Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 241–250 of 286

241

وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾، ظاهِرُهُ العُمُومُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو ثَوْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (ومَتِّعُوهُنَّ) اخْتِلافُ العُلَماءِ فِيما يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ؛ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وتَعَلَّقَ ”بِالمَعْرُوفِ“ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”لِلْمُطَلَّقاتِ“، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ”مَتاعًا“، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ هُنا نَفَقَةُ العِدَّةِ.

﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأمْرِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ قَبْلُ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فَقالَ رَجُلٌ: فَإنْ لَمْ أُرِدْ أنْ أُحْسِنَ لَمْ أُمَتِّعْ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ . وإعْرابُ ”حَقًّا“ هُنا كَإعْرابِ ”حَقًّا“ عَلى المُحْسِنِينَ ”، وظاهِرُ“ المُتَّقِينَ ”: مَن يَتَّصِفُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أخَصُّ مِنَ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، أوْ لِأنَّهم أكْثَرُ النّاسِ وُقُوفًا، واللَّهُ أسْرَعَهم لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، وقِيلَ“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ: مُتَّقِيِ الشِّرْكِ.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، يُبَيِّنُ لَكم في المُسْتَقْبَلِ ما بَقِيَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يُكَلَّفُها العِبادُ.

﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، ما يُرادُ مِنكم مِنَ التِزامِ الشَّرائِعِ والوُقُوفِ عِنْدَها؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ لِلْأشْياءِ مِمّا يَتَّضِحُ لِلْعَقْلِ بِأوَّلِ إدْراكٍ، بِخِلافِ الأشْياءِ المُغَيَّباتِ والمُجْمَلاتِ؛ فَإنَّ العَقْلَ يَرْتَبِكُ فِيها، ولا يَكادُ يَحْصُلُ مِنها عَلى طائِلٍ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن بَدائِعِ البَدِيعِ وصُنُوفِ الفَصاحَةِ: النَّقْلُ مِن صِيغَةِ“ افْعَلُوا ”إلى“ فاعِلُوا ”لِلْمُبالَغَةِ، وذَلِكَ في“ حافِظُوا ”، والِاخْتِصاصُ بِالذِّكْرِ في“ والصَّلاةِ الوُسْطى ”، والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ في“ حافِظُوا ”وهو مُراعاةُ أوْقاتِها وهي هَيْئاتُها إذا كُنْتُمْ آمِنِينَ، والحَذْفُ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”: العَدُوَّ أوْ ما جَرى مَجْراهُ. وفي“ فَرِجالًا ”أيْ: فَصَلُّوا رِجالًا، وفي“ وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ ”سَواءٌ رُفِعَ أمْ نُصِبَ، وفي“ غَيْرَ إخْراجٍ ”أيْ: لَهُنَّ مِن مَكانِهِنَّ الَّذِي يَعْتَدِدْنَ فِيهِ، وفي فَإنْ خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ مِن غَيْرِ رِضًا مِنهُنَّ، وفي“ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ”أيْ: مِن مَيْلِهِنَّ إلى التَّزْوِيجِ، أوِ الزِّينَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وفي“ بِالمَعْرُوفِ ”أيْ: عادَةً أوْ شَرْعًا وفِي“ عَزِيزٌ ”أيِ: انْتِقامُهُ، وفي“ حَكِيمٌ ”أيْ: في أحْكامِهِ. وفي قَوْلِهِ“ حَقًّا ”أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وفي“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ عَذابُ اللَّهِ، والتَّشْبِيهُ في“ كَما عَلَّمَكم ”، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: وهو أنْ يَكُونَ بِفِعْلَيْنِ أوْ بِاسْمَيْنِ، وذَلِكَ في“ عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ”، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في“ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ ”، والمَجازُ في“ يُتَوَفَّوْنَ ”أيْ: يُقارِبُونَ الوَفاةَ، والتَّكْرارُ في“ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ”، ثُمَّ قالَ:“ ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ "؛ فَيَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ إنْ كانَ إيّاهُ، ولِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ إنْ كانَ غَيْرَهُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ حُكْمَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، وأنَّهُنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ لا حَرَجَ عَلى مَن كانَ مُتَوَلِّيًا أمْرَهُنَّ مِن ولِيٍّ أوْ حاكِمٍ فِيما فَعَلْنَ مِن تَعَرُّضٍ لِخِطْبَةٍ، وتَزَيُّنٍ، وتَرْكِ إحْدادٍ، وتَزَوُّجٍ، وذَلِكَ …

Al-Baqara 2:241Listen in Qur'an →
242

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Thus does Allah make clear to you His verses that you might use reason.

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾، ظاهِرُهُ العُمُومُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو ثَوْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (ومَتِّعُوهُنَّ) اخْتِلافُ العُلَماءِ فِيما يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ؛ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وتَعَلَّقَ ”بِالمَعْرُوفِ“ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ”لِلْمُطَلَّقاتِ“، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ”مَتاعًا“، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَتاعِ هُنا نَفَقَةُ العِدَّةِ.

﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِأمْرِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ قَبْلُ: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فَقالَ رَجُلٌ: فَإنْ لَمْ أُرِدْ أنْ أُحْسِنَ لَمْ أُمَتِّعْ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ . وإعْرابُ ”حَقًّا“ هُنا كَإعْرابِ ”حَقًّا“ عَلى المُحْسِنِينَ ”، وظاهِرُ“ المُتَّقِينَ ”: مَن يَتَّصِفُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي أخَصُّ مِنَ اتِّقاءِ الشِّرْكِ، وخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، أوْ لِأنَّهم أكْثَرُ النّاسِ وُقُوفًا، واللَّهُ أسْرَعَهم لِامْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، وقِيلَ“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ: مُتَّقِيِ الشِّرْكِ.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾، أيْ: مِثْلَ هَذا التَّبْيِينِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، يُبَيِّنُ لَكم في المُسْتَقْبَلِ ما بَقِيَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي يُكَلَّفُها العِبادُ.

﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، ما يُرادُ مِنكم مِنَ التِزامِ الشَّرائِعِ والوُقُوفِ عِنْدَها؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ لِلْأشْياءِ مِمّا يَتَّضِحُ لِلْعَقْلِ بِأوَّلِ إدْراكٍ، بِخِلافِ الأشْياءِ المُغَيَّباتِ والمُجْمَلاتِ؛ فَإنَّ العَقْلَ يَرْتَبِكُ فِيها، ولا يَكادُ يَحْصُلُ مِنها عَلى طائِلٍ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن بَدائِعِ البَدِيعِ وصُنُوفِ الفَصاحَةِ: النَّقْلُ مِن صِيغَةِ“ افْعَلُوا ”إلى“ فاعِلُوا ”لِلْمُبالَغَةِ، وذَلِكَ في“ حافِظُوا ”، والِاخْتِصاصُ بِالذِّكْرِ في“ والصَّلاةِ الوُسْطى ”، والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ في“ حافِظُوا ”وهو مُراعاةُ أوْقاتِها وهي هَيْئاتُها إذا كُنْتُمْ آمِنِينَ، والحَذْفُ في“ فَإنْ خِفْتُمْ ”: العَدُوَّ أوْ ما جَرى مَجْراهُ. وفي“ فَرِجالًا ”أيْ: فَصَلُّوا رِجالًا، وفي“ وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ ”سَواءٌ رُفِعَ أمْ نُصِبَ، وفي“ غَيْرَ إخْراجٍ ”أيْ: لَهُنَّ مِن مَكانِهِنَّ الَّذِي يَعْتَدِدْنَ فِيهِ، وفي فَإنْ خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ مِن غَيْرِ رِضًا مِنهُنَّ، وفي“ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ”أيْ: مِن مَيْلِهِنَّ إلى التَّزْوِيجِ، أوِ الزِّينَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وفي“ بِالمَعْرُوفِ ”أيْ: عادَةً أوْ شَرْعًا وفِي“ عَزِيزٌ ”أيِ: انْتِقامُهُ، وفي“ حَكِيمٌ ”أيْ: في أحْكامِهِ. وفي قَوْلِهِ“ حَقًّا ”أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وفي“ عَلى المُتَّقِينَ ”أيْ عَذابُ اللَّهِ، والتَّشْبِيهُ في“ كَما عَلَّمَكم ”، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ: وهو أنْ يَكُونَ بِفِعْلَيْنِ أوْ بِاسْمَيْنِ، وذَلِكَ في“ عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ”، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في“ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ ”، والمَجازُ في“ يُتَوَفَّوْنَ ”أيْ: يُقارِبُونَ الوَفاةَ، والتَّكْرارُ في“ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ”، ثُمَّ قالَ:“ ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ "؛ فَيَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ إنْ كانَ إيّاهُ، ولِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ إنْ كانَ غَيْرَهُ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ حُكْمَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وأنَّ عِدَّتَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، وأنَّهُنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ لا حَرَجَ عَلى مَن كانَ مُتَوَلِّيًا أمْرَهُنَّ مِن ولِيٍّ أوْ حاكِمٍ فِيما فَعَلْنَ مِن تَعَرُّضٍ لِخِطْبَةٍ، وتَزَيُّنٍ، وتَرْكِ إحْدادٍ، وتَزَوُّجٍ، وذَلِكَ …

Al-Baqara 2:242Listen in Qur'an →
243

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allah said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allah is full of bounty to the people, but most of the people do not show gratitude.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، الألْفُ: عَدَدٌ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ في القِلَّةِ آلافٌ وفي الكَثْرَةِ أُلُوفٌ، ويُقالُ: آلَفْتُ الدَّراهِمَ وآلَفَتْ هي، وقِيلَ: أُلُوفٌ جَمْعُ ألْفٍ كَشاهِدٍ وشُهُودٍ. القَرْضُ: القَطْعُ بِالسِّنِّ، ومِنهُ سُمِّيَ المِقْراضُ لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ، ويُقالُ: انْقَرَضَ القَوْمُ أيْ ماتُوا وانْقَطَعَ خَبَرُهم، ومِنهُ: أقْرَضْتُ فُلانًا أيْ قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ المالِ، وقالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: لَكَ عِنْدِي قَرْضُ صِدْقٍ وقَرْضُ سُوءٍ، لِأمْرٍ تَأْتِي مَسَرَّتُهُ ومَساءَتُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: القَرْضُ: البَلاءُ الحَسَنُ والبَلاءُ السَّيِّئُ. وقالَ اللَّيْثُ: القَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، يُقالُ: أقْرَضَ فُلانٌ فُلانًا: أعْطاهُ ما يَتَجازاهُ مِنهُ. والِاسْمُ مِنهُ: القَرْضُ، وهو ما أعْطَيْتَهُ لِتُكافَأ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: القَرْضُ: أنْ تُعْطِيَ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إلَيْكَ مِثْلُهُ، ويُقالَ: تَقارَضا الثَّناءَ: أثْنى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، ويُقالُ قارَضَهُ الوُدَّ والثَّناءَ. وحَكى الكِسائِيُّ: القِرْضُ بِالكَسْرِ، والأشْهَرُ فَتْحُ القافِ. الضِّعْفُ: مِثْلُ قَدْرَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، ويُقالُ مِثْلُ الشَّيْءِ في المِقْدارِ، وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، إلّا أنَّهُ إذا قِيلَ ضِعْفانِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ المِثْلَيْنِ في القَدْرِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ يُضَعِّفُ الآخَرَ، كَما يُقالُ: الزَّوْجانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجًا لِلْآخَرِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ: يُضاعِفُ ويُضَعِّفُ، فَقالَ: التَّضْعِيفُ لِما جُعِلَ مِثْلَيْنِ، والمُضاعَفَةُ لِما زِيدَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ. القَبْضُ: ضَمُّ الشَّيْءِ والجَمْعُ عَلَيْهِ والبَسْطُ ضِدُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:

؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ انَّهُ دَعاها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهُ

المَلَأُ: الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ، ويُجْمَعُ عَلى أمْلاءٍ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ ∗∗∗ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها

وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَمْلَؤُونَ العُيُونَ هَيْبَةً، أوِ المَكانَ إذا حَضَرُوهُ، أوْ لِأنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَلَأُ: الرِّجالُ …

Al-Baqara 2:243Listen in Qur'an →
244

وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And fight in the cause of Allah and know that Allah is Hearing and Knowing.

﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هَذا خِطابٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَتْ تِلْكَ القِصَّةُ - كَما قُلْنا - تَنْبِيهًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ لا تَفِرَّ مِنَ المَوْتِ كَفِرارِ أُولَئِكَ، وتَشْجِيعًا لَها وتَثْبِيتًا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن أحْياهُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِالجِهادِ، أيْ: وقالَ لَهم قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا وجْهَ لِهَذا القَوْلِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُلْتَحِمَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لِأنَّ في هَذا إشْعارًا بِلِقاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ ما جاءَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جاءَ كالِاعْتِراضِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] تَتْمِيمٌ أوْ تَوْكِيدٌ لِبَعْضِ أحْكامِ المُطَلَّقاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] اعْتِبارٌ بِمَن مَضى مِمَّنْ فَرَّ مِنَ المَوْتِ، فَماتَ، أنْ لا نَنْكُصَ ولا نُحْجِمَ عَنِ القِتالِ، وبَيانُ المُقاتِلِ فِيهِ، وأنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ فِيهِ حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى القِتالِ؛ إذْ كانَ الإنْسانُ يُقاتِلُ لِلْحَمِيَّةِ، ولِنَيْلِ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا. والقِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ مُوَرِّثٌ لِلْعِزِّ الأبَدِيِّ والفَوْزِ السَّرْمَدِيِّ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يَسْمَعُ ما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ القِتالِ والمُتَبادِرُونَ إلَيْهِ، ويَعْلَمُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النِّيّاتُ؛ فَيُجازِي عَلى ذَلِكَ.

Al-Baqara 2:244Listen in Qur'an →
245

مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

Who is it that would loan Allah a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allah who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾، هَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْسِيسِ والتَّقْرِيبِ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، شَبَّهَ تَعالى عَطاءَ المُؤْمِنِ في الدُّنْيا بِما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَما شَبَّهَ بَذْلَ النُّفُوسِ والأمْوالِ في الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى بَذْلِ النُّفُوسِ والأمْوالِ في إعْزازِ دِينِ اللَّهِ؛ أثْنى عَلى مَن بَذَلَ شَيْئًا مِن مالِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا أقَلَّ حَرَجًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا بَذْلُ المالِ دُونَ النَّفْسِ، فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الطَّلَبِ. قالَ ابْنُ المَغْرِبِيِّ: انْقَسَمَ الخَلْقُ حِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ إلى فِرَقٍ ثَلاثَةٍ: الأُولى: اليَهُودُ، قالُوا: إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ يَحْتاجُ إلَيْنا ونَحْنُ أغْنِياءُ، وهَذِهِ جَهالَةٌ عَظِيمَةٌ؛ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] . والثّانِيَةُ: آثَرَتِ الشُّحَّ والبُخْلَ، وقَدَّمَتِ الرَّغْبَةَ في المالِ. والثّالِثَةُ: بادَرَتْ إلى الِامْتِثالِ، كَفِعْلِ أبِي الدَّحْداحِ وغَيْرِهِ. انْتَهى. و”مَن“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”ذا“، و”الَّذِي“ نَعْتٌ لِذا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ومَنَعَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ”مَن“ و”ذا“ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، كَما كانَتْ ”ما“ مَعَ ”ذا“، قالَ: لِأنَّ ”ما“ أشَدُّ إبْهامًا مِن ”مَن“، إذا كانَتْ ”مَن“ لِمَن يَعْقِلُ. وأصْحابُنا يُجِيزُونَ تَرْكِيبَ ”مَن“ مَعَ ”ذا“ في الِاسْتِفْهامِ وتَصْيِرَهُما كاسْمٍ واحِدٍ، كَما يُجِيزُونَ ذَلِكَ في ”ما“ و”ذا“، فَيُجِيزُونَ في: مَن ذا عِنْدَكَ، أنْ يَكُونَ: ”مَن“ و”ذا“، بِمَنزِلَةِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ. وانْتَصَبَ لَفْظُ الجَلالَةِ بِـ ”يُقْرِضُ“ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عِبادَ اللَّهِ المَحاوِيجَ، أسْنَدَ الِاسْتِقْراضَ إلى اللَّهِ وهو المُنَزَّهُ عَنِ الحاجاتِ، تَرْغِيبًا في الصَّدَقَةِ، كَما أضافَ الإحْسانَ إلى المَرِيضِ والجائِعِ والعَطْشانِ إلى نَفْسِهِ تَعالى في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا: (يا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي واسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي واسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي)، الحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، والبُخارِيُّ. وانْتَصَبَ ”قَرْضًا“ عَلى المَصْدَرِ الجارِي عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إقْراضًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَقْرُوضٍ، أيْ: قِطْعَةً مِنَ المالِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وانْتَصَبَ ”حَسَنًا“ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ ”قَرْضًا“ وهو الظّاهِرُ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ إذا أعْرَبْنا قَرْضًا مَفْعُولًا بِهِ، أيْ: إقْراضًا حَسَنًا، ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِكَوْنِهِ طَيِّبَ النِّيَّةِ خالِصًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ المُبارَكِ. أوْ لِكَوْنِهِ يَحْتَسِبُ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابَهُ، أوْ لِكَوْنِهِ جَيِّدًا كَثِيرًا، أوْ لِكَوْنِهِ بِلا مَنٍّ ولا أذًى، قالَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، أوْ لِكَوْنِهِ لا يَطْلُبُ بِهِ عِوَضًا، قالَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القُشَيْرِيُّ التُّسْتَرِيُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: ”فَيُضَعِّفُهُ“ بِالتَّشْدِيدِ مِن ضَعَّفَ، والباقُونَ: ”فَيُضاعِفُهُ“ مِن ضاعَفَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُما بِمَعْنًى. …

Al-Baqara 2:245Listen in Qur'an →
246

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّۢ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًۭا نُّقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allah "? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if fighting was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allah when we have been driven out from our homes and from our children?" But when fighting was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قِصَّةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ، إمّا بِالقِتالِ أوْ بِالطّاعُونِ، عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ والتَّثْبِيتِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإعْلامِ بِأنَّهُ لا يُنْجِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ؛ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِتالَ كانَ مَطْلُوبًا مَشْرُوعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ؛ فَلَيْسَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي خُصِصْتُمْ بِها؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ الِاشْتِراكُ كانَتِ النَّفْسُ أمْيَلَ لِقَبُولِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَكُونُ يَقَعُ بِهِ الِانْفِرادُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ”ألَمْ تَرَ“ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، والمَلَأُ هُنا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَمِيعُ القَوْمِ، قالَ: لِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، وهَذا هو أصْلُ وضْعِ اللَّفْظَةِ. وتُسَمّى الأشْرافُ المَلَأ تَشْبِيهًا. انْتَهى. يَعْنِي: واللَّهُ أعْلَمُ تَشْبِيهًا بِجَمِيعِ القَوْمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَلَأِ في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ.

﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾: في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: كائِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ هو صِلَةٌ لِلْمَلَأِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ المُعَرَّفَ بِالألِفِ واللّامِ يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، كَما زَعَمُوا ذَلِكَ في قَوْلِهِ:

؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيَتُ أكْرَمُ أهْلِهِ

فَأكْرَمُ عِنْدَهم صِلَةٌ لِلْبَيْتِ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، كَذَلِكَ: ”مِن بَنِي إسْرائِيلَ“ العامِلُ فِيهِ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.

﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وهُوَ كائِنِينَ، وتَعَدّى إلى حَرْفَيْ جَرٍّ مِن لَفْظٍ واحِدٍ لِاخْتِلافِ المَعْنى؛ فَـ ”مِن“ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ و”مِن“ الثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ إذِ العامِلُ في هَذا الظَّرْفِ، قالُوا ”تَرَ“، وقالُوا: هو بَدَلٌ مِن ”بَعْدِ“؛ لِأنَّهُما زَمانانِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما لا يَصِحُّ. أمّا الأوَّلُ: فَإنَّ ”ألَمْ تَرَ“ تَقْرِيرٌ، والمَعْنى: قَدِ انْتَهى عِلْمُكَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ نَظَرْتَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ إذْ قالُوا، ولَيْسَ انْتِهاءُ عِلْمِهِ إلَيْهِمْ، ولا نَظَرُهُ إلَيْهِمْ كانَ في وقْتِ قَوْلِهِمْ لِنَبِيٍّ لَهم: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾، وإذا لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا لِلِانْتِهاءِ، ولا لِلنَّظَرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُما، أوْ لِأحَدِهِما ؟ هَذا ما لا يَصِحُّ. وأمّا الثّانِي: فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَدَلًا مِن ”بَعْدِ“ لَكانَ عَلى تَقْدِيرِ العامِلِ، وهو لا يَصِحُّ دُخُولُهُ عَلَيْهِ، أعْنِي ”مِن“ الدّاخِلَةَ عَلى ”بَعْدِ“ لا تَدْخُلُ عَلى ”إذْ“، لا تَقُولُ: مِن إذْ، ولَوْ كانَ مِنَ الظُّرُوفُ الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْها ”مَن“ كَوَقْتٍ وحِينٍ، لَمْ يَصِحَّ المَعْنى أيْضًا؛ لِأنَّ ”مِن بَعْدِ مُوسى“ حالٌ كَما قَرَّرْناهُ؛ إذِ العامِلُ فِيهِ: كائِنِينَ، ولَوْ قُلْتَ: كائِنِينَ مِن حِينِ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا؛ لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، وإذا بَطَلَ هَذانِ الوَجْهانِ، فَيُنْظَرُ ما يَعْمَلُ فِيهِ مِمّا يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، وقَدْ وجَدْناهُ، وهو: أنْ يَكُونَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ بِهِ يَصِحُّ المَعْنى، وهو العامِلُ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ تَرَ إلى قِصَّةِ المَلَأِ، أوْ حَدِيثِ المَلَأِ، وما في مَعْناهُ؛ …

Al-Baqara 2:246Listen in Qur'an →
247

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And their prophet said to them, "Indeed, Allah has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allah has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allah gives His sovereignty to whom He wills. And Allah is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾، قَوْلُ النَّبِيِّ لَهم ”إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ“ لا يَكُونُ إلّا بِوَحْيٍ؛ لِأنَّهم سَألُوهُ أنْ يَبْعَثَ لَهم مَلِكًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ ذَلِكَ النَّبِيُّ أنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسُؤالٍ مِنَ النَّبِيِّ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ سُؤالِهِ، بَلْ لَمّا عَلِمَ حاجَتَهم إلَيْهِ بَعَثَهُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ لَهم مَلِكًا، فَأتى بِعَصًا وقَرْنٍ فِيهِ دُهْنُ القُدْسِ، وقِيلَ: الَّذِي يَكُونُ مَلِكًا طُولُهُ طُولُ هَذِهِ العَصا، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ: انْظُرِ القَرْنَ فَإذا دَخَلَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي هو فِيهِ فَهو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقاسُوا أنْفُسَهم بِالعَصا فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَها، وكانَ: طالُوتُ سَقّاءً عَلى ماءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ دَبّاغًا عَلى ما قالَهُ وهْبٌ، أوْ مُكارِيًا، وضاعَ حِمارٌ لَهُ، أوْ حُمُرٌ لِأهْلِهِ؛ فاجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ لِيَسْألَهُ عَنْ ما ضاعَ لَهُ ويَدْعُو اللَّهَ لَهُ، فَبَيْنا هو عِنْدَهُ نَشَّ ذَلِكَ القَرْنَ، وقاسَهُ النَّبِيُّ بِالعَصا، فَكانَ طُولَها، فَقالَ لَهُ: قَرِّبْ رَأْسَكَ فَقَرَّبَهُ ودَهَنَهُ بِدُهْنِ القُدْسِ، وقالَ: أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أُمَلِّكَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. فَقالَ طالُوتُ: أنا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ أنَّ سِبْطِي أدْنى أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: أفَما عَلِمْتَ أنَّ بَيْتِي أدْنى بُيُوتِ بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: بَلى. قالَ: فَبِآيَةِ أنَّكَ تَرْجِعُ وقَدْ وجَدَ أبُوكَ حُمُرَهُ، وكانَ كَذَلِكَ. وانْتَصَبَ: مَلِكًا عَلى الحالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَلَّكَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ أمِيرًا عَلى الجَيْشِ.

﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾، هَذا كَلامُ مَن تَعَنَّتَ وحادَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، وهي عادَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ يَنْبَغِي لَهم إذْ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَنِ اللَّهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ أنْ يُسَلِّمُوا الأمْرَ لِلَّهِ، ولا تُنْكِرُهُ قُلُوبُهم، ولا يَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ؛ فَفي المَقادِيرِ أسْرارٌ لا تُدْرَكُ، فَقالُوا: كَيْفَ يُمَلَّكُ عَلَيْنا مَن هو دُونَنا ولَيْسَ مِن بَيْتِ المُلْكِ الَّذِي هو سِبْطُ يَهُوذا، ومِنهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ ؟ ولَيْسَ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِي هو سِبْطُ لاوِي ومِنهُ مُوسى وهارُونُ ؟ قالَ ابْنُ السّائِبِ: وكانَ سِبْطُ طالُوتَ قَدْ عَمِلُوا ذَنْبًا عَظِيمًا، نَكَحُوا النِّساءَ نَهارًا عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَنَزَعَ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ مِنهم، وكانُوا يُسَمَّوْنَ سِبْطَ الإثْمِ. وفي قَوْلِهِمْ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ إلى آخِرِهِ، ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ أنْ لا يُقَدَّمَ المَفْضُولُ عَلى الفاضِلِ، واسْتِحْقارُ مَن كانَ غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ؛ فاسْتَبْعَدُوا أنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَن هم أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ، وهو فَقِيرٌ والمُلْكُ يَحْتاجُ إلى أصالَةٍ فِيهِ؛ إذْ يَكُونُ أعْظَمَ في النُّفُوسِ، وإلى غِنًى يَسْتَعْبِدُ بِهِ الرِّجالَ، ويُعِينُهُ عَلى مَقاصِدِ المُلْكِ - لَمْ يَعْتَبِرُوا السَّبَبَ الأقْوى، وهو: قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، واعْتَبَرُوا السَّبَبَ الأضْعَفَ، وهو: النَّسَبُ والغِنى، ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا …

Al-Baqara 2:247Listen in Qur'an →
248

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، التّابُوتُ: مَعْرُوفٌ وهو الصُّنْدُوقُ، وفي التّابُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ وزْنَهُ ”فاعُولٌ“، ولا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ، ولُغَةٌ فِيهِ التّابُوهُ، بِالهاءِ آخِرًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ بَدَلًا مِنَ التّاءِ كَما أبْدَلُوها مِنها في الوَقْفِ في مِثْلِ ”طَلْحَةَ“؛ فَقالُوا ”طَلْحَهْ“ . ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَعَلُوتًا“ كَمَلَكُوتٍ، مِن: تابَ يَتُوبُ؛ لِفُقْدانِ مَعْنى الِاشْتِقاقِ فِيهِ. والقَوْلُ الآخَرُ: أنَّهُ فَعَلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ، وهو الرُّجُوعُ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ تُوضَعُ فِيهِ الأشْياءُ وتُودَعُهُ فَلا يَزالُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما يَخْرُجُ مِنهُ، وصاحِبُهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن مُودَعاتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ولا يَكُونُ ”فاعُولًا“ لِقِلَّةٍ نَحْوَ: سَلِسَ، وقَلِقَ، ولِأنَّهُ تَرْكِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَلا يَجُوزُ تَرْكُ المَعْرُوفِ إلَيْهِ، وأمّا بِالهاءِ فَفاعُولٌ إلّا فِيمَن جَعَلَ هاءَهُ بَدَلًا مِنَ التّاءِ؛ لِاجْتِماعِهِما في الهَمْسِ، وأنَّهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ؛ ولِذَلِكَ أُبْدِلَتْ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ. ”السَّكِينَةُ“: فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ، وهو الوَقارُ، تَقُولُ: في فُلانٍ سَكِينَةٌ، أيْ: وقارٌ وثَباتٌ. ”هارُونَ“: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمْنَعُ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ. ”الجُنُودُ“: جَمْعُ جُنْدٍ، وهو مَعْرُوفٌ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الجَنَدِ، وهو: الغَلِيظُ مِنَ الأرْضِ؛ إذْ بَعْضُهم يَعْتَصِمُ بِبَعْضٍ. ”الغُرْفَةُ“: بِضَمِّ الغَيْنِ، اسْمٌ لِلْقَدْرِ المُغْتَرَفِ مِنَ الماءِ، كالأُكْلَةِ لِلْقَدْرِ الَّذِي يُؤْكَلُ، وبِفَتْحِ الغَيْنِ مَصْدَرٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ، نَحْوَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَةً، والِاغْتِرافُ والغَرْفُ مَعْرُوفٌ، والغُرْفَةُ البِناءُ العالِي المُشْرِفُ. جاوَزَ وجازَ المَكانَ: قَطَعَهُ. ”جالُوتُ“: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، كانَ مَلِكَ العَمالِقَةِ، ويُقالُ إنَّ البَرْبَرَ مِن نَسْلِهِ. ”الفِئَةُ“: القِطْعَةُ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِن فاءَ يَفِيءُ إذا رَجَعَ؛ فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَيْنَ الكَلِمَةِ، أوْ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ: كَسَرْتُهُ؛ فَيَكُونُ المَحْذُوفُ لامَ الكَلِمَةِ، قَوْلًا. غَلَبَ غَلْبًا وغَلَبَةً: قَهَرَ، والأغْلَبُ: …

Al-Baqara 2:248Listen in Qur'an →
249

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍۢ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allah will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allah said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allah. And Allah is with the patient."

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمْلَةِ قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَهُمُ التّابُوتُ، وأقَرُّوا لَهُ بِالمُلْكِ، وتَأهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ أيِ: انْفَصَلَ مِن مَكانِ إقامَتِهِ، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ المَوْضِعِ انْفَصَلَ، وجاوَزَهُ. قِيلَ: وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ كَثُرَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ حَتّى صارَ في حُكْمِ غَيْرِ المُتَعَدِّي: كانْفَصَلَ، والباءُ في (بِالجُنُودِ)، لِلْحالِ، أيْ: والجُنُودُ مُصاحِبُوهُ، وكانَ عَدَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ ثَمانِينَ ألْفًا قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ مِائَةَ ألْفٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوْ ثَلاثِينَ ألْفًا.

قالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا رَأى بَنُو إسْرائِيلَ التّابُوتَ سارَعُوا إلى طاعَتِهِ والخُرُوجِ مَعَهُ، فَقالَ لَهم طالُوتُ: لا يَخْرُجُ مَعِي مَن بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً لَمْ يَدْخُلْ بِها، ولا صاحِبُ زَرْعٍ لَمْ يَحْصُدْهُ، ولا صاحِبُ تِجارَةٍ لَمْ يَرْحَلْ بِها، ولا مَن لَهُ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ولا كَبِيرٌ، ولا عَلِيلٌ. فَخَرَجَ مَعَهُ مَن تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في عَدَدِهِمْ عَلى شَرْطِهِ، فَسارَ بِهِمْ، فَشَكَوْا قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، وسَلَكُوا مَفازَةً، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ لَهم نَهَرًا.

﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ قالَ وهْبٌ: هو الَّذِي اقْتَرَحُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو نَهَرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ. وقِيلَ: نَهَرُ فِلَسْطِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أيْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِنَهَرٍ)، بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وأبُو السَّمّاكِ، وغَيْرُهم: بِإسْكانِ الهاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وظاهِرُ قَوْلِ طالُوتَ: إنَّ اللَّهَ يُوحِي، إمالَةٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ نَبِيٌّ، أوْ يُوحِي إلى نَبِيِّهِمْ، وإخْبارُ النَّبِيِّ طالُوتَ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا ألْهَمَ اللَّهُ طالُوتَ إلَيْهِ، فَجَرَتْ بِهِ جُنْدُهُ، وجُعِلَ الإلْهامُ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لَهم، ومَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُهم، فَمَن ظَهَرَتْ طاعَتُهُ في تَرْكِ الماءِ عَلِمَ أنَّهُ يُطِيعُ، فِيما عَدا ذَلِكَ، ومَن غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ في الماءِ، وعَصى الأمْرَ فَهو بِالعِصْيانِ في الشَّدائِدِ أحْرى، انْتَهى كَلامُهُ. وبَعْدَ أنْ يُخْبِرَ طالُوتُ عَنْ ما خَطَرَ بِبالِهِ بِأنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الجَزْمِ عَنِ اللَّهِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ) أيْ: لَيْسَ مِن أتْباعِي في هَذِهِ الحَرْبِ ولا أشْياعِي، ولَمْ يُخْرِجْهم بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ نَحْوَ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا»، «لَيْسَ مِنّا مَن شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ» أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي ومُتَّحِدٍ مَعِي، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنِّي كَأنِّي بَعْضُهُ، لِاخْتِلاطِهِما واتِّحادِهِما قالَ النّابِغَةُ:

؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ، وطَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ ذَوْقُهُ، ومِنهُ التَّطَعُّمُ، يُقالُ: تَطَعَّمْتُ مِنهُ أيْ: ذُقْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن لا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى مَأْكُولٍ تُطْعَمُ مِنهُ: يَسْهُلُ أكْلُهُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أطْعَمْتُكَ الماءَ تُرِيدُ أذَقْتُكَ، وطَعَمْتُ الماءَ أطْعَمُهُ بِمَعْنى ذُقْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ عَلَيْكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا

النُّقاخُ: العَذْبُ، …

Al-Baqara 2:249Listen in Qur'an →
250

وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمْلَةِ قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَهُمُ التّابُوتُ، وأقَرُّوا لَهُ بِالمُلْكِ، وتَأهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ﴾ أيِ: انْفَصَلَ مِن مَكانِ إقامَتِهِ، يُقالُ: فَصَلَ عَنِ المَوْضِعِ انْفَصَلَ، وجاوَزَهُ. قِيلَ: وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ، ثُمَّ كَثُرَ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ حَتّى صارَ في حُكْمِ غَيْرِ المُتَعَدِّي: كانْفَصَلَ، والباءُ في (بِالجُنُودِ)، لِلْحالِ، أيْ: والجُنُودُ مُصاحِبُوهُ، وكانَ عَدَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ ثَمانِينَ ألْفًا قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ مِائَةَ ألْفٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوْ ثَلاثِينَ ألْفًا.

قالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا رَأى بَنُو إسْرائِيلَ التّابُوتَ سارَعُوا إلى طاعَتِهِ والخُرُوجِ مَعَهُ، فَقالَ لَهم طالُوتُ: لا يَخْرُجُ مَعِي مَن بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا مَن تَزَوَّجَ امْرَأةً لَمْ يَدْخُلْ بِها، ولا صاحِبُ زَرْعٍ لَمْ يَحْصُدْهُ، ولا صاحِبُ تِجارَةٍ لَمْ يَرْحَلْ بِها، ولا مَن لَهُ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ولا كَبِيرٌ، ولا عَلِيلٌ. فَخَرَجَ مَعَهُ مَن تَقَدَّمَ الِاخْتِلافُ في عَدَدِهِمْ عَلى شَرْطِهِ، فَسارَ بِهِمْ، فَشَكَوْا قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، وسَلَكُوا مَفازَةً، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ لَهم نَهَرًا.

﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ قالَ وهْبٌ: هو الَّذِي اقْتَرَحُوهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: هو نَهَرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ. وقِيلَ: نَهَرُ فِلَسْطِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أيْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (بِنَهَرٍ)، بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وأبُو السَّمّاكِ، وغَيْرُهم: بِإسْكانِ الهاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وظاهِرُ قَوْلِ طالُوتَ: إنَّ اللَّهَ يُوحِي، إمالَةٌ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ نَبِيٌّ، أوْ يُوحِي إلى نَبِيِّهِمْ، وإخْبارُ النَّبِيِّ طالُوتَ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا ألْهَمَ اللَّهُ طالُوتَ إلَيْهِ، فَجَرَتْ بِهِ جُنْدُهُ، وجُعِلَ الإلْهامُ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لَهم، ومَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ اخْتِبارُهم، فَمَن ظَهَرَتْ طاعَتُهُ في تَرْكِ الماءِ عَلِمَ أنَّهُ يُطِيعُ، فِيما عَدا ذَلِكَ، ومَن غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ في الماءِ، وعَصى الأمْرَ فَهو بِالعِصْيانِ في الشَّدائِدِ أحْرى، انْتَهى كَلامُهُ. وبَعْدَ أنْ يُخْبِرَ طالُوتُ عَنْ ما خَطَرَ بِبالِهِ بِأنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الجَزْمِ عَنِ اللَّهِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ) أيْ: لَيْسَ مِن أتْباعِي في هَذِهِ الحَرْبِ ولا أشْياعِي، ولَمْ يُخْرِجْهم بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ نَحْوَ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا»، «لَيْسَ مِنّا مَن شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ» أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي ومُتَّحِدٍ مَعِي، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنِّي كَأنِّي بَعْضُهُ، لِاخْتِلاطِهِما واتِّحادِهِما قالَ النّابِغَةُ:

؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ، وطَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ ذَوْقُهُ، ومِنهُ التَّطَعُّمُ، يُقالُ: تَطَعَّمْتُ مِنهُ أيْ: ذُقْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن لا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى مَأْكُولٍ تُطْعَمُ مِنهُ: يَسْهُلُ أكْلُهُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أطْعَمْتُكَ الماءَ تُرِيدُ أذَقْتُكَ، وطَعَمْتُ الماءَ أطْعَمُهُ بِمَعْنى ذُقْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ عَلَيْكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أُطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا

النُّقاخُ: العَذْبُ، …

Al-Baqara 2:250Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.