Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 251–260 of 286

251

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

So they defeated them by permission of Allah, and David killed Goliath, and Allah gave him the kingship and prophethood and taught him from that which He willed. And if it were not for Allah checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allah is full of bounty to the worlds.

﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَغَلَبُوهم بِتَمْكِينِ اللَّهِ.

﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ كَيْفِيَّةِ قَتْلِ داوُدَ لِجالُوتَ، ولَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الكَيْفِيَّةِ، وقَدِ اخْتَصَرَ ذَلِكَ السَّجاوَنْدِيُّ اخْتِصارًا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، فَقالَ: كانَ أصْغَرَ بَنِيهِ، يَعْنِي بَنِي إيشا والِدِ داوُدَ، الثَلاثَةَ عَشَرَ. وكانَ مُخَلَّفًا في الغَنَمِ، وأُوحِيَ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّ قاتِلَ جالُوتَ مَنِ اسْتَوَتْ عَلَيْهِ مِن ولَدِ إيشا دِرْعٌ عِنْدَ طالُوتَ، فَلَمْ تَسْتَوِ إلّا عَلى داوُدَ، وقِيلَ: لَمّا بَرَزَ جالُوتُ نادى طالُوتُ: مَن قَتَلَ جالُوتَ أُشاطِرُهُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ بِنْتِي، فَبَرَزَ داوُدُ ورَماهُ بِحَجَرٍ في قَذّافَةٍ فَنَفَذَ مِن بَيْنِ عَيْنَيْهِ إلى قَفاهُ وأصابَ عَسْكَرَهُ، فَقُتِلَ جَماعَةٌ وانْهَزَمُوا، ثُمَّ نَدِمَ طالُوتُ مِن شَرْطِهِ بَعْدَ الوَفاءِ، وهَمَّ بِقَتْلِ داوُدَ، وماتَ تائِبًا قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ وهْبٌ: نَدِمَ قَبْلَ الوَفاءِ وماتَ عاصِيًا، وقِيلَ: أصابَ داوُدُ مَوْضِعَ أنْفِ جالُوتَ، وقِيلَ: تَفَتَّتَ الحَجَرُ حَتّى أصابَ كُلَّ مَن في العَسْكَرِ شَيْءٌ مِنهُ، كالقَبْضَةِ الَّتِي رَمى بِها رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ أبُو داوُدَ في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَ سِتَّةٍ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وهو صَغِيرٌ يَرْعى الغَنَمَ، فَأُوحِي إلى شَمْوِيلَ أنَّ داوُدَ بْنَ إيشا يَقْتُلُ جالُوتَ، فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ، فَجاءَ وقَدْ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ دَعاهُ كُلُّ واحِدٍ مِنها أنْ يَحْمِلَهُ، وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ تَقْتُلُ بِنا جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ، ورَمى بِها جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وزَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَسَدَهُ وأرادَ قَتْلَهُ، ثُمَّ تابَ، انْتَهى. ورُوِيَ: أنَّ داوُدَ كانَ مِن أرْمى النّاسِ بِالمِقْلاعِ، ورُوِيَ: أنَّ الأحْجارَ التَأمَتْ في المِخْلاةِ فَصارَتْ حَجَرًا واحِدًا.

﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ رُوِيَ أنَّ طالُوتَ تَخَلّى لداوُدَ عَنِ المُلْكِ، فَصارَ المَلِكَ. ورُوِيَ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَلَبَتْ طالُوتَ عَلى ذَلِكَ بِسَبَبِ قَتْلِ داوُدَ جالُوتَ، ورُوِيَ أنَّ طالُوتَ أخافَ داوُدَ فَهَرَبَ مِنهُ، فَكانَ في جَبَلٍ إلى أنْ ماتَ طالُوتُ، فَمَلَّكَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: مُلِّكَ داوُدُ بَعْدَ قَتْلِ جالُوتَ سَبْعَ سِنِينَ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى مَلِكٍ واحِدٍ إلّا عَلى داوُدَ. واخْتُلِفَ أكانَ داوُدُ نَبِيًّا عِنْدَ قَتْلِ جالُوتَ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: كانَ نَبِيًّا؛ لِأنَّ خَوارِقَ العاداتِ لا تَكُونُ إلّا مِنَ الأنْبِياءِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَتَوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ، والحِكْمَةُ وضْعُ الأُمُورِ مَواضِعَها عَلى الصَّوابِ، وكَمالُ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ قَبْلَهُ، كانَ المُلْكُ في سِبْطٍ والنُّبُوَّةُ في سِبْطٍ، فَلَمّا ماتَ شَمْوِيلُ وطالُوتُ اجْتَمَعَ لِداوُدَ المُلْكُ والنُّبُوةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: (الحِكْمَةَ) الزَّبُورُ، وقِيلَ: العَدْلُ في السِّيرَةِ. وقِيلَ: (الحِكْمَةَ) العِلْمُ والعَمَلُ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِلْسِلَةٌ كانَتْ مُتَدَلِّيَةً مِنَ السَّماءِ لا يَمْسِكُها ذُو عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، يُتَحاكَمُ إلَيْها، فَمَن كانَ مُحِقًّا تَمَكَّنَ مِنها حَتّى إنَّ رَجُلًا كانَتْ عِنْدَهُ دُرَّةٌ لِرَجُلٍ، فَجَعَلَها في عُكّازَتِهِ ودَفَعَها إلَيْهِ أنِ احْفَظْها حَتّى …

Al-Baqara 2:251Listen in Qur'an →
252

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (تِلْكَ) إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ، و(آياتُ اللَّهِ) قِيلَ: هي القُرْآنُ، والأظْهَرُ أنَّها الآياتُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في القَصَصِ السّابِقِ مِن خُرُوجِ أُولَئِكَ الفارِّينَ مِنَ المَوْتِ، وإماتَةِ اللَّهِ لَهم دُفْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ أحْياهم إحْياءَةً واحِدَةً، وتَمْلِيكِ طالُوتَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ولَيْسَ مِن أوْلادِ مُلُوكِهِمْ، والإتْيانُ بِالتّابُوتِ بَعْدَ فَقْدِهِ مُشْتَمِلًا عَلى بَقايا مِن إرْثِ آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، وكَوْنُهُ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ مُعايَنَةً عَلى ما نُقِلَ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَلِكَ الِابْتِلاءُ العَظِيمُ بِالنَّهَرِ في فَصْلِ القَيْظِ والسَّفَرِ، وإجابَةُ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في النُّصْرَةِ، وقَتْلُ داوُدَ جالُوتَ، وإيتاءُ اللَّهِ إيّاهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ، فَهَذِهِ كُلُّها آياتٌ عَظِيمَةٌ خَوارِقُ، تَلاها اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ بِالحَقِّ أيْ: مَصْحُوبَةً بِالحَقِّ لا كَذِبَ فِيها ولا انْتِحالَ، ولا بِقَوْلِ كَهَنَةٍ، بَلْ مُطابِقًا لِما في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا القَصَصِ الحَظُّ الأوْفَرُ في الِاسْتِنْصارِ بِاللَّهِ والإعْدادِ لِلْكُفّارِ، وأنَّ كَثْرَةَ العَدَدِ قَدْ يَغْلِبُها المُقِلُّ، وأنَّ الوُثُوقَ بِاللَّهِ والرُّجُوعَ إلَيْهِ هو الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في المُلِمّاتِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ تَلا الآياتِ عَلى نَبِيِّهِ أعْلَمَ أنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِـ (إنَّ) واللّامِ، حَيْثُ أخْبَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن غَيْرِ قِراءَةِ كِتابٍ ولا مُدارَسَةِ أحْبارٍ ولا سَماعِ أخْبارٍ.

وتَضَمَّنَتِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أخْبارَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ اسْتَقْيَدُوا تَمْلِيكَ طالُوتَ عَلَيْهِمْ أنَّ لِذَلِكَ آيَةً تَدُلُّ عَلى تَمْلِكِيهِ، وهو أنَّ التّابُوتَ الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ يَأْتِيكم مُشْتَمِلًا عَلى ما كانَ فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ والبَقِيَّةِ المُخَلَّفَةِ عَنْ آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ، وأنَّ المَلائِكَةَ تَحْمِلُهُ، وإنَّ في ذَلِكَ آيَةً أيْ: آيَةً لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ هَذا خارِقٌ عَظِيمٌ. وفَصْلُ طالُوتَ بِالجُنُودِ وتَبْرِيزُهُ بِهِمْ مِن دِيارِهِمْ لِلِقاءِ العَدُوِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مَلَّكُوهُ وانْقادُوا لَهُ، وأخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ أنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ بِنَهَرٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ نَبَّأهُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإخْبارِ نَبِيِّهِمْ لَهُ عَنِ اللَّهِ، وأنَّ مَن شَرِبَ مِنهُ كَرَعًا فَلَيْسَ مِنهُ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، وأنَّ مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنهُ، وأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم قَدْ خالَفَ أكْثَرُهم فَشَرِبُوا مِنهُ، ولَّما عَبَرُوا النَّهَرَ ورَأوْا ما هو فِيهِ جالُوتُ مِنَ العَدَدِ والعُدَدِ أخْبَرُوا أنَّهم لا طاقَةَ لَهم بِذَلِكَ، فَأجابَهم مَن أيْقَنَ بِلِقاءِ اللَّهِ: بِأنَّ الكَثْرَةَ لا تَدُلُّ عَلى الغَلَبَةِ، فَكَثِيرًا ما غَلَبَ القَلِيلُ الكَثِيرَ بِتَمْكِينِ اللَّهِ وإقْدارِهِ، وأنَّهُ إذا كانَ اللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ فَهُمُ المَنصُورُونَ، فَحُضُّوا عَلى التَّصابُرِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، وحِينَ بَرَزُوا لِأعْدائِهِمْ ووَقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ لَجَئُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ، وسَألُوا مِنهُ الصَّبْرَ عَلى القِتالِ وتَثْبِيتَ الأقْدامِ عِنْدَ المَداحِضِ، والنَّصْرَ عَلى مَن كَفَرَ بِهِ، وكانَتْ نَتِيجَةُ هَذا القَوْلِ وصِدْقِ القِتالِ أنْ مَكَّنَهم مِن أعْدائِهِمْ وهَزَمُوهم وقَتَلَ مَلِكَهم، وإذا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الجَسَدُ، وأعْطى …

Al-Baqara 2:252Listen in Qur'an →
253

۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allah spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the Son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit. If Allah had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allah had willed, they would not have fought each other, but Allah does what He intends.

﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ إبْراهِيمُ، أوْ إدْرِيسُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالُوا: والأوَّلُ أظْهَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ أنْ يُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عَظُمَتْ آياتُهُ، ويَكُونُ الكَلامُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، انْتَهى. ويَعْنِي أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ أيْ: ومِنهم مَن رَفَعَهُ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكانَ بَعْدَ تَفاوُتِهِمْ في الفَضْلِ أفْضَلَ مِنهم بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُحَمَّدًا ﷺ لِأنَّهُ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ أُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ المُرْتَقِيَةِ إلى ألْفِ آيَةٍ وأكْثَرَ، ولَوْ لَمْ يُؤْتَ إلّا القُرْآنَ وحْدَهُ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُنِيفًا عَلى سائِرِ ما أُوتِيَ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّهُ المُعْجِزَةُ الباقِيَةُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ. وفي هَذا الإبْهامِ مِن تَفْخِيمِ فَضْلِهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ ما لا يَخْفى، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ عَلى أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَشْتَبِهُ، والمُتَمَيِّزُ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَن فَعَلَ هَذا ؟ فَيَقُولُ: أحَدُكم، أوْ بَعْضُكم يُرِيدُ بِهِ الَّذِي تَعَوْرَفَ واشْتَهَرَ بِنَحْوِهِ مِنَ الأفْعالِ، فَيَكُونُ أفْخَمَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، وأنْوَهَ بِصاحِبِهِ. وسُئِلَ الحُطَيْئَةُ عَنْ أشْعَرِ النّاسِ، فَذَكَرَ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ الثّالِثَ. أرادَ نَفْسَهُ، ولَوْ قالَ: ولَوْ شِئْتُ لَذَكَرْتُ نَفْسِي، لَمْ يُفَخِّمْ أمْرَهُ.

ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إبْراهِيمَ ومُحَمَّدًا وغَيْرَهُما مِن أُولى العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وأُعْطِيَ الخَمْسَ الَّتِي لَمْ يُعْطَها أحَدٌ، وهو أعْظَمُ النّاسِ أُمَّةً، وخُتِمَ بِهِ بابُ النُّبُوّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي أعْطاهُ، ومِن مُعْجِزاتِهِ، وباهِرِ آياتِهِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ أُوتِيَ ﷺ ثَلاثَةُ آلافِ مُعْجِزَةٍ وخِصِّيصَةٍ، وما أُوتِيَ نَبِيٌّ مُعْجِزَةً إلّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَثْلَها وزادَ عَلَيْهِمْ بِآياتٍ. وانْتِصابُ (دَرَجاتٍ) قِيلَ: عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ عَلى الحالِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَوِي دَرَجاتٍ، أوْ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِرَفَعَ عَلى طَرِيقِ التَّضْمِينِ لِمَعْنى بَلَغَ، أوْ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، فَوَصَلَ الفِعْلَ وحَرْفَ الجَرِّ، إمّا عَلى، أوْ في، أوْ إلى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ: ورَفَعَ دَرَجاتِ بَعْضِهِمْ، والمَعْنى عَلى دَرَجاتِ بَعْضٍ.

* *

﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وخَصَّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ لِما أُوتِيا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ، والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ولِأنَّ آيَتَيْهِما مَوْجُودَتانِ، فَتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ طَعْنٌ عَلى تابِعَيْهِما حَيْثُ لَمْ يَنْقادُوا لِهَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ العَظِيمَيْنِ، ووَقَعَ مِنهُمُ المُنازَعَةُ والخِلافُ. ونَصَّ هُنا …

Al-Baqara 2:253Listen in Qur'an →
254

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ الِاخْتِلافَ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وأرادَ الِاقْتِتالَ، وأمَرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ الجِهادُ يَحْتاجُ صاحِبُهُ إلى الإعانَةِ عَلَيْهِ، أمَرَ تَعالى بِالنَّفَقَةِ مِن بَعْضِ ما رُزِقَ، فَشَمَلَ النَّفَقَةَ في الجِهادِ، وهي وإنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْها، مُنْدَرِجَةٌ في قَوْلِهِ: (أنْفِقُوا) وداخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَلِيًّا، إذْ جاءَ الأمْرُ بِها عَقِبَ ذِكْرِ المُؤْمِنِ والكافِرِ واقْتِتالِهِمْ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ والأكْثَرُونَ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ صَدَقَةٍ واجِبَةٍ أوْ تَطَوُّعٍ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الزَّكاةِ، والزَّكاةُ مِنها جُزْءٌ لِلْمُجاهِدِينَ، وقالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: أرادَ الإنْفاقَ الواجِبَ لِاتِّصالِ الوَعِيدِ بِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ لا بَيْعَ فِيهِ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ، ولا خُلَّةَ حَتّى تُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ، وإنْ أرَدْتُمْ أنْ يَحُطَّ عَنْكم ما في ذِمَّتِكم مِنَ الواجِبِ لَمْ تَجِدُوا شَفِيعًا يَشْفَعُ لَكم في حَطِّ الواجِباتِ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ ثَمَّ في زِيادَةِ الفَضْلِ لا غَيْرَ.

﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أرادَ: والتّارِكُونَ الزَّكاةَ هُمُ الظّالِمُونَ، فَقالَ: والكافِرُونَ لِلتَّغْلِيظِ، كَما قالَ في آخِرِ آيَةِ الحَجِّ. (ومَن كَفَرَ) مَكانَ: ومَن لَمْ يَحُجَّ، ولِأنَّهُ جَعَلَ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، في قَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦] انْتَهى كَلامُهُ.

ورُدَّ قَوْلُهُ بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ وعِيدٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَصِّلُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ حِينَ تَكُونُ في الدُّنْيا، فَإنَّكم إذا خَرَجْتُمْ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُكم تَحْصِيلُها واكْتِسابُها في الآخِرَةِ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: لِأنَّ الشَّفاعَةَ ثَمَّ في زِيادَةِ الفَضْلِ لا غَيْرَ، هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ الشَّفاعَةَ لا تَكُونُ لِلْعُصاةِ، فَلا يَدْخُلُونَ النّارَ، ولا لِلْعُصاةِ الَّذِينَ دَخَلُوا النّارَ، فَلا يَخْرُجُونَ مِنها بِالشَّفاعَةِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ، فَكَأنَّ المُرادَ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مُرادٌ بِها جَمِيعُ وُجُوهِ البِرِّ مِن سَبِيلِ خَيْرٍ وصِلَةِ رَحِمٍ، ولَكِنْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ القِتالِ، وأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكافِرِينَ، يَتَرَجَّحُ مِنهُ أنَّ هَذا النَّدْبَ إنَّما هو في سَبِيلِ اللَّهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: فَكافِحُوهم بِالقِتالِ بِالأنْفُسِ وإنْفاقِ الأمْوالِ، انْتَهى كَلامُهُ. ونَدَبَ تَعالى العَبْدَ إلى أنْ يُنْفِقَ مِمّا رَزَقَهُ، والرِّزْقُ وإنْ تَناوَلَ غَيْرَ الحَلالِ، فالمُرادُ مِنهُ هُنا الحَلالُ، و(مِمّا رَزَقْناكم)، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (أنْفِقُوا) و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: رَزَقْناكُمُوهُ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: مِن رِزْقِنا إيّاكم، و(مِن قَبْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (أنْفِقُوا) أيْضًا، واخْتُلِفَ في مَدْلُولِ (مِن) فالأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها تَتَعَلَّقُ: بِـ (رَزَقْناكم) .

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ …

Al-Baqara 2:254Listen in Qur'an →
255

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

Allah - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Sustainer of [all] existence. Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them, and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursi extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High, the Most Great.

﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تُسَمّى آيَةَ الكُرْسِيِّ لِذِكْرِهِ فِيها، وثَبَتَ في (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِن حَدِيثِ أُبَيٍّ أنَّها أعْظَمُ آيَةٍ، وفي (صَحِيحِ البُخارِيِّ) مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ قارِئَها إذا آوى إلى فِراشِهِ لَنْ يَزالَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقْرَبُهُ شَيْطانٌ حَتّى يُصْبِحَ، ووَرَدَ أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، ووَرَدَ أنَّها ما قُرِئَتْ في دارٍ إلّا اهْتَجَرَتْها الشَّياطِينُ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ولا يَدْخُلُها ساحِرٌ ولا ساحِرَةٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ووَرَدَ أنَّ مَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ أمَّنَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وجارِهِ وجارِ جارِهِ والأبْياتِ حَوْلَهُ، ووَرَدَ: أنَّ سَيِّدَ الكَلامِ القُرْآنُ، وسَيِّدَ القُرْآنِ البَقَرَةُ، وسَيِّدَ البَقَرَةِ آيَةُ الكُرْسِيِّ، وفُضِّلَتْ هَذا التَّفْضِيلَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَعْظِيمِهِ وذَكْرِ صِفاتِهِ العُلا، ولا مَذْكُورَ أعْظَمُ مِنَ اللَّهِ، فَذِكْرُهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ ذِكْرٍ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ أشْرَفَ العُلُومِ وأعْلاها مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، ولا يُنَفِّرَنَّكَ عَنْهُ كَثْرَةُ أعْدائِهِ فَإنَّ العَرانِينَ تَلْقاها مُحَسَّدَةً، انْتَهى كَلامُهُ. وأهْلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، سَمَّوْا أنْفُسَهم بِذَلِكَ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ مِن أبْياتٍ:

؎أنْ أنْصُرَ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ في كُلِّ مَقامٍ باذِلًا جُهْدِي

وهَذا الزَّمَخْشَرِيُّ لِغُلُوِّهِ في مَحَبَّةِ مَذْهَبِهِ يَكادُ أنْ يُدْخِلَهُ في كُلِّ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكانَهُ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ، وأنَّ مِنهم مَن كَلَّمَهُ، وفُسِّرَ بِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ رَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ، وفُسِّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونَصَّ عَلى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ وتَفْضِيلُ المَتْبُوعِ يُفْهَمُ مِنهُ تَفْضِيلُ التّابِعِ، وكانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى قَدْ أحْدَثُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ بِدَعًا في أدْيانِهِمْ وعَقائِدِهِمْ، ونَسَبُوا اللَّهَ تَعالى إلى ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، فَكانَ مِنهُمُ العَرَبُ، وكانُوا قَدِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً وأشْرَكُوا، فَصارَ جَمِيعُ النّاسِ المَبْعُوثُ إلَيْهِمْ ﷺ عَلى غَيْرِ اسْتِقامَةٍ في شَرائِعِهِمْ وعَقائِدِهِمْ، وذَكَرَ تَعالى أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ، وهُمُ الواضِعُونَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَواضِعِهِ، أتى بِهَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى إفْرادِ اللَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، والمُتَضَمِّنَةِ صِفاتِهِ العُلا مِنَ: الحَياةِ، والِاسْتِبْدادِ بِالمُلْكِ، واسْتِحالَةِ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، ومُلْكِهِ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وامْتِناعِ الشَّفاعَةِ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، وسِعَةِ عِلْمِهِ، وعَدَمِ إحاطَةِ أحَدٍ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِإرادَتِهِ، وباهِرِ ما خَلَقَ مِنَ الكُرْسِيِّ العَظِيمِ الِاتِّساعِ، ووَصْفِهِ بِالمُبالِغَةِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ، إلى سائِرِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلا، نَبَّهَهم بِها عَلى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هي مَحْضُ التَّوْحِيدِ، وعَلى طَرْحِ ما سِواها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُ) وعَلى قَوْلِهِ: (لا إلَهَ إلّا هو) فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

(الحَيُّ) وصْفٌ وفِعْلُهُ حَيِيَ، قِيلَ: وأصْلُهُ: حَيِوَ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً …

Al-Baqara 2:255Listen in Qur'an →
256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become clear from the wrong. So whoever disbelieves in Taghut and believes in Allah has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها أقْوالٌ مَضْمُونُ أكْثَرِها: أنَّ بَعْضَ أوْلادِ الأنْصارِ تَنَصَّرَ وبَعْضَهم تَهَوَّدَ، فَأرادَ آباؤُهم أنْ يُكْرِهُوهم عَلى الإسْلامِ، فَنَزَلَتْ. وقالَ أنَسٌ: نَزَلَتْ فِيمَن قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ”أسْلِمْ“ . فَقالَ: أجِدُنِي كارِهًا. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ: أهِيَ مَنسُوخَةٌ ؟ أمْ لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ ؟ فَقِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ، وهي مِن آياتِ المُوادَعَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هي مُحْكَمَةٌ خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ الجِزْيَةَ، قالا: أُمِرَ بِقِتالِ أهْلِ الأوْثانِ لا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، ثُمَّ أُمِرَ فِيمَن سِواهم أنْ يَقْبَلَ الجِزْيَةَ. ومَذْهَبُ مالِكٍ: أنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِن كُلِّ كافِرٍ سِوى قُرَيْشٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ خاصَّةً فِيمَن أعْطى الجِزْيَةَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، لا يَقِفُ ذَلِكَ عَلى أهْلِ الكِتابِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: لا إكْراهَ بَعْدَ إسْلامِ العَرَبِ، ويَقْبَلُ الجِزْيَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَنْسِبُوا إلى الكَراهَةِ مَن أسْلَمَ مُكْرَهًا، يُقالُ: أكْفَرَهُ نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وطائِفَةٌ قَدْ أكْفَرُونِي بِحُبِّهِمْ وطائِفَةٌ قالُوا مُسِيءٌ ومُذْنِبُ

وقِيلَ: لا يُكْرَهُ عَلى الإسْلامِ مَن خَرَجَ إلى غَيْرِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ، والقَفّالُ: مَعْناهُ أنَّهُ ما بَنى تَعالى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ يَبْقَ عُذْرٌ في الكُفْرِ إلّا أنْ يُقْسَرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبَرَ عَلَيْهِ، وهَذا ما لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الابْتِلاءِ، إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الابْتِلاءِ. ويُؤَكِّدُ هَذا قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يَعْنِي: ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ ووَضَحَتِ البَيِّناتُ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَها إلّا طَرِيقُ القَسْرِ والإلْجاءِ ولَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ والقَفّالُ لائِقٌ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَجْرِ اللَّهُ أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، ولَكِنْ عَلى التَّمْكِينِ والاخْتِيارِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] أيْ: لَوْ شاءَ لَقَسَرَهم عَلى الإيمانِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وبَنى الأمْرَ عَلى الاخْتِيارِ.

والدِّينُ هُنا مِلَّةُ الإسْلامِ واعْتِقادُهُ، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ أيْ: في دِينِ اللَّهِ.

﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أيِ: اسْتَبانَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الدِّينَ هو مُعْتَقَدُ الإسْلامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ القُفْلِ، والحَسَنُ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ العُنُقِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (الرُّشْدُ) عَلى وزْنِ الجُبْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (الرَّشادُ) بِالألِفِ. والجُمْهُورُ عَلى إدْغامِ دالِ (قَدْ) في تاءِ (تَبَيَّنَ) . وقُرِئَ شاذًّا بِالإظْهارِ (وتَبَيَّنَ الرُّشْدَ) بِنَصْبِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ وبِعْثَةِ الرَّسُولِ الدّاعِي إلى الإيمانِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَأنَّها كالعِلَّةِ …

Al-Baqara 2:256Listen in Qur'an →
257

ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Allah is the ally of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are Taghut. They take them out of the light into darknesses. Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الوَلِيُّ هُنا النّاصِرُ والمُعِينُ أوِ المُحِبُّ أوْ مُتَوَلِّي أُمُورَهم، ومَعْنى (آمَنُوا) أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، و(الظُّلُماتِ) هُنا الكُفْرُ، و(النُّورِ) الإيمانُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، قِيلَ: وجُمِعَتِ (الظُّلُماتِ) لِاخْتِلافِ الضَّلالاتِ، ووُحِّدَ (النُّورِ) لِأنَّ الإيمانَ واحِدٌ، والإخْراجُ هُنا إنْ كانَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَن كانَ كافِرًا ثُمَّ آمَنَ، وإنْ كانَ مَجازًا فَهو مَجازٌ عَنْ مَنعِ اللَّهِ إيّاهم مِن دُخُولِهِمْ في الظُّلُماتِ قالَ الحَسَنُ: مَعْنى (يُخْرِجُهم) يَمْنَعُهم، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، والمَعْنى أنَّهُ لَوْ خَلا عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَوَقَعَ في الظُّلُماتِ، فَصارَ تَوْفِيقُهُ سَبَبًا لَدَفْعِ تِلْكَ الظُّلْمَةِ، قالُوا: ومِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ شائِعٌ سائِغٌ في كَلامِهِمْ، كَما قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ:

؎فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَّ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ

قالَ الواقِدِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الظُّلُماتِ والنُّورِ فَإنَّهُ أرادَ بِهِ الكُفْرَ والإيمانَ غَيْرَ الَّتِي في الأنْعامِ، وهو: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فَإنَّهُ أرادَ بِهِ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ الواسِطِيُّ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ نُفُوسِهِمْ إلى آدابِها: كالرِّضا والصِّدْقِ والتَّوَكُّلِ والمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ الوَحْشَةِ والفُرْقَةِ إلى نُورِ الوَصْلَةِ والأُلْفَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: آمَنُوا، أرادُوا أنْ يُؤْمِنُوا، تَلَطَّفَ بِهِمْ حَتّى يُخْرِجَهم بِلُطْفِهِ وتَأْيِيدِهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، أوِ اللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ يُخْرِجُهم مِنَ الشُّبَهِ في الدِّينِ إنْ وقَعَتْ لَهم، بِما يَهْدِيهِمْ ويُوَفِّقُهم لَها مِن حَلِّها، حَتّى يَخْرُجُوا مِنها إلى نُورِ اليَقِينِ، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ: آمَنُوا عَلى حَقِيقَتِهِ.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَبَدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ آمَنُوا بِعِيسى، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ إخْراجُهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، وقالَ الكَلْبِيُّ يُخْرِجُونَهم مِن إيمانِهِمْ بِمُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِفْتاحِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: مِن فِطْرَةِ الإسْلامِ، وقِيلَ: مِن نُورِ الإقْرارِ بِالمِيثاقِ، وقِيلَ: مِنَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ إلى النِّفاقِ. وقِيلَ: مِن نُورِ الثَّوابِ في الجَنَّةِ إلى ظُلْمَةِ العَذابِ في النّارِ. وقِيلَ: مِن نُورِ الحَقِّ إلى ظُلْمَةِ الهَوى. وقِيلَ: مِن نُورِ العَقْلِ إلى ظُلْمَةِ الجَهْلِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن نُورِ البَيِّناتِ الَّتِي تَظْهَرُ لَهم إلى ظُلُماتِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظُ الآيَةِ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّخْصِيصِ، بَلْ هو مُتَرَتِّبٌ في كُلِّ أُمَّةٍ كافِرَةٍ آمَنَ بَعْضُها كالعَرَبِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ مِنهم فاللَّهُ ولِيُّهُ، أخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، ومَن كَفَرَ بَعْدَ وُجُودِ الدّاعِي - النَّبِيِّ المُرْسَلِ - فَشَيْطانُهُ ومُغْوِيهِ كَأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الإيمانِ، إذْ هو مُعَدٌّ وأهْلٌ لِلدُّخُولِ فِيهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن مَنعَكَ الدُّخُولَ في أمْرٍ: أخْرَجْتَنِي يا فُلانُ مِن هَذا الأمْرِ، وإنْ كُنْتَ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ ألْبَتَّةَ، انْتَهى.

والمُرادُ بِالطّاغُوتِ: الصَّنَمُ، لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا …

Al-Baqara 2:257Listen in Qur'an →
258

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِۦمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allah had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allah brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allah does not guide the wrongdoing people.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (بُهِتَ) تَحَيَّرَ ودَهِشَ، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا عَلى وزْنِ فَعَلَ، ومِنهُ: فَتَبْهَتُهم، ولازِمًا عَلى وزْنِ فَعُلَ كَظَرُفَ وفَعِلَ كَدَهِشَ، والأكْثَرُ في اللّازِمِ الضَّمُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: (بَهَتَ) بِفَتْحِ الهاءِ لازِمًا، ويُقالُ: بَهَتُّهُ وباهَتُّهُ واجَهَهُ بِالكَذِبِ، وفي الحَدِيثِ: «(إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ)» .

الخاوِي: الخالِي، خَوَتِ الدّارُ تَخْوِي، خَوى، غَيْرُ مَمْدُودٍ، وخُوِيًّا، والأُولى أفْصَحُ، ويُقالُ: خَوى البَيْتُ انْهَدَمَ لِأنَّهُ بِتَهَدُّمِهِ يَخْلُو مِن أهْلِهِ، والخَوى: الجُوعُ لِخُلُوِّ البَطْنِ مِنَ الغِذاءِ، وخَوَّتِ المَرْأةُ وخَوِيَتْ خَلا جَوْفُها عِنْدَ الوِلادَةِ، وخَوَّيْتُ لَها تَخْوِيَةً عَمِلْتُ لَها خَوِيَّةً تَأْكُلُها، وهي طَعامٌ. والخَوِيُّ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ: البَطْنُ السَّهْلُ مِنَ الأرْضِ، وخَوّى البَعِيرُ جافى بَطْنَهُ عَنِ الأرْضِ في مَبْرَكِهِ، وكَذَلِكَ الرَّجُلُ في سُجُودِهِ؛ قالَ الرّاجِزُ:

؎خَوّى عَلى مُسْتَوَياتٍ خَمْسٍ كِرْكِرَةٍ وثَفِناتٍ مُلْسِ

العَرْشُ: سَقَفُ البَيْتِ وكُلُّ ما يُهَيَّأُ لِيُظِلَّ أوْ يَكُنَّ فَهو عَرِيشٌ الدّالِيَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] وفي الحَدِيثِ «لَمّا أمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ قالُوا: نَبْنِيهِ لَكَ بُنْيانًا قالَ: ”لا بَلْ عَرْشٌ كَعَرْشِ أخِي مُوسى“ فَوَضَعُوا النَّخْلَ عَلى الحِجارَةِ وغَشُّوهُ بِالجَرِيدِ وسَعَفِهِ»، وقِيلَ: العَرْشُ البُنْيانُ قالَ الشّاعِرُ:

؎إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوشَهم ∗∗∗ بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابِ

(مِائَةَ): اسْمٌ لِرُتْبَةٍ مِنَ العَدَدِ مَعْرُوفَةٍ، ويُجْمَعُ عَلى مِئاتٍ ومِئِينَ، وهي مُخَفَّفَةٌ مَحْذُوفَةُ اللّامِ، ولامُها ياءٌ، فالأصْلُ مِئْيَةٌ ويُقالُ: أمْأيْتُ الدَّراهِمَ إذا صَيَّرْتُها مِائَةً، العامُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ مَعْرُوفَةٌ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: العُوَيْمُ والأعْوامُ. وقالَ النَّقّاشُ: العامُ مَصْدَرٌ كالعَوْمِ، سُمِّيَ بِهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الزَّمانِ؛ لِأنَّها عَوْمَةٌ مِنَ الشَّمْسِ في الفَلَكِ، والعَوْمُ كالسَّبْحِ، وقالَ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] والعامُ عَلى هَذا: كالقَوْلِ والقالِ. اللُّبْثُ: المُكْثُ والإقامَةُ. يَتَسَنَّهُ: إنْ كانَتِ الهاءُ أصْلِيَّةً فَهو مِنَ …

Al-Baqara 2:258Listen in Qur'an →
259

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allah bring this to life after its death?" So Allah caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" The man said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allah is over all things competent."

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: أوْ، ساكِنَةَ الواوِ، قِيلَ: ومَعْناها التَّفْصِيلُ، وقِيلَ: التَّخْيِيرُ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ مَن يَنْشَأُ مِنهُما، وقَرَأ أبُو سُفْيانَ بْنُ حُسَيْنٍ: (أوَ كالَّذِي) بِفَتْحِ الواوِ، وهي حَرْفُ عَطْفٍ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ التَّقْرِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وأرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي، ومَن قَرَأ: أوْ، بِحَرْفِ العَطْفِ فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] عَلى المَعْنى، إذْ مَعْنى (ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي) أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ ؟ فَعُطِفَ قَوْلُهُ: (أوْ كالَّذِي مَرَّ) عَلى هَذا المَعْنى، والعَطْفُ عَلى المَعْنى مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ؛ قالَ الشّاعِرُ:

؎تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكْثِرْ غَنِيمَةً بِنَهْكَةِ ذِي قُرْبى ولا بِحَقَلَّدِ

المَعْنى في قَوْلِهِ: لَمْ يَكْثُرْ لَيْسَ بِمُكْثِرٍ، ولِذَلِكَ راعى هَذا المَعْنى فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ولا بِحَقَلَّدٍ، وقالَ آخَرُ:

؎أجَدَّكَ لَنْ تَرى بِثُعَيْلَباتٍ ∗∗∗ ولا بَيْدانَ ناجِيَةً ذَمُولا

؎ولا مُتَدارِكًا واللَّيْلُ طِفْلٌ ∗∗∗ بِبَعْضِ نَواشِغِ الوادِي حُمُولا

المَعْنى: أجِدَّكَ لَسْتَ بِرَآءٍ، ولَمّا راعى هَذا المَعْنى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ولا مُتَدارِكًا، والعَطْفُ عَلى المَعْنى نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ كالَّذِي: مَعْناهُ أوْ رَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي ؟ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ (ألَمْ تَرَ) عَلَيْهِ؛ لِأنَّ كِلْتَيْهِما كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ، انْتَهى. هو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ إضْمارَ الفِعْلِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أسْهَلُ مِنَ العَطْفِ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، وقَدْ جَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ.

وقِيلَ: الكافُ زائِدَةٌ، فَيَكُونُ: الَّذِي قَدْ عُطِفَ عَلى: الَّذِي، التَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوِ الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ؟ قِيلَ: كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وفي قَوْلِ الرّاجِزِ:

؎فَصُيِّرُوا مَثَلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ

ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ فِعْلٍ، ولا عَلى العَطْفِ عَلى المَعْنى، ولا عَلى زِيادَةِ الكافِ، بَلْ تَكُونُ الكافُ اسْمًا عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ جَرٍّ مَعْطُوفَةً عَلى الَّذِي، التَّقْدِيرُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أوْ إلى مَثَلِ (الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) ؟ ومَجِيءُ الكافِ اسْمًا فاعِلَةً ومُبْتَدَأةً ومَجْرُورَةً بِحَرْفِ الجَرِّ ثابِتٌ في لِسانِ العَرَبِ، وتَأْوِيلُها بَعِيدٌ، فالأوْلى هَذا الوَجْهُ الأخِيرُ، وإنَّما عَرَضَ لَهُمُ الإشْكالُ مِن حَيْثُ اعْتِقادُ حَرْفِيَّةِ الكافِ، حَمْلًا عَلى مَشْهُورِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، والصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ، ألا تَرى في الفاعِلِيَّةِ لِمِثْلٍ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

وإنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفاخِرٍ ضَعِيفٍ ولَمْ يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلِّبِ

والكَلامُ عَلى الكافِ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.

والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هو عُزَيْرٌ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ بُرَيْدَةَ، وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ، وسالِمٌ الخَوّاصُ. وقِيلَ: أرْمِياءُ، قالَهُ وهْبٌ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وبَكْرُ بْنُ مُضَرٍ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو أرْمِياءُ، وهو الخَضِرُ، وحَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ …

Al-Baqara 2:259Listen in Qur'an →
260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allah] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allah] said, "Take four birds and commit them to yourself. Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allah is Exalted in Might and Wise."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها في غايَةِ الظُّهُورِ، إذْ كِلاهُما أتى بِها دَلالَةً عَلى البَعْثِ المَنسُوبِ إلى اللَّهِ تَعالى، في قَوْلِ إبْراهِيمَ لِنُمْرُوذَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لَكِنَّ المارَّ عَلى القَرْيَةِ أراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ وفي حِمارِهِ، وإبْراهِيمُ أراهُ ذَلِكَ في غَيْرِهِ، وقُدِّمَتْ آيَةُ المارِّ عَلى آيَةِ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ إبْراهِيمُ مُقَدَّمًا في الزَّمانِ عَلى المارِّ؛ لِأنَّهُ تَعَجَّبَ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ، وإنْ كانَ تَعَجُّبَ اعْتِبارٍ فَأشْبَهَ الإنْكارَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إنْكارًا فَكانَ أقْرَبَ إلى قِصَّةِ النُّمْرُوذِ وإبْراهِيمَ، وأمّا إنْ كانَ المارُّ كافِرًا فَظَهَرَتِ المُناسَبَةُ أقْوى ظُهُورٍ، وأمّا قِصَّةُ إبْراهِيمَ فَهي سُؤالٌ لِكَيْفِيَّةِ إراءَةِ الإحْياءِ، لِيُشاهِدَ عِيانًا ما كانَ يَعْلَمُهُ بِالقَلْبِ، وأخْبَرَ بِهِ نُمْرُوذَ.

والعامِلُ في (إذْ) - عَلى ما قالُوا - مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، وقِيلَ: العامِلُ مَذْكُورٌ وهو (ألَمْ تَرَ) المَعْنى: ألَمْ تَرَ إذْ قالَ، وهو مَفْعُولُ: بِـ (تَرَ) والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العامِلَ في (إذْ) قَوْلُهُ: (قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن) كَما قَرَّرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: (وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) وفي افْتِتاحِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: (رَبِّ) حُسْنُ اسْتِلْطافٍ واسْتِعْطافٍ لِلسُّؤالِ، ولِيُناسِبَ قَوْلَهُ لِنُمْرُوذَ (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ) لِأنَّ الرَّبَّ هو النّاظِرُ في حالِهِ، والمُصْلِحُ لِأمْرِهِ، وحُذِفَتْ ياءُ الإضافَةِ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ، وهي اللُّغَةُ الفُصْحى في نِداءِ المُضافِ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَ حَرْفُ النِّداءِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، و(أرِنِي) سُؤالُ رَغْبَةٍ، وهو مَعْمُولٌ لِـ (قالَ) والرُّؤْيَةُ هُنا بَصْرِيَّةٌ، دَخَلَتْ عَلى رَأى هَمْزَةُ النَّقْلِ، فَتَعَدَّتْ لِاثْنَيْنِ: أحَدُهُما ياءُ المُتَكَلِّمِ، والآخَرُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، فَقَوْلُ: (كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتُعَلِّقُ العَرَبُ رَأى البَصْرِيَّةَ، مِن كَلامِهِمْ، أما تَرى أيَّ بَرْقٍ هاهُنا، كَما عَلَّقَتْ: نَظَرَ البَصْرِيَّةَ، وقَدْ تَقَرَّرَ.

وعُلِمَ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، والَّذِي اخْتَرْناهُ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ عَلى الإطْلاقِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا في حَقِّ مَن سَألَ الرُّؤْيَةَ هُنا بِكَلامٍ ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، ونَقُولُ: ألْفاظُ الآيَةِ لا تَدُلُّ عَلى عُرُوضِ شَيْءٍ يَشِينُ المُعْتَقِدَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالُ أنْ يُرِيَهُ عِيانًا كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِأنَّهُ لَمّا عَلِمَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وتَيَقَّنَهُ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى نُمْرُوذَ في قَوْلِهِ: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ) طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى رُؤْيَةَ ذَلِكَ، لِما في مُعايَنَةِ ذَلِكَ مِن رُؤْيَةِ اجْتِماعِ الأجْزاءِ المُتَلاشِيَةِ، والأعْضاءِ المُتَبَدِّدَةِ، والصُّوَرِ المُضْمَحِلَّةِ، واسْتِعْظامِ باهِرِ قُدْرَتِهِ تَعالى. والسُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ يَقْتَضِي تَيَقُّنَ ما سَألَ عَنْهُ: وهو الإحْياءُ وتَقَرُّرُهُ، والإيمانُ بِهِ، وأنَّهُ مِمّا انْطَوى الضَّمِيرُ عَلى اعْتِقادِهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ المَعانِي: أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ مِن رَبِّهِ كَيْفَ يُحْيِي القُلُوبَ، فَتَأْوِيلٌ لَيْسَ …

Al-Baqara 2:260Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.