Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 221–230 of 286

221

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

And do not marry polytheistic women until they believe. And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allah invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses to the people that perhaps they may remember.

﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾: أيْ: لا تَتَزَوَّجُوهُنَّ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ؛ مِن "الإنْكاحُ"؛ أيْ: لا تُزَوِّجُوهُنَّ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ﴾؛ والمُرادُ بِهِنَّ إمّا ما يَعُمُّ الكِتابِيّاتِ أيْضًا؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ التَّعْلِيلَيْنِ الآتِيَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾؛ وإمّا غَيْرُ الكِتابِيّاتِ؛ فَهي ثابِتَةٌ؛ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مِرْثَدَ بْنَ أبِي مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ إلى مَكَّةَ؛ لِيُخْرِجَ مِنها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وكانَ يَهْوى امْرَأةً في الجاهِلِيَّةِ؛ اسْمُها "عَناقُ"؛ فَأتَتْهُ؛ فَقالَتْ: ألا تَخْلُو؟ فَقالَ: ويْحَكِ؛ إنَّ الإسْلامَ حالَ بَيْنَنا؛ فَقالَتْ: هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِي؟ قالَ: نَعَمْ؛ ولَكِنْ أرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأسْتَأْمِرُهُ؛ فاسْتَأْمَرَهُ؛ فَنَزَلَتْ.

﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مُواصَلَتِهِنَّ؛ وتَرْغِيبٌ في مُواصَلَةِ المُؤْمِناتِ؛ صُدِّرَ بِلامِ الِابْتِداءِ؛ الشَّبِيهَةِ بِلامِ القَسَمِ في إفادَةِ التَّأْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الِانْزِجارِ؛ وأصْلُ "أمَةٌ": "أمَوٌ"؛ حَذِفَتْ لامُها عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ وعُوِّضَ عَنْهُ تاءُ التَّأْنِيثِ؛ ودَلِيلُ كَوْنِ لامِها واوًا رُجُوعُها في الجَمْعِ؛ قالَ الكِلابِيُّ:

؎ أمّا الإماءُ فَلا يَدْعُونَنِي ولَدًا ∗∗∗ إذا تَداعى بَنُو الأمَواتِ بِالعارِ

وَظُهُورُها في المَصْدَرِ؛ يُقالُ: هي أمَةٌ بَيِّنَةُ الأُمُوَّةِ؛ وأقَرَّتْ لَهُ بِالأُمُوَّةِ؛ وقَدْ وقَعَتْ مُبْتَدَأً؛ لِما فِيها مِن لامِ الِابْتِداءِ؛ والوَصْفِ؛ أيْ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ؛ مَعَ ما بِها مِن خَساسَةِ الرِّقِّ وقِلَّةِ الخَطَرِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ بِحَسَبِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿مِن مُشْرِكَةٍ﴾؛ أيْ: امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ؛ مَعَ ما لَها مِن شَرَفِ الحُرِّيَّةِ؛ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ؛ ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾؛ قَدْ مَرَّ أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ؛ مَعَ انْصِبابِ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِهِ؛ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ؛ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ؛ عَلى الإجْمالِ؛ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ؛ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ؛ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ؛ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ؛ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ ولِذَلِكَ لا يُذَكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ؛ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها؛ المُقابِلَةِ لَها؛ المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تُعْجِبْكُمْ؛ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِن "مُشْرِكَةٍ"؛ إذِ المَآلُ: ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنِ امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ حالَ عَدَمِ إعْجابِها؛ وحالَ إعْجابِها إيّاكم بِجَمالِها؛ ومالِها؛ ونَسَبِها؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَبادِي الإعْجابِ؛ ومُوجِباتِ الرَّغْبَةِ فِيها؛ أيْ: عَلى كُلِّ …

Al-Baqara 2:221Listen in Qur'an →
222

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves, then come to them from where Allah has ordained for you. Indeed, Allah loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِهِ؛ ولَعَلَّ حِكايَةَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ بِالعَطْفِ لِوُقُوعِ الكُلِّ عِنْدَ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ؛ وحِكايَةَ ما عَداها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِوُقُوعِ كُلٍّ مِن ذَلِكَ في وقْتٍ عَلى حِدَةِ؛ والمَحِيضُ: مَصْدَرٌ مِن "حاضَتِ المَرْأةُ"؛ كَـ "المَجِيءُ"؛ و"المَبِيتُ"؛ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُساكِنُونَ الحُيَّضَ؛ ولا يُؤاكِلُونَهُنَّ؛ كَدَأْبِ اليَهُودِ؛ والمَجُوسِ؛ واسْتَمَرَّ النّاسُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ سَألَ عَنْ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ في نَفَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ فَنَزَلَتْ.

﴿قُلْ هو أذًى﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يُسْتَقْذَرُ مِنهُ ويُؤْذِي مَن يَقْرَبُهُ؛ نَفْرَةً مِنهُ؛ وكَراهَةً لَهُ؛ ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾؛ أيْ: فاجْتَنِبُوا مُجامَعَتَهُنَّ في حالَةِ المَحِيضِ؛ قِيلَ: أخَذَ المُسْلِمُونَ بِظاهِرِ الِاعْتِزالِ؛ فَأخْرَجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِمْ؛ فَقالَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ البَرْدُ شَدِيدٌ؛ والثِّيابُ قَلِيلَةٌ؛ فَإنْ آثَرْناهُنَّ هَلَكَ سائِرُ أهْلِ البَيْتِ؛ وإنْ اسْتَأْثَرْنا بِها هَلَكَتِ الحُيَّضُ؛ فَقالَ ﷺ: « "إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ؛ ولَمْ يَأْمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ؛ كَفِعْلِ الأعاجِمِ"؛» وقِيلَ: إنَّ النَّصارى كانُوا يُجامِعُونَهُنَّ؛ ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ؛ واليَهُودَ كانُوا يُفْرِطُونَ في الِاعْتِزالِ؛ فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ بِالِاقْتِصادِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ تَأْكِيدٌ لِحُكْمِ الِاعْتِزالِ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ عَدَمُ قُرْبانِهِنَّ؛ لا عَدَمُ القُرْبِ مِنهُنَّ؛ وبَيانٌ لِغايَتِهِ؛ وهو انْقِطاعُ الدَّمِ؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ في أكْثَرِ المُدَّةِ حَلَّ القُرْبانُ؛ كَما انْقَطَعَ؛ وإلّا فَلا بُدَّ مِنَ الِاغْتِسالِ؛ أوْ مِن مُضِيِّ وقْتِ صَلاةٍ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يَغْتَسِلْنَ بَعْدَ الِانْقِطاعِ؛ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ؛ ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ فَإنَّ التَّطَهُّرَ هو الِاغْتِسالُ؛ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ مِنَ المَأْتى الَّذِي حَلَّلَهُ لَكُمْ؛ وهو القُبُلُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾؛ مِمّا عَسى يَنْدُرُ مِنهم مِنَ ارْتِكابِ بَعْضِ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ومِن سائِرِ الذُّنُوبِ؛ ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾؛ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الفَواحِشِ؛ والأقْذارِ؛ وفي ذِكْرِ التَّوْبَةِ إشْعارٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلَيْها؛ بِارْتِكابِ بَعْضِ النّاسِ لِما نُهُوا عَنْهُ؛ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأمْرِ التَّطَهُّرِ.

Al-Baqara 2:222Listen in Qur'an →
223

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Your wives are a place of sowing of seed for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allah and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَواضِعُ حَرْثٍ لَكُمْ؛ شُبِّهْنَ بِها لِما بَيْنَ ما يُلْقى في أرْحامِهِنَّ؛ وبَيْنَ البُذُورِ مِنَ المُشابَهَةِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما مادَّةٌ لِما يَحْصُلُ مِنهُ؛ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ لَمّا عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالحَرْثِ عَبَّرَ عَنْ مُجامَعَتِهِنَّ بِالإتْيانِ؛ وهو بَيانٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ .

﴿أنّى شِئْتُمْ﴾: مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْتُمْ؛ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مَن أتى امْرَأتَهُ في قُبُلِها مِن دُبُرِها يَأْتِي ولَدُهُ أحْوَلَ؛ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَنَزَلَتْ.

﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: ما يُدَّخَرُ لَكم مِنَ الثَّوابِ؛ وقِيلَ: هو طَلَبُ الوَلَدِ؛ وقِيلَ هو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ المُباشَرَةِ؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عُدَّ مِنَ الأُمُورِ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾؛ فَتَعَرَّضُوا لِتَحْصِيلِ ما تَنْتَفِعُونَ بِهِ حِينَئِذٍ؛ واجْتَنِبُوا اقْتِرافَ ما تُفْتَضَحُونَ بِهِ؛ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما خُوطِبُوا بِهِ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ بِحُسْنِ القَبُولِ؛ والِامْتِثالِ بِما يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ مِنَ الكَرامَةِ؛ والنَّعِيمِ المُقِيمِ؛ أوْ بِكُلِّ ما يُبَشَّرُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُسَرُّ بِها القُلُوبُ؛ وتَقَرُّ بِها العُيُونُ؛ وفِيهِ؛ مَعَ ما في تَلْوِينِ الخِطابِ؛ وجَعْلِ المُبَشِّرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ مِنَ المُبالَغَةِ في تَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى.

Al-Baqara 2:223Listen in Qur'an →
224

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And do not make [your oath by] Allah an excuse against being righteous and fearing Allah and making peace among people. And Allah is Hearing and Knowing.

﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ﴾؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ؛ حِينَ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ خَتْنَهُ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ؛ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُخْتِهِ؛ وقِيلَ: في الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ حَلَفَ ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ؛ لِخَوْضِهِ في حَدِيثِ الإفْكِ؛ والعُرْضَةُ: "فُعْلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ كَـ "القُبْضَةُ"؛ و"الغُرْفَةُ"؛ تُطْلَقُ عَلى ما يَعْرِضُ دُونَ الشَّيْءِ؛ فَيَصِيرُ حاجِزًا عَنْهُ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ عُرْضَةٌ لِلْخَيْرِ"؛ وعَلى المُعَرَّضِ لِلْأمْرِ؛ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ∗∗∗ فَلا تَجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ

فالمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مانِعًا لِلْأُمُورِ الحَسَنَةِ؛ الَّتِي تَحْلِفُونَ عَلى تَرْكِها؛ وعَبَّرَ عَنْها بِالأيْمانِ؛ لِمُلابَسَتِها بِها؛ كَما في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمُرَةَ: « "إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ؛ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها؛ فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ"؛» وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾: عَطْفُ بَيانٍ لِـ "أيْمانِكُمْ"؛ أوْ بَدَلٌ مِنها؛ لِما عَرَفْتَ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأُمُورِ المَحْلُوفِ عَلَيْها؛ واللّامُ في "لِأيْمانِكُمْ": مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِـ "عُرْضَةً"؛ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاعْتِراضِ؛ أيْ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ لِبِرِّكُمْ؛ وتَقْواكُمْ؛ وإصْلاحِكم بَيْنَ النّاسِ؛ عُرْضَةً؛ أيْ: بَرْزَخًا حاجِزًا بِأنْ تَحْلِفُوا بِهِ (تَعالى) عَلى تَرْكِها؛ أوْ لا تَجْعَلُوهُ (تَعالى) عُرْضَةً؛ أيْ: شَيْئًا يَعْتَرِضُ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ؛ ويَحْجُزُها بِما ذُكِرَ مِنَ الحَلِفِ بِهِ (تَعالى) عَلى تَرْكِها؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ؛ ويَتَعَلَّقُ "أنْ تَبَرُّوا..." إلَخْ.. بِالفِعْلِ؛ أوْ بِـ "عُرْضَةً"؛ فَيَكُونُ الأيْمانُ بِمَعْناها؛ وأنْتُ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ؛ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ مَعْرِضًا لِأيْمانِكُمْ؛ تَبْتَذِلُونَهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ ولِذَلِكَ ذُمَّ مَن نَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾؛ بِأشْنَعِ المَذامِّ؛ وجُعِلَ "الحَلّافُ" مُقَدِّمَتَها؛ و"أنْ تَبَرُّوا" حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ: إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا؛ وتَتَّقُوا؛ وتُصْلِحُوا؛ لِأنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ مُعَظِّمٍ لَهُ؛ فَلا يَكُونُ بَرًّا؛ مُتَّقِيًا؛ ثِقَةً بَيْنَ النّاسِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّوَسُّطِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾؛ يَسْمَعُ أيْمانَكُمْ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ يَعْلَمُ نِيّاتِكُمْ؛ فَحافِظُوا عَلى ما كُلِّفْتُمُوهُ.

Al-Baqara 2:224Listen in Qur'an →
225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Allah does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allah is Forgiving and Forbearing.

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾: اللَّغْوُ: ما سَقَطَ مِنَ الكَلامِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ؛ والمُرادُ بِهِ في الأيْمانِ: ما لا عَقْدَ مَعَهُ؛ ولا قَصْدَ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾؛ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ وقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَعِنْدَنا هو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّهُ عَلى ما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ يَظْهَرُ خِلافُهُ؛ فَإنَّهُ لا قَصْدَ فِيهِ إلى الكَذِبِ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هو قَوْلُ العَرَبِ: "لا واللَّهِ"؛ و"بَلى واللَّهِ"؛ مِمّا يُؤَكِّدُونَ بِهِ كَلامَهُمْ؛ مِن غَيْرِ إخْطارِ الحَلِفِ بِالبالِ؛ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ؛ أيْ: لا يُعاقِبُكُمْ؛ بِلَغْوِ اليَمِينِ؛ الَّذِي يَحْلِفُهُ أحَدُكُمْ؛ ظانًّا أنَّهُ صادِقٌ فِيهِ؛ ولَكِنْ يُعاقِبُكم بِما اقْتَرَفَتْهُ قُلُوبُكم مِن إثْمِ القَصْدِ إلى الكَذِبِ في اليَمِينِ؛ وذَلِكَ في الغَمُوسِ؛ وعَلى الثّانِي: لا يُلْزِمُكُمُ الكَفّارَةَ بِما لا قَصْدَ مَعَهُ إلى اليَمِينِ؛ ولَكِنْ يُلْزِمُكُمُوها بِما نَوَتْ قُلُوبُكُمْ؛ وقَصَدَتْ بِهِ اليَمِينَ؛ ولَمْ يَكُنْ كَسْبَ اللِّسانِ فَقَطْ؛ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾؛ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِاللَّغْوِ؛ مَعَ كَوْنِهِ ناشِئًا مِن عَدَمِ التَّثَبُّتِ؛ وقِلَّةِ المُبالاةِ؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ بِالمُؤاخَذَةِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ﴾؛ إلَخْ.. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِالمُؤاخَذَةِ: المُعاقَبَةُ؛ لا إيجابُ الكَفّارَةِ؛ إذْ هي الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها المَغْفِرَةُ؛ والحِلْمُ؛ دُونَهُ.

Al-Baqara 2:225Listen in Qur'an →
226

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

For those who swear not to have sexual relations with their wives is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾؛ الإيلاءُ: الحَلِفُ؛ وحَقُّهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ بِـ "عَلى"؛ واسْتِعْمالُهُ بِـ "مِن" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى البُعْدِ؛ أيْ: لِلَّذِينِ يَحْلِفُونَ مُتَباعِدِينَ مِن نِسائِهِمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ؛ ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾؛ كَقَوْلِكَ: "لِي مِنكَ كَذا"؛ وقُرِئَ: "آلَوْا مِن نِسائِهِمْ"؛ وقُرِئَ: "يُقْسِمُونَ مِن نِسائِهِمْ"؛ والإيلاءُ مِنَ المَرْأةِ: أنْ يَقُولَ: "واللَّهِ لا أقْرَبُكِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَصاعِدًا"؛ عَلى التَّقْيِيدِ بِالأشْهُرِ؛ أوْ: "لا أقْرَبُكِ عَلى الإطْلاقِ"؛ ولا يَكُونُ فِيما دُونَ ذَلِكَ؛ وحُكْمُهُ أنَّهُ إنْ فاءَ إلَيْها في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ أمْكَنَ؛ أوْ بِالقَوْلِ إنْ عَجِزَ عَنْهُ؛ صَحَّ الفَيْءُ؛ وحَنِثَ القادِرُ؛ ولَزِمَتْهُ كَفّارَةُ اليَمِينِ؛ ولا كَفّارَةَ عَلى العاجِزِ؛ وإنْ مَضَتِ الأرْبَعَةُ بانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ؛ والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ؛ والتَّوَقُّفُ؛ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا؛ أيْ: لَهم أنْ يَنْتَظِرُوا في هَذِهِ المُدَّةِ مِن غَيْرِ مُطالَبَةٍ بِفَيْءٍ؛ أوْ طَلاقٍ؛ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَنِ اليَمِينِ بِالحِنْثِ؛ والفاءُ لِلتَّفْصِيلِ؛ كَما إذا قُلْتَ: "أنا نَزِيلُكم هَذا الشَّهْرَ؛ فَإنْ أحْمَدْتُكم أقَمْتُ عِنْدَكم إلى آخِرِهِ؛ وإلّا لَمْ ألْبَثْ إلّا رَيْثَما أتَحَوَّلُ"؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَغْفِرُ لِلْمُولِي بِفَيْئَتِهِ - الَّتِي هي كَتَوْبَتِهِ - إثْمَ حِنْثِهِ؛ عِنْدَ تَكْفِيرِهِ؛ أوْ ما قَصَدَ بِالإيلاءِ مِن ضِرارِ المَرْأةِ.

Al-Baqara 2:226Listen in Qur'an →
227

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And if they decide on divorce - then indeed, Allah is Hearing and Knowing.

﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾؛ وأجْمَعُوا عَلَيْهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾؛ بِما جَرى مِنهم مِنَ الطَّلاقِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الدَّمْدَمَةِ؛ والمُقاوَلَةِ؛ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْها الحالُ عادَةً؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِنِيّاتِهِمْ؛ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ عَلى الإصْرارِ؛ وتَرْكِ الفَيْئَةِ؛ ما لا يَخْفى.

Al-Baqara 2:227Listen in Qur'an →
228

وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

Divorced women remain in waiting for three periods, and it is not lawful for them to conceal what Allah has created in their wombs if they believe in Allah and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation. And due to the wives is similar to what is expected of them, according to what is reasonable. But the men have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُطَلَّقاتُ﴾: أيْ: ذَواتُ الأقْراءِ؛ مِنَ الحَرائِرِ؛ المَدْخُولِ بِهِنَّ؛ لِما قَدْ بُيِّنَ أنْ لا عِدَّةَ عَلى غَيْرِ المَدْخُولِ بِها؛ وأنَّ عِدَّةَ مَن لا تَحِيضُ؛ لِصِغَرٍ؛ أوْ كِبَرٍ؛ أوْ حَمْلٍ؛ بِالأشْهُرِ؛ ووَضْعِ الحَمْلِ؛ وأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ قُرْءانِ؛ أوْ شَهْرانِ؛ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ؛ مُفِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ؛ بِإشْعارِهِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَلَقّى بِالمُسارَعَةِ إلى الإتْيانِ بِهِ؛ فَكَأنَّهُنَّ امْتَثَلْنَ بِالأمْرِ بِالتَّرَبُّصِ؛ فَتُخْبِرُ بِهِ مَوْجُودًا مُتَحَقَّقًا؛ وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَإ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَأْكِيدٍ؛ ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾؛ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: يَقْمَعْنَها؛ ويَحْمِلْنَها عَلى ما لا تَشْتَهِيهِ؛ بَلْ يَشُقُّ عَلَيْها مِنَ التَّرَبُّصِ؛ وفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ لَهُنَّ عَلى ذَلِكَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ الِاتِّصافِ بِما يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ؛ مِن كَوْنِ نُفُوسِهِنَّ طَوامِحَ إلى الرِّجالِ؛ فَيَحْمِلُهُنَّ ذَلِكَ عَلى الإقْدامِ عَلى الإتْيانِ بِما أُمِرْنَ بِهِ؛ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾: نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أوِ المَفْعُولِيَّةِ؛ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: يَتَرَبَّصْنَ مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ؛ أوْ يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ؛ وهو جَمْعُ "قُرْءٌ"؛ والمُرادُ بِهِ: الحَيْضُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ « "دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ"؛» وقَوْلِهِ ﷺ: « "طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ؛ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ"؛» وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ؛ ومَدارُهُ الحَيْضُ دُونَ الطُّهْرِ؛ ويُقالُ: "أقْرَأتِ المَرْأةُ"؛ إذا حاضَتْ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ مَعْناهُ: مُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ؛ وهي الحِيَضُ الثَّلاثُ؛ وإيرادُ جَمْعِ الكَثْرَةِ في مَقامِ جَمْعِ القِلَّةِ بِطَرِيقِ الِاتِّساعِ؛ فَإنَّ إيرادَ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ مَكانَ الآخَرِ شائِعٌ؛ ذائِعٌ؛ وقُرِئَ: "ثَلاثَةَ قُرُوٍّ"؛ بِغَيْرِ هَمْزٍ؛ ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾؛ مِنَ الحَيْضِ؛ والوَلَدِ؛ اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ؛ وإبْطالًا لِحَقِّ الرَّجْعَةِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ قَوْلِهِنَّ في ذَلِكَ؛ نَفْيًا؛ وإثْباتًا؛ ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ؛ دَلالَةً واضِحَةً؛ أيْ: فَلا يَجْتَرِئْنَ عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمان باللَّهِ (تَعالى)؛ واليَوْمِ الآخِرِ؛ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الجَزاءُ والعُقُوبَةُ؛ مُنافِيَةٌ لَهُ قَطْعًا؛ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البُعُولَةُ: جَمْعُ "بَعْلٌ"؛ وهو في الأصْلِ السَّيِّدُ المالِكُ؛ والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ؛ كَما في "الحُزُونَةُ"؛ و"السُّهُولَةُ"؛ أوْ مَصْدَرٌ؛ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: أهْلُ بُعُولَتِهِنَّ؛ أيْ: أزْواجُهُنَّ؛ الَّذِينَ طَلَّقُوهُنَّ طَلاقًا رَجْعِيًّا؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالبُعُولَةِ؛ والضَّمِيرُ لِبَعْضِ أفْرادِ المُطَلَّقاتِ؛ ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ إلى مِلْكِهِمْ؛ بِالرَّجْعَةِ إلَيْهِنَّ؛ ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أيْ: في زَمانِ التَّرَبُّصِ؛ وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لِإفادَةِ أنَّ الرَّجُلَ إذا أرادَ الرَّجْعَةَ؛ والمَرْأةُ تَأْباها؛ وجَبَ إيثارُ قَوْلِهِ عَلى قَوْلِها؛ لا أنَّ لَها أيْضًا حَقًّا في الرَّجْعَةِ؛ ﴿إنْ أرادُوا﴾؛ أيْ: الأزْواجُ بِالرَّجْعَةِ؛ ﴿إصْلاحًا﴾؛ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ؛ وإحْسانًا إلَيْهِنَّ؛ ولَمْ …

Al-Baqara 2:228Listen in Qur'an →
229

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Divorce is twice. Then, either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allah. But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allah, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allah, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allah - it is those who are the wrongdoers.

﴿الطَّلاقُ﴾: هو بِمَعْنى: "التَّطْلِيقُ"؛ كَـ "السَّلامُ"؛ بِمَعْنى "التَّسْلِيمُ"؛ والمُرادُ بِهِ: الرَّجْعِيُّ؛ لِما أنَّهُ السّابِقُ؛ الأقْرَبُ حُكْمُهُ؛ ولِما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثّالِثَةِ؛ فَقالَ ﷺ: "أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ"؛» وهو مُبْتَدَأٌ؛ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ فِيهِ الرَّدَّ؛ والرَّجْعَةَ؛ حَسْبَما بُيِّنَ آنِفًا؛ ﴿مَرَّتانِ﴾؛ أيْ: اثْنَتانِ؛ وإيثارُ ما ورَدَ بِهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّهُما أنْ يَقَعا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لا دَفْعَةً واحِدَةً؛ وإنْ كانَ حُكْمُ الرَّدِّ ثابِتًا حِينَئِذٍ أيْضًا؛ ﴿فَإمْساكٌ﴾؛ أيْ: فالحُكْمُ بَعَدَهُما إمْساكٌ لَهُنَّ بِالرَّجْعَةِ؛ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أيْ: بِحُسْنِ عِشْرَةٍ؛ ولُطْفِ مُعامَلَةٍ؛ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ بِالطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ كَما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ؛ أوْ بِعَدَمِ الرَّجْعَةِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ العِدَّةُ؛ فَتَبِينَ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: الطَّلاقُ الشَّرْعِيُّ؛ وبِالمَرَّتَيْنِ: مُطْلَقُ التَّكْرِيرِ؛ لا التَّثْنِيَةُ بِعَيْنِها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾؛ أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ؛ والمَعْنى أنَّ التَّطْلِيقَ الشَّرْعِيَّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ؛ عَلى التَّفْرِيقِ؛ دُونَ الجَمْعِ بَيْنَ الطَّلْقَتَيْنِ؛ أوِ الثَّلاثِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ عِنْدَنا؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإمْساكٌ﴾؛ إلَخْ.. حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ؛ وتَخْيِيرٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ والفاءُ فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ عَلى التَّعْلِيمِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "إذا عَلِمْتُمْ كَيْفِيَّةَ التَّطْلِيقِ فَأمْرُكم أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾؛ مِنهُنَّ؛ بِمُقابَلَةِ الطَّلاقِ؛ ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أيْ: مِنَ الصَّدُقاتِ؛ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ؛ وإنْ شارَكَها في الحُكْمِ سائِرُ أمْوالِهِنَّ؛ إمّا لِرِعايَةِ العادَةِ؛ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ إذا لَمْ يَحِلَّ لَهم أنْ يَأْخُذُوا مِمّا آتَوْهُنَّ بِمُقابَلَةِ البُضْعِ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِمْ فَلَأنْ لا يَحِلُّ أنْ يَأْخُذُوا مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالبُضْعِ أوْلى؛ وأحْرى؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: نَزْرًا يَسِيرًا؛ فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا؛ والخِطابَ مَعَ الحُكّامِ؛ وإسْنادُ الأخْذِ والإيتاءِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِهِما عِنْدَ المُرافَعَةِ؛ وقِيلَ: مَعَ الأزْواجِ؛ وما بَعْدَهُ مَعَ الحُكّامِ؛ وذَلِكَ مِمّا يُشَوِّشُ النَّظْمَ الكَرِيمَ؛ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.

﴿إلا أنْ يَخافا﴾؛ أيْ: الزَّوْجانِ؛ وقُرِئَ: "يَظُنّا"؛ وهو مُؤَيِّدٌ لِتَفْسِيرِ الخَوْفِ بِالظَّنِّ؛ ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ألّا يُراعِيا مَواجِبَ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "يُخافا"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وإبْدالِ "أنْ" بِصِلَتِهِ مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ؛ وقُرِئَ: "تَخافا"؛ و"تُقِيما"؛ بِتاءِ الخِطابِ؛ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾؛ أيُّها الحُكّامُ؛ ﴿ألا يُقِيما﴾؛ أيْ: الزَّوْجانِ؛ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ بِمُشاهَدَةِ بَعْضِ الأماراتِ؛ والمَخايِلِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: عَلى الزَّوْجَيْنِ؛ ﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ لا عَلى الزَّوْجِ في أخْذِ ما افْتَدَتْ بِهِ؛ ولا عَلَيْها في إعْطائِهِ إيّاهُ؛ ورُوِيَ «أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانْتَ تُبْغِضُ زَوْجَها ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ؛ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: "لا أنا؛ ولا ثابِتٌ؛ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ؛ واللَّهِ ما أعِيبُ عَلَيْهِ في دِينٍ؛ ولا خُلُقٍ؛ ولَكِنْ …

Al-Baqara 2:229Listen in Qur'an →
230

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him. And if the latter husband divorces her [or dies], there is no blame upon the woman and her former husband for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allah. These are the limits of Allah, which He makes clear to a people who know.

﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾؛ أيْ: بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ؛ ﴿فَلا تَحِلُّ﴾؛ هِيَ؛ ﴿لَهُ مِن بَعْدُ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ هَذا الطَّلاقِ؛ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ أيْ: تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ؛ (فَإنَّ النِّكاحَ أيْضًا يُسْنَدَ إلى كُلٍّ مِنهُما؛ وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى العَقْدِ؛ والجُمْهُورُ عَلى اشْتِراطِ الإصابَةِ؛ لِما رُوِيَ «أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ رُفاعَةَ طَلَّقَنِي؛ فَبَتَّ طَلاقِي؛ وإنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرٍ تَزَوَّجَنِي؛ وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ؛ فَقالَ ﷺ: "أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟"؛ قالَتْ: نَعَمْ؛ قالَ ﷺ: "لا.. إلّا أنْ تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ؛ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"؛» وبِمِثْلِهِ تَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ؛ وقِيلَ: النِّكاحُ بِمَعْنى: "الوَطْءُ؛ والعَقْدُ"؛ مُسْتَفادٌ مِن لَفْظِ "الزَّوْجُ"؛ والحِكْمَةُ مِن هَذا التَّشْرِيعِ الرَّدْعُ عَنِ المُسارَعَةِ إلى الطَّلاقِ؛ والعَوْدُ إلى المُطْلَّقَةِ ثَلاثًا؛ والرَّغْبَةُ فِيها؛ والنِّكاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنا؛ ويُرْوى عَدَمُ الكَراهَةِ فِيما لَمْ يَكُنِ الشَّرْطُ مُصَرَّحًا بِهِ؛ وفاسِدٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ « "لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ؛ والمُحَلَّلَ لَهُ".»

﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾؛ أيْ: الزَّوْجُ الثّانِي؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: عَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ؛ والمَرْأةِ؛ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾؛ أنْ يَرْجِعَ كُلٌّ مِنهُما إلى الآخَرِ بِالعَقْدِ؛ ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ الَّتِي أوْجَبَ مُراعاتِها عَلى الزَّوْجَيْنِ مِنَ الحُقُوقِ؛ ولا وجْهَ لِتَفْسِيرِ الظَّنِّ بِالعِلْمِ؛ لِما أنَّ العَواقِبَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ؛ ولِأنَّ "أنْ" النّاصِبَةَ لِلتَّوَقُّعِ المُنافِي لِلْعِلْمِ؛ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يُقالُ: "عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ".

﴿وَتِلْكَ﴾: إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ إلى هُنا؛ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أحْكامُهُ المُعَيَّنَةُ؛ المَحْمِيَّةُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِالتَّغْيِيرِ والمُخالَفَةِ؛ ﴿يُبَيِّنُها﴾؛ بِهَذا البَيانِ اللّائِقِ؛ أوْ سَيُبَيِّنُها فِيما سَيَأْتِي؛ بِناءً عَلى أنَّ بَعْضَها يَلْحَقُهُ زِيادَةُ كَشْفٍ وبَيانٍ بِالكِتابِ؛ والسُّنَّةِ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ؛ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾؛ أوْ حالٌ مِن "حُدُودُ اللَّهِ"؛ والعامِلِ مَعْنى الإشارَةِ؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: يَفْهَمُونَ؛ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ؛ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ؛ والتَّبْلِيغِ؛ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالبَيانِ؛ أوْ لِأنَّ ما سَيَلْحَقُ بَعْضَ النُّصُوصِ مِنَ البَيانِ لا يَقِفُ عَلَيْهِ إلّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ.

Al-Baqara 2:230Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.