سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ . ”هَلْ“ هُنا لِلنَّفْيِ، المَعْنى: ما يَنْظُرُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وكَوْنُها بِمَعْنى النَّفْيِ - إذا جاءَ بَعْدَها ”إلّا -“ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقالَ الشّاعِرُ:
؎وهَلْ أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ
و”يَنْظُرُونَ“ هُنا مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: نَظَرْتُ فُلانًا أنْتَظِرُهُ، وهو لا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِيَ ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ
ومَفْعُولُ ”يَنْظُرُونَ“ هو ما بَعْدَ إلّا، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا إتْيانَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ. قِيلَ: ويَنْظُرُونَ هُنا لَيْسَتْ مِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو تَرَدُّدُ العَيْنِ في المَنظُورِ إلَيْهِ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ النَّظَرِ لَعُدِّيَ بِإلى، وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ، وإنَّما هو مِنَ الِانْتِظارِ، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّهُ يُقالُ هو مِنَ النَّظَرِ، وهو تَرَدُّدُ العَيْنِ. وهو مُعَدًّى بِإلى، لَكِنَّها مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ؟ وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ إذا لَمْ يُلْبِسْ قِياسٌ مُطَّرِدٌ، ولا لَبْسَ هُنا، فَحُذِفَتْ إلى، وقَوْلُهُ: وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فَكَذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ، قَدْ نُسِبَ النَّظَرُ إلى الذَّواتِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والضَّمِيرُ في ”يَنْظُرُونَ“ عائِدٌ عَلى الذّالِّينَ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والإتْيانُ: حَقِيقَةٌ في الِانْتِقالِ مِن حَيِّزٍ إلى حَيِّزٍ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مِنَ المَكْتُومِ الَّذِي لا يُفَسَّرُ، ولَمْ يَزَلِ السَّلَفُ في هَذا وأمْثالِهِ يُؤْمِنُونَ، ويَكِلُونَ فَهْمَ مَعْناهُ إلى عِلْمِ المُتَكَلِّمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. والمُتَأخِّرُونَ تَأوَّلُوا الإتْيانَ وإسْنادَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إتْيانٌ عَلى ما يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ انْتِقالٍ. الثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنِ المُجازاةِ لَهم، والِانْتِقامِ، كَما قالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُ الإتْيانِ مَحْذُوفًا، أيْ: أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ، والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. الرّابِعُ: أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: أمْرُ اللَّهِ بِمَعْنى ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ، لا الأمْرُ الَّذِي مُقابِلُهُ النَّهْيُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ . الخامِسُ: قُدْرَتُهُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ. السّادِسُ: أنَّ ”في ظُلَلٍ“ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، فَيَكُونُ ”في“ بِمَعْنى الباءِ، كَما قالَ:
؎خَبِيرُونَ في طَعْنِ الأباهِرِ والكُلى
أيْ: بِطَعْنِ: لِأنَّ خَبِيرًا لا يَتَعَدّى إلّا بِالباءِ، كَما قالَ:
؎خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. والأوْلى أنْ …