ مَعْمُولِها بِالشَّرْطِ. وأجازُوا أيْضًا إلْغاءَها وتَسْلِيطُ الشَّرْطِ عَلى ما كانَ يَكُونُ مَعْمُولًا لَها لَوْلاهُ، وأجازَ الفَرّاءُ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ مَعْمُولِها عَلَيْها، ومَنَعَهُ الجُمْهُورُ. وأحْكامُ ”أنْ“ المَوْصُولَةِ كَثِيرَةٌ، ويَكُونُ أيْضًا حَرْفَ تَفْسِيرٍ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، إذْ زَعَمُوا أنَّها لا تَأْتِي تَفْسِيرًا، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى التَّفْسِيرِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، إنْ شاءَ اللَّهُ - تَعالى - . وتَكُونُ ”أنْ“ أيْضًا زائِدَةً وتُطَّرَدُ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا، ولا تُفِيدُ إذْ ذاكَ غَيْرَ التَّوْكِيدِ، خِلافًا لِمَن زادَ عَلى ذَلِكَ أنَّها تُفِيدُ اتِّصالَ الفِعْلِ الواقِعِ جَوابًا بِالفِعْلِ الَّذِي زِيدَتْ قَبْلَهُ، وبَعْدَ القَسَمِ قَبْلَ لَوْ والجَوابِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها إذْ ذاكَ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ القَسَمِ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ إذا كانَ لَوْ والجَوابُ، ولا تَكُونُ ”أنْ“ لِلْمُجازاةِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، ولا بِمَعْنى إنِ المَكْسُورَةِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ خِلافًا لِلْفارِسِيِّ، ولا لِلنَّفْيِ، ولا بِمَعْنى إذْ، ولا بِمَعْنى لِئَلّا خِلافًا لِزاعِمِي ذَلِكَ. وأمّا أنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَحَرْفٌ ثُلاثِيُّ الوَضْعِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ أوَّلِ ما يُذْكَرُ، إنْ شاءَ اللَّهُ - تَعالى - . والضَّرْبُ: إمْساسُ جِسْمٍ بِجِسْمٍ بِعُنْفٍ ويُكَنّى بِهِ عَنِ السَّفَرِ في الأرْضِ ويَكُونُ بِمَعْنى الصُّنْعِ والِاعْتِمالِ. ورُوِيَ «ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خاتَمًا مِن ذَهَبٍ» .

والبَعُوضَةُ: واحِدُ البَعُوضِ، وهي طائِرٌ صَغِيرٌ جِدًّا مَعْرُوفٌ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ عَلى فُعُولٍ كالقُطُوعِ فَغُلِّبَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ البَعْضِ بِمَعْنى القَطْعِ. أمّا: حَرْفٌ، وفِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وبَعْضُهم يُعَبِّرُ عَنْها بِحَرْفِ تَفْصِيلٍ، …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾: يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والرَّفْعَ. فالنَّصْبُ مِن وجْهَيْنِ: إمّا عَلى الِاتِّباعِ، وإمّا عَلى القَطْعِ، أيْ أذُمُّ الَّذِينَ. والرَّفْعُ مِن وجْهَيْنِ: إمّا عَلى القَطْعِ، أيْ هُمُ الَّذِينَ، وإمّا عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ الخَبَرُ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . وعَلى هَذا الإعْرابِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ كَأنَّها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها إلّا عَلى بُعْدٍ، فالأوْلى مِن هَذا الإعْرابِ الأعارِيبُ الَّتِي ذَكَرْناها وأوْلاها الإتْباعُ، وتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةَ ذَمٍّ، وهي لازِمَةٌ، إذْ كُلُّ فاسِقٍ يَنْقُضُ العَهْدَ ويَقْطَعُ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ

واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ العَهْدِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وصِيَّةُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ وأمْرُهُ لَهم بِطاعَتِهِ، ونَهْيُهُ لَهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ المُرْسَلَةِ. ونَقْضُهم لَهُ تَرْكُهُمُ العَمَلَ بِهِ. الثّانِي: أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أخْرَجَهم مِن أصْلابِ آبائِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، ونَقْضُهم لَهُ: كُفْرُ بَعْضِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وبَعْضِهِمْ بِحُقُوقِ نِعْمَتِهِ. الثّالِثُ: ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ الإقْرارِ بِتَوْحِيدِهِ، والِاعْتِرافِ بِنِعَمِهِ، والتَّصْدِيقِ لِأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، وبِما جاءُوا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآيَةَ، ونَقْضُهم لَهُ نَبْذُهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وتَبْدِيلُ ما في كُتُبِهِمْ مِن وصْفِهِ ﷺ . الرّابِعُ: ما أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ ومُتَّبِعِيهِمْ أنْ لا يَكْفُرُوا بِاللَّهِ ولا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وأنْ يَنْصُرُوهُ ويُعَظِّمُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ، ونَقْضُهم لَهُ: إنْكارُهم لِنُبُوَّتِهِ وتَغْيِيرُهم لِصِفَتِهِ. الخامِسُ: إيمانُهم بِهِ ﷺ ورِسالَتِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ، ونَقْضُهم لَهُ جَحْدُهم لِنُبُوَّتِهِ ولِصِفَتِهِ. السّادِسُ: ما جَعَلَهُ في عُقُولِهِمْ مِنَ الحُجَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، بِالنَّظَرِ في المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ وصِدْقِهِ، ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، ونَقْضُهم هو تَرْكُهُمُ النَّظَرَ في ذَلِكَ وتَقْلِيدُهم لِآبائِهِمْ. السّابِعُ: الأمانَةُ المَعْرُوضَةُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي حَمَلَها الإنْسانُ، ونَقْضُهم تَرْكُهُمُ القِيامَ بِحُقُوقِها. الثّامِنُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ لا يَسْفِكُوا دِماءَهم ولا يُخْرِجُوا أنْفُسَهم مِن دِيارِهِمْ، ونَقْضُهم عَوْدُهم إلى ما نُهُوا عَنْهُ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ. التّاسِعُ: هو الإيمانُ والتِزامُ الشَّرائِعِ، ونَقْضُهُ كُفْرُهُ بَعْدَ الإيمانِ.

وهَذِهِ الأقْوالُ التِّسْعَةُ مِنها ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ في كُلِّ ناقِضٍ لِلْعَهْدِ، ومِنها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ، وهَذا الِاخْتِلافُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي وقَعَ في سَبَبِ النُّزُولِ، والعُمُومِ هو الظّاهِرُ. فَكُلُّ مَن نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ مِن مُسْلِمٍ وكافِرٍ ومُنافِقٍ أوْ مُشْرِكٍ أوْ كِتابِيٍّ تَناوَلَهُ هَذا الذَّمُّ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَنْقُضُونَ، وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ النَّقْضَ حَصَلَ عَقِيبَ تَوَثُّقِ العَهْدِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ …

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

﴿كَيْفَ﴾: قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنْ حالٍ، وصَحِبَهُ مَعْنى التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ، فَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ. وقِيلَ: صَحِبَهُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ، أيْ إنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ والتَّصَرُّفِ التّامِّ، والمَرْجِعُ إلَيْهِ آخِرًا فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ - لا يَلِيقُ أنْ يُكْفَرَ بِهِ. والإنْكارُ بِالهَمْزَةِ إنْكارٌ لِذاتِ الفِعْلِ، وبِكَيْفَ إنْكارٌ لِحالِهِ، وإنْكارُ حالِهِ إنْكارٌ لِذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ لا تَخْلُو مِن حالٍ يَقَعُ فِيها، فاسْتَلْزَمَ إنْكارُ الحالِ إنْكارَ الذّاتِ ضَرُورَةً، وهو أبْلَغُ، إذْ يَصِيرُ ذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ حَيْثُ قُصِدَ إنْكارُ الحالِ، والمَقْصُودُ إنْكارُ وُقُوعِ ذاتِ الكُفْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَحْرِيرُهُ أنَّهُ إذا أُنْكِرَ أنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ حالٌ يُوجَدُ عَلَيْها، وقَدْ عَلِمَ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا يَنْفَكُّ مِن حالٍ وصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهِ، ومُحالٌ أنْ يُوجَدَ تَغَيُّرُ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ - كانَ إنْكارًا لِوُجُودِهِ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. انْتَهى كَلامُهُ.

وهَذا الخِطابُ فِيهِ التِفاتٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ قَبْلُ كانَ بِصُورَةِ الغَيْبَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] إلى آخِرِهِ ؟ وفائِدَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّ الإنْكارَ إذا تَوَجَّهَ إلى المُخاطَبِ كانَ أبْلَغَ مَن تُوَجُّهِهِ إلى الغائِبِ؛ لِجَوازِ أنْ لا يَصِلَهُ الإنْكارُ، بِخِلافِ مَن كانَ مُخاطَبًا، فَإنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِ أرْدَعُ لَهُ عَنْ أنْ يَقَعَ فِيما أُنْكِرَ عَلَيْهِ. والنّاصِبُ لِكَيْفَ ﴿تَكْفُرُونَ﴾ وأتى بِصِيغَةِ (تَكْفُرُونَ) مُضارِعًا ولَمْ يَأْتِ بِهِ ماضِيًا، وإنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ وقَعَ مِنهم؛ لِأنَّ الَّذِي أُنْكِرَ أوْ تُعُجِّبَ مِنهُ الدَّوامُ عَلى ذَلِكَ، والمُضارِعُ هو المُشْعِرُ بِهِ، ولِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لِمَن وقَعَ مِنهُ الكُفْرُ ثُمَّ آمَنَ؛ إذْ لَوْ جاءَ كَيْفَ كَفَرْتُمْ ﴿بِاللَّهِ﴾ لانْدَرَجَ في ذَلِكَ مَن كَفَرَ ثُمَّ آمَنَ كَأكْثَرِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾: واوُ الحالِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ صَحَّ أنْ يَكُونَ حالًا، وهو ماضٍ ؟ ولا يُقالُ: جِئْتُ وقامَ الأمِيرُ، ولَكِنْ: وقَدْ قامَ، إلّا أنْ يُضْمَرَ قَدْ. قُلْتُ: لَمْ تَدْخُلِ الواوُ عَلى (كُنْتُمْ أمْواتًا) وحْدَهُ، ولَكِنْ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: كُنْتُمْ أمْواتًا إلى تَرْجِعُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وقِصَّتُكم هَذِهِ وحالُكم أنَّكم كُنْتُمْ أمْواتًا نُطَفًا في أصْلابِ آبائِكم فَجَعَلَكم أحْياءً ؟ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ ؟ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُحاسِبُكم ؟ انْتَهى كَلامُهُ. ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ عَلى إضْمارِ قَدْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، أيْ وقَدْ كُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم. والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ عِنْدَنا فِعْلِيَّةٌ. وأمّا أنْ نَتَكَلَّفَ ونَجْعَلَ تِلْكَ الجُمْلَةَ اسْمِيَّةً حَتّى نَفِرَّ مِن إضْمارِ قَدْ، فَلا نَذْهَبُ إلى ذَلِكَ، وإنَّما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى ذَلِكَ اعْتِقادُهُ أنَّ جَمِيعَ الجُمَلِ مُنْدَرِجَةٌ في الحالِ، ولِذَلِكَ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: بَعْضُ القِصَّةِ ماضٍ وبَعْضُها مُسْتَقْبَلٌ، والماضِي والمُسْتَقْبَلُ كِلاهُما لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ حالًا حَتّى يَكُونَ فِعْلًا حاضِرًا وقْتَ …

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

﴿هو الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾: مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرُ أنَّ مَن كانَ مُنْشِئًا لَكم بَعْدَ العَدَمِ، ومُفْنِيًا لَكم بَعْدَ الوُجُودِ، ومُوجِدًا لَكم ثانِيَةً، إمّا في جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ، كانَ جَدِيرًا أنْ يُعْبَدَ ولا يُجْحَدَ، ويُشْكَرَ ولا يُكْفَرَ. ثُمَّ أخَذَ يُذَكِّرُهم عَظِيمَ إحْسانِهِ وجَزِيلَ امْتِنانِهِ؛ مِن خَلْقِ جَمِيعِ ما في الأرْضِ لَهم، وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وتَصَرُّفِهِ في العالَمِ العُلْوِيِّ، وأنَّ العالَمَ العُلْوِيَّ والعالَمَ السُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى السَّواءِ، وأنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ. ولَفْظَةُ (هو) مِنَ المُضْمَراتِ، وُضِعَ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ الغائِبِ، وهو كُلِّيٌّ في الوَضْعِ كَسائِرِ المُضْمَراتِ، جَرى في النِّسْبَةِ المَخْصُوصَةِ حالَةَ الِاسْتِعْمالِ، فَما مِن مُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ غائِبٍ إلّا ويَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ (هو) ولَكِنْ إذا أُسْنِدَ لِهَذا الِاسْمِ شَيْءٌ تَعَيَّنَ. ومَشْهُورُ لُغاتِ العَرَبِ تَخْفِيفُ الواوِ مَفْتُوحَةً، وشَدَّدَتْها هَمْدانُ، وسَكَّنَتْها أسَدٌ وقَيْسٌ، وحَذْفُ الواوِ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ. ولِهَؤُلاءِ المَنسُوبِينَ إلى عِلْمِ الحَقائِقِ وإلى التَّصَوُّفِ كَلامٌ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَعْقُولِنا، رَأيْتُ أنْ أذْكُرَهُ هُنا لِيَقَعَ الذِّكْرُ فِيهِ.

قالُوا: أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُظْهَراتٌ، ومُضْمَراتٌ، ومُسْتَتِراتٌ؛ فالمُظْهَراتُ: أسْماءُ ذاتٍ وأسْماءُ صِفاتٍ، وهَذِهِ كُلُّها مُشْتَقَّةٌ، وأسْماءُ الذّاتِ مُشْتَقَّةٌ وهي كَثِيرَةٌ، وغَيْرُ المُشْتَقِّ واحِدٌ وهو اللَّهُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ، والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ أنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، بَلِ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ دالٌّ عَلى الذّاتِ. وأمّا المُضْمَراتُ فَأرْبَعَةٌ: (أنا) في مِثْلِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ [طه: ١٤]، و(أنْتَ) في مِثْلِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، و(هو) في مِثْلِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾، و(نَحْنُ) في مِثْلِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣] . قالُوا: فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَـ (اللَّهُ) أعْظَمُ أسْمائِهِ المُظْهَراتِ الدّالَّةِ عَلى الذّاتِ، ولَفْظَةُ (هو) مِن أعْظَمِ أسْمائِهِ المُظْهَراتِ والمُضْمَراتِ لِلدَّلالَةِ عَلى ذاتِهِ؛ لِأنَّ أسْماءَهُ المُشْتَقَّةَ كُلَّها لَفْظُها مُتَضَمِّنٌ جَوازَ الِاشْتِراكِ لِاجْتِماعِهِما في الوَصْفِ الخاصِّ، ولا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ أحَدُ الوَصْفَيْنِ حَقِيقَةً والآخَرُ مَجازًا مِنَ الِاشْتِراكِ، وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى يُنْبِئُ عَنْ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ المَخْصُوصَةِ المُبَرَّأةِ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الكَثْرَةِ مِن حَيْثُ هو هو. فَلَفْظَةُ (هو) تُوَصِّلُكَ إلى الحَقِّ، وتَقْطَعُكَ عَمّا سِواهُ، فَإنَّكَ لا بُدَّ أنْ يُشْرَكَ مَعَ النَّظَرِ في مَعْرِفَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ المُشْتَقُّ النَّظَرُ في مَعْرِفَةِ المَعْنى الَّذِي يُشْتَقُّ مِنهُ، وهَذا الِاسْمُ لِأجْلِ دَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ يَنْقَطِعُ مَعَهُ النَّظَرُ إلى ما سِواهُ. اخْتارَهُ الجِلَّةُ مِنَ المُقَرَّبِينَ مَدارًا لِذِكْرِهِمْ، ومَنارًا لِكُلِّ أمْرِهِمْ؛ فَقالُوا: يا هو؛ لِأنَّ لَفْظَةَ (هو) إشارَةٌ بِعَيْنِ المُشارِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْضُرَ هُناكَ شَيْءٌ سِوى ذَلِكَ الواحِدِ، والمُقَرَّبُونَ لا يَخْطُرُ في عُقُولِهِمْ وأرْواحِهِمْ مَوْجُودٌ آخَرُ سِوى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إشارَتُهُ، وهو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن حَرْفَيْنِ وهُما: الهاءُ والواوُ، والهاءُ أصْلٌ، والواوُ زائِدَةٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِها في …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] ﴿قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] .

إذْ: اسْمٌ ثُنائِيُّ الوَضْعِ مَبْنِيٌّ، لِشَبَهِهِ بِالحَرْفِ وضْعًا أوِ افْتِقارًا، وهو ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي، وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ أوْ فِعْلِيَّةٌ، وإذا كانَتْ فَعِلْيَةً قَبُحَ تَقْدِيمُ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ وإضافَتُهُ إلى المُصَدَّرَةِ بِالمُضارِعِ، وعَمَلُ المُضارِعِ فِيهِ مِمّا يَجْعَلُ المُضارِعَ ماضِيًا، وهو مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ إلّا أنْ يُضافَ إلَيْهِ زَمانٌ، ولا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، ولا حَرْفًا لِلتَّعْلِيلِ أوِ المُفاجَأةِ، ولا ظَرْفَ مَكانٍ، ولا زائِدَةً، خِلافًا لِزاعِمِي ذَلِكَ، ولَها أحْكامٌ غَيْرُ هَذا ذُكِرَتْ في النَّحْوِ. المَلَكُ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ وهو فَعَلٌ مِنَ المَلْكِ، وهو القُوَّةُ، ولا حَذْفَ فِيهِ، وجُمِعَ عَلى فَعائِلَةٍ شُذُوذًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وكَأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهُ مَلاكٌ عَلى وزْنِ فَعالٍ، وقَدْ جَمَعُوا فَعالًا المُذَكَّرَ والمُؤَنَّثَ عَلى فَعائِلَ قَلِيلًا. وقِيلَ: وزْنُهُ في الأصْلِ فَعْألٌ نَحْوَ شَمْألٍ ثُمَّ نَقَلُوا الحَرَكَةَ وحَذَفُوا، وقَدْ جاءَ فِيهِ مَلْأكٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعَأ، وعَلى هَذا تَكُونُ الهَمْزَةُ زائِدَةً في فاءِ الكَلِمَةِ وعَيْنِها، فَمِنهم مَن قالَ: الفاءُ لامٌ، والعَيْنُ هَمْزَةٌ، مِن لاكَ: إذا أرْسَلَ، وهي لُغَةٌ مَحْكِيَّةٌ، فَمَلَكٌ أصْلُهُ مَلْأكٌ، فَخُفِّفَ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ والحَذْفِ إلى فَعَلٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فَلَسْتَ لَإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ

فَجاءَ بِهِ عَلى الأصْلِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، واخْتارَهُ أبُو الفَتْحِ، ومَلائِكَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ مَفاعِلَةٌ. ومِنهم مَن قالَ: الفاءُ هَمْزَةٌ، والعَيْنُ لامٌ مِنَ الألُوكَةِ، وهي الرِّسالَةُ، فَيَكُونُ عَلى هَذا أصُلُهُ مَأْلُكًا، ويَكُونُ مَلْأكٌ مَقْلُوبًا، جُعِلَتْ فاؤُهُ مَكانَ عَيْنِهِ، وعَيْنُهُ مَكانَ فائِهِ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ في وزْنِهِ مَعْلًا. ومِنهم مَن قالَ: الفاءُ لامٌ والعَيْنُ واوٌ، مِن لاكَ الشَّيْءَ: أدارَهُ في فِيهِ، وصاحِبُ الرِّسالَةِ يُدِيرُها في فِيهِ، فَهو مَفَعْلٌ مِن ذَلِكَ، نَحْوَ: مَعاذٌ، ثُمَّ حَذَفُوا العَيْنَ تَخْفِيفًا. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ وزْنُهُ مَعْلًا، ومَلائِكَةٌ عَلى القَوْلِ مَفاعِلَةٌ، والهَمْزَةُ أُبْدِلَتْ مِن واوٍ كَما أُبْدِلَتْ في مَصائِبَ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المَلَكُ لا تَشْتَقُّ العَرَبُ فِعْلَهُ ولا تَصْرِفُهُ، وهو مِمّا فاتَ عِلْمُهُ. انْتَهى.

والتّاءُ في المَلائِكَةِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وقِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ ورَدَ بِغَيْرِ تاءٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎أنا خالِدٌ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلائِكُ

خَلِيفَةً: فَعِيلَةً، وفَعِيلَةٌ تَأْتِي بِمَعْنى الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ، كالعَلِيمِ، أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالنَّطِيحَةِ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. السَّفْكُ: الصَّبُّ والإراقَةُ، لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.