Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾؛ أيْ: كَسَرُوهم بِلا مُكْثٍ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ بِنَصْرِهِ؛ وتَأْيِيدِهِ؛ إجابَةً لِدُعائِهِمْ؛ وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ إلَخْ.. لِلْمُحافَظَةِ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: "غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ"؛ ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾؛ كانَ "إيشى"؛ أبُو داوُدَ؛ في عَسْكَرِ طالُوتَ؛ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سابِعَهُمْ؛ وكانَ صَغِيرًا؛ يَرْعى الغَنَمَ؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ؛ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ؛ فَجاءَ؛ وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ؛ قالَ لَهُ كُلٌّ مِنها: احْمِلْنا؛ فَإنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ؛ فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ؛ قِيلَ: لَمّا أبْطَأ عَلى أبِيهِ خَبَرُ إخْوَتِهِ في المَصافِّ؛ أرْسَلَ داوُدُ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ؛ فَأتاهم وهم في القِراعِ؛ وقَدْ بَرَزَ جالُوتُ بِنَفْسِهِ إلى البِرازِ؛ ولا يَكادُ يُبارِزُهُ أحَدٌ؛ وكانَ ظِلُّهُ مِيلًا؛ فَقالَ داوُدُ لِإخْوَتِهِ: أما فِيكم مَن يَخْرُجُ إلى هَذا الأقْلَفِ؟ فَزَجَرُوهُ؛ فَنَحا ناحِيَةً أُخْرى؛ لَيْسَ فِيها إخْوَتُهُ؛ وقَدْ مَرَّ بِهِ طالُوتُ وهو يُحَرِّضُ النّاسَ عَلى القِتالِ؛ فَقالَ لَهُ داوُدُ: ما تَصْنَعُونَ بِمَن يَقْتُلُ هَذا الأقْلَفَ؟ قالَ طالُوتُ: أُنْكِحُهُ بِنْتِي؛ وأُعْطِيهِ شَطْرَ مَمْلَكَتِي؛ فَبَرَزَ لَهُ داوُدُ؛ فَرَماهُ بِما مَعَهُ مِنَ الأحْجارِ؛ بِالمِقْلاعِ؛ فَأصابَهُ في صَدْرِهِ؛ فَنَفَذَ الأحْجارُ مِنهُ؛ وقَتَلَتْ بَعْدَهُ ناسًا كَثِيرًا؛ وقِيلَ: إنَّما كَلَّمَتْهُ الأحْجارُ عِنْدَ بُرُوزِهِ لِجالُوتَ؛ في المَعْرَكَةِ؛ فَأنْجَزَ لَهُ طالُوتُ ما وعَدَهُ؛ وقِيلَ: إنَّهُ حَسَدَهُ؛ وأخْرَجَهُ مِن مَمْلَكَتِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَهُ؛ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ إلى أنْ قُتِلَ؛ ومُلِّكَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأُعْطِيَ النُّبُوَّةَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ أيْ: مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ في مَشارِقِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ؛ ومَغارِبِها؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ؛ ولَمْ يَجْتَمِعْ في بَنِي إسْرائِيلَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ قَبْلَهُ؛ إلّا لَهُ؛ بَلْ كانَ المُلْكُ في سِبْطٍ؛ والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ آخَرَ؛ وما اجْتَمَعُوا قَبْلَهُ عَلى مَلِكٍ قَطُّ؛ ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِمّا يَشاءُ اللَّهُ (تَعالى) تَعْلِيمَهُ إيّاهُ؛ لا مِمّا يَشاءُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ كَما قِيلَ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما عَلَّمَهُ (تَعالى) إيّاهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ؛ ولا يَقَعُ في أُمْنِيَّةِ بَشَرٍ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن طَلَبِهِ؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كالسَّرْدِ بِإلانَةِ الحَدِيدِ؛ ومَنطِقِ الطَّيْرِ؛ والدَّوابِّ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ؛ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾؛ الَّذِينَ يُباشِرُونَ الشَّرَّ والفَسادَ؛ ﴿بِبَعْضٍ﴾؛ آخَرَ مِنهُمْ؛ بِرَدِّهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ بِما قَدَّرَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ القَتْلِ؛ كَما في القِصَّةِ المَحْكِيَّةِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وقُرِئَ: "دِفاعُ اللَّهِ"؛ عَلى أنَّ صِيغَةَ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ؛ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾؛ وبَطَلَتْ مَنافِعُها؛ وتَعَطَّلَتْ مَصالِحُها؛ مِنَ الحَرْثِ؛ والنَّسْلِ؛ وسائِرِ ما يَعْمُرُ الأرْضَ؛ ويُصْلِحُها؛ وقِيلَ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِعَيْثِهِمْ؛ وقَتْلِهِمُ المُسْلِمِينَ؛ أوْ: لَوْ لَمْ يَدْفَعْهم بِالمُسْلِمِينَ لَعَمَّ الكُفْرُ؛ ونَزَلَتِ السَّخْطَةُ؛ فاسْتُؤْصِلَ أهْلُ …

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

﴿تِلْكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ؛ وخَبَرِ طالُوتَ؛ عَلى التَّفْصِيلِ المَرْقُومِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ؛ ﴿آياتُ اللَّهِ﴾؛ المُنْزَلَةُ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إمّا حالٌ مِنَ الآياتِ؛ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ؛ وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "نَتْلُوها"؛ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِاليَقِينِ؛ الَّذِي لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وأرْبابِ التَّوارِيخِ؛ لِما يَجِدُونَها مُوافِقَةً لِما في كُتُبِهِمْ؛ أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ والصِّدْقِ؛ ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى الأُمَمِ؛ لِتَبْلِيغِ رِسالاتِنا؛ وإجْراءِ أوامِرِنا؛ وأحْكامِنا عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ هَذِهِ المُعامَلَةَ لا تَجْرِي بَيْنَنا وبَيْنَ غَيْرِهِمْ؛ فَهي شَهادَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِرِسالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ إثْرَ بَيانِ ما يَسْتَوْجِبُها؛ والتَّأْكِيدُ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ الجاحِدِينَ بِها.

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾: اسْتِئْنافٌ فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أفاضِلِ الرُّسُلِ؛ العِظامِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ؛ والإشارَةُ إلى الجَماعَةِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فاللّامُ في المَآلِ لِلِاسْتِغْراقِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ؛ وقِيلَ: إلى الَّذِينَ ثَبَتَ عِلْمُهُ ﷺ بِهِمْ؛ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾؛ في مَراتِبِ الكَمالِ؛ بِأنْ خَصَصْناهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا؛ بِمَآثِرَ جَلِيلَةٍ؛ خَلا عَنْها غَيْرُهُ؛ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾: تَفْصِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ إجْمالًا؛ أيْ: فَضَّلَهُ بِأنْ كَلَّمَهُ (تَعالى) بِغَيْرِ سَفِيرٍ؛ وهو مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ حَيْثُ كَلَّمَهُ (تَعالى) لَيْلَةَ الخِيَرَةِ؛ وفي الطُّورِ؛ وقُرِئَ: "كَلَّمَ اللَّهَ"؛ بِالنَّصْبِ؛ وقُرِئَ: "كالَمَ اللَّهَ"؛ مِن "المُكالَمَةُ"؛ فَإنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ (تَعالى)؛ كَما أنَّهُ (تَعالى) كَلَّمَهُ؛ ويُؤَيِّدُهُ: "كَلِيمُ اللَّهِ"؛ بِمَعْنى "مُكالِمُهُ"؛ وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والرَّمْزِ إلى ما بَيْنَ التَّكْلِيمِ؛ والرَّفْعِ؛ وبَيْنَ ما سَبَقَ مِن مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ؛ وما لَحِقَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ؛ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ؛ مِنَ التَّفاوُتِ؛ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾؛ أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ؛ المُتَفاوِتِينَ في مَعارِجِ الفَضْلِ بِدَرَجاتٍ قاصِيَةٍ؛ ومَراتِبَ نائِيَةٍ؛ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِتَرْبِيَةِ ما بَيْنَهم مِنَ اخْتِلافِ الحالِ في دَرَجاتِ الشَّرَفِ؛ والظّاهِرُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإخْبارُ بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في قُوَّةِ بَعْضِهِمْ؛ فَإنَّهُ قَدْ خُصَّ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ؛ والحُجَجِ الجَمَّةِ؛ والمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ؛ والآياتِ المُتَعاقِبَةِ بِتَعاقُبِ الدُّهُورِ؛ والفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ؛ والعَمَلِيَّةِ؛ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ. والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ؛ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العَلَمُ الفَرْدُ؛ الغَنِيُّ عَنِ التَّعْيِينِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ حَيْثُ خَصَّهُ (تَعالى) بِكَرامَةِ الخُلَّةِ؛ وقِيلَ: إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَيْثُ رَفَعَهُ مَكانًا عَلِيًّا؛ وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾؛ الآياتِ الباهِرَةَ؛ والمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةَ؛ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ وإبْراءِ الأكْمَهِ؛ والأبْرَصِ؛ والإخْبارِ بِالمَغِيباتِ؛ أوْ: الإنْجِيلَ؛ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾؛ أيْ: قَوَّيْناهُ؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ بِضَمِّ الدّالِ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ أيْ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "رَجُلُ صِدْقٍ"؛ وهي رُوحُ عِيسى؛ وإنَّما وُصِفَتْ بِالقُدُسِ لِلْكَرامَةِ؛ أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ؛ والأرْحامُ الطَّوامِثُ؛ وقِيلَ: بِجِبْرِيلَ؛ وقِيلَ: بِالإنْجِيلِ؛ كَما مَرَّ؛ وإفْرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما ذُكِرَ لِرَدِّ ما بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّفْرِيطِ؛ والإفْراطِ؛ والآيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَفاوِتَةُ الأقْدارِ؛ فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ ولَكِنْ بِقاطِعٍ؛ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: جاؤُوا مِن …

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾؛ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ: شَيْئًا مِمّا رَزَقْناكُمُوهُ؛ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ عائِدُها؛ والتَّعَرُّضُ لِوُصُولِهِ مِنهُ (تَعالى) لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾؛ والمُرادُ بِهِ الإنْفاقُ الواجِبُ؛ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ؛ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾: كَلِمَةُ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ أُخْتُها؛ ولا ضَيْرَ فِيهِ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما؛ فَإنَّ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ؛ وهَذِهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ أيْ: أنْفِقُوا بَعْضَ ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ عَلى تَلافِي ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ إذْ لا تَبايُعَ فِيهِ حَتّى تَتَبايَعُوا ما تُنْفِقُونَهُ؛ أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ ولا خُلَّةٌ حَتّى يُسامِحَكم بِهِ أخِلّاؤُكُمْ؛ أوْ يُعِينُوكم عَلَيْهِ؛ ولا شَفاعَةٌ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ؛ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا؛ حَتّى تَتَوَسَّلُوا بِشُفَعاءَ يَشْفَعُونَ لَكم في حَطِّ ما في ذِمَّتِكُمْ؛ وإنَّما رُفِعَتِ الثَّلاثَةُ؛ مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ؛ لِأنَّها في التَّقْدِيرِ جَوابُ "هَلْ فِيهِ بَيْعٌ؛ أوْ خُلَّةٌ؛ أوْ شَفاعَةٌ؟"؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الكُلِّ؛ ﴿والكافِرُونَ﴾؛ أيْ: والتّارِكُونَ لِلزَّكاةِ؛ وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِلتَّغْلِيظِ؛ والتَّهْدِيدِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾؛ مَكانَ "وَمَن لَمْ يَحُجَّ"؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ .

﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ؛ ووَضَعُوا المالَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وصَرَفُوهُ إلى غَيْرِ وجْهِهِ.

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ لا غَيْرُ؛ وفي إضْمارِ خَبَرِ "لا" - مِثْلَ "فِي الوُجُودِ"؛ أوْ "يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ" -؛ خِلافٌ لِلنُّحاةِ مَعْرُوفٌ؛ الحَيُّ: الباقِي؛ الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ؛ والفَناءِ؛ وهو إمّا خَبَرٌ ثانٍ؛ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أوْ بَدَلٌ مِن "لا إلَهَ إلّا هُوَ"؛ أوْ بَدَلٌ مِن "اللَّهُ"؛ أوْ صِفَةٌ لَهُ؛ ويَعْضُدُهُ القِراءَةُ بِالنَّصْبِ؛ عَلى المَدْحِ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالنَّعْتِ؛ ﴿القَيُّومُ﴾؛ فَيَعُولُ مَن قامَ بِالأمْرِ إذا حَفِظَهُ؛ أيْ: دائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ؛ وحِفْظِهِ؛ وقِيلَ: هُوَ القائِمُ بِذاتِهِ؛ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ؛ ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾: "السِّنَةُ": ما يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ مِنَ الفُتُورِ؛ قالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاعِ العامِلِيُّ:

؎ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ

والنَّوْمُ حالَةٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ؛ مِنَ اسْتِرْخاءِ أعْصابِ الدِّماغِ؛ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ؛ بِحَيْثُ تَقِفُ المَشاعِرُ الظّاهِرَةُ عَنِ الإحْساسِ رَأْسًا؛ والمُرادُ بَيانُ انْتِفاءِ اعْتِراءِ شَيْءٍ مِنهُما لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِعَدَمِ كَوْنِهِما مِن شَأْنِهِ (تَعالى)؛ لا لِأنَّهُما قاصِرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُوَّةِ الإلَهِيَّةِ؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن مَقامِ التَّنْزِيهِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى حَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ؛ والتَّرَقِّي؛ بِناءً عَلى أنَّ القادِرَ عَلى دَفْعِ السِّنَةِ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ النَّوْمِ القَوِيِّ؛ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ يَقِظٌ؛ لا تَغْلِبُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ"؛ وإنَّما تَأْخِيرُ النَّوْمِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ؛ وتَوْسِيطُ كَلِمَةِ "لا" لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ لِكُلٍّ مِنهُما؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾؛ الآيَةِ.. وأمّا التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِراءِ والعُرُوضِ بِعَدَمِ الأخْذِ فَلِمُراعاةِ الواقِعِ؛ إذْ عُرُوضُ السِّنَةِ والنَّوْمِ لِمَعْرُوضِهِما إنَّما يَكُونُ بِطَرِيقِ الأخْذِ؛ والِاسْتِيلاءِ؛ وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّكْمِيلِ؛ والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها؛ مِن كَوْنِهِ (تَعالى) حَيًّا؛ قَيُّومًا؛ فَإنَّ مَن يَعْتَرِيهِ أحَدُهُما يَكُونُ مَؤُوفَ الحَياةِ؛ قاصِرًا في الحِفْظِ؛ والتَّدْبِيرِ؛ وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ؛ وقِيلَ: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في "القَيُّومُ"؛ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾: تَقْرِيرٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ (تَعالى)؛ واحْتِجاجٌ بِهِ عَلى تَفَرُّدِهِ في الأُلُوهِيَّةِ؛ والمُرادُ بِما فِيهِما: ما هو أعَمُّ مِن أجْزائِهِما الدّاخِلَةِ فِيهِما؛ ومِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُما؛ المُتَمَكِّنَةِ فِيهِما؛ مِنَ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾: بَيانٌ لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ؛ وأنَّهُ لا يُدانِيهِ أحَدٌ لِيَقْدِرَ عَلى تَغْيِيرِ ما يُرِيدُهُ؛ شَفاعَةً؛ وضَراعَةً؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُدافِعَهُ عِنادًا؛ أوْ مُناصَبَةً؛ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾؛ أيْ: ما قَبْلَهُمْ؛ وما بَعْدَهُمْ؛ أوْ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّكَ مُسْتَقْبِلُ المُسْتَقْبَلِ؛ ومُسْتَدْبِرُ الماضِي؛ أوْ: أُمُورَ الدُّنْيا؛ وأُمُورَ الآخِرَةِ؛ أوْ بِالعَكْسِ؛ أوْ ما يُحِسُّونَهُ؛ وما يَعْقِلُونَهُ؛ أوْ ما يُدْرِكُونَهُ؛ وما لا يُدْرِكُونَهُ؛ والضَّمِيرُ لِـ "ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ"؛ بِتَغْلِيبِ ما …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ جاءَ بِها إثْرَ بَيانِ تَفَرُّدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ؛ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وحْدَهُ؛ إيذانًا بِأنَّ مِن حَقِّ العاقِلِ ألّا يَحْتاجَ إلى التَّكْلِيفِ؛ والإلْزامِ؛ بَلْ يَخْتارُ الدِّينَ الحَقَّ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ؛ وتَلَعْثُمٍ؛ وقِيلَ: هو خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ أيْ: لا تُكْرِهُوا في الدِّينِ؛ فَقِيلَ: مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ وقِيلَ: خاصٌّ بِأهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ حَصَّنُوا أنْفُسَهم بِأداءِ الجِزْيَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِأنْصارِيٍّ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ ابْنانِ؛ قَدْ تَنَصَّرا قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ؛ ثُمَّ قَدِما المَدِينَةَ فَلَزِمَهُما أبُوهُما؛ وقالَ: واللَّهِ لا أدَعُكُما حَتّى تُسْلِما؛ فَأبَيا؛ فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ؛ فَخَلّاهُما؛ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾: اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ؛ صُدِّرَ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أيْ: إذْ قَدْ تَبَيَّنَ - بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِهِ (تَعالى) الَّتِي يَمْتَنِعُ تَوَهُّمُ اشْتِراكِ غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنها - الإيمانُ؛ الَّذِي هو الرُّشْدُ؛ المُوصِلُ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ؛ مِنَ الكُفْرِ؛ الَّذِي هو الغَيُّ؛ المُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ؛ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾: هُوَ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "الطُّغْيانُ"؛ كَـ "المَلَكُوتُ"؛ و"الجَبَرُوتُ"؛ قُلِبَ مَكانُ عَيْنِهِ؛ ولامِهِ؛ فَقِيلَ: هو في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفارِسِيُّ؛ وقِيلَ: اسْمُ جِنْسٍ؛ مُفْرَدٌ؛ مُذَكَّرٌ؛ وإنَّما الجَمْعُ؛ والتَّأْنِيثُ؛ لِإرادَةِ "الآلِهَةُ"؛ وهو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ وقِيلَ: هو جَمْعٌ؛ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ؛ وقِيلَ: يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ؛ والجَمْعُ؛ والتَّذْكِيرُ؛ والتَّأْنِيثُ؛ أيْ: فَمَن يَعْمَلْ إثْرَ ما تَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ بِمُوجِبِ الحُجَجِ الواضِحَةِ؛ والآياتِ البَيِّنَةِ؛ ويَكْفُرْ بِالشَّيْطانِ؛ أوْ بِالأصْنامِ؛ أوْ بِكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ صَدَّ عَنْ عِبادَتِهِ؛ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ كَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ؛ ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ لِما شاهَدَ مِن نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وتَقْدِيمُ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى الإيمانِ بِهِ (تَعالى) لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾؛ أيْ: بالَغَ في التَّمَسُّكِ بِها؛ كَأنَّهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ؛ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الزِّيادَةَ فِيهِ؛ والثَّباتَ عَلَيْهِ؛ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾: "الفَصْمُ": "الكَسْرُ بِغَيْرِ إبانَةٍ"؛ كَما أنَّ "القَصْمُ" هو "الكَسْرُ بِإبانَةٍ"؛ ونَفْيُ الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الثّانِي بِالأوْلَوِيَّةِ؛ والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها مِن وثاقَةِ العُرْوَةِ؛ وإمّا حالٌ مِن "العُرْوَةِ"؛ والعامِلُ "اسْتَمْسَكَ"؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "الوُثْقى"؛ و"لَها" في حَيِّزِ الخَبَرِ؛ أيْ: كائِنٌ لَها؛ والكَلامُ تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ العَقْلِيَّةِ؛ المُنْتَزَعَةِ مِن مُلازَمَةِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ؛ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أصْلًا؛ لِثُبُوتِهِ بِالبَراهِينِ النَّيِّرَةِ القَطْعِيَّةِ؛ بِالهَيْئَةِ الحِسِّيَّةِ؛ …

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: مُعِينُهُمْ؛ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورِهِمْ؛ والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ ثَبَتَ في عِلْمِهِ (تَعالى) إيمانُهم في الجُمْلَةِ؛ مَآلًا؛ أوْ حالًا؛﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: تَفْسِيرٌ لِلْوِلايَةِ؛ أوْ خَبَرٌ ثانٍ؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "وَلِيُّ"؛ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾؛ الَّتِي هي أعَمُّ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ؛ والمَعاصِي؛ وظُلُماتِ الشُّبَهِ؛ بَلْ مِمّا في بَعْضِ مَراتِبِ العُلُومِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ؛ مِن نَوْعِ ضَعْفٍ؛ وخَفاءٍ؛ بِالقِياسِ إلى مَراتِبِها القَوِيَّةِ؛ الجَلِيَّةِ؛ بَلْ مِمّا في جَمِيعِ مَراتِبِها؛ بِالنَّظَرِ إلى مَرْتَبَةِ العِيانِ؛ كَما سَتَعْرِفُهُ؛ ﴿إلى النُّورِ﴾؛ الَّذِي يَعُمُّ نُورَ الإيمانِ؛ ونُورَ الإيقانِ؛ بِمَراتِبِهِ؛ ونُورَ العِيانِ؛ أيْ: يُخْرِجُ بِهِدايَتِهِ؛ وتَوْفِيقِهِ؛ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها؛ إلى ما يُقابِلُها مِنَ النُّورِ؛ وإفْرادُ النُّورِ لِوَحْدَةِ الحَقِّ؛ كَما أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِتَعَدُّدِ فُنُونِ الضَّلالِ؛ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ ثَبَتَ في عِلْمِهِ (تَعالى) كُفْرُهُمْ؛ ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾؛ أيْ: الشَّياطِينُ؛ وسائِرُ المُضِلِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ؛ فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ؛ و"أوْلِياؤُهُمْ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ و"الطّاغُوتُ" خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ وضْعِ الطّاغُوتِ في مُقابَلَةِ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ مَعَ الإيماءِ إلى التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ حَتّى مِن جِهَةِ التَّعْبِيرِ أيْضًا؛ ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾؛ بِالوَساوِسِ؛ وغَيْرِها مِن طُرُقِ الإضْلالِ؛ والإغْواءِ؛ ﴿مِنَ النُّورِ﴾؛ الفِطْرِيِّ؛ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ النّاسُ كافَّةً؛ أوْ: مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَنْزِيلِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاسْتِضاءَةِ بِها مَنزِلَةَ نَفْسِها؛ ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾؛ ظُلُماتِ الكُفْرِ؛ والِانْهِماكِ في الغَيِّ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ؛ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِوِلايَةِ الطّاغُوتِ؛ أوْ خَبَرٌ ثانٍ؛ كَما مَرَّ؛ وإسْنادُ الإخْراجِ مِن حَيْثُ السَّبَبِيَّةُ إلى الطّاغُوتِ لا يَقْدَحُ في اسْتِنادِهِ مِن حَيْثُ الخَلْقُ؛ إلى قدرته - سُبْحانَهُ -؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ القَبائِحِ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: مُلابِسُوها؛ ومُلازِمُوها؛ بِسَبَبِ ما لَهم مِنَ الجَرائِمِ؛ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ ماكِثُونَ أبَدًا.

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾: اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾؛ كَما أنَّ ما بَعْدَهُ اسْتِشْهادٌ عَلى وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقْرِيرٌ لَها؛ وإنَّما بُدِئَ بِهَذا لِرِعايَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَدْلُولِهِ؛ ولِاسْتِقْلالِهِ بِأمْرٍ عَجِيبٍ؛ حَقِيقٍ بِأنْ يُصَدَّرَ بِهِ المَقالُ؛ وهو اجْتِراؤُهُ عَلى المُحاجَّةِ في اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وما أتى بِها في أثْنائِها مِنَ العَظِيمَةِ؛ المُنادِيَةِ بِكَمالِ حَماقَتِهِ؛ ولِأنَّ فِيما بَعْدَهُ تَعَدُّدًا وتَفْصِيلًا يُورِثُ تَقْدِيمُهُ انْتِشارَ النَّظْمِ؛ عَلى أنَّهُ قَدْ أُشِيرَ في تَضاعِيفِهِ إلى هِدايَةِ اللَّهِ (تَعالى) أيْضًا؛ بِواسِطَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ ما يُحْكى عَنْهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ؛ وإدْحاضِ حُجَّةِ الكُفّارِ؛ مِن آثارِ وِلايَتِهِ (تَعالى)؛ وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ النَّفْيِ؛ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ؛ أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ؟ أوْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى هَذا الطّاغُوتِ المارِدِ؛ كَيْفَ تَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإخْراجِهِمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ؟ أيْ: قَدْ تَحَقَّقَتِ الرُّؤْيَةُ؛ وتَقَرَّرَتْ بِناءً عَلى أنَّ أمْرَهُ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ؛ فَظَهَرَ أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ تَشْرِيفٌ لَهُ؛ وإيذانٌ بِتَأْيِيدِهِ في المُحاجَّةِ؛ ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾؛ أيْ: لِأنْ آتاهُ إيّاهُ؛ حَيْثُ أبْطَرَهُ ذَلِكَ؛ وحَمَلَهُ عَلى المُحاجَّةِ؛ أوْ حاجَّهُ لِأجْلِهِ؛ وضْعًا لِلْمُحاجَّةِ - الَّتِي هي أقْبَحُ وُجُوهِ الكُفْرِ - مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ؛ كَما يُقالُ: "عادَيْتَنِي لِأنْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ"؛ أوْ: وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ؛ وهو حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ لِلْكافِرِ؛ ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: ظَرْفٌ لِـ "حاجَّ"؛ أوْ بَدَلٌ مِن "آتاهُ"؛ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ؛ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾؛ بِفَتْحِ ياءِ "رَبِّيَ"؛ وقُرِئَ بِحَذْفِها؛ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا كَسَرَ الأصْنامَ سَجَنَهُ؛ ثُمَّ أخْرَجَهُ؛ فَقالَ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؟ قالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي؛ ويُمِيتُ؛ أيْ: يَخْلُقُ الحَياةَ؛ والمَوْتَ؛ في الأجْسادِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ حاجَّهُ في هَذِهِ المَقالَةِ القَوِيَّةِ الحَقَّةِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ دَعا بِرَجُلَيْنِ؛ فَقَتَلَ أحَدَهُما؛ وأطْلَقَ الآخَرَ؛ فَقالَ ذَلِكَ؛ ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إبْراهِيمُ لِمَن في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ الحَماقَةِ؟ وبِماذا أفْحَمَهُ؟ فَقِيلَ: قالَ" فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ "؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾؛ إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى مِثْلِ مَقْدُوراتِهِ (تَعالى)؛ لَمْ يَلْتَفِتْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى إبْطالِ مَقالَةِ اللَّعِينِ؛ إيذانًا بِأنَّ بُطْلانَها مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ؛ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ وأنَّ التَّصَدِّيَ لِإبْطالِها مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ؛ وأتى بِمِثالٍ لا يَجِدُ اللَّعِينَ فِيهِ مَجالًا لِلتَّمْوِيهِ؛ والتَّلْبِيسِ؛ …

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾: اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذُكِرَ مِن وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وتَقْرِيرٌ لَهُ؛ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ؛ وإيثارُ "أوْ" الفارِقَةِ عَلى الواوِ الجامِعَةِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحادِ المُسْتَشْهَدِ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ والكافِ إمّا اسْمِيَّةٌ؛ كَما اخْتارَهُ قَوْمٌ؛ جِيءَ بِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ؛ وعَدَمِ انْحِصارِها فِيما ذُكِرَ؛ كَما في قَوْلِكَ: "الفِعْلُ الماضِي مِثْلُ نَصَرَ"؛ وإمّا زائِدَةٌ؛ كَما ارْتَضاهُ آخَرُونَ؛ والمَعْنى: أوَلَمْ تَرَ إلى مِثْلِ الَّذِي؛ أوْ إلى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ؛ كَيْفَ هَداهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الِاشْتِباهِ؛ إلى نُورِ العِيانِ؛ والشُّهُودِ؟ أيْ: قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ؛ وشاهَدْتَ؛ فَإذَنْ لا رَيْبَ في أنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.. إلَخْ.. هَذا.. وأمّا جَعْلُ الهَمْزَةِ لِمُجَرَّدِ التَّعْجِيبِ - عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى في الأوَّلِ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى الَّذِي حاجَّ.. إلَخْ.. أيْ: انْظُرْ إلَيْهِ؛ وتَعَجَّبْ مِن أمْرِهِ؛ وفي الثّانِي: أوْ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي مَرَّ.. إلَخْ.. إيذانًا بِأنَّ حالَهُ؛ وما جَرى عَلَيْهِ؛ في الغَرابَةِ؛ بِحَيْثُ لا يُرى لَهُ مِثْلٌ؛ كَما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الجُمْهُورِ - فَغَيْرُ خَلِيقٍ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ؛ وفَخامَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ؛ فَتَدَبَّرْ. والمارُّ هو عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيا؛ قالَهُ قَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَزِيدَ؛ والضَّحّاكُ؛ والسُّدِّيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وقِيلَ: هو أرْمِيا بْنُ حَلْقِيا؛ مِن سِبْطِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَهُ وهْبٌ؛ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ؛ وقِيلَ: أرْمِيا هو الخَضِرُ بِعَيْنِهِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "كانَ المارُّ رَجُلًا كافِرًا بِالبَعْثِ؛ وهو بَعِيدٌ؛ والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ"؛ قالَهُ وهْبٌ؛ وعِكْرِمَةُ؛ والرَّبِيعُ؛ وقِيلَ: هي دَيْرُ هِرَقْلَ؛ عَلى شَطِّ دِجْلَةَ؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: هي دَيْرُ سابِرَ آبادَ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: هي دِيارُ سَلْما بادَ؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ والأشْهَرُ؛ رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا بالَغُوا في تَعاطِي الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ وجاوَزُوا في العُتُوِّ؛ والطُّغْيانِ؛ كُلَّ حَدٍّ مُعْتادٍ؛ سَلَّطَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ؛ فَسارَ إلَيْهِمْ في سِتِّمائَةِ ألْفِ رايَةٍ؛ حَتّى وطِئَ الشّامَ؛ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ؛ وجَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ أثْلاثًا؛ ثُلُثٌ مِنهم قَتَلَهُمْ؛ وثُلُثٌ مِنهم أقَرَّهم بِالشّامِ؛ وثُلُثٌ مِنهم سَباهُمْ؛ وكانُوا مِائَةَ ألْفِ غُلامٍ؛ يافِعٍ؛ وغَيْرِ يافِعٍ؛ فَقَسَمَهم بَيْنَ المُلُوكِ؛ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ؛ فَأصابَ كُلُّ مَلِكٍ مِنهم أرْبَعَةَ غِلْمَةٍ؛ وكانَ عُزَيْرٌ مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَلَمّا نَجّاهُ اللَّهُ (تَعالى) مِنهُمْ؛ بَعْدَ حِينِ؛ مَرَّ بِحِمارِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ فَرَآهُ عَلى أفْظَعِ مَرْأًى؛ وأوْحَشِ مَنظَرٍ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾؛ أيْ: ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها؛ بِأنْ سَقَطَتِ العُرُوشُ؛ ثُمَّ الحِيطانُ؛ مِن "خَوى البَيْتُ"؛ إذا سَقَطَ؛ أوْ مِن "خَوَتِ الأرْضُ"؛ أيْ: تَهَدَّمَتْ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "مَرَّ"؛ أوْ مِن "قَرْيَةٍ"؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ مُطْلَقًا؛ قالَ؛ أيْ: تَلَهُّفًا عَلَيْها؛ وتَشَوُّقًا إلى عِمارَتِها؛ مَعَ اسْتِشْعارِ اليَأْسِ عَنْها؛ ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾؛ وهي عَلى ما يَرى مِنَ الحالَةِ العَجِيبَةِ؛ المُبايِنَةِ لِلْحَياةِ؛ …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: دَلِيلٌ آخَرُ عَلى وِلايَتِهِ (تَعالى) لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإخْراجِهِ لَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ وإنَّما لَمْ يَسْلُكْ بِهِ مَسْلَكَ الِاسْتِشْهادِ كَما قَبْلَهُ؛ بِأنْ يُقالَ: أوْ كالَّذِي قالَ: رَبِّ.. إلَخْ.. لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أثْناءِ المُحاجَّةِ؛ ولِأنَّهُ لا دَخْلَ لِنَفْسِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أصْلِ الدَّلِيلِ؛ كَدَأْبِ عُزَيْرٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإنَّ ما جَرى عَلَيْهِ مِن إحْيائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ؛ مِن جُمْلَةِ الشَّواهِدِ عَلى قدرته (تَعالى)؛ وهِدايَتِهِ؛ والظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بِمُضْمَرٍ؛ صُرِّحَ بِمِثْلِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وما وقَعَ حِينَئِذٍ مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِتَقِفَ عَلى ما مَرَّ مِن وِلايَتِهِ (تَعالى)؛ وهِدايَتِهِ. وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الواقِعاتِ؛ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالتَّذْكِيرِ؛ لِما ذُكِرَ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها مُفَصَّلَةً؛ فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها؛ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْها شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ أوْ لَمْ يُذْكَرْ؛ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا؛ "رَبِّ" كَلِمَةُ اسْتِعْطافٍ؛ قُدِّمَتْ بَيْنَ يَدَيِ الدُّعاءِ مُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ الإجابَةِ؛ "أرِنِي"؛ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ؛ وبِدُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ طَلَبَتْ مَفْعُولًا آخَرَ؛ هو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ؛ المُعَلِّقَةُ لَها؛ فَإنَّها تُعَلَّقُ؛ كَما يُعَلَّقُ النَّظَرُ البَصَرِيُّ؛ أيْ: اجْعَلْنِي مُبْصِرًا؛ ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾؛ بِأنْ تُحْيِيَها وأنا أنْظُرُ إلَيْها؛ و"كَيْفَ" في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ؛ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وبِالحالِ؛ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ والعامِلُ فِيها "تُحْيِي"؛ أيْ: في أيِّ حالٍ؛ أوْ: عَلى أيِّ حالٍ تُحْيِي؛ قالَ القُرْطُبِيُّ: الِاسْتِفْهامُ بِـ "كَيْفَ" إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ حالِ شَيْءٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ؛ والمَسْؤُولِ؛ فالِاسْتِفْهامُ هَهُنا عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ المُتَقَرِّرِ عِنْدَ السّائِلِ؛ أيْ: بَصِّرْنِي كَيْفِيَّةَ إحْيائِكَ لِلْمَوْتى؛ وإنَّما سَألَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَتَأيَّدَ إيقانُهُ بِالعِيانِ؛ ويَزْدادَ قَلْبُهُ اطْمِئْنانًا عَلى اطْمِئْنانٍ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ نَمْرُودَ لَمّا قالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إنَّ إحْياءَ اللَّهِ (تَعالى) بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ"؛ فَقالَ نَمْرُودُ: هَلْ عايَنْتَهُ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يَقُولَ: نَعَمْ؛ فانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرٍ آخَرَ؛ ثُمَّ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ ذَلِكَ؛ فَيَأْباهُ تَعْلِيلُ السُّؤالِ بِالِاطْمِئْنانِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: "ألَمْ تَعْلَمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ أشاءُ؛ حَتّى تَسْألَنِي إراءَتَهُ؟"؛ قالَهُ - عَزَّ وعَلا - وهو أعْلَمُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أثْبَتُ النّاسِ إيمانًا؛ وأقْواهم يَقِينًا؛ لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ لُطْفًا لِلسّامِعِينَ؛ ﴿قالَ بَلى﴾؛ عَلِمْتُ؛ وآمَنتُ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى الإحْياءِ؛ …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.