Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 211–220 of 286

211

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

Ask the Children of Israel how many a sign of evidence We have given them. And whoever exchanges the favor of Allah [for disbelief] after it has come to him - then indeed, Allah is severe in penalty.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ . ”هَلْ“ هُنا لِلنَّفْيِ، المَعْنى: ما يَنْظُرُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا، وكَوْنُها بِمَعْنى النَّفْيِ - إذا جاءَ بَعْدَها ”إلّا -“ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وهَلْ نُجازِي إلّا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وهَلْ أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ

و”يَنْظُرُونَ“ هُنا مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: نَظَرْتُ فُلانًا أنْتَظِرُهُ، وهو لا يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِيَ ساعَةً ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ

ومَفْعُولُ ”يَنْظُرُونَ“ هو ما بَعْدَ إلّا، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ إلّا إتْيانَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ. قِيلَ: ويَنْظُرُونَ هُنا لَيْسَتْ مِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو تَرَدُّدُ العَيْنِ في المَنظُورِ إلَيْهِ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ النَّظَرِ لَعُدِّيَ بِإلى، وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ، وإنَّما هو مِنَ الِانْتِظارِ، انْتَهى. وهَذا التَّعْلِيلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ: لِأنَّهُ يُقالُ هو مِنَ النَّظَرِ، وهو تَرَدُّدُ العَيْنِ. وهو مُعَدًّى بِإلى، لَكِنَّها مَحْذُوفَةٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ؟ وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ ”أنْ“ إذا لَمْ يُلْبِسْ قِياسٌ مُطَّرِدٌ، ولا لَبْسَ هُنا، فَحُذِفَتْ إلى، وقَوْلُهُ: وكانَ مُضافًا إلى الوَجْهِ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فَكَذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ، قَدْ نُسِبَ النَّظَرُ إلى الذَّواتِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والضَّمِيرُ في ”يَنْظُرُونَ“ عائِدٌ عَلى الذّالِّينَ، وهو التِفاتٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ.

والإتْيانُ: حَقِيقَةٌ في الِانْتِقالِ مِن حَيِّزٍ إلى حَيِّزٍ، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مِنَ المَكْتُومِ الَّذِي لا يُفَسَّرُ، ولَمْ يَزَلِ السَّلَفُ في هَذا وأمْثالِهِ يُؤْمِنُونَ، ويَكِلُونَ فَهْمَ مَعْناهُ إلى عِلْمِ المُتَكَلِّمِ بِهِ، وهو اللَّهُ تَعالى. والمُتَأخِّرُونَ تَأوَّلُوا الإتْيانَ وإسْنادَهُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إتْيانٌ عَلى ما يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ انْتِقالٍ. الثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنِ المُجازاةِ لَهم، والِانْتِقامِ، كَما قالَ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] . الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُ الإتْيانِ مَحْذُوفًا، أيْ: أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ، والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. الرّابِعُ: أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: أمْرُ اللَّهِ بِمَعْنى ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ، لا الأمْرُ الَّذِي مُقابِلُهُ النَّهْيُ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ . الخامِسُ: قُدْرَتُهُ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ. السّادِسُ: أنَّ ”في ظُلَلٍ“ بِمَعْنى بِظُلَلٍ، فَيَكُونُ ”في“ بِمَعْنى الباءِ، كَما قالَ:

؎خَبِيرُونَ في طَعْنِ الأباهِرِ والكُلى

أيْ: بِطَعْنِ: لِأنَّ خَبِيرًا لا يَتَعَدّى إلّا بِالباءِ، كَما قالَ:

؎خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ

قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. والأوْلى أنْ …

Al-Baqara 2:211Listen in Qur'an →
212

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

Beautified for those who disbelieve is the life of this world, and they ridicule those who believe. But those who fear Allah are above them on the Day of Resurrection. And Allah gives provision to whom He wills without account.

﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ لِكُلِّ أحَدٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ: اسْألْ. وقَرَأ قَوْمٌ: اسَلْ، وأصْلُهُ اسْألْ، فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السِّينِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ الَّتِي هي عَيْنٌ، ولَمْ تُحْذَفْ هَمْزَةُ الوَصْلِ: لِأنَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِحَرَكَةِ السِّينِ لِعُرُوضِها، كَما قالُوا: الَحْمَرَ في الأحْمَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”سَلْ“، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ اسْألْ، فَلَمّا نَقَلَ وحَذَفَ اعْتَدَّ بِالحَرَكَةِ، فَحَذَفَ الهَمْزَةَ لِتَحَرُّكِ ما بَعْدَها، والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ مَن يَجْعَلُ المادَّةَ مِن (سِينٍ، وواوٍ، ولامٍ)، فَيَقُولُ: سَألَ يَسْألُ، فَقالَ: سَلْ، كَما قالَ خَفْ، فَلا يَحْتاجُ في مِثْلِ هَذا إلى هَمْزَةِ وصْلٍ، وانْحَذَفَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ اللّامِ السّاكِنَةِ، ولِذَلِكَ تَعُودُ إذا تَحَرَّكَتِ الفاءُ نَحْوَ: خافا وخافُوا وخافِي.

ولَمّا تَقَدَّمَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وكانَ المَعْنى في ذَلِكَ اسْتِبْطاءَ لُحُوقِهِمْ بِالإسْلامِ، وأنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلّا آيَةً عَظِيمَةً تُلْجِئُهم إلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، جاءَ هَذا الأمْرُ بِسُؤالِهِمْ عَمّا جاءَتْهم مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ، ولَمْ تَنْفَعْهم تِلْكَ الآياتُ، فَعَدَمُ إسْلامِهِمْ مُرَتَّبٌ عَلى عِنادِهِمْ واسْتِصْحابِ لَجاجِهِمْ، وهَذا السُّؤالُ لَيْسَ سُؤالًا عَمّا لا يَعْلَمُ، إذْ هو عالِمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ آتاهُمُ اللَّهُ آياتٍ بَيِّناتٍ، وإنَّما هو سُؤالٌ عَنْ مَعْلُومٍ، فَهو تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، وتَقْرِيرٌ لَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ، وأنَّها ما أجْدَتْ عِنْدَهم لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١] .

وفِي هَذا السُّؤالِ أيْضًا تَثْبِيتٌ وزِيادَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، أوْ زِيادَةُ يَقِينِ المُؤْمِنِ، فالخِطابُ في اللَّفْظِ لَهُ ﷺ والمُرادُ: أُمَّتُهُ، أوْ إعْلامُ أهْلِ الكِتابِ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ: لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا ما كانَ فِيهِمْ مِنَ الآياتِ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ ذَلِكَ في كِتابِهِ.

(بَنِي إسْرائِيلَ) مَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِنهم،، أوْ مَن آمَنَ بِهِ مِنهم، أوْ عُلَماؤُهم، أوْ أنْبِياؤُهم، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (آتَيْناهم) عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلٌ عَلى مَذْهَبِ السُّهَيْلِيِّ عَلى ما مَرَّ ذِكْرُهُ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، قالَ: و”كَمْ“ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَها: لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: كَمْ آتَيْناهم، أوْ بِإتْيانِهِمْ، انْتَهى. وهَذا غَيْرُ جائِزٍ إنْ كانَ قَوْلُهُ: ”مِن آيَةٍ“ تَمْيِيزًا لِـ ”كَمْ“: لِأنَّ الفِعْلَ المُفَسِّرَ لِهَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ لَمْ يَعْمَلْ في ضَمِيرِ الِاسْمِ الأوَّلِ المُنْتَصِبِ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ ولا في سَبَبِيَّتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ. ونَظِيرُ ما أجازَ أنْ يَقُولَ: زَيْدًا ضَرَبْتُ، فَتُعْرِبُ زَيْدًا مَفْعُولًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ …

Al-Baqara 2:212Listen in Qur'an →
213

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۦنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

Mankind was [of] one religion [before their deviation]; then Allah sent the prophets as bringers of good tidings and warners and sent down with them the Scripture in truth to judge between the people concerning that in which they differed. And none differed over the Scripture except those who were given it - after the clear proofs came to them - out of jealous animosity among themselves. And Allah guided those who believed to the truth concerning that over which they had differed, by His permission. And Allah guides whom He wills to a straight path.

﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]

حَسِبَ: بِكَسْرِ السِّينِ، يَحْسَبُ بِفَتْحِها في المُضارِعِ وكَسْرِها: مِن أخَواتِ ظَنَّ، في طَلَبِها اسْمَيْنِ: هُما في مَشْهُورِ قَوْلِ النُّحاةِ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَعْناها نِسْبَةُ الخَبَرِ عَنِ المُتَيَقَّنِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، وقَدْ يَأْتِي في المُتَيَقَّنِ قَلِيلًا، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا

ومَصْدَرُها: الحُسْبانُ، ويَأْتِي: حَسِبَ أيْضًا بِمَعْنى احْمَرَّ، تَقُولُ: حَسِبَ الرَّجُلُ يَحْسَبُ، وهو أحْسَبُ، كَما تَقُولُ: شَقِرَ فَهو أشْقَرُ، ولِحَسِبَ أحْكامٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ.

لَمّا الجازِمَةُ: حَرْفٌ، زَعَمُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن: لَمْ وما، ولَها أحْكامٌ تُخالِفُ فِيها لَمْ؛ مِنها: أنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ الفِعْلِ بَعْدَها إذا دَلَّ عَلى حَذْفِهِ المَعْنى، وذَلِكَ في فَصِيحِ الكَلامِ؛ ومِنها: أنَّهُ يَجِبُ اتِّصالُ نَفْيِها بِالحالِ؛ ومِنها: أنَّها لا تَدْخُلُ عَلى فِعْلِ شَرْطٍ ولا فِعْلِ جَزاءٍ. زَلْزَلَ: قَلْقَلَ وحَرَّكَ، وهو رُباعِيٌّ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ كَدَحْرَجَ، هَذا النَّوْعُ مِنَ الرُّباعِيِّ فِيهِ خِلافٌ لِلْكُوفِيِّينَ والزَّجّاجِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. ماذا: إذا أُفْرِدَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى حالِها؛ كانَتْ ما: يُرادُ بِها الِاسْتِفْهامُ، وذا: لِلْإشارَةِ، وإنْ دَخَلَ التَّجَوُّزُ فَتَكُونُ ذا مَوْصُولَةً؛ لِمَعْنى الَّذِي والَّتِي وفُرُوعِها، وتَبْقى ”ما“ عَلى أصْلِها مِنَ الِاسْتِفْهامِ، فَتَفْتَقِرُ ذا - إذْ ذاكَ - إلى صِلَةٍ، وتَكُونُ مُرَكَّبَةً مَعَ: ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ فَيَصِيرُ دَلالَةُ مَجْمُوعِهِما دَلالَةَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ لَوِ انْفَرَدَتْ؛ ولِهَذا قالَتِ العَرَبُ: …

Al-Baqara 2:213Listen in Qur'an →
214

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allah?" Unquestionably, the help of Allah is near.

﴿ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾، الجُمْلَةُ حالٌ، التَّقْدِيرُ: غَيْرُ آتِيكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم، أيْ: إنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَلى ابْتِلاءِ شَدائِدَ، وصَبْرٍ عَلى ما يُنالُ مِن أذى الكُفّارِ، والفَقْرِ، والمُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ فَقَطْ، بَلْ سَبِيلُكم في ذَلِكَ سَبِيلُ مَن تَقَدَّمَكم مِن أتْباعِ الرُّسُلِ. خاطَبَ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ، مُلْتَفِتًا إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ والثَّبِيتِ لَهم، وإعْلامًا لَهم أنَّهُ لا يَضُرُّ كَوْنُ أعْدائِكم لا يُوافِقُونَ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ عَلى أنْبِيائِها، وصَبَرُوا حَتّى أتاهُمُ النَّصْرُ. و”لَمّا“ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن ”لَمْ“؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ مُتَّصِلًا بِزَمانِ الحالِ، فَهي لِنَفْيِ التَّوَقُّعِ. والمَثَلُ: الشَّبَهُ، إلّا أنَّهُ مُسْتَعارٌ لِحالٍ غَرِيبَةٍ، أوْ قَضِيَّةٍ عَجِيبَةٍ لَها شَأْنٌ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: مِثْلُ مِحْنَةِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم، وعَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ تَقْدِيرُهُ ”المُؤْمِنِينَ“ . والَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم، مُتَعَلِّقٌ بِـ ”خَلَوْا“، وهو كَأنَّهُ تَوْكِيدٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ خَلَوْا يَقْتَضِي التَّقَدُّمَ.

* *

﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ وتَبْيِينٌ لَهُ، فَلَيْسَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّ قائِلًا قالَ: ما ذَلِكَ المَثَلُ ؟ فَقِيلَ: مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ. والمَسُّ هُنا مَعْناهُ ”الإصابَةُ“، وهو حَقِيقَةٌ في المَسِّ بِاليَدِ، فَهو هُنا مَجازٌ. وأجازَأبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِمْ ”مَسَّتْهم“ في مَوْضِعِ الحالِ، عَلى إضْمارِ قَدْ، وفِيهِ بُعْدٌ، وتَكُونُ الحالُ إذْ ذاكَ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ”خَلَوْا“ . وتَقَدَّمَ شَرْحُ ”البَأْساءِ والضَّرّاءِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .

(وزُلْزِلُوا)، أيْ: أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا بِالزَّلْزَلَةِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: وزَلْزَلَهم أعْداؤُهم.

﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾، قَرَأ الأعْمَشُ: ”وزُلْزِلُوا ويَقُولُ الرَّسُولُ“، بِالواوِ بَدَلَ ”حَتّى“، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”وزُلْزِلُوا ثُمَّ زُلْزِلُوا ويَقُولُ الرَّسُولُ“ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”حَتّى“، والفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبٌ إمّا عَلى الغايَةِ وإمّا عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: وزُلْزِلُوا إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ، أوْ: وزُلْزِلُوا كَيْ يَقُولَ الرَّسُولُ، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ المَسَّ والزِّلْزالَ لَيْسا مَعْلُولَيْنِ لِقَوْلِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ نافِعٌ بِرَفْعِ ”يَقُولُ“ بَعْدَ ”حَتّى“، وإذا كانَ المُضارِعُ بَعْدَ حَتّى فِعْلَ حالٍ فَلا يَخْلُو أنْ يَكُونَ حالًا في حِينِ الإخْبارِ، نَحْوَ: مَرِضَ حَتّى لا يَرْجُونَهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ حالًا قَدْ مَضَتْ، فَيَحْكِيها عَلى ما وقَعَتْ؛ فَيُرْفَعُ الفِعْلُ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُضِيُّ، فَيَكُونُ حالًا مَحْكِيَّةً؛ إذِ المَعْنى: وزُلْزِلُوا فَقالَ الرَّسُولُ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى مَسائِلِ ”حَتّى“ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ) وأشْبَعْنا الكَلامَ عَلَيْها هُناكَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في هَذا الكِتابِ.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، يَحْتَمِلُ ”مَعَهُ“ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِيَقُولَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِآمَنُوا.

﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ …

Al-Baqara 2:214Listen in Qur'an →
215

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

They ask you, [O Muhammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allah is Knowing of it."

﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾، هَذا بَيانٌ لِمَصْرِفِ ما يُنْفِقُونَهُ، وقَدْ تَضَمَّنَ المَسْؤُولَ عَنْهُ وهو المُنْفِقُ بِقَوْلِهِ: ”مِن خَيْرٍ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماذا سُؤالًا عَنِ المَصْرِفِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: مَصْرِفُ ماذا يُنْفِقُونَ ؟ أيْ: يَجْعَلُونَ إنْفاقَهم؛ فَيَكُونُ الجَوابُ إذْ ذاكَ مُطابِقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ الَّذِي هو السُّؤالُ المَصْرِفُ، ومِنَ الثّانِي الَّذِي هو الجَوابُ ذِكْرُ المُنْفِقِ، وكِلاهُما مُرادٌ، وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، وهو نَوْعٌ مِنَ البَلاغَةِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ، وهو كُلُّ خَيْرٍ، وبُنِيَ الكَلامُ عَلى هَواهم، وهو بَيانُ المَصْرِفِ؛ لِأنَّ النَّفَقَةَ لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ

انْتَهى كَلامُهُ، وهو لا بَأْسَ بِهِ، و(مِن خَيْرٍ) يَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ. وبَدَأ في المَصْرِفِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثُمَّ بِالأحْوَجِ فالأحْوَجِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في شَيْءٍ مِن هَذا التَّرْتِيبِ وشَبَهِهِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ نَفَقَةِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ عَلى الواجِدِ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الآيَةَ عَلى أنَّها في الوالِدَيْنِ إذا كانا فَقِيرَيْنِ، وهو غَنِيٌّ.

﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، ”ما“ في المَوْضِعَيْنِ: شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ﴾ مَوْصُولًا، و”أنْفَقْتُمْ“ صِلَةٌ، و”لِلْوالِدَيْنِ“ خَبَرٌ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ المُفْرَدِ، أوْ في مَوْضِعِ الجُمْلَةِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا، أوْ هو مَعْمُولٌ لِمُفْرَدٍ، أوِ لِجُمْلَةٍ. وإذا كانَتْ ”ما“ في ”ما أنْفَقْتُمْ“ شَرْطِيَّةً؛ فَهَذا الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فَهو أوْ فَمَصْرِفُهُ لِلْوالِدَيْنِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ”وما يَفْعَلُوا“ بِالياءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، أوْ مِن بابِ ما أُضْمِرُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: وما يَفْعَلُ النّاسُ، فَيَكُونُ أعَمَّ مِنَ المُخاطَبِينَ قَبْلُ، إذْ يَشْمَلُهم وغَيْرَهم، وفي قَوْلِهِ ”مِن خَيْرٍ“ في الإنْفاقِ يَدُلُّ عَلى طِيبِ المُنْفَقِ وكَوْنِهِ حَلالًا؛ لِأنَّ الخَبِيثَ مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وما ورَدَ مِن «أنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ»؛ ولِأنَّ الحَرامَ لا يُقالُ فِيهِ خَيْرٌ. وقَوْلُهُ: ”مِن خَيْرٍ“ في قَوْلِهِ: ”وما تَفْعَلُوا“ هو أعَمُّ مِن ”خَيْرٍ“ المُرادِ بِهِ المالُ؛ لِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ هو الفِعْلُ، والفِعْلُ أعَمُّ مِنَ الإنْفاقِ، فَيَدْخُلُ الإنْفاقُ في الفِعْلِ، فَـ ”خَيْرٍ“ هُنا هو الَّذِي يُقابِلُ الشَّرَّ، والمَعْنى: وما تَفْعَلُوا مِن شَيْءٍ مِن وُجُوهِ البِرِّ والطّاعاتِ، وجَعَلَ بَعْضُهم هُنا ”وما تَفْعَلُوا“ راجِعًا إلى مَعْنى الإنْفاقِ، أيْ: وما تَفْعَلُوا مِن إنْفاقِ خَيْرٍ، فَيَكُونُ الأوَّلُ بَيانًا لِلْمَصْرِفِ، وهَذا بَيانٌ لِلْمُجازاةِ، والأوْلى العُمُومُ؛ لِأنَّهُ يَشْمَلُ إنْفاقَ المالِ وغَيْرَهُ، ويَتَرَجَّحُ …

Al-Baqara 2:215Listen in Qur'an →
216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

Fighting has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allah Knows, while you know not.

﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾، عَسى هُنا لِلْإشْفاقِ لا لِلتَّرَجِّي، ومَجِيؤُها لِلْإشْفاقِ قَلِيلٌ، وهي هُنا تامَّةٌ لا تَحْتاجُ إلى خَبَرٍ، ولَوْ كانَتْ ناقِصَةً لَكانَتْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا﴾ [محمد: ٢٢]، فَقَوْلُهُ: ”أنْ تَكْرَهُوا“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِعَسى، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ في أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يُمْكِنُ إلّا بِتَكَلُّفٍ بَعِيدٍ، وانْدَرَجَ في قَوْلِهِ ”شَيْئًا“ القِتالُ؛ لِأنَّهُ مَكْرُوهٌ بِالطَّبْعِ لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْأسْرِ، والقَتْلِ، وإفْناءِ الأبْدانِ، وإتْلافِ الأمْوالِ. والخَيْرُ الَّذِي فِيهِ هو الظَّفَرُ، والغَنِيمَةُ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى النُّفُوسِ والأمْوالِ، أسْرًا وقَتْلًا ونَهْبًا وفَتْحًا، وأعْظَمُها الشَّهادَةُ وهي الحالَةُ الَّتِي تَمَنّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِرارًا. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”وهو خَيْرٌ لَكم“ حالٌ مِن قَوْلِهِ: ”شَيْئًا“، وهو نَكِرَةٌ، والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ أقَلُّ مِنَ الحالِ مِنَ المَعْرِفَةِ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، قالُوا: وساغَ دُخُولُ الواوِ لَمّا كانَتْ صُورَةُ الجُمْلَةِ هُنا كَصُورَتِها إذْ كانَتْ حالًا. انْتَهى. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الواوَ في النُّعُوتِ إنَّما تَكُونُ لِلْعَطْفِ في نَحْوِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عالِمٍ وكَرِيمٍ، وهُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ودَعْوى زِيادَةِ الواوِ بَعِيدَةٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ صِفَةً.

﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾، عَسى هُنا لِلتَّرَجِّي، ومَجِيؤُها لَهُ هو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ، وقالُوا: كُلُّ عَسى في القُرْآنِ لِلتَّحْقِيقِ، يَعْنُونَ بِهِ الوُقُوعَ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]، وانْدَرَجَ في قَوْلِهِ ”شَيْئًا“ الخُلُودُ إلى الرّاحَةِ وتَرْكُ القِتالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحْبُوبٌ بِالطَّبْعِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن ضِدِّ ما قَدْ يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّرِّ في القِتالِ، والشَّرُّ الَّذِي فِيهِ هو ذُلُّهم، وضَعْفُ أمْرِهِمْ، واسْتِئْصالُ شَأْفَتِهِمْ، وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، ونَهْبُ أمْوالِهِمْ، ومِلْكُ بِلادِهِمْ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ إعْرابًا، كالكَلامِ عَلى الَّتِي قَبْلَها.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فِيهِ المَصْلَحَةُ؛ حَيْثُ كَلَّفَكُمُ القِتالَ، ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ عَواقِبَ الأُمُورِ مُغَيَّبَةٌ عَنْ عِلْمِكم، وفي هَذا الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى الرِّضى بِما جَرَتْ بِهِ المَقادِيرُ، قالَ الحَسَنُ: لا تَكْرَهُوا المُلِمّاتِ الواقِعَةَ؛ فَلَرُبَّ أمْرٍ تَكْرَهُهُ فِيهِ أرَبُكَ، ولَرُبَّ أمْرٍ تُحِبُّهُ فِيهِ عَطَبُكَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ:

؎رُبَّ أمْرٍ تَتَّقِيهِ جَرَّ أمْرًا تَرْتَضِيهِ

؎خُفِيَ المَحْبُوبُ مِنهُ ∗∗∗ وبَدا المَكْرُوهُ فِيهِ

وقالَ الوَضّاحِيُّ:

؎رُبَّما خُيِّرَ الفَتى ∗∗∗ وهْوَ لِلْخَيْرِ كارِهُ

وقالَ ابْنُ السَّرْحانِ:

؎كَمْ فَرْحَةٌ مَطْوِيَّةٌ ∗∗∗ لَكَ بَيْنَ أثْناءِ المَصائِبْ

؎ومَسَرَّةٌ قَدْ أقْبَلَتْ ∗∗∗ مِن حَيْثُ تُنْتَظَرُ النَّوائِبْ

وقالَ آخَرُ:

؎كَمْ مَرَّةً حَفَّتْ بِكَ المَكارِهْ ∗∗∗ خارَ لَكَ اللَّهُ وأنْتَ كارِهْ

Al-Baqara 2:216Listen in Qur'an →
217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

They ask you about the sacred month - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allah and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Haram and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allah. And fitnah is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire, they will abide therein eternally.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾، طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في عِدَّةِ أوْراقٍ، ومُلَخَّصُها وأشْهَرُها: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الأسَدِيِّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَمانِيَةٍ مَعَهُ: سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعُكاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وعُقْبَةَ بْنِ غَزْوانَ، وأبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وسُهَيْلِ بْنِ بَيْضاءَ، وعامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، ووافِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وخالِ بْنِ بُكَيْرٍ، وأمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ يَتَرَصَّدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَوَصَلُوها، ومَرَّتِ العِيرُ، فِيها عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ يَوْمٍ مِن جُمادى عَلى ظَنِّهِمْ، وهو أوَّلُ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، فَرَمى وافِدٌ عَمْرًا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وأسَرُوا الحَكَمَ، وعُثْمانَ، وكانا أوَّلَ أسِيرَيْنِ في الإسْلامِ، وأفْلَتَ نَوْفَلٌ، وقَدِمُوا بِالعِيرِ المَدِينَةَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، وأكْثَرَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ، وقالَ أصْحابُ السَّرِيَّةِ: ما نَبْرَحُ حَتّى تَنْزِلَ تَوْبَتُنا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ فَخَمَّسَ العِيرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَ أوَّلَ خُمُسٍ في الإسْلامِ، فَوَجَّهَتْ قُرَيْشٌ في فِداءِ الأسِيرَيْنِ، فَقِيلَ: حَتّى يَقْدَمَ سَعْدٌ وعُتْبَةُ، وكانا قَدْ أضَلّا بَعِيرًا لَهُما قَبْلَ لِقاءِ العِيرِ فَخَرَجا في طَلَبِهِ، فَقَدِما، وفُودِيَ الأسِيرانِ، فَأمّا الحَكَمُ فَأسْلَمَ وأقامَ بِ المَدِينَةِ وقُتِلَ شَهِيدًا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وأمّا عُثْمانُ فَماتَ بِ مَكَّةَ كافِرًا، وأمّا نَوْفَلٌ فَضَرَبَ بَطْنَ فَرَسِهِ يَوْمَ الأحْزابِ لِيَدْخُلَ الخَنْدَقَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَوَقَعَ بِالخَنْدَقِ مَعَ فَرَسِهِ، فَتَحَطَّما وقَتَلَهُما اللَّهُ. وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافٌ في مَواضِعَ، وقَدْ لَخَّصَ السَّجاوَنْدِيُّ هَذا السَّبَبَ فَقالَ: نَزَلَتْ في أوَّلِ سَرِيَّةِ الإسْلامِ، أمِيرُهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، أغارُوا عَلى عِيرٍ لِ قُرَيْشٍ قافِلَةٍ مِنَ الطّائِفِ وقَتَلُوا عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ آخِرَ يَوْمٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ، فاشْتُبِهَ بِأوَّلِ رَجَبٍ، فَعَيَّرَهم أهْلُ مَكَّةَ بِاسْتِحْلالِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ عابَ المُشْرِكُونَ القِتالَ في شَهْرٍ حَرامٍ عامَ الفَتْحِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَتْلِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ رَجُلَيْنِ مِن كِلابٍ كانا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وعَمْرٌو لا يَعْلَمُ بِذَلِكَ، وكانَ في أوَّلِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَتَلَهُما في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا فُرِضَ القِتالُ لَمْ يُخَصَّ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وكانَ مِنَ العَوائِدِ السّابِقَةِ أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ لا يُسْتَباحُ فِيهِ القِتالُ، فَبَيَّنَ حُكْمَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وسَيَأْتِي مَعْنى قَوْلِهِ ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، كَما جاءَ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وجاءَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١]، ذَلِكَ التَّخْصِيصُ في المَكانِ، وهَذا في الزَّمانِ. وضَمِيرُ الفاعِلِ في يَسْألُونَكَ، قِيلَ: يَعُودُ عَلى المُشْرِكِينَ، سَألُوا تَعْيِيبًا لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشُّهَداءِ، وقَصْدًا لِلْفَتْكِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ، سَألُوا اسْتِعْظامًا …

Al-Baqara 2:217Listen in Qur'an →
218

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allah - those expect the mercy of Allah. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ابْتِداءَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِخُلُودِ هَؤُلاءِ في النّارِ؛ فَلا تَكُونُ داخِلَةً في الجَزاءِ، وتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ فَتَكُونَ داخِلَةً في الجَزاءِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَزاءِ جَزاءٌ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى؛ لِأنَّ القُرْبَ مُرَجَّحٌ، وتَرَجَّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِقْلالَ. «﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾، سَبَبُ نُزُولِها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَبْ أنَّهُ عِقابٌ عَلَيْنا فِيما فَعَلْنا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنهُ أجْرًا وثَوابًا ؟ فَنَزَلَتْ»؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مُؤْمِنًا وكانَ مُهاجِرًا، وكانَ بِسَبَبِ هَذِهِ المُقاتَلَةِ مُجاهِدًا، ثُمَّ هي عامَّةٌ في مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وأصْحابَهُ، حِينَ قَتَلُوا الحَضْرَمِيَّ، ظَنَّ قَوْمٌ أنَّهم إنْ سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ فَلَيْسَ لَهم أجْرٌ؛ فَنَزَلَتْ. انْتَهى كَلامُهُ. وهُوَ كالأوَّلِ، إلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ في الظّانِّ، فَفي الأوَّلِ ابْنُ جَحْشٍ، وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْمٌ؛ وعَلى هَذا السَّبَبِ فَمُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ. وقِيلَ: لَمّا أوْجَبَ الجِهادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وبَيَّنَ أنَّ تَرْكَهُ سَبَبٌ لِلْوَعِيدِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن يَقُومُ بِهِ، ولا يَكادُ يُوجَدُ وعِيدٌ إلّا ويَتْبَعُهُ وعْدٌ، وقَدِ احْتَوَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ثَلاثَةِ أوْصافٍ، وجاءَتْ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ الوَقائِعِ والواقِعِ؛ لِأنَّ الإيمانَ أوَّلُها، ثُمَّ المُهاجَرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ هو الأصْلُ أُفْرِدَ بِهِ مَوْصُولٌ وحْدَهُ، ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ والجِهادُ فَرْعَيْنِ عَنْهُ أُفْرِدا بِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُما مِن حَيْثُ الفَرْعِيَّةِ كالشَّيْءِ الواحِدِ. وأتى خَبَرُ ”إنَّ“ جُمْلَةً مُصَدَّرَةَ بِـ ”أُولَئِكَ“؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ هو المُتَضَمِّنُ الأوْصافَ السّابِقَةَ مِنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والجِهادِ، ولَيْسَ تَكْرِيرًا لِمَوْصُولٍ بِالعَطْفِ مُشْعِرًا بِالمُغايَرَةِ في الذَّواتِ، ولَكِنَّهُ تَكْرِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوْصافِ، والذَّواتُ هي المُتَّصِفَةُ بِالأوْصافِ الثَّلاثَةِ، فَهي تَرْجِعُ لِمَعْنى عَطْفِ الصِّفَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لِلْمُغايَرَةِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا صِنْفٌ وحْدَهُ، مُغايِرٌ لِلَّذِينِ هاجَرُوا وجاهَدُوا، وأتى بِلَفْظَةِ ”يَرْجُونَ“ لِأنَّهُ ما دامَ المَرْءُ في قَيْدِ الحَياةِ لا يُقْطَعُ أنَّهُ صائِرٌ إلى الجَنَّةِ، ولَوْ أطاعَ أقْصى الطّاعَةِ؛ إذْ لا يُعْلَمُ بِما يُخْتَمُ لَهُ، ولا يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أقُبِلَ أمْ لا، وأيْضًا فَلِأنَّ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ، ولا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأعْمالِ، وهو يَرْجُو أنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لَها كَما وفَّقَهُ لِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ”فَأُولَئِكَ يَرْجُونَ“، أوْ يَكُونُ ذِكْرُ الرَّجاءِ لِما يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم ما وفَّوْا حَقَّ نُصْرَةِ اللَّهِ في الجِهادِ، ولا قَضَوْا ما لَزِمَهم مِن ذَلِكَ، فَهم يُقْدِمُونَ عَلى اللَّهِ مَعَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، …

Al-Baqara 2:218Listen in Qur'an →
219

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

They ask you about wine and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allah makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأعْنَتَكم إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، الخَمْرُ: هي المُعْتَصَرُ مِنَ العِنَبِ إذا غَلى واشْتَدَّ وقَذَفَ بِالزَّبَدِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن خَمَرَ إذا سَتَرَ، ومِنهُ خِمارُ المَرْأةِ، وتَخَمَّرَتْ واخْتَمَرَتْ، وهي حَسَنَةُ الخِمْرَةِ، والخَمْرُ ما واراكَ مِنَ الشَّجَرِ وغَيْرِهِ، ودَخَلَ في خِمارِ النّاسِ وغِمارِهِمْ أيْ: في مَكانٍ خافٍ، وخَمْرُ فُتاتِكم، وخامِرِي أُمَّ عامِرٍ، مِثْلَ الأحْمَقِ، وخامِرِي حَضاجِرِ أتاكِ ما تُحاذِرِ، وحَضاجِرُ: اسْمٌ لِلذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ السِّباعِ، ومَعْناهُ: ادْخُلِي الخَمْرَ واسْتَتِرِي. فَلَمّا كانَتْ تَسْتُرُ العَقْلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وقِيلَ: لِأنَّها تُخَمِّرُ أيْ تُغَطِّي حَتّى تُدْرِكَ وتَشْتَدَّ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُخامِرُ العَقْلَ، أيْ: تُخالِطُهُ، يُقالُ: خامَرَ الدّاءُ: خالَطَ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُتْرَكُ حِينَ تُدْرَكُ، يُقالُ: اخْتَمَرَ العَجِينُ بَلَغَ إدْراكُهُ، وخَمَّرَ الرَّأْيَ تَرَكَهُ حَتّى يُبَيَّنَ فِيهِ الوَجْهُ، فَعَلى هَذِهِ الِاشْتِقاقاتِ تَكُونُ مَصْدَرًا في الأصْلِ وأُرِيدَ بِها اسْمُ الفاعِلِ أوِ اسْمُ المَفْعُولِ.

المَيْسِرُ: القِمارُ، وهو مَفْعِلٌ مِن يَسَرَ، كالمَوْعِدِ مِن وعَدَ، يُقالُ: يَسَّرْتُ المَيْسِرَ، أيْ: قامَرْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎لَوْ تَيْسِرُونَ بِخَيْلٍ قَدْ يَسَرْتُ بِها وكُلُّ ما يَسَرَ الأقْوامُ مَغْرُومُ

واشْتِقاقُهُ مِنَ اليُسْرِ وهو السُّهُولَةُ، أوْ مِنَ اليَسارِ لِأنَّهُ يَسْلُبُ يَسارَهُ، أوْ مِن يَسَرَ الشَّيْءُ إذا وجَبَ، أوْ مِن يَسَرَ إذا جَزَرَ، والياسِرُ الجازِرُ، وهو الَّذِي يُجَزِّئُ الجَزُورَ أجْزاءً، قالَ الشّاعِرُ:

؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ تَيْسِرُونَنِي: ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ ؟

وسُمِّيَتِ الجَزُورُ الَّتِي يُسْهَمُ عَلَيْها مَيْسِرًا لِأنَّها مَوْضِعُ اليَسَرِ، ثُمَّ قِيلَ لِلسِّهامِ مَيْسِرٌ لِلْمُجاوَرَةِ، واليَسَرُ: الَّذِي يَدْخُلُ في الضَّرْبِ بِالقِداحِ، وجَمْعُهُ أيْسارٌ، وقِيلَ: يَسَرٌ جَمْعُ ياسِرٍ، كَحارِسٍ وحَرَسٌ وأحْراسٌ. وصِفَةُ المَيْسِرِ أنَّهُ عَشَرَةُ أقْداحٍ، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ، وهي: الأزْلامُ، والأقْلامُ، والسِّهامُ، لِسَبْعَةٍ مِنها حُظُوظٌ، وفِيها فُرُوضٌ عَلى عِدَّةِ الحُظُوظِ: القَدُّ، ولَهُ سَهْمٌ واحِدٌ؛ والتَّوْأمُ، ولَهُ سَهْمانِ؛ والرَّقِيبُ، ولَهُ ثَلاثَةٌ؛ والحِلْسُ، ولَهُ أرْبَعَةٌ؛ والنّافِسُ، ولَهُ خَمْسَةٌ؛ والمُسْبِلُ ولَهُ سِتَّةٌ؛ والمُعَلّى ولَهُ سَبْعَةٌ؛ وثَلاثَةُ أغْفالٍ لا حُظُوظَ لَها، وهي: المَنِيحُ، والسَّفِيحُ، والوَغْدُ، وقِيلَ: أرْبَعَةٌ وهي: المَصْدَرُ، والمُضْعِفُ، والمَنِيحُ، والسَّفِيحُ. تُزادُ هَذِهِ …

Al-Baqara 2:219Listen in Qur'an →
220

فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allah knows the corrupter from the amender. And if Allah had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَتَحَرَّجُونَ مِن مُخالَطَةِ اليَتامى في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ وغَيْرِهِما، ويَتَجَنَّبُونَ أمْوالَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠]؛ تَجَنَّبُوا اليَتامى وأمْوالَهم وعَزَلُوهم عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيَّبِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وكانَ تَرْكُهُما مَدْعاةً إلى تَنْمِيَةِ المالِ، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنِ النَّفَقَةِ، وأُجِيبُوا بِأنَّهم يُنْفِقُونَ ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، ناسَبَ ذَلِكَ النَّظَرُ في حالِ اليَتِيمِ، وحِفْظُ مالِهِ، وتَنْمِيَتُهُ، وإصْلاحُ اليَتِيمِ بِالنَّظَرِ في تَرْبِيَتِهِ، فالجامِعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ في تَرْكِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ إصْلاحَ أحْوالِهِمْ أنْفُسِهِمْ، وفي النَّظَرِ في حالِ اليَتامى إصْلاحًا لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عاجِزٌ أنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ النَّفْعِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ السّائِلَ جَمَعَ الِاثْنَيْنِ بِواوِ الجَمْعِ وهي لِلْجَمْعِ بِهِ، وقِيلَ بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: السّائِلُ ثابِتُ بْنُ رِفاعَةَ الأنْصارِيُّ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وقِيلَ: السّائِلُ مَن كانَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَشاءَمُ بِخَلْطِ أمْوالِ اليَتامى بِأمْوالِهِمْ؛ فَأعْلَمَ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنَما كانَتْ مُخالَطَتُهم مَشْئُومَةً لِتَصَرُّفِهِمْ في أمْوالِهِمْ تَصَرُّفًا غَيْرَ سَدِيدٍ، كانُوا يَضَعُونَ الهَزِيلَةَ مَكانَ السَّمِينَةِ، ويُعَوِّضُونَ التّافِهَ عَنِ النَّفِيسِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾، الإصْلاحُ لِلْيَتِيمِ بِتَناوُلِ إصْلاحِهِ بِالتَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، وإصْلاحِ مالِهِ بِالتَّنْمِيَةِ والحِفْظِ. و”إصْلاحٌ“: مُبْتَدَأٌ، وهو نَكِرَةٌ، ومُسَوِّغُ جَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ هُنا هو التَّقْيِيدُ بِالمَجْرُورِ الَّذِي هو ”لَهم“، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوَصْفِ، أوْ عَلى سَبِيلِ المَعْمُولِ لِلْمَصْدَرِ، و”خَيْرٌ“: خَبَرٌ عَنْ إصْلاحٍ، وإصْلاحٌ كَما ذَكَرْنا مَصْدَرٌ حُذِفَ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ ”خَيْرٌ“ شامِلًا لِلْإصْلاحِ المُتَعَلِّقِ بِالفاعِلِ والمَفْعُولِ، فَتَكُونُ الخَيْرِيَّةُ لِلْجانِبَيْنِ مَعًا، أيْ أنَّ إصْلاحَهم لِلْيَتامى خَيْرٌ لِلْمُصْلِحِ والمُصْلَحِ؛ فَيَتَناوَلُ حالَ اليَتِيمِ والكَفِيلِ، وقِيلَ: خَيْرٌ لِلْوَلِيِّ، والمَعْنى: إصْلاحُهُ لِلْيَتِيمِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ ولا أُجْرَةٍ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا، وقِيلَ: ”خَيْرٌ“ عائِدٌ لِلْيَتِيمِ، أيْ: إصْلاحُ الوَلِيِّ لِلْيَتِيمِ، ومُخالَطَتُهُ لَهُ خَيْرٌ لِلْيَتِيمِ مِن إعْراضِ الوَلِيِّ عَنْهُ، وتَفَرُّدِهِ عَنْهُ، ولَفْظُ ”خَيْرٌ“ مُطْلَقٌ؛ فَتَخْصِيصُهُ بِأحَدِ الجانِبَيْنِ يَحْتاجُ إلى مُرَجِّحٍ، والحَمْلُ عَلى الإطْلاقِ أحْسَنُ. وقَرَأ طاوُسٌ: ”قُلْ إصْلاحٌ إلَيْهِمْ“، أيْ: في رِعايَةِ المالِ وغَيْرِهِ خَيْرٌ مِن تَحَرُّجِكم، أوْ خَيْرٌ في الثَّوابِ مِن إصْلاحِ أمْوالِكم.

﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾، هَذا التِفاتٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ”ويَسْألُونَكَ“، فالواوُ ضَمِيرٌ لِلْغائِبِ، وحِكْمَةُ هَذا الِالتِفاتِ ما في الإقْبالِ بِالخِطابِ عَلى المُخاطَبِ لِيَتَهَيَّأ لِسَماعِ ما يُلْقى إلَيْهِ وقَبُولِهِ والتَّحَرُّزِ فِيهِ، فالواوُ ضَمِيرُ الكُفَلاءِ، وهم ضَمِيرُ …

Al-Baqara 2:220Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.